كريم المظفراتصالات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اليومين الماضيين، ومكالماته الهاتفية مع الرؤساء الكازاخي قاسم جومارت توكاييف والبيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينان، والرئيس القرغيزي صابر جباروف الطاجيكي إمام علي رحمانوف، لمناقشة الوضع في كازاخستان والخطوات المشتركة في إطار صلاحيات منظمة معاهدة الأمن الجماعي لمكافحة الإرهاب الدولي، وبهدف ضمان النظام وكذلك أمن مواطني كازاخستان، أسهمت بحسب الناطق باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف في التوصل إلى قرار حول هدف مهمة قوات حفظ السلام، وهو منع تسلل العصابات إلى كازاخستان من خارج الحدود، والتأكيد أن "هذا ضروري حتى يتمكن شعب كازاخستان نفسه، من حل مشاكله الداخلية بشكل مستقل".

مواجهة المتظاهرين " المتمردين " على السلطة في كازاخستان التي قال عنها الرئيس الكازاخي " بأنها خضعت لتدريب جاد في الخارج، ويمكن ويجب اعتبار هجومها على كازاخستان بمثابة عمل عدواني"، والتي تعدت المطالب بخفض أسعار الغاز إلى أعمال شغب سياسية تطالب بمغادرة منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وقطع العلاقات مع روسيا وبيلاروسيا، والعديد من الأشياء الأخرى المثيرة للاهتمام التي عادة ما تبدو في الجمهوريات السوفيتية السابقة خلال الثورات الملونة، ووصلت إلى أعمال " تخريبية " بمشاركة ( 20 ) ألف شخص، استهدفت جميع الإدارات المحلية والدوائر الحكومية والمحلات التجارية وقتل رجال نفاذ القانون، والعثور على أثنين منهما مقطوعي الرأس، وأثارت الرعب والخوف لدى المواطنين، ما استدعى الرئيس الكازاخي قاسم توكاييف بالاستنجاد بقوات حفظ السلام التابعة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تضم كل من (روسيا وكازاخستان وأرمينيا وبيلاروسيا و قرغيزستان و طاجكستان )، لتصبح أول مهمة من هذا الشكل في تاريخ المنظمة التي تم التوقيع عليها في مايو 1992 في طشقند، وبعد 10 سنوات - في مايو 2002 - قررت الأطراف في المعاهدة تحويلها إلى منظمة دولية، لذلك، في عام 2022، يبلغ عمر المعاهدة 30 عامًا، ويبلغ عمر منظمة معاهدة الأمن الجماعي نفسها 20 عامًا.

الرئيس الروسي، بتحركاته واتصالاته، وضع قوات حفظ السلام التابعة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي في اختبار حقيقي، يهدف من خلاله التعريف بهذه القوات وسرعة تنفيذها للواجبات وتأكيد قدراتها القتالية واستعدادها الميداني لتنفيذ المهام التي أنشأت من أجلها، ووفقا للمراقبين فانه في حالة التواجد الناجح للوحدة في جمهورية كازاخستان، ستصل منظمة معاهدة الأمن الجماعي إلى مستوى جديد، وتثبت "جدواها" وقدرتها على حل المشكلات المتعلقة بالأمن على أراضي الدول التي هي جزء من هذا الهيكل، وسيكون نجاح بعثة منظمة معاهدة الأمن الجماعي في كازاخستان بمثابة إشارة واضحة إلى أن أي استفزازات في الدول الأعضاء يمكن قمعها بسرعة وبشكل منظم أو، كما يقولون، مضاعفة الصفر، وهذه إشارة إلى الخدمات الخاصة الأجنبية، التي لا تزال غير غريبة على أساليب استخدام العناصر المدمرة (حتى الجماعات الإرهابية) لتقويض الوضع في بعض الدول، وإذا نجحت منظمة معاهدة الأمن الجماعي في كازاخستان، يمكن أن تصبح أساسًا لمواجهة "الثورات الملونة"، خاصة في منطقة ما بعد الاتحاد السوفيتي.

ووفقا للأنباء التي ترد حتى الآن، فإن هناك نجاحات مستمرة لقوات حفظ السلام سواء في استعادة المطار في العاصمة الما آتا، وان كانت هناك تقارير من ألماتا حول عملية "التطهير" الجارية في المدينة من مذابح وإرهابيين، والتي تتحول بشكل دوري إلى معارك شوارع حقيقية، فإن الهدوء النسبي في المدينة بات ملحوظا، وكذلك الهدوء التدريجي في المدن التي شهدت هذه الاضطرابات، وبهذا التقدم السريع، بدأت تتغير الأحداث بسرعة متغيرة حقا والنتائج النهائية لمجموعات التمريرات المتعددة، والتي كان تخطيطها وتطويرها غير مرئي للجميع، ومع ذلك، وعلى الرغم من حقيقة أن المأساة هناك لا تزال بعيدة جدًا عن نهايتها، فمن الممكن بالفعل التأكيد بثقة تامة بأن القوى المدمرة التي تسببت في هذا الجحيم الدموي تعرضت لهزيمة ساحقة، علاوة على ذلك، في هذه الحالة لا نتحدث فقط عن المحاولة الفاشلة للانقلاب "الملون" التالي، ولكن عن أشياء أكثر جدية وعالمية.

وبدلاً من محاولة إضعاف موقف روسيا في المفاوضات المقبلة مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، المصيرية للعالم بأسره، تعمل الأزمة في كازاخستان، أو بالأحرى المسارات التي تم اختيارها بالفعل لحلها، على تقويتها عدة مرات، وقد تحقق التأثير، ليس فقط بشكل مباشر، بل على العكس من ذلك الذي كان يأمله منظمو "الميدان"، وسيكون من الأسهل بالتأكيد لممثلي روسيا التحدث عن ضمان السلام والأمن في "فضاء ما بعد الاتحاد السوفيتي" بعد هذا العرض الرائع لقدراتهم الخاصة في هذا الشأن.

ويشدد المراقبون على استحالة عدم ذكر أن "الميدان" الكازاخستاني يبدو إلى حد ما "خطأ"، أو بالأحرى غير نمطية، فعادة، يتم تنفيذ جميع الأنشطة من هذا النوع وفقًا لنفس النوع من "الكتيبات"، ومع ذلك، في ألما تا وغيرها من المناطق المأهولة بالسكان في البلاد المغطاة باحتجاجات يُفترض أنها "عفوية"، لم يتم الكشف عن سمة العمل القياسية لجميع "الثورات الملونة" التي يتم إجراؤها وفقًا للسيناريوهات الخارجية، في مسارها، يبدو أن كل شيء يبدأ بمظاهرات سلمية، وبعد فترة فقط يبدأ إراقة الدماء والمذابح والاستيلاء الإرهابي على الهيئات الحكومية.

ووفقًا للقوالب القياسية، كان من المفترض أن يقوم المشاغبون بالبقاء في الميدان لبعض الوقت، وبناء بلدة كاملة من الخيام ( وفقًا للمواصفات المحلية)، ورددوا شعارات غبية (بشكل مثير للريبة نفس الشيء في كل "ميدان"، أينما استغرق الأمر المكان)، وطرح متطلبات غير عملية، مثل "المعاناة من وحشية الشرطة" - و دفع المتسكعون الذين تجاوزوا العمر الذين يتظاهرون بأنهم "أطفال" تحت هراوات الشرطة وخراطيم المياه وحصلوا على "الصورة الصحيحة" المناسبة لقنوات التلفزيون الغربية، ومن ثم الانتقال، وهي القيام بإيماءة عاجزة - يقولون،" لم نكن نريد أي شيء من هذا القبيل، لكن "النظام الإجرامي" ب "فظائعه" دفع "الناس" إلى العنف والتي كانت بالطبع "متبادلة"، وفي هذه الحالة، تومض كل هذه "المقدمات"، كما لو تم التقاطها بالتصوير السريع ليتحول بعد ذلك "المقاتلون من أجل الديمقراطية"، إلى عصابات مسلحة من المذابح واللصوص.

ودعوة مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشليت إلى سلطات كازاخستان وممثلي منظمة معاهدة الأمن الجماعي، الذين يحاولون استعادة النظام في هذه الفوضى الدموية، "احترام جميع الالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات دون قيد أو شرط"، لم يفاجئ أحدًا، في الواقع، لم يفاجأ أحد بها لفترة طويلة، لكن حول الحاجة إلى "الإفراج غير المشروط" عن كل مشارك في أعمال الشغب والمذابح الدموية في كازاخستان على أساس أنهم "مارسوا حقهم في الاحتجاج السلمي" شيء يفوق الخير والشر .. وعلى ما يبدو فإن السيدة ليست على علم بعشرات القتلى من ضباط الجيش والشرطة ومنهم من عُثر عليهم مقطوع الرأس ؟! وما يقرب من المئات من زملائهم أصيبوا على أيدي "المتظاهرين السلميين"؟ ومن الواضح أن البيان تم إعداده في وقت مبكر، لكنهم لم يفكروا في تصحيحه، أو الأفضل - التزام الصمت، وخلاف ذلك، يجب أن نتحدث عن عيادة غير مشروطة لا يمكن علاجها.

نداء الزعيم الكازاخستاني إلى أعلى هيئة في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، مجلس الأمن الجماعي، لم يُنظر إليه فقط دون أدنى تأخير، ولكن أستجيب لها بسرعة البرق، ووصل أول مظلي روسي إلى البلاد حرفياً في غضون ساعات، وبادئ ذي بدء، هذا يعني أنه في مجال الذكاء وتتبع حالات الأزمات، لا يزال يتعين على خصوم النجوم والأشرطة أن يتعلموا ويتعلموا من روسيا، كيف " للمشاة المجنحين" دائمًا أن يكونوا على استعداد للاندفاع لتنفيذ مهمة قتالية، وكيف تم تنظيم نقل قوات حفظ السلام بسرعة ومهنية وسلاسة.

تصريحات ممثلة وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس، بأن البيت الأبيض مستعد لمساعدة كازاخستان في حل النزاع مع المحتجين، لا تثير إلا السخرية التامة، فمن جانب أنها تدعو إلى احترام حقوق الإنسان لدعم التسوية السلمية، في الوقت الذي لا تحترم الولايات المتحدة، أي مبدأ من مبادئ حقوق الإنسان في أي مكان، ومن جانب آخر تريد المساعدة في حل الأزمة في كازاخستان، في وقت أنها ومنذ ( 20 ) عاما لم تساعد  لا الأفغان ولا العراقيين ولا سوريين ولا الليبيين ولا البيلاروسيين " حتى يتمكنوا اليوم من مساعدة الكازاخ !!!

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

مرت حوالي ثلاثة اشهر منذ انتخابات تشرين التي لم يشترك فيها الا اقل من 20% من الذين يحق لهم التصويت وما جرى خلال الاشهر الماضية اثبت صحة مقاطعة هذه العملية ومخرجاتها، التي رغم مساوئها افرزت بعض الظواهر التي ينبغي التوقف عندها واول هذه النتائج معاقبة الذين اشتركوا في الانتخابات لعدد من المليشيات المسلحة كالعصائب وبدر مما افقدهم صوابهم وحاولوا بتهديد السلاح تغيير النتائج، والقضية الثانية فوز عدد من النشطاء المشاركين سابقا في انتفاضة تشرين 2019 بعدد من المقاعد البرلمانية لانهم قرروا المشاكة في الانتخابات وسوف تثبت تجربة البرلمان القادم ان كان بامكانهم كمستقلين ان يسببوا ولو خدشا في نظام المحاصصة الطائفي الفاشل المعزول والذي انتهت صلاحينه منذ سنين .

النقطة الثالثة هو تمكن المالكي من حصد عدد لا يستهان به من المقاعد رغم ان مكانه الحقيقي هو في السجن بعد محاكمتة على تسليم ثلث العراق لداعش وسرقة وهدر المليارات خلال حكمه التعيس لثماني سنوات ولكنه تمكن خلالها من رشوة الكثيرين من زعماء العشائر من ضعفاء النفوس الذين يباعون ويشترون اضافة الى وجود مجامبع لا زالت مخدوعة بوعود واكاذيب هؤلاء الفاشلين، والنقطة الاخرى نجاح الصدريين في حصد عدد لا يستهان به من المقاعد رغم سجلهم الاسود منذ معاداتهم لللانتفاضة وارتكاب جرائم اغتيال عدد لا يستهان به من شهداء الانتفاضة في بغداد والناصرية والنجف وكربلاء واعتدااتهم المتكررة على الشبان كما ان التيار الصدري مشارك في كافة الحكومات السابقة و في عمليات النهب والسلب وبعيد كل البعد عن اية عملية اصلاح حقيقية .

لقد فوجئت الجماعات المسلحة بخسائر مدوية جعلتهم يفقدون صوابهم ويرفضون ابعادهم عن الحكومة ويصرون على مواصلة تقسيم الغنائم وفق المحاصصة الطائفية القومية الفاشلة والبعيدة عن مصالح الشعب فكل المجاميع ترفض (عدى المستقلين) ان تكون معارضة والمؤسف عدم وجود قضاء مستقل غير خاضع لنفوذ احزاي الاسلام السياسي الجاثمة على صدر العراقيين، اما شعار الاغلبية الوطنية فهو مطروح للاستهلاك الاعلامي لاغير وهي نفس المحاصصة السابقة مغلفة بغلاف جديد كاذب والنتيجة ان جميع المشاركين في العملية الفاسدة متوافقين على تقسيم المغانم ومواصلة نهب خيرات الشعب دون تحقيق اي انجاز على صعيد اي من المجالات الحيوية لتخفيف معاناة الناس سواء في توفير الكهرباء او السكن او الصحة والتربية والتعليم الذي وصل العام الحالي الى مستوى عدم توفر الكتب واللوازم المدرسية ااضافة الى عدم معالجة الغلاء المستفحل بسبب تخفيض سعر الدينار مقابل الدولار او التصدي لوتائر الفقر المستفحلة في محافظات الجنوب ويزداد الوضع الامني سوءا كما نعكس مؤخرا في مجزرة ناحية جبلة في بابل والتي ارتكبتها قوات حكومية رسمية راح ضحيتها عشرين شهيدا من النساء والاطفال والشباب .

لقد ابتلى العراق في المرحلة الراهنة برئيس وزراء فاشل غير كفوء ومراوغ كذاب فشل في تحقيق الوعود التي قطعها وفي مقدمتها الكشف عن قتلة شباب الانتفاضة وتقديمهم للمحاكمة وعجز عن التصدي للمليشيات الولائية وانهارت هيبة الدولة واهين موقع رئاسة الوزراء بشكل مقرف عبر عن عجزه للتصدي للسلاح المنفلت ومجاراته للمصالح الدولية والاقليمية على حساب مصلحة الشعب العراقي وهو يعجز عن مصارحة الشعب العراقي باستمرار بقاء القوات الامريكية ويحاول تمرير خدعة بقاء تلك القوات كمستشارين في حين لايوجد مثل هذا التوصيف لاية قوات امريكية متواجدة في المئات من القواعد العسكرية في مختلف بلدان العالم كما فشل في اتخاذ اية خطوات حقيقية في محاكمة حيتان الفساد الكبار واخيرا وبالرغم من استعادة الموصل من داعش منذ سنين فلا زال يعمها الخراب والجثث تحت الانقاض .

ان بوادر العملية السياسية الراهنة تؤشر الى اعادة تدوير نفس العناصر الفاشلة والفاسدة واختفت شعارات الاصلاح والوعود الكاذبة التي بثتها الاحزاب الطائفية في حملاتها الانتخابية واشغلت ابواقهم الاعلام من جديد بنفس مطالبات توزيع الكعكة العراقية بعيدا عن هموم الشعب ومعانته المتواصلة طيلة سنوات حكمهم البغيض لتضاف الى معاناته السابقة من الحكم الفاشي الدموي وحروبه العبثية والحصار الجائر الظالم الذي فككك بنية المجتمع العراقي ومحاولة فرض الطائفية والقومية مما يعني تجاهل مبدأ المواطنة وتكريس التفرقة والتي يعبر عنها ازلام السلطة احيانا بصراحة ودون خجل كما صرح رئيس برلمان سابق يطرح اسمه الان مجددا للحصول على نفس المنصب حيث قال لافظ فوه عن اختيار رئيس الوزراء قائلا " يمعود أحنا اشعلينا نزيه فاسد، كفوء فاشل، تكنوقراط معمم، وسخ نظيف مالنا شغل...أحنا ينطونا مالاتنا وهاي هيه، ومالاتنا مبينات: 6 مناصب وزاريه و9 مناصب هيئات و60 درجة مدير عام واللي ينطينا 61 نكَله هلا بيك "

ان حكومة تصريف الاعمال الحالية التي تشكلت عقب نجاح الانتفاضة في اسقاط حكومة الجزار عادل عبد المهدي هي حكومة يسعى رئيسها على البقاء لدورة ثانية عبر تنفيذ ما يخدم مصالح دول الجوار حيث نجح في تعطيل مشروع ميناء الفاو الحيوي لمستقبل العراق لاقتصادي عبر منحه لشركة كورية دون توفير التخصيصات المالية ليتوقف العمل فيه خدمة لميناء مبارك الكويتي وليس هذا فحسب بل وقعت حكومته تجاوزا لصلاحياتها مذكرة مع ايران للربط السككي للشلامجة مع البصرة، اما بالنسية لتركيا فلا زالت قواتها مقيمة في قواعد عسكرية شمال العراق وبسبب ضعف حكومة المحاصصة الاسلاموية تتدخل كافة دول الجوار وتقوم بفرض ارادتها وتتدخل حتى في تشكيل الحكومة القادمة .

ان ما حصل خلال السنتين الماضيتين منذ انتفاضة تشرين الاول 2019 من تغيير قانون الانتخابات وتغيير المفوضية وتشكيل حكومة موقتة واجراء انتخابات مبكرة قد جاء بدون شك بسبب تضحيات شباب الانتفاضة ولذلك ليس بوسع المجاميع الفاسدة الحاكمة ارجاع عقارب الساعة للوراء خاصة وان ابناء العراق الغيارى مصصمين على استرداد حقوقهم والتخلص من الزمر الفاسدة الحاكمة المهتمة بمصالحها الانانية فقط وهي في واد بعيد جدا عن تلبية امال وتطلعات العراقيين في العيش الانساني الكريم الذي سوف يتحقق عبر هبات قادمة اشد تصمبما وقوة تخلص العراقيين من معاناتهم المستمرة لعقود .

 

محمد الموسوي

 

 

 

مهند محمد البياتيانتقد الكثيرون النظام الانتخابي الحالي واعتبروه احد الأسباب الرئيسية لخسارة بعض الكتل والأحزاب، مقارنة بما حققته هذه الكتل والأحزاب عام 2018، متناسين او غير عارفين بان هذا النظام الانتخابي ليس بجديد على العراق، فلقد صادق المجلس النيابي العراقي بجلسته المنعقدة في 3 حزيران 1950على تقسيم العراق الى 72 منطقة انتخابية موزعة على متصرفياتها-محافظاتها الأربعة عشر، وكان عدد النواب 134 نائبا، 128 منهم للانتخاب العام و6 للأخوة المسيحيين، ثلاثة منهم في الموصل واثنان في بغداد ومقعد واحد في البصرة، وطبق هذا النظام على المجلس النيابي الذي تم انتخابه عام 1953، وعلى المجلس الذي تبعه عام 1958 والذي لم يجتمع بسبب تغيير نظام الحكم في 14 تموز 1958.

كان المجلس النيابي هيئة انتخابيه تمثيلية تؤلف على أساس نائب واحد عن كل 20 ألف نسمة من السكان الذكور الذين يحق لهم التصويت، ولم تكن هنالك حصة للنساء، لأنها أصلا لم يكن لها حق التصويت.  وتم تقسيم بغداد الى 13 دائرة انتخابية عدد نوابها 18 نائبا.

اما الان فلقد تم تقسيم بغداد الى 17 دائرة انتخابية، وعدد نوابها هو 69 نائب عدا حصة الأقليات، وهي واحد للمسيحيين والأخرى للصابئة، منها على الاقل 17 مقعدا للنساء، وحصلت 13 نائبة على مقعد نيابي باستحقاقها التصويتي في 11 دائرة انتخابية، في حين لم تحصل النساء في ستة دوائر انتخابية على مقعد، لذلك يجب ان تصعد أربع مرشحات حسب حصة-كوته النساء وكما هو مقرر في قانون الانتخابات.

كانت نتائج النساء في هذه الانتخابات ممتازة مقارنة بالانتخابات السابقة، فلقد حصلت ثلاثة من المرشحات على اعلى الأصوات في دوائرهن وهن عائشة المساري في الدائرة السادسة، وعالية نصيف في الدائرة 11 ووحده الجميلي في الدائرة 14، إضافة لذلك صعدت مرشحتان اثنتان بأصواتهن في نفس الدائرة وهن عالية نصيف العبيدي ونسرين الحجيمي في الدائرة 11 وكذلك ليلى التميمي وسهيلة النجم في الدائرة 15، واذا دققنا في نتائج 2018، نجد ان من ضمن السبعة عشر نائبة فازت فقط ثلاث نائبات بأصواتهن وهن ماجدة عبد اللطيف الأولى في سائرون وانعام مزيد وترتيبها 14 في سائرون إضافة الى عالية نصيف وكان ترتيبها السابع في دولة القانون. اما الاخريات فلقد أصبحن نائبات بسبب الحصة النسائية.

ولقد حصلت 13 من النساء على مقعد لها حسب عدد اصواتها، وفشلت النساء في ستة دوائر على الحصول على مقعد لها، وكان من المفترض ان تجري عملية استبدال حسب المادة 16 البند خامسا من قانون الانتخابات، والتي تنص على ما يلي:

يتم توزيع كوتا النساء في حالة عدم تحققها وفق البند رابعا على النحو التالي:

أ- إضافة مقعد واحد افتراضي الى عدد النساء الفائزات لكل دائرة انتخابية.

ب- يقسم العدد الحاصل نتيجة العملية في الفقرة أ على العدد الإجمالي للمقاعد المخصصة للدائرة الانتخابية لتحديد النسبة المئوية للفائزات من النساء في حالة الزيادة.

ج- يضاف مقعد واحد لعدد مقاعد النساء للدائرة الانتخابية التي حصلت على اقل نسبة مئوية.

د- اذا لم يتم استكمال العدد المطلوب لمقاعد النساء المخصصة للمجلس وفقا لما ورد في الفقرات أ، ب، ج سيكون هنالك عملية جديدة تبدأ من الفقرة أ مع حساب الزيادة التي حصلت مسبقا في الفقرة ج.

سادسأً: تتم هذه العملية حتى يصل العدد الإجمالي للنساء الى العدد المخصص للمجلس.

انتهى الاقتباس، وهنا نجد ان عدد النساء الفائزات بأصواتهن هن 13 فقط ، لذلك عند تطبيق المادة خامسا اول مرة، سنرى بان اقل نسبة مئوية هي 20 بالمائة في الدائرة 12، لذلك ستحل السيدة ذات اعلى الأصوات من المرشحات وهي شيماء جعفر العبيدي من الكتلة الصدرية محل علي جاسم الغزي من الكتلة الصدرية، وبهذا سيصبح عدد السيدات 14  ولايزال هذا العدد اقل من 17، لذلك ستتكرر العملية من جديد، وفي هذه الحالة كان اقل الكسور هو 25 بالمائة في الدائرتين 1  و13 وهنا سيتم إحلال سعدة عادل الحسيناوي من الكتلة الصدرية محل رياض غالي مفتن من الكتلة الصدرية، وكذلك إحلال سناء عودة اللهيبي من تقدم بدلا من فوزي محمد حسين من المشروع الوطني، وبذلك يصبح عدد النساء 16، وهذا اقل من حصة النساء، لذلك سيتم اجراء الحسابات من جديد، واقل قيمة هي 33 وهي في الدوائر 8 و10 و16، وبما ان الحاجة هي لاستبدال مرشح فائز واحد، لذلك كان يجب اجراء قرعة لمعرفة الدائرة التي سيتم الاستبدال فيها، وهذا سوف لن يتم الا بعد استكمال النظر في الاعتراضات وموافقة المحكمة العليا على النتائج، وقد تتغير هذه النتائج بسبب التغييرات التي قد تحصل بسبب الاعتراضات، الا ان الامر تم على اعتبار انه من الضروري صعود امرأة واحدة من كل دائرة انتخابية، وهذا الامر لم يكن متواجدا في قانون الانتخابات، وهذا الامر يعتبر خرقا واضحا لقانون الانتخابات والذي حدد السيل الواجب اتخاذها عندما لا يستكمل العدد المطلوب في كل محافظة، وليس في كل دائرة انتخابية.

وقد أخطأت المفوضية العليا المستقلة عند إعلانها عن نتائج الانتخابات النهائية في البداية، واعتبرت بانه يجب ان تصعد نائبة واحدة على الأقل من كل دائرة، واشرت على مرشحة واحدة على الأقل في كل دائرة بانها فائزة، ولكنها تداركت الامر لاحقا، ورفعت إشارة الفائز على المرشحين لاحقا، وبعدها عادت لتجعل مرشحة واحدة على الأقل تصعد لمجلس النواب عن كل دائرة انتخابية.

نلاحظ ان عدد المترشحين للانتخابات كان عاليا وبلغ 912 متنافسا على 69 مقعد، ولكنه قليل جدا بالمقارنة مع انتخابات 2018 حيث بلغ عددهم حينها 2201 مرشح، وهذا الانخفاض كان بسبب النظام الانتخابي الجديد، والذي منع من ان المقاعد توزع حسب مجموع أصوات الكتل والأحزاب، بل حسب أصوات كل مرشح. لذلك انتهت حالة الأصوات المغالية التي كان يحصل عليها رئيس الحزب او الكتلة، ففي حين حصل نوري المالكي على اكثر من 102 الف صوت وسهل الامر لنائبة لها 2059 صوتا للصعود للبرلمان، وكذلك هادي العامري الذي جمع اكثر من 63 الف صوت وساهم في صعود نائبة لها 2375 صوت، كما حصل مع ماجدة التميمي والتي حصلت على اكثر من 55 الف صوت وساهمت في صعود شيماء علي والتي جمعت 3716 صوت فقط ونفس الشيئ تكرر مع حيدر العبادي الذي جمع ما يقارب من 60 الف صوت وساهم في صعود ندى شاكر والتي جمعت 1549 صوت فقط، ونفس الشيء بالنسبة الى اياد علاوي والذي جمع اكثر من 28 الف صوت وساهم في صعود زيتون حمادي والتي جمعت 2968 صوت، وجميع هؤلاء الرؤساء لم يشاركوا في هذه الانتخابات، لان النظام الانتخابي تغير، ولم يعد باستطاعتهم تحويل أصواتهم الى اخرين، لذلك نجد الان ان اعلى صوت حصل عليه مرشح هو حاكم الزاملي والذي جمع 23260 صوت عن الدائرة الثانية وتلاه حسن كريم الكعبي من نفس الدائرة حاصلا على 21551 صوت، واما اقل صوت حصل عليه فهو للنائبة مديحه حسن عذيب دبس المكصوصي من الفتح والتي رشحت عن الدائرة 8 وحصلت على 2462 صوتا، وصعدت حسب حصة-كوته النساء.

لقد رشح 40 شخص من نواب 2018 السابقين في هذه الانتخابات اثنان منهم من خارج بغداد، وهم خالد العبيدي من تحالف النصر في نينوى والذي حصل على اكثر من 72 الف صوتا عام 2018، ولكنه رشح نفسه على قائمة عزم في الدائرة السادسة وحصل على 4538 صوتا بعد الاعتراض، واصبح نائبا وبفارق 3 أصوات عن عباس حسين الجبوري والذي كان في النتائج الأولية هو المرشح للمقعد النيابي. إضافة الى هيثم الجبوري والذي ترشح عن الدائرة 12 وحصل على 2275 صوت فقط وبترتيب 16، علما بانه جمع عام 2018 على 6849 صوت. وخسر 20 نائبا مقعده وكان أكثر الخاسرين للأصوات من نواب بغداد عبد الحسين عبد الرضا حيث انخفضت اصوته من أكثر من 34 ألف صوت عام 2018 الى 2786 صوتا الان، في حين حافظ 20 نائب على مقعده وكان أكبر الفائزين بأصوات جديدة هي عالية نصيف حيث ارتفعت اصواتها من 3327 عام 2018 الى 17811 صوت عام 2021.

واظهرت نتائج الانتخابات بان توزيع الدوائر الانتخابية جغرافيا لم تكن عادلة، وكان هنالك تفاوت كبير بين عدد المقاعد المخصصة لكل دائرة انتخابية وبين عدد من يحق لهم التصويت في تلك الدائرة، ومن المعلومات التي وضعتها الهيئة المستقلة للانتخابات نجد بان الدائرة الثامنة مثلا، كانت فيها اعلى نسبة للناخبين الى عدد المقاعد، ففي حين ان عدد الناخبين الذين يحق لهم التصويت في هذه الدائرة هو 300762 شخص أعطيت لهذه الدائرة 3 مقاعد، أي ان حصة كل مقعد في هذه الدائرة هو    100254 ناخب  وهذا لا يشمل ناخبي الخارج وهذا الرقم كبير وكان من المفترض ان تعطى لهذه الدائرة اربع مقاعد، في حين ان الدائرة العاشرة والتي فيها عدد الناخبين هو 57408 كان لها ثلاث مقاعد أيضا، وهذا تفاوت كبير بين حصة كل مقعد من أصوات الناخبين، وعلى المجلس النيابي القادم تعديل المناطق الانتخابية وتقسيمها بشكل عادل، والامر يتطلب اجراء تعداد سكاني، حيث كان من المفترض اجراء التعداد السكاني عام 2007، وهذا عرف جرى الاخذ به منذ العام 1937 حيث كان يجري تعداد عام كل عشر سنبن واستمر المر لغاية العام 1997، ولكن تم تأجيل الامر في كل مرة، ومضى اكثر من 25 عام من دون تعداد عام للعراق. والامر الاخر المهم هو نسبة المصوتين في كل دائرة انتخابية، ونجد ان اعلى نسبة للتصويت كان في الدائرة الأولى وكانت النسبة46.24 بالمائة وتشمل هذه الدائرة مناطق المدائن وجسر ديالى والنهروان والوحدة، تلتها الدائرة 16 بنسبة 56.68 وتشمل الدائرة مناطق التاجي والطارمية والتحرير واقل نسبة كانت في الدائرة 15 حيث بلغت 26.05 بالمائة وتشمل مناطق البياع والعامل والسويب والاعلام والرسالة.

اما عدد الأصوات المستبعدة او غير الصحيحة فكانت متفاوتة بين دائرة وأخرى، حيث بلغت اكبر نسبة مستبعدة في الدائرة 12، حيث كان عدد المصوتين152519  في حين كان عدد الأصوات الصحيحة والتي استخدمت في الحسابات هي 98337 صوتا، أي تم استبعاد 54182 صوتا وهو يمثل نسبة كبيرة تصل لغاية 36 بالمائة من الاصوات وقد يكون احد الأسباب هو التصويت الخاص للمسيحيين والصابئة، اما اقل الأصوات المستبعدة فكان في الدائرة 9 حيث تم استبعاد 2325صوتا وهو يمثل 2.49 بالمائة وهو رقم معقول، وعلى المفوضية الإجابة عن سبب الاستبعاد الكبير للمصوتين في الدائرة 12 وكذلك في الخامسة حيث تم استبعاد 29 بالمائة من الأصوات.

عند المقارنة بين نتائج الانتخابات الحالية والتي شارك فيها مليون واربعمائة وسبعون ألف ناخب تقريبا ولنتائج انتخابات عام 2018 والتي شارك فيها أكثر من مليوني شخص نجد ما يلي:

حصلت الكتلة الصدرية على 27 مقعد في هذه الانتخابات مع ما مجموعه 323911 صوت والذي يمثل 22 بالمائة من الأصوات، في حين حصلت نفس الكتلة والممثلة بسائرون في عام 2018 على 17 مقعد فقط وبأصوات تساوي 467029 والتي تمثل 23 بالمائة من الأصوات، وحينها حصل رائد فهمي سكرتير الحزب الشيوعي على 19493، ولو قمنا باستبعاد اصواته عن نتائج 2018، سنجد ان الصدريين حصلوا على 22 بالمائة من الأصوات، أي ان نسبة أصوات الصدريين لم تتغير ولكن وبسبب تنظيم ناخبيهم وترتيب مرشحيهم، ارتفعت مقاعدهم من 16 الى 28 مقعد، مع بقاء نسبة أصواتهم هي نفسها، وسنجد بان الصدريين رشحوا 33 شخصا فقط نجح منهم 28 نائبا، أي ان نسبة نجاح مرشحيهم هي 85 بالمائة وهي اعلى نسبة بين جميع الكتل.

اما دولة القانون والتي فازت بثلاثة عشر مقعدا وجمعت 156880 صوتا والذي يمثل حوالي 11 بالمائة من أصوات الناخبين في بغداد، فهي كانت قد حصلت على 9 مقاعد عام 2018 وجمعت حينها على 237216 صوتا وهو يمثل حوالي 12 بالمائة من الأصوات، وهذا التغير منطقي جدا وقليل، أي انها حافظت على جمهورها، ولو انها قد رشحت 20 شخصا لم ينجح منهم سوى 12 شخصا، أي ان اختياراتها لم تكن موفقة مثل الكتلة الصدرية.

حصلت تقدم على 132312 صوتا عن ترشح 29 شخصا، فاز منهم 11 مرشحا فقط، وكان عدد النواب السابقين المترشحين حاليا سبعة، فاز منهم ستة نواب واحتفظوا بمكان في المجلس النيابي، أربعة من هؤلاء هم من ائتلاف الوطنية والأخران من تحالف القرار العراقي وتحالف بغداد، واللذان تم حلهما وتكون بدلا عنهم تحالفات جديدة تمثل عزم وتقدم من أكبر التحالفات الجديدة والتي تدعي تمثيلها للمكون السني، ومن غرائب الأمور انه في كل انتخابات تتشكل كتل جديدة تعتمد على تحالفات اشخاص يخوضون الانتخابات اعتمادا على نشاطهم الاجتماعي والعشائري، والامر يعود الى عدم تشكل أحزاب قوية تستطيع تجميع العراقيين بغض النظر عن انتمائهم الديني او القومي او الطائفي، وان استمر الامر على هذه الحالة فنحن سائرون على طريق التقسيم الطائفي والديني والقومي البغيض، وليس على أساس التوجه الوطني، والمعتمد على منهاج الحزب وفكره.

وكانت أسوأ إدارة لاختيار المرشحين هو في تحالف عزم، اذ ترشح عنها 40 شخصا، فاز منهم 7 فقط بمقاعد نيابية، علما ان مجموع اصواتها هو 115821 صوتا، والذي كان مفترضا ان تفوز بتسعة مقاعد، وكان اقل الأصوات التي حصل عليها مرشح من عزم هو 40 صوتا لاشواق فهد عن الدائرة 17، وفي الدائرة 12 رشحت 6 اشخاص كان مجموع أصواتهم 12595 ولم تفز باي مقعد، وكان من المفترض ترشيح شخصين فقط، فسي حين رشحت الكتلة الصدرية شخصين فقط وحصلا على الترتيب الخامس للمرشح علي جاسم محمد وحصل على 3920 صوتا، ثم شيماء بالترتيب السادس وحصلت على 3798، وحصلت شيماء على المقعد النيابي بسبب حصة-كوته النساء، أي ان الكتلة الصدرية حصلت على 7718 صوتا في هذه الدائرة، ومنها على مقعد نيابي مقارنة بعزم والتي حصلت على ما يقرب من ضعف الأصوات ولكن من دون مقعد، وفي الدائرة 13 رشحت عزم 5 اشخاص من ضمنهم امرأتان تتنافسان على نفس المقعد، وجمعت في هذه الدائرة 23771 صوتا، ولكن حصلت على مقعدين فقط، ولو انها رشحت امرأة واحدة فقط لكان بإمكانها الفوز بمقعد النساء بدلا من تقدم، والتي رشحت امرأة واحدة فقط.

وحقق المستقلون مفاجأة هذه الانتخابات، لان النظام الانتخابي الجديد يسمح بفوز المستقلين عكس النظام الانتخابي السابق والذي كان يشوبه الخلل في أكثر من جانب، اذ ترشح 139 مستقلا، فاز منهم خمسة بمقاعد نيابية، وهي نتيجة لم تحصل سابقا. والنائب حسن سعيد الربيعي من الدائرة 12 هو الوحيد من الفائزين المستقلين كان نائبا عام 2018 عن حركة إرادة، واعتقد بانه انسحب من إرادة بسبب التحاق إرادة بدولة القانون، وقد فاز مستقلان اثنان عن هذه الدائرة والمستقل الأخر هو حسين الربيعي، وكان اعلى الأصوات في هذه الدائرة من نصيب النائب السابق عن الوطنية غاندي الكزنزاني، والذي كان يترشح دوما عن الوطنية، ولكن سوء إدارة اياد علاوي لائتلافه جعل غاندي ينسحب من الوطنية ويلتحق بتقدم. وكان مجموع أصوات المرشحين المستقلين الخمسة وحصلوا على مقاعد نيابية هو 31749 صوت، علما بان 55 مرشحا مستقلا حصلوا على أكثر من الف صوت، وهذه دلالة واضحة على استياء جمهور الناخبين من المرشحين المنتمين الى كتل وأحزاب، علما بان بعض المستقلين كان أدائهم سيئا جدا، اذ حصل 84 مرشح مستقل على اقل من 1000 صوت، وكان مجموع أصواتهم هو اكثر من 39 الف صوت، وحصل عيسى الشورتاني من الدائرة 13 على 21 صوتا فقط، وهو اقل الأصوات من بين المستقلين في بغداد.

في حين حصلت الفتح على 3 مقاعد نيابية وبمجموع أصوات 69110 صوت وبنسبة أصوات تبلغ حوالي 5 بالمائة، وتسبب انفصال حقوق عن الفتح وترشيحها لأشخاص لوحدهم بزيادة خسارتها، اذ حصلت حقوق على مقعد واحد وبمجموع 35106 صوت، ولو جمعنا الكتلتين لكان مجموع أصواتهم 104 الف صوت وبأربعة مقاعد فقط وبنسبة 7 بالمائة من مجموع أصوات ناخبي بغداد، ولو قارنا هذه النتائج مع ما تحقق عام 2018، لوجدنا بان الفتح حينها حصلت على 10 مقاعد وبمجموع حوالي 265 الف صوت وهي تعادل 13 بالمائة من الأصوات، أي ان الفتح قد خسرت حوالي نصف أصوات جمهورها، واكثر من نصف نوابها، وعليها ان تحلل نتائج الانتخابات وسبب عزوف الناخبين عن التصويت لها، وهذا الامر ينطبق على غالبية الكتل الأخرى عدا عن الكتلة الصدرية ودولة القانون والتي حافظت على اصواتها وزادت من مقاعدها، واسوأ النتائج كانت للوطنية وائتلاف النصر وتيار الحكمة إضافة لقوى الدولة التي مثلت الكتلتين الاخريتين في هذه الانتخابات، والتي لم تحصل على أي مقعد في بغداد، في حين ان الوطنية حصلت على 9 مقاعد واكثر من 223 الف صوت عام 2018، والنصر على 8 مقاعد واكثر من 216 الف صوت والحكمة على 4 مقاعد واكثر من 100 الف صوت، والان حصلت الوطنية على 18780 صوت فقط، والنصر على 18533 صوت وقوى الدولة والتي مثلت الحكمة والنصر وحصلت على 43671 صوت، والسبب الرئيسي يعود الى ان نواب الوطنية التسعة، لم يترشح منهم سوى كاظم المنصوري عن الوطنية الان وخسر الانتخابات، في حين ترشح خمسة نواب من الوطنية الى كتلتي عزم وتقدم ونجحوا جميعا وبأصوات عالية، ولم يترشح اياد علاوي في هذه الانتخابات إضافة الى انسحاب نائب اخر، وترشح نائب اخر كان في الوطنية وانتقل الى دولة القانون ولكنه خسر، أي ان سبب خسارة الوطنية هو عدم تمكن اياد علاوي في اقناع نوابه بالبقاء في ائتلافه، وكان عليه الترشح عن المنصور، وكان من الممكن ان يحصل على مقعد، لكن فضل ان تترشح ابنته ولم تنجح. اما عن النصر فلم يترشح خمسة من نوابه الثمانية في هذه الانتخابات وترشح الثلاث نواب الاخرون عن كتل أخرى وخسروا جميعا، وهذا خلل داخلي اخر في تحالف النصر، اما تيار الحكمة فلقد ترشح اثنان من نوابه على قائمة قوى الدولة وخسروا، وشكل عبد الحسين عبد الرضا عبطان وزير الشباب سابقا تحالف اقتدار وطن لتصوره بإمكانه تجميع الشباب حوله وترشح عن الدائرة الخامسة، ولكنه خسر اصواته التي كانت تزيد عن 34 الف صوت عام 2018 ليحصل على 2786 صوت فقط وبالترتيب العاشر في هذه الدائرة الان.

وفازت اشراقة كانون بمقعد واحد عن الدائرة 11، حيث حصل تقي ناصر على ما يقرب من 9 الاف صوت، ورشحت اشراقة كانون 10 اشخاص، جمعوا حوالي 20 الف صوت، وهذا انجاز جيد المتظاهرين.

اما النائب السابق عن دولة القانون محمد شياع السوداني فلقد شكل تيار الفراتين، وانسحب عن دولة القانون واعتبر نفسه مستقلا عام 2020 املا في الحصول على ترشيح لرئاسة الوزراء حينها عندما قدم عادل عبد المهدي استقالته، وبعدها شكل تيار الفراتين وفاز بمقعد عن الدائرة السابعة وجمع 5533 صوتا، في حين حصل عام 2018 على 14326 صوتا.

واذا تمعنا النظر في أصوات المرشحين الذين حصلوا على أصوات عالية ولم يتمكنوا من الوصول للبرلمان سنجد على رأس القائمة المرشح عباس حسين الجبوري  من العقد الوطني والذي كان مرشحا للبرلمان عن الدائرة السادسة، وكانت مجموع اصواته 4535 مقابل خالد العبيدي والذي حصل على 4532 صوتا، ولكن بعد الاعتراضات ، أصبحت أصوات خالد العبيدي 4538 في حين لم تتغير أصوات عباس العبيدي، وهنا نجد بكل وضوح أهمية كل صوت، لان ثلاثة أصوات فقط سمحت لمرشح بالوصول للبرلمان. ، والحالة الأخرى القريبة منها هو الفرق بين أصوات النائبة ابتسام التميمي من الكتلة الصدرية في الدائرة 7 والتي حصلت على  4092 صوت، وفازت على النائبة السابقة انسجام الغراوي من الحكمة، والتي رشحت تحت قائمة قوى الدولة وحصلت على 4062، أي ان الفرق كان 30 صوتا فقط.

وهنالك نتائج أخرى متقاربة في دوائر أخرى، ولكن ليس بمثل هذه الفروقات المتقاربة ففي الدائرة التاسعة كان الفرق بين النائبة ابتسام البديري من الكتلة الصدرية وحميد الزاملي من الفتح فكان 272 صوتا، ولو انها كانت ستفوز بسبب الحصة -الكوتة النسائية. وفي الدائرة العاشرة صعدت شيماء الدراجي من الكتلة الصدرية من المركز الخامس الى المركز الثالث بدلا من علي فيصل من دولة القانون، ولكن الفرق بين علي فيصل ومحمد الدليمي من عزم هو هو 190 صوتا فقط. وصعدت النائبة شيماء العبيدي من الكتلة الصدرية في الدائرة الثانية عشر من المركز السادس الى المركز الخامس بسبب حصة النساء، لتزيح علي جاسم من الكتلة الصدرية أيضا، ولكن هنا أيضا نجد ان الفرق بين علي جاسم والنائب المستقل حسين الربيعي هو 311 صوتا فقط.

في الدائرة الثالثة عشر صعدت النائية سناء عودة من تقدم من المركز الخامس الى الرابع لتزيح فوزي محمد احمد من المشروع الوطني، علما ان الفرق بين فوزي والنائب كريم يوسف أبو سدرة هو 158 صوتا فقط، وفي الدائرة الرابعة عشر نجد ان الفرق بين عبد الكريم علي عبطان من تقدم والمستقل ياسين محمد حمد هو 197 صوتا فقط، والفرق قليل جدا عن المرشح المستقل التالي حميد نجم هو 323 صوتا فقط، وأخيرا كان الفرق بين حامد المحياوي من العقد الوطني، والنائب حامد احمد القرغلوي كان 473 صوتا، وعند مقارنة هذه النتائج مع انتخابات 2018 والتي اعتمدت على نظام انتخابي مختلف، سنجد ان مثل هذه الحالات لم تكن شائعة مثل الان.

اما المرشح حميد كاظم والحاصل على 7331 صوتا من اكثر المرشحين سوؤا للطالع لانه لم يستطع ان يصعد للبرلمان بالرغم من اصواته العالية، وينطيق نفس الشيء عل عمر عدنان من عزم والحاصل على 6191 صوتا ولم يحالفه الحظ اضا، إضافة لذلك هنالك ثمانية مرشحين حصلوا على اكثر من خمسة الاف صوتا، ولكن لم يضمنوا مقعدا لهم.

وكان اقل أصواتا حصل عليه نائب هو للمستقل حسين الربيعي من الدائرة 12 والذي حصل على 4231 صوتا، واستثنينا هنا أصوات النائبات اللائي صعدن للبرلمان بسبب حصة-كوته النساء.

 

  د مهند محمد صبري البياتي

اكاديمي مقيم في الامارات العربية المتحدة

 

 

قاسم حسين صالحكنّا استعرضنا في الحلقتين السابقتين نتائج استطلاعات لأداء الكاظمي بعد مئة يوم من توليه السلطة، ثم بعد سبعة اشهر، ونأتي الآن الى آخر استطلاع اجريناه في 28- 30/ 12/ 2021 شارك فيه اكاديميون واعلاميون وفنانون اليكم نماذج ممثلة لاجاباتهم:

- كان راعيا لرعيته رغم التحديات، لكن في بعض الامور ما كان اخفاقا منه بل ضغوطات دولية وحزبية من مافيات لم يستطع مواجهتها.

- رئيس وزراء على الفيسبوك فقط، وناجح اعلاميا، لان الماكنات الاعلامية أرادت له ان ينجح.

- يحسب له انه انجز انتخابات نزيهة تعرّض على اثرها للتجريح والاعتداء والتشكيك- لم ينجح في تقديم قتلة المتظاهرين بسبب ضغوط هائلة مورست ضده من حملة السلاح المنفلت - وافقه الحظ في انقاذ خزينة الدولة من الانهيار عندما ارتفعت اسعار النفط - كان ودودا في مواقف تستلزم الحزم - لم تتحسن حالة المواطن المعيشية بسبب اجراءات ترقيعية- يتحمل جزء من المسؤولية في خفض قيمة الدينار امام العملات الصعبة مما اثقل كاهل المواطن البسيط - يبقى هو افضل من الذين سبقوه في هذا الموقع.

- ضعيف امام الاحزاب والمليشيات، وبان ضعف الدولة معه اكثر، وشعرنا نحن كشعب ان الدولة هي التيار الفلاني والحزب الفلاني.

- يريد..لكنه لا يستطيع.يخضع لاجندات الكتل الكبيرة وهذا حال رئيس وزراء ياتي من رحم توافقات بين احزاب لا تريد خيرا للعراق.الرجل مقيد من قبل الاحزاب ومليشياتها

- الامور الداخلية: محاربة الفساد على استحياء - عدم المساس بالسلاح المنفلت حتى عندما هددوه شخصيا - اسوأ خطوة بتخفيض الدينار (25-30%) من رواتب الموظفين والمتقاعدين واضعاف قدرة المواطنين الشرائية - محاربة المخدرات بشكل فعال - بدأ بخطوة السيطرة على المنافذ الحدودية والموانيء ولم يكملها فعادت كما كانت - اجراء انتخابات ناجحة نسبيا افضل مما سبق.

الامور الخارجية: اصلاح العلاقات مع الدول العربية - جمع السعودية وايران في مفاوضات خففت من التوتر بينهما وتاثيره على العراق- الاتفاق على الربط الكهربائي ولم يتم انجاز شيء عمليا ولا زالت ايران تتحكم بتزويدنا بالغاز- اكمل انسحاب القوات القتالية الامريكية وحكومته افضل من الحكومات السابقة-ابعد العراق عن ان يكون ساحة حرب بين ايران وامريكا او بين ايران واسرائيل.

- سلّم ميناء الفاو الكبير الذي هو ضمانة لمستقبل الشعب العراقي، وفرّط بامتيازات اتفاقية الصين.

- في اجتماعه الاخير بمجلس الوزراء استعرض الكاظمي منجزات حكومته باضافة 12 مليار دولار الى احتياطي البنك المركزي العراقي، وتعزيز دور العراق الاقليمي والعربي والدولي، وتجاوز جائحة كورونا بتوفير اللقاحات.

قالوا في الكاظمي

هناك من يرى أن حكومة الكاظمي (أخفقت في الوفاء بوعودها في عموم الملفات - الجزيرة) مع انها كانت وليدة مظاهرات شعبية عارمة أطاحت بحكومة عادل عبد المهدي، ويفترض بها أن تكون هي الأفضل، فيما واقع الملفين الأمني والخدمي شاهدين على إخفاقها. و اشار تقرير صحيفة العالَم الجديد، الى ان وعود الكاظمي كانت (41) وعدا تتعلق بملفات سياسية وامنية واقتصادية، حقق منها ثلاثة بشكل كامل واربعة بشكل جزئي واخفق في تحقيق (34) وعدا تشكل (83%).

ويرى محللون أن الكاظمي احدث أكثر من نقلة في اكثر من مجال، وتمكن من اقامة علاقات مع رؤساء دول، وتميز بنشاط دبلوماسي مكثف جعل العراق نقطة انطلاق وأبعده عن مصادر الصراع وسياسات المحاور، وقيامه باصلاحات جدية لواقع الأقتصاد..فيما يرى آخرون أن الرجل ينتمي إلى منظومة الحكم، بوصفه رئيس جهاز مخابرات وصحافي يعرف خفايا عقود الصفقات، وأن قبوله بالمنصب لم يكن على أساس اشتراطاته في إدارة فترة حرجة وإنما وفقاً لاشتراطات المنظومة السياسية التي أنتجت الخراب والفوضى، وكانت تبحث عن شخصية تؤمّن بقاءها فوجدتها فيه.

ونختم اهم ما قيل عنه بأن حكومة الكاظمي جاءت بتوافق سياسي من أجل تحقيق ثلاث مهمات، أولها حصر السلاح بيد الدولة، وثانيها إجراء الإصلاحات الاقتصادية اللازمة من لإنعاش الوضع المعيشي للمواطنين، وثالثها إقامة الانتخابات المبكرة.. وباستثناء (ثالثتها) فأنه اخفق في الأولى والثانية.

استنتاجات

بدءا، نشير الى ثلاث حقائق سايكولوجية في الواقع السياسي العراقي،

الأولى: ان العراقيين لا يرضون عن اية حكومة عراقية،

الثانية: ان الحكومات العراقية تريد من الناس ان تمتدحها ولا تحب من ينتقدها،

والثالثة:ان سيكولوجيا السلطة في العراق علمت الحاكم ان يحيط نفسه بأشخاص يقولون له ما يحب ان يسمعه.

العراقيون والكاظمي

توزع العراقيون في مواقفهم من الكاظمي على ثلاثة:

فريق يرى ان حكومات ما بعد 2003 نهبت المليارات وافقرت العراقيين وقتلت المئات وجرحت وعوقت الآلاف في وثبة تشرين 2019. وانهم لكثرة ما عانوه من فواجع وخيبات ارادوا من الكاظمي ان يكون نيلسون منديلا العراق.. لكنه خيّب ظنهم فيه.

والثاني: يرى ان الرجل فعل ما استطاع ان يفعله، ومع انه لم يتحرش بالحيتان ولا بقادة المليشيات، فانهم استهدفوه في بيته لتصفيته.

والثالث:يرى انه فرّط بفرصة تأييد المرجعية ودعم ملايين العراقيين له كانت ستجعل منه بطلا مخلصّا، لكنه اضاعها..واضاع معها فرصة تخليص العراق من افشل وافسد احزاب انهت حكمها قادة وشعوب مصر وتونس والجزائر والمغرب..وبقت تحكم وتنهب في العراق فقط!

وشخصيا، ينفرد الكاظمي بميزتين عن سابقيه من رؤساء الوزراء:انه يتمتع بنشاط استثنائي، فهو استطاع في يومين ان يكون في اربيل ودهوك ومعبر ابراهيم الخليل والسليمانية ليعود الى بغداد ومنها الى ميسان.وهو الوحيد الذي يلتقى بالناس في اماكن عامة بدون فوج حمايات ولم يحصر نفسه في الخضراء المحصنة.

وبمعرفتي له عن قرب ومتابعتنا لأدائه فان شخصية الكاظمي ليست عدوانية، وانه عمل بكل الوسائل لتفادي حصول فتنة تسفك الدماء، ارقاها انه احتوى غضبه وسكت عن حقه ضد الذين استهدفوا تصفيته برغم انه يعرفهم.

وللتاريخ، فان شباب تشرين كانوا ضده حين تولى المسؤولية، فقمت، بدعوة منه، بدور الوسيط بينه وبين عدد من تنسيقيات الأحتجاجات مهدت الى ان يلتقي بهم في ساحات التحرير لتتغير مواقف احتوت الفتنة.

والرجل يتمتع بشجاعة اثبتتها اجراءاته (الأيلولية) باعتقال فاسدين ينتمون الى احزاب السلطة وفصائل مسلحة، ويدرك ان الحيتان يدبرون له امرا لأسقاطه سياسيا او اغتياله، بعد ان اصبحوا على يقين بأن لديه طموح ان يكون قائدا وطنيا جماهيريا، وأنه يهدف الى انهاء استفراد احزاب الاسلام السياسي بالسلطة والثروة لتحقيق هدف العراقيين والمرجعية في اقامة دولة مؤسسات مدنية حديثة..لكنه خشي ان يذهب ابعد ليكون حاكما ثوريا كما اراد له العراقيون، لأنه لا يمتلك هذه القدرة ويفضل عليها الحكمة كما يراها هو في تقديره لقوى اللادولة.

ويحسب له انه حقق افضل انتخابات بعد 2003خسرت فيها قوى موالية لأيران ولم يضعف امام تهديداتها. ومع ذلك فان الكاظمي كان عليه ان يكون اجرأ لاسيما في استعادة مليارات نهبت تكفي لبناء دولة خرجت من حرب كارثية، وكشف قتلة المتظاهرين، وان يكون أقوى في تحقيق سلطة القانون وفرض الأمن وتحجيم دور المليشيات والفصائل المسلحة..لكن الكاظمي كان يأخذ برأي (عرّابه) في السياسة، صاحب مجلة الأسبوعية سابقا ورئيس الجمهورية الحالي.

على أن أكبر مأخذ يسجل عليه انه لم يهتم بالشؤون الخدمية للناس واعمار المدن قدر اهتمامه بالشؤون السياسية.فالعاصمة بغداد اصبحت في زمن حكم احزاب الأسلام السياسي من اسوأ عواصم العالم، لدرجة ان شارع الرشيد الذي كنّا نقطعه مشيا من باب المعظم الى الباب شرقي لنستمتع به، تحول الى شارع مهجور تجوب فيه الستوتات بدل السيارات الحمراء(أم قاطين!)، وتحولت شوارع مدينة البصرة الى انهار في (3/1/2022) تبحر فيها قوارب المتسوقين! مع انها من اغنى مدن العالم.

ومع كل ذلك تبقى حقيقتان،

الأولى: يعدّ الكاظمي اول حاكم يكشف عن ذمته المالية، فيما الآخرون الذين كانوا حفاة اصبحوا حين وصلوا الخضراء يمتلكون المليارات من السرقات.

والثانية: ان العراقيين سيلعنون كل من حكم العراق بعد 2003، الا مصطفى الكاظمي..فأنهم ان لم يعذروه..فلن يلعنوه.

*

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

محمد المحسن-هناك حقيقة واحدة في الوقت الحالي، وهي أننا لا نعرف الكثير عما حدث، ولا نعرف ما يخبئه المستقبل القريب،  والبعيد.-(الكاتب)

قد لا يحيد القول عن جادة الصواب إذا قلت أن لا خيار أمام التونسيين اليوم، إلا تجنّب إضاعة آخر فرص الإنقاذ المتاحة، فالفشل يعني إنهيار المسار الديموقراطي بأكمله والعودة إلى مربع الفوضى والإنفلات وغياب سلطة ونفوذ الدولة.

قد تكون الإختلافات عميقة جدا، والهوة بين الأحزاب والتيارات السياسية والمنظمات الإجتماعية واسعة، لكن الواجب الوطني يحتّم على الجميع تجاوز هذه الخلافات وتجسير الهوة للخروج من المآزق وانقاذ ما يمكن انقاذه قبل فوات الآوان، وكفانا مناكفات ومزايدات سياسوية لا طائل من ورائها سوى تغليب الفتق على الرتق.. والنقل على العقل..

أقول هذا، وأنا على يقين بأنّ العديد من الملفات الشائكة تستدعي-منا جميعا-وعي عميق بجسامتها ومقاربة شاملة تبحث في الأسباب وتستخلص النتائج عبر رؤية ثاقبة، وهو ما يقتضي نمطاً من التوافق الضروري بين القوى المختلفة، إذا أرادت-حكومة المشيشي-أن تحقّق استقراراً ونجاحاً ممكناً في إدارة شؤون البلاد..

والسؤال الذي ينبت على حواشي الواقع:

في ظل هذا الواقع السياسي المأزوم الذي يئن تحت وطأته المجتمع التونسي من تفشي الفساد وضعف الرقابة وغياب للمساءلة وانتشار الفقر والبطالة وانسداد الأفق..من المنطقي أن نتساءل عن أهل التخصص من العلماء والكفاءات العلمية والفكرية وأساتذة الجامعات، تلك القامات العلمية التي لطالما نظر لها المجتمع نظرة تقدير واحترام وبنى عليها أملاً مستقبلياً كبيراً، وكان لحضورها معنى ولغيابها معانٍ، فهم مسؤولون فكريون، مسؤوليتهم تتضاعف في اللحظات الحرجة التي يمر بها مجتمعهم، تفوق بأضعاف المرات على مسؤوليات العامة من الناس..

نتساءل : هؤلاء الذين تخصصوا في علومهم، حملة الشهادات العلمية العليا، أصحاب البحث العلمي ورواد المعارف والعلوم، أولئك الذين يملكون مفاتيح المعرفة والقدرة على التعريف والتأهيل والفك والتركيب والتوجيه والتحليل، ما هو دورهم الحقيقي في هذا الواقع الذي تتعالى فيه أصوات الاحتجاجات على سياسات الحكومة والمطالبة بالإصلاحات وتحقيق العدالة ومحاربة الفساد؟

تُرى هل اتخذ هؤلاء ما ينبغي من خطوات عملية وفكرية للقيام بدورهم في هذه المرحلة الحرجة؟!

المثقفون الحقيقيون مَنْ يُستَشعَر وجودهم في الأزمات، وكما يقال: “في الليلة الظلماء يفتقد البدرُ”وفي صدارة المثقفين أساتذة الجامعات حيث مطلوب منهم فهم أبعاد الأزمة ليلعبوا دوراً توعوياً ومؤثراً في تحريك عواطف الناس وتوجيهها بعقلانية من دون ضجيج يربك المشهد..

يتابع-التونسيون-اليوم مثقفي مجتمعهم بحرص سيما-كما أسلفت-في ظل هذه الوضع المعقد،  وتشرئب أعناقهم لمن يثقون بهم من الرموز الثقافية الواعية، وهذه مسؤولية كبرى وفرصة عظيمة لمن يحسن توظيفها من المثقفين المؤثرين..

-التونسيون-ترنو نفوسهم الى دور توعوي يسهم في توضيح حقيقة الأوضاع التي يمر بها مجتمعهم وما يترتب عليها وكيفية الاستعداد لها ومواجهتها أو التأقلم معها، تهفو افئدتهم الى رمز له جمهور يؤمن بفكره ويحب أن يستضيء برأيه لاسيما عندما يختلط الحابل بالنابل..

وإذن؟

المرحلة تستدعي إذا، من الأكاديميين مواقف حاسمة، حيث إن الأمانة العلمية التي يحملها الأكاديميون أمانة عظيمة، وحمل ثقيل، تُملي عليهم تقديم الحلول والمشورة وإضاءة الطريق أمام أبناء مجتمعهم للوصول بهم إلى الحقيقة أو ما هو قريب منها؟

على هذه النخب الأكاديمية أن تكون مستعدة للتلاحم مع مجتمعها والوقوف معه في السراء والضراء وشدة الكروب، ولا أن تقف موقف المتفرج على ما يجري في الوطن بانتظار أن ينقشع الضباب..وتضَاح الرؤية..

إن غياب الأكاديميين والمثقفين اليوم عن المشهد الضبابي في مجتمعهم غياب قاتل مؤلم،  وتقوقعهم داخل مكاتبهم واكتفائهم بالكتابة في مجلة أو صحيفة إلكترونية محدودة الأثر، أو الاعتماد على كتاب يؤلف أو بحث علمي لا يخدم الواقع المرير الذي يمر به الوطن. هو من باب الفلسفة التي لا طائل منها في ظل الأزمات وترف فكري لا جدوى منه، وهو لا يعفي الأكاديمي من مسؤوليته، ولا يعذره المجتمع في حال غيابه، بل سيكون عليه الاستعداد لمواجهة محكمة التاريخ بعد نظرات مجتمعه التي لطالما حدقت فيه بانتظار حراكه المنشود!

الوطن قضية ساخنة تمسنا جميعاً، وصمت النخبة المثقفة في حال تعرض الوطن للأزمات بدعوى عدم الرغبة في الولوج في السياسة ليس من الوطنية في شيء فالوطن يعني كياناً يضمنا جميعاً، وكما ننافح عن سمعة بيوتنا ننافح عنه..

ختاما أقول:

مازالت حالة المخاض التي تعرفها تونس في انتقالها الديمقراطي وإعادة هيكلة البنية السياسية للدولة مستمرة للخروج من البنية الإستبدادية المتوارثة والتي هيمنت على البلاد طيلة عقود من سيطرة حكم الحزب الواحد والزعيم المطلق.

وإذا كان من الممكن تثمين الخطوات التي قطعتها البلاد بتنظيم محطات انتخابية تعددية وإقرار دستور يحفظ الحقوق والحريات، فإن مطبات كثيرة مازالت تعطل مسيرة الإصلاح وتضع عراقيل كثيرة أمام خلق البيئة السياسية المناسبة التي تضمن استمرارية الوضع الديمقراطي الناشئ إثر ثورة 2011.

وإذا كانت المشكلات الاقتصادية والأمنية هي من قبيل القضايا المعتادة بالنسبة لدولة نامية هي جزء من محيط دولي وإقليمي متوتر ومضطرب فإن أزمة الوعي السياسي إن صح التعبير تظل المشكلة الأكثر خطورة وتأثيرا على مستقبل المسار السياسي بتونس.

فالممارسة الديمقراطية تستلزم حضور نخبة سياسية-متسلحة بالعلم والمعرفة والثقافة-واعية ومؤمنة بأهمية التحولات السياسية مع ما يفترضه الأمر من مراجعة كثير من المسلمات الفكرية التي تحكم النخبة السياسية في تونس وتشكل البنية العميقة التي تنجم عنها كل الأعراض المختلة في المشهد الحزبي والحكومي التونسي.

لقد آن الأوان لأن تدخل الديمقراطية التشاركية مرحلة جديدة في تصورها للعلاقة مع المثقف من علاقة تشاورية إلى علاقة ندية وظيفية، إذ لا يمكن أن نرتقي بالسياسة بطوابير من المثقفين الإستشاريين داخل الأحزاب أو الدولة الذين لا يحملون أية صفة تنفيذية.

ومن هنا، لا بد للمثقف أن يدافع عن مصيره السياسي ولا بد للثقافة أن تعود القلب النابض للمجتمع، وإلا فلن تحدث لعبة السياسة التحزبية أي تغيير جذري داخل مجتمعاتنا نحو تحرير إراداتها وطاقاتها الإبداعية والتنافسية.بل “ستتكرر مشاهد الحوارات الوضيعة تحت قبة مجلس الشعب والقرارات المرتجلة والهدامة في صالونات القرار إن استمر اعتزال المثقف للسياسة أو عزله عنها.”

وأرجو أن تصلَ رسالتي”البريئة” إلى عنوانها الصحيح..

 

محمد المحسن - كاتب صحفي تونسي

 

هاشم نعمةعن: NRC Handelsblad, 8 december 2021

ترجمة: د. هاشم نعمة


 تُجرى الانتخابات في كل مكان تقريبًا، لكن هذا لا يعني أن الديمقراطية تتقدم، إذ بالنسبة إلى الأنظمة المستبدة، فإن لانتخابات توفر لها المصداقية والوصول إلى المساعدات المالية.

قبل ثلاثين عامًا، بعد انتهاء الحرب الباردة، كانت أجزاء واسعة من العالم تتطلع إلى الغرب كمصدر للإلهام، مع نظرة تشوبها الغيرة من ازدهاره الذي يحسد عليه. ولكن الآن، وفقًا لمنظمة فريدوم هاوس الرسمية، فإن عدد البلدان المحكومة بنظم ديمقراطية في العالم آخذ في التراجع بالفعل للعام الخامس عشر على التوالي.

لا يعني ذلك قلة في إجراء الانتخابات. على العكس تماما، لم يتبق سوى عدد قليل جدًا من البلدان التي لم تجر فيها انتخابات مطلقًا. وقد أبدت الأنظمة المستبدة إعجابًا بهذا الأمر، على الرغم من أنها عادة ما ترتب الأمر بطريقة تجعلها متأكدة من الفوز. "بهذه الطريقة يأملون في اكتساب المزيد من الشرعية لحكوماتهم"، كما يقول دانيال كالينجيرت، الذي أجرى أبحاثًا عن الديمقراطية لصالح فريدوم هاوس ويعمل الآن في كلية بارد في نيويورك. "جميع الدول شبه المستبدة تجري في الوقت الحاضر انتخابات وحتى العديد من الدول غير الحرة تفعل ذلك."

من روسيا وكوريا الشمالية وإيران إلى كثير من البلدان في أماكن أخرى في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا، تُجرى انتخابات أو شيء يشبه ذلك على الأقل. وغالبًا ما يسيطر القادة على وسائل الإعلام، وإذا لزم الأمر يسجنون سياسيي المعارضة مع بعض الترهيب للناخبين ليتمكنوا عادةً من الحصول على النتيجة "المناسبة". في بلد مثل زيمبابوي، هناك تلميحات في مثل هذه الحالات إلى أن المنازل ستُحرق إذا لم يصوت الناس للرئيس أو لحزبه. يسمى هذا الأسلوب بـ "هز علب الثقاب". إنه ناجح لأن الكثيرين ما زالوا خائفين من هجمات الحرق المتعمدة المدمرة السابقة ذات التوجه السياسي. وإذا لزم الأمر، فإنهم يزوّرون نتائج الانتخابات.

قال عالم السياسة البريطاني نيك تشيزمان، الأستاذ بجامعة برمنغهام والمؤلف المشارك لكتاب "كيف تزوّر الانتخابات": "بالنسبة إلى الزعماء المستبدين، يمكن أن تكون الانتخابات وسيلة لجعل أنظمتهم أكثر استقرارًا". "إذا لعبتَ الأمرَ بشكل مفيد قليلاً، يمكنك تقسيم المعارضة في بلدك". والمثال الكلاسيكي على ذلك هو الرئيس الكيني موي الذي تمكن في التسعينيات من تقسيم المعارضة الموحدة باستراتيجية مدروسة.

تحب الأنظمة المستبدة الانتخابات لأنها تزيد من مصداقيتها الدولية. إذ يسهل عليها هذا التأهل للحصول على المساعدات المالية. يقول تشيزمان، المتخصص في شؤون إفريقيا: "في بلدان مثل إثيوبيا ورواندا، يتم التلاعب بالانتخابات بشكل متكرر على نطاق واسع". "يواصل الرئيس الرواندي كاغامي الانتصار بأغلبية غير معقولة. ومع ذلك، فهو ليس مستبعدًا دوليًا تقريبًا مثل إريتريا، على سبيل المثال، التي لا تجري انتخابات".

انتخابات مزيفة

من خلال رفض الغرب انتقاد أنظمة مثل نظام كاغامي بسبب مثل هذه الانتخابات المزيفة، يقول تشيزمان إن الغرب يقوض مصداقيته ومصداقية الديمقراطية التي يروج لها. "إذا كنت تدعم بنشاط المعارضة في فنزويلا لأن الانتخابات لم تكن نزيهة، ولكن ليس في رواندا أو أوغندا، حيث أصبح الرئيس الأوتوقراطي موسيفيني حليف مفيد للغرب ضد الإرهاب، فسوف يلاحظ الناس أنك تكيل بمعايير مزدوجة وتعرف دول مثل روسيا والصين كيف تستغل ذلك جيدًا. هذا التناقض ضار للغاية".

كما خسر الغرب، في بعض الحالات، الفضل في الديمقراطية من خلال الضغط من أجل إجراء انتخابات في دول لم تكن ظروفها ناضجة لها. يقول تشيزمان: "إذا قمت بذلك على عجل، كما هو الحال في أفغانستان والصومال، فإن الانتخابات يمكن أن تخلق مشاكل أكثر مما تحل". هناك شيء مشابه يلوح في الأفق الآن في ليبيا، حيث من المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية في 24 كانون الأول| ديسمبر*. لم تتفق الأحزاب بعد على قانون الانتخابات ولا تزال البلاد تعج بالميليشيات المسلحة التي أوضحت أنها لن تقبل سوى فوز مرشحها. لذلك يبدو من المحتمل أن تندلع معارك جديدة.

يدرك كالينجيرت أيضًا أن الانتخابات يمكن أن تأتي بنتائج عكسية إذا لم يدرك الخاسرون النتيجة**. في الوقت نفسه، يشير إلى أن الانتخابات غالبًا ما تكون أهون الشرين. "يبقى السؤال: وإلا كيف ستختار القادة؟" في الانتخابات، يحصل المزيد من الناس على فرصة لاختيار ما يفضلونه. "في أفغانستان، بدون انتخابات، يكون البديل مجلس شيوخ القبائل، في حين حصلت النساء والشباب على فرصة التصويت".

المفاجآت غير مستبعدة أبدا

على الرغم من ذلك، لا يمكن استبعاد المفاجآت في الانتخابات، كما يقول كالينجيرت. في دولة سريلانكا المستبدة بشكل متزايد، خسر الرئيس آنذاك راجاباكسا بشكل مفاجئ أمام منافسه في عام 2015، وفي زامبيا هزم مرشح المعارضة هاكايندي هيشيليما هذا الصيف الحاكم المستبد إدغار لونغو حيث كانت النتيجة مفاجأة للجميع. في ليبيريا وسيراليون، بعد الانتخابات التي أعقبت حربًا أهلية طويلة، بدأت عملية التحول الديمقراطي.

هناك اتجاه جديد مقلق من المنظور الغربي، تمثل في أنه بعد الانتخابات التي تواجه في حد ذاتها اختبار النقد، بدأت الحكومات في تغيير مسارها، كما هو الحال في المجر وبولندا والهند والبرازيل. فهي توسع صلاحيات الحكومة وتؤثر على استقلالية القضاء وتحد من حرية الصحافة. يقول كالينجيرت: "الديمقراطية تتآكل من الداخل".

ومع ذلك، يعتقد كالينجيرت وتشيزمان أن المستقبل للديمقراطية. وفقًا لـتشيزمان، يبدو أن الدول الديمقراطية تتطور بشكل أفضل على المدى البعيد من الدول ذات النظم المستبدة. يقول كالينجيرت: "تحاول دولة مثل الصين، بالطبع، إبراز قوتها الاقتصادية في الخارج، لكن ليس لديها نموذج يمكنها تصديره، ولا توجد لديها خلفية أيديولوجية يمكنها أن تلهم الآخرين بها. إنها مجرد دولة يحكمها أشخاص أقوياء".

* تم تأجيل الانتخابات وليس من المعروف متى تجرى.(المترجم)

** هذا الوضع ينطبق على الأحزاب التي تراجعت نتائجها كثيرا في انتخابات مجلس النواب العراقي والتي جرت في 10 تشرين الأول| أكتوبر 2021، إذ رفضت النتائج وهددت بالتصعيد والآن يبدو أنها قبلت بالأمر الواقع بعد مصادقة المحكمة الإتحادية على نتائج الانتخابات.(المترجم)

 

 

قاسم حسين صالحكنا اجرينا استطلاعين الأول بعد مئة يوم على توليه رئاسة الوزراء والثاني بعد خمسة اشهر ، اسفرا عن ثلاثة استنتاجات في الحكم على أداء الكاظمي ما اختلف عليها العراقيون في حينه، هي:

* انه افضل رئيس وزراء مقارنة بالذين سبقوه بعد التغيير،

* ان نسبة غير الراضين عن عملية اختياره رئيسا للوزراء وغير الراضين عن ادائه في الشهر الأول لتوليه الحكم، انخفضت في الشهر الثالث لصالحه،

* وانه ما يزال لا يحظى بمقبولية عالية بين العراقيين.

واشرنا في حينها الى أن أهم أربع قضايا في الحكم على اداء الكاظمي تتحدد بالآتي:

- استعادة هيبة الدولة بنزع السلاح المنفلت وفرض سلطة القانون،

- محاسبة قتلة المتاظاهرين واطلاق سراح المخطوفين منهم،

- اتخاذ اجراءات حاسمة بحق الفاسدين واستعادة المليارات المنهوبة،

- تأمين اجراء انتخابات مبكرة نزيهة،

- والتواصل مع المواطنين بشكل مباشر وتأمين الممكن من احتياجاتهم.

ففيما يخص هيبة الدولة فان الكاظمي بدأها بنزع سلاح العشائر في البصرة وميسان وفي منطقة الحسينية (بغداد)في معركة أستخدمت فيها قاذفات (الآر بي جي 7) وقنابر الهاون، والأسلحة المتوسطة.. يفترض ان تمهد الى نزع سلاح فصائل مرتبطة بكتل واحزاب سياسية واخرى مرتبطة بعلاقة مع دول الجوار.

ومع ان المرجعية كانت حددت في خارطة الطريق التي اعلنتها في (13/9/20)شرط ان يكون السلاح بيد الدولة فقط، الا ان الكاظمي لم يستطع تحقيق ذلك لقوة تلك المليشيات سياسيا وعسكريا، ولأرتباط بعضها بجهة خارجية لها نفوذ قوي في العراق.. وانها تحدته في 2021 بمحاصرة المنطقة الخضراء واستهدافه بصاروخين في بيته.

وفيما يخص محاسبة قتلة المتظاهرين، فأن منهج الكاظمي هو ان يكون القرار الفصل فيها للقضاء، وهذه تحتاج لوقت طويل وفيها اشكاليات معقدة قد تطال بضعة اشخاص من رجال القوى الأمنية.

ورأينا في وقتها ان الذي اطلق الرصاص على المتظاهرين هو في حقيقته اليد التي نفذت قرارا اتاه من سلطة اعلى.. ما يعني ان القاتل الحقيقي هم قيادات في احزاب السلطة لن يستطيع الكاظمي محاسبتهم مبررا ذلك بعدم وجود ادلة تكفي لادانتهم قضائيا، سيفسرها الشارع أنه يخفي خلفها خشيته منهم. والأخطر، ان بين القتلة من ينتمي لفصائل مسلحة لها نفوذ عسكري وسياسي يكون من الأفضل له تجنبها خلال الأشهر القليلة الباقية من مدة حكمه.

وكان المأخذ عليه في حينه انه لم يتمكن من اطلاق سراح المخطوفين. فبرغم أننا كنا قدمنا مذكرة حملت توقيع 374 شخصية وطنية تدعوه لاطلاق سراح الكاتب والصحفي توفيق التميمي ، وانه التقى عاءلته ووعدهم.. لكن توفيق والناشر مازن لطيف وآخرين ظلوا مغيبين، والأرجح انه تمت تصفيتهم.

والمهمة الثالثة هي (اتخاذ اجراءات حاسمة بحق الفاسدين واستعادة المليارات المنهوبة).. وقد بدأها الكاظمي في العاشر من ايلول(2020) باصدار قائمة باسماء ستة وزراء سابقين، ومدراء عامين، ورئيس هيئة التقاعد العامة السابق، ورئيس هيئة دينية، وآخرين.. تسارعت بعد خمسة أيام لتشمل اكثر من خمسين مسؤولا كبيرا ومصرفيين ورجال اعمال.. قام جهازمكافحة الارهاب بتنفيذ القرارات الصادرة عن اللجنة التي شكلها لمكافحة الفساد. وبهذا الأجراء يكون الكاظمي قد بدأ بتنفيذ استراتيجته في البدء بمحاسبة الخط الثاني من الفاسدين وما دونهم بما يفترض انه سيمهد سياسيا واجتماعيا وسيكولوجيا الوصول الى (الحيتان).

لقد بارك الشارع العراقي في حينه هذه الخطوة الشجاعة، لكنها أثارت تساؤلين وأشكالية:

 هل تكتمل هذه الخطوة باصدار قرارات حكم تدين من تم اعتقاله من الفاسدين؟

 وهل سيتم اعتقال (حيتان) الفساد، واسترجاع ما نهبوه من خزينة الدولة؟.

 هل تتولى المحاكم العراقية المختصة محاسبة الفاسدين، ام يقتضي تشكيل محكمة خاصة من قضاة كفوئين ومستقلين.. تتخطى الروتين في القضاء العراقي؟

ونعيد الى الأذهان أن الكتل السياسية المشاركة بحكومة الوحدة الوطنية كانت قد اصدرت في عام 2014(وثيقة الأتفاق السياسي) تضمنت بندا صريحا ينص على (محاربة الفساد المالي والاداري ومحاسبة المفسدين واجراء الاصلاحات اللازمة في الجهاز الاداري للدولة واعتماد اسس واستراتيجيات جديدة بما في ذلك مراجعة واقعية لمنظومة مكافحة الفساد وتجاوز الثغرات القائمة)، الذي أثبت اعترافا ضمنيا يؤكده تصريح لرئيس الوزراء الأسبق اياد علاوي بأن "هناك كيانات منظمة للفساد تدير البلاد ولا توجد سلطة في العراق قادرة على اتخاذ أي خطة ضد الفساد".. ليأتي الكاظمي في ايلول 2020 بتلك السلطة!.. مع أن هناك من يرى أن الحيتان ستكون في أمان!

وننوه الى ان مكافحة الفساد ليست اجراءا ينهيه بضرب رؤوس الفساد (وخلص) بل يتطلب استراتيجية وطنية بأهداف عملية بما فيها التربية والتوعية باعتبارهما ضروريين لمحاربة الفساد لدى الأجيال الناشئة، وتغيير النظرة المجتمعية المتسامحة معه أو التي تجعل منه شراً لا بد منه، ما يعني أن الفساد لم يفقر الناس فقط بل افسد القيم ايضا وهرّأ الضمير الأخلاقي بتحويله من فعل كان يعدّ خزيا الى"شطارة".. وهذا يتطلب تشكيل هيأة استشارية من كبار علماء النفس والأجتماع والتربية في العراق،

وتبقى المهمة الأكبر التي ستحدد مسار العراق الخاصة بتأمين اجراء انتخابات مبكرة نزيهة. واليقين عند الشارع العراقي ان الكاظمي يريدها ان تكون نزيهة فعلا، فهو لا ينتمي لأي حزب سياسي، ويسعى في حقيقته الى ان ينهي او يضعف سلطة الأحزاب والكتل التي استفردت بالسلطة والثروة.

وكنا اشرنا في حينه الى ان الفصائل المسلحة ستستخدم كل وسائلها لتزوير الانتخابات.. فضلا عن مشكلة فنية هي ان لدى احزاب السلطة اكثر من مليون ونصف بطاقة انتخاب الكترونية، وما لم يتم الغاء الالكترونية واستبدالها ببطاقة بايومترية فان فوزها سيكون مضمونا.. ليتمكن الكاظمي من تجاوز هذه المشكلة بتحقيقه في (10 اكتوبر 2021)اول انتخابات تشريعية بعد 2003حظيت بتاييد عربي ودولي.

الحلقة الثالثة والأخيرة .. الكاظمي بعد سنة ونصف

*

ا. د. قاسم حسين صالح

 

 

في تقرير صدر يوم أمس  2/1/2022، عن الغارديان البريطانية، ذكر فيه إن سريلانكا تواجه أزمة مالية وإنسانية عميقة مع مخاوف من إفلاسها في عام 2022، تزامناً مع ارتفاع التضخم إلى مستويات قياسية، وارتفاع أسعار المواد الغذائية ونفاد خزائنها .

وإن هذا الافلاس يعود الى أسباب عدة على وفق التقرير المشار اليه في أعلاه، وزعها على المحاور الآتية:

1- نتيجة جائحة كورونا مما سببت خسارة لقطاع السياحة .

2-  انهيار ايرادات الدولة بسبب تفاقم الانفاق الحكومي .

3- نتيجة للديون الصينية الضخمة، ووصول الاحتياطي الاجنبي إلى ادنى مستوياته.

إذ سجل التضخم مستوى قياسيًا بلغ 11.1٪ في تشرين الثاني 2021، وزيادة الاسعار بشكل غير طبيعي، جعل من ميسوري الحال  يكافحون من أجل توفير الغذاء لعوائلهم، ووصل بهم الحال الى الاكتفاء بوجبتين يومياً، وهذا الواقع، جعلهم في حيرة من الطريقة التي يتبعوها في تسديد ديونهم الخاصة  للدولة، التي هي بدورها مثقلة بديون للصين. بل وصل الأمر كما يصف التقرير ان أحد الباعة يقسم كيلو الحليب إلى عشرة أقسام من أجل بيعه، لأن الناس غير قادرة على تحمل شراءه بالكامل، وان نسبة واحد من كل أربعة سريلانكيين يفكر بالهجرة الى الخارج .

هذا المشهد لدولة تعد من الدول المؤسسة لبنك الاستثمار الاسيوي للبنى التحتية الذي يعد الأداة المالية لمبادرة الحزام والطريق، إذ إن سريلانكا شاركت في الاجتماع الأول للبنك  بتاريخ  24/ تشرين الاول/2014، فضلاً عن ان ميناءها (هامبا نتوتا) قد استحوذت عليه  شركة صينية وهي الشركة القابضة للموانئ التجارية الصينية المحدودة لـ 99 سنة، في سياسة  تثبت فشل الحكومة السريلانكية بادراتها للميناء والقصة معروفة للجميع.

كل ما تقدم ألا يدعو العراق الى دراسة الجدوى من الانضمام لمبادرة الحزام والطريق على الرغم من أن خطوات الحكومة العراقية سائرة باتجاه الانضمام، ولاسيما مع اعلان بنك الاستثمار الاسيوي للبنى التحتية انضمام العراق بتاريخ 28/12/2021، الذي كما ذكرنا سابقا يعد الاداة المالية للمبادرة ؟

وعلى الرغم مما يروج له في وسائل التواصل الاجتماعي من ضرورة انضمام العراق لهذه المبادرة التي تعرف شعبيا بطريق الحرير، وتوحي للمتلقي أن بمجرد انضمام العراق للمبادرة،  ستتحول الدولة العراقية الى الجنة الارضية أو الى أعلى مراحل الشيوعية على وفق رؤية اصحاب المبادرة (الحزب الشيوعي الصيني)، هناك بالمقابل من ذلك على وفق حالة سريلانكا، يتبادر سؤال –يفترض أي باحث يهتم بالشأن العراقي طرحه- هل تعد مبادرة الحزام والطريق فخاً للديون تعتمدها الصين كدبلوماسية من أجل نظام عالمي جديد هي أحد اقطابه كما وصفها الباحث الهندي براهما تشيلاني؟ فالموضوع ليس مع أو ضد مبادرة الحزام والطريق، التي هي استراتيجية صينية (الشرق) أو مع الاستراتيجية الامريكية (الغرب) التي تقف بالمقابل من هذه المبادرة، إنما هي عملية بحث عن مصلحة الدولة العراقية التي بحاجة أن تكون لها الأولوية لدى كل من يتصدى للشأن العام فالأمر لا يقف عند حد أن تكون مع الصين وتروج لها أو تقف بالضد منها .

 

د. قيس ناصر - باحث وأكاديمي

 

 

مهدي الصافي(الخطاب الديني والاجتماعي والسياسي وحتى الثقافي)

لايولد الانحطاط الحضاري الا في الامم المنهارة او المهزومة، ولايورث المجتمع الطبائع والاخلاق السيئة الا في البيئات الاسنة، وهي صفة بشرية اجتماعية او سنة كونية، تعالج احيانا قبل فوات الاوان بالانتفاضات والثورات العظيمة او بالمعجزات الخ.

لكل زمن ظروفه الموضوعية الخاصة، تلك التي منها مايتعلق بالتطورات والابتكارات والانجازات العلمية، وبالفكر والفلسفة الابداع، واخرى ترتبط بطبيعة المجتمعات وبالاقتصاد وحركة التجارة والمال والاعمال والتعليم، والقابلية الانسانية للتحضر (اي المتعلقة بقدرة الانسان على التعامل بعقلانية مع التراث او الماضي والحاضر والتفكير بالمستقبل)، وهذا الدوران الزمني لايستثني احد، فلكل الامم والشعوب فرص تأريخية مصيرية للتغير او النهوض، متفاوتة نعم لكنها متاحة للجميع، من يستغلها يبتعد عن الاوحال ويركب سفينة او قطار العبور الى الضفة الثانية، ومن يتخلف عن اغتنامها يدخل في دوامة التيه، تطحنه الاخفاقات والانتكاسات وماكنات الجهل والفوضى...

بلادنا ومجتمعاتنا العربية والاسلامية محاصرة بالخطاب الجاهلي العام، لايرى المسلم اسلاما ناصعا خاليا من التحريف والدس والكذب، بل كما اسميناه سابقا بثقافة الاديان الشعبية، ولايجد نخب اجتماعية تدفع به بعيدا عن التراث القبلي والعشائري المتحجر، المقوض للنهضة المدنية للدولة الحديثة، وكذلك الاخفاقات السياسية الكبيرة في بناء انظمة ديمقراطية تنموية ناجحة، اما فيما يتعلق بتراجع فاعلية النخب او الطبقة المثقفة في صناعة وعي شعبي متقدم، فيرجع الى تأثير المال السلطوي (او الخليجي تحديدا) في انتاج نخب وثقافة رسمية مصطنعة، تمتلك المال والشاشة والاقلام والاعلام، بل واغلب المؤسسات والفعاليات والندوات والمؤتمرات الابداعية مجيرة ومسخرة لخدمة توجهات اصحاب الامول الدعمة لهم (مع انها من المفترض ان تكون مدنية مستقلة)، وهذه الافة لاتقتصر على بلداننا انما اصبحت ظاهرة او حالة عالمية... سنحاول ان نتطرق في هذا الموضوع بشكل مختصر لكل مجال من مجالات الخطاب السلبي العام:

الخطاب الديني: الدين ليس باب لكسب الرزق، واذكر كلام او اعتراف احد رجال الدين (ويكاد يكون الوحيد ممن تكلم بهذا الكلام المباشرمن المسلمين اي الانتقاد الذاتي او الشخصي) بما معناه ان الدين لايحتاج الى مهنة رجل الدين (سواء كان خطيب او فقيه او مرجع او امام جامع)، يتقاضى اجرا على الخطب او المحاضرات الدينية، فهذا الامر لم يفعله الانبياء والرسل ع، ولا ائمة مذاهب المسلمين، ويعدها من الاخطاء الشائعة لكنها مقبولة وتمارس بشكل علني احيانا،

طبيعي هذه ليست نهاية الحقيقة لان تجارة الدين مارستها اغلب المؤسسات الدنية التابعة للاديان السماوية والارضية على مر التاريخ البشري، ولو عدت الى القران الكريم مثلا فالايات تؤكد على مبدأ الثلة والقلة من المؤمنين،

ولكن عندما تنظر الى الواقع، تجد ان اعداد رجال الدين في الوطن العربي والاسلامي كبيرة جدا، ارقاما فلكية غير مسبوقة، وفي زيادة مفرطة باستمرار، وهذا تعارض صريح امام النص القراني، اي لايجوز وفقا للقران الكريم وللعرف ان يرتدي العمامة الدينية (او اللباس المشهور لرجال الدين) من هو غير مشهود له اجتماعيا بالايمان، فكيف يصبح هناك جيش من المعممين والفقهاء والمبلغين (الذين نعتقد انه يفوق عدد رجال الدين المسيحيين في العالم)، ومن الانصاف لابد ان نقول بالفعل كان قبل قرون او حتى عقود عدد رجال الدين المسلمين محدودا واقرب للتعبير القراني، ولكن بعد نجاح الثورة الاسلامية الايرانية، وانتشار التشدد والتطرف الديني في الحروب والمواجهات مع الانظمة العربية والاسلامية المستبدة، والتعبئة الاسلامية التي سخرت للجهاد في افغانستان، فتحت ابواب الدراسة الدينية على مصراعيها، وتحولت بمرور الوقت الى مهنة ووسيلة للمتاجرة، لانه وكما هو معروف ان المؤسسات الدينية تمنع او لنقل لاتشجع طالب العلوم الدينية على العمل وكسب الرزق من عرق جبينه، وهذا امر خاطئ اجبر البعض ممن يحب دراسة تلك العلوم على الانخراط في مسألة تحويلها الى مهنة شبه دائمة،

المهم ان المجتمع الاسلامي يواجه خطاب ديني بائس، يفتقر الى التحليل والاستنتاج والرأي المنطقي العقلي السليم، يهتم بالقشور والمشهور ولايتطرق الى القران والعقائد الاسلامية الاصيلة، لتنقيتها من التحريف والتزييف والاجتهادات او التأويلات الخاطئة، حيث تحول العديد من خطباء المنابر وائمة الجوامع الى حكواتي يستخدم اساليب اللغو والثرثرة، وملاحقة ابسط واتفه التصرفيات والسلوكيات الاجتماعية اليومية المرفوضة، (انتقاد حفلة تخرج لطلاب الجامعة، او الاحتفالات برأس السنة الميلادية، او حفلات غنائية عامة، او الحديث عن لبس الشباب وتسريحات الشعر، التبرج وسفور المرأة، الخ.)، بطريقة سافرة ومتدرجة (بمعنى انه يزحف على الحريات الشخصية باستمرار لانه يبحث عن المواضيع الجديدة لكسر حالة التململ التي قد يصاب بها اتباعه)، وبعض منها فيه تحريض على العنف والارهاب، يتجاوز كل الخطوط والاعتبارات الدستورية والقانونية والاخلاقية دون اكتراث، وكأنه فعلا ممثلا ووكيلا عن الخالق عزوجل على عباده، بينما مايحتاجه المسلم وغير المسلم الاستماع الى القواعد والقوانين الالهية، والقيم الاخلاقية والانسانية التي تدفع بالناس الى الخير والاعمال الصالحة وثقافة التعايش السلمي وقبول حرية الرأي الخ....

الخطاب الاجتماعي: المجتمعات القبلية او العشائرية داخل المدن تعني ببساطة عودتها الى العصور الغابرة، تساهم بتحويلها الى قرى عصرية (اي ترى فيها مظاهر الحضارة التكنولوجية والمدنية لكن الاساس فيها يخضع للاعراف والعادات والقوانين العشائرية)، وهي دليل على غياب وحدة الامة، وضعف الدولة والسلطة القضائية، وهذا يؤكد حاجة ابناء المدن باللجوء الى السلطة العشائرية في الدول والانظمة الفاشلة، اي عندما يكون نظام الحكم بيد مافيات الفساد، وتركيبة الدولة وهيئتها عبارة عن اقطاعيات عائلية ا عشائرية في دولة الزعامات، ينهار المجتمع، وتعجز بعدها المؤسسات الحضارية عن اداء واجباتها ومهامها الرسمية والاخلاقية في انقاذ البلاد والعباد من الفتن والازمات، وهذه التجارب مرت بها اغلب الامم والدول المتحضرة، فهي ليست حالة نادرة او صفة خاصة لامة معينة  (علما ان بعض البيئات يصعب ان تنتقل الى الركب لحضاري كبقية الامم بسبب الموروث المقدس، والتركة الثقيلة المتراكمة من انظمة الاستبداد والتوحش)، مع انه شكل بائس لنموذج كارثي حاولت اغلب الامم او دول العالم الثالث التخلص منه وقبره الى الابد، الا ان قسم منها لازال يرفض الامساك بخيوط الحضارة، جاعلا من كل فعل او عمل ابداعي معين او طريقة جديدة في الحياة عدو خارجي لابد ان يحارب ويمنع بقوة، مستحضرا اساليب الحدود والعقوبات في الاسلام كالرجم والجلد، واتهامات الردة والالحاد والزندقة، غطاءا شرعيا واجتماعيا لاسقاطها على كل مظاهر التطور العلمي والحضاري الحديث، اي كأنه يضع على رأسه عمامة التراث المقدس، لاصدار الاحكام المسبقة المتوارثة لاقصاء ومحاربة التغيير والاصلاح، لايقاف عجلة اعادة الفهم والادراك والتفكير العلمي الخ....

الخطاب السياسي: هو بالاحرى لايوجد خطاب سياسي عربي او اسلامي واضح، فالنخب السياسية لازالت منكمشة وغير جادة في حسم امرها مع ضرورة التحول الى الانظمة الديمقراطية او بناء دولة المؤسسات الديمقراطية المهنية، ولاتملك رؤيا مدنية واضحة لادارة الدولة، لابعاد التأثيرات الخارجية عنها، واستعادة السيادة الوطنية والنفسية لابناء البلد، ولايوجد اي طرح فلسفي او ايديولوجيا علمية للسياسية التنموية الشاملة للدولة والمجتمع، وهي في حالة من التراجع والارباك امام مفهوم علاقة الدين بالدولة، وعاجزة تماما عن التعامل العقلاني مع الحضارة التكنولوجية، والتواصل مع حاجة الشباب والاجيال المتعاقبة الى التغيير، واخراجهم من الانماط الاجتماعية السائدة، ولهذا تجد العوالم الاجتماعية مقسمة بين الثقافات والاراء والتوجهات والطموحات والرغبات، تتلاطم كالامواج فيما بينها، في غياب شبه تام للهوية السائدة المفتوحة او الثقافة العامة للمجتمع....

الخطاب الثقافي:الفلسفة، والفكر، والادب والفنون والابداع والاعلام، والمحاولات الفردية او المؤسساتية للتأسيس لقواعد ثقافية علمية منطقية، ليس لها منظومة قيمية ضابطة او مرجعية فلسفية بارزة او معتمدة، وهناك تشتت وانقسام، وحسابات واعتبارات شخصية او فئوية عالقة في الوجدان المضطرب (وبعضها تنجرف للانتماءات العرقية او الطائفية او الهويات المتعددة الاخرى)، تعمل على تفكيك هذا البناء الهش للثقافة العربية او الاسلامية، التي ظهرت بعد انهيار الامبراطورية العثمانية ورحيل الاستعمار، اذ لايخفى على احد من ان الكثير من المثقفين يحمل الدين الاسلامي او من يمثله، والصراع العربي الاسرائيلي (وظاهرة التطبيع الجديدة)، والتركيبة الاجتماعية القبلية والاثنية، والانظمة الشمولية العنيفة، مسؤولية هذا التراجع الحضاري التي تمر به الامة العربية والاسلامية، وهذا امر نسبي، اي لايمكن ان يتجاهل المثقف الحقيقي مسؤولية الاسرة وانظمة التربية والتعليم، وجميع الفعاليات المؤثرة بثقافة ووعي المجتمع، ومستوى الذكاء والقدرات العقلية والبدنية، ونسب الابداعات والابتكارات العلمية (هل يمكن مثلا مقارنة التجارب الالمانية او اليابانية الناجحة بعد الحرب العالمية الثانية بدول اوربية اخرى لازالت عاجزة عن اللحاق بهما، او بين تجربة نمور اسيا والدول العربية او الافريقية التي ترزح في ذيل قائمة دول العالم الثالث الفاشلة)، وبقية العوامل الخارجية المباشرة (كالحروب والحصار الاقتصادي والتدخلات السافرة في الشؤون الداخلية للبلدان العربية والاسلامية)، من انها تعد من الاخفاقات الذاتية، وهي معاول الهدم الشامل لثقافة وارادة اية امة او شعب، يطمح للنهوض والاستقرار، هذا لاينفي سلبية الخطاب الثقافي الذي رافق تلك التحولات الجذرية للدول العربية الحديثة، فهو ابن البيئة والوعي السطحي (عدا بعض المحاولات الفردية)، انطلق من القواعد الثقافية العامة، تراه تارة يذوب في الفكر الماركسي، يتفاعل بطريقة ساذجة مع الاحزاب الشيوعية، انطلاقة الفقير المحروم المتعطش للحضارة، لكنه اخطأ الطريق وضيع الهدف وتبدلت الغايات، ودخل في صراع داخلي عنيف مع الدين والتراث وعادات وتقاليد المجتمع، كانت سببا في ظهور الاسلام السياسي المتشدد، وتارة اخرى يتجه يمينا، فينتج انظمة شمولية قمعية، واخر تلك الموجات ظهور الحركات الاسلامية الجهادية والارهابية ....

كل عقد يمر من حياة الامم والشعوب تكتشف النخب سلبية الخطاب العام الموجه للمجتمع، لعل مانذكره دائما ان المقارنة العقلانية المنطقية بين الامس واليوم، او بين الماضي والحاضرهي تخضع لمعايير التقييم بين منظومات القيم الانسانية والاخلاقية العقلانية والعلمية الرفيعة، التي تجلب الرفاهية والامن والازدهار للمجتمعات المتحضرة، لا تلك التي ترجعهم الى مربع الجاهلية الاولى، او تفرض عليهم شروط الاستعباد الجديدة للرأسمالية المتوحشة، وتخضعهم للادوات السلطوية الحديثة (شروط يمقراطية مابعد صعود اليمين المتطرف في اوربا ومابعد قيود كورونا)، وبين منظومة القيم القروية او التراثية العقيمة، التي تعرقل مسيرة الشعوب، وتعطل مشروع بناء الدولة الحديثة.

 اللغة بمفهومها الحضاري الواسع هي اساس حضارة الشعوب او العكس (ليس المقصود لغة الشارع انما لغة النخب المثقفة او الخطاب الرسمي للدولة)، تعطي مع بقية الدراسات والبحوث الاجتماعية والنتاجات الثقافية والادبية الدورية الرؤية القريبة من الواقع، وتحدد من خلالها مسارات الوعي للامة، او الانعطافات والانتكاسات الاجتماعية، فهي اساس اي مشروع تنموي، يأخذ بيد الاجيال الى بر الامان، ولكن بشروط عقلانية علمية، لا ان تصبح وسيلة للسلبية والانهزام، وضرورة اجتماعية بدائية، لايتم الاعتناء بها والاستفادة منها، او الاعتماد على مخرجاتها المنطقية، من اجل رفع مستوى التفكير ودرجات الوعي، وجعلها احد اهم اسس المراجعة الفكرية...

هل فكرت الشعوب العربية والاسلامية بمراجعة واعادة تقييم لغة الخطاب العام؟

هل استطاعت النخب المثقفة ان تحدد مكامن الخلل الحقيقي المعرقلة للنهضة والتنمية والتحضر؟

هل هناك حضور للعقل والعلم والمنطق والانسانية والاخلاق في الخطابات العامة الموجهة لشعوبنا؟

هل اللغة فعلا اساس حضارة وتقدم الامم والشعوب؟

قائمة طويلة من الاسئلة تنتظر البحث والتحليل والتشخيص الخ.

 

مهدي الصافي

 

ابراهيم أبراشأن تكون ذكرى انطلاقة حركة فتح هي نفسها ذكرى انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة فهذا يعني أن حركة فتح تمثل الثورة الفلسطينية أو أنها عمودها الفقري والعنوان الدال عليها، وبدونها ما كانت هذه الثورة التي استنهضت الحالة الوطنية في منتصف الستينيات وفرضت اسم فلسطين دوليا كقضية تحرر وطني وحافظت على الهوية والثقافة الوطنية.

بالرغم مما تعرضت له حركة التحرر الوطني الفلسطيني (فتح) من تحديات خارجية وداخلية: تآمر دول عليها، استهداف إسرائيل لقياداتها ،حالات انشقاق داخلية، تراجع شعبيتها بعد توقيع اتفاقية أوسلو والاعتراف بإسرائيل، تحميلها مسؤولية أخطاء السلطة، وما يُشاع عن فساد فيها، و حالة الترهل في العمل التنظيمي، بالرغم من كل ذلك ما زالت حركة فتح تتبوأ مكان الصدارة في النظام السياسي الفلسطيني كما تُشير استطلاعات الرأي، وما زال قطاع واسع من الشعب يراهن عليها دون غيرها للخروج من المأزق الذي تعيشه القضية الوطنية.

وفي المقابل فإن أحزاباً تزامَن ظهورها مع تأسيس حركة فتح وبعضها سابق في الوجود عليها وكان لها دور نضالي ولا شك، وأخرى ظهرت لاحقاً منافساً للحركة،  إلا أنها جميعاً لم تستطع أن تجاري حركة فتح في استقطاب الشعب أو تحقيق انجازات كبيرة على المستوى الوطني أو الدولي، بالرغم  من كل المساندة والدعم التي كانت تجدها من دول وحركات سياسية عربية وإسلامية كبيرة، وبالرغم من الشعارات الكبيرة التي ترفعها وتقديم نفسها ونهجها الثوري والجهادي المتمسك كما تقول بالثوابت الوطنية والقيم الدينية كبديل عما تسميه النهج (الاستسلامي) لحركة فتح .

 تفسير ذلك لا يعود بالضرورة لأن النهج السياسي لحركة فتح هو الأصوب وأن فتح حققت الأهداف التي انطلقت من أجلها، أو لأنها في موقع السلطة والسلطة تستقطب مؤيدين طمعاً في مغانمها أو خوفاً من سطوتها، فهذه الأسباب تعطي تفسيراً جزئياً وقد تكون محل جدل.

إن سر فتح ومصدر قوتها تاريخيا يكمن في وطنيتها،  بمعنى أنها فكرة وطنية خالصة انطلقت من وسط معاناة الشعب وربطت نفسها به: هوية وثقافة وتجربة نضالية، ولم تُرهن وجودها بأي طرف خارجي وحافظت على درجة من استقلالية القرار، والشعب الفلسطيني خَبَرَ وجرب واكتوى كثيراً من تداعيات التبعية للخارج باسم هذه الأيديولوجيا أو تلك .

استمرت حركة فتح وتراجعت أحزاب ربطت وجودها بهذا النظام العربي أو ذاك كمنظمة الصاعقة وجبهة التحرير العربية وغيرها، أو ربطت وجودها بأيديولوجيات ودول خارجية كأحزاب اليسار التي ربطت وجودها بالشيوعية العالمية وبالاتحاد السوفيتي، او التي كانت وما زالت تابعة للإسلام السياسي وللإخوان المسلمين كما هو الحال مع حركة حماس، أيضا ما آلت إليه حالات الانشقاق على حركة فتح التي لم تُعمر ولم تنفعها الدول والجماعات التي حرضتها واحتضنتها.

انطلاقاً من ذلك فإن الخطر الحقيقي على وجود دولة إسرائيل ليست الأيديولوجيات الدينية أو الأممية  أو دول الجوار أو إيران أو الجماعات الإسلامية المتطرفة أو المعتدلة، وليس مصدره حركة حماس وفصائل المقاومة في غزة، بل الأيديولوجيا الوطنية وتجسيدها الواقعي المشروع الوطني كمشروع تحرر وطني ودولة وهوية وطنية، وإسرائيل تعرف ذلك، فهي قادرة على التعامل مع كل الأيديولوجيات والتهديدات العسكرية اللفظية أو الفعلية التي مصدرها  محور وفصائل المقاومة وتحييدها بالقوة الرادعة أو بالمال والتدخلات الخارجية، ولكنها لا تستطيع ردع واحتواء الوطنية الفلسطينية، فهذه الأخيرة هي النقيض الموضوعي والفعلي للمشروع الصهيوني.

بل يمكن القول إن هدف الانقسام وحصار قطاع غزة وحملات العدوان عليه لم يكن بهدف القضاء على المقاومة المسلحة في غزة بل لتكريس وتعزيز حالة الانقسام  وتدمير المشروع الوطني وإضعاف حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية، فاستمرار الانقسام أكبر خطر يهدد المشروع الوطني والهوية الوطنية الفلسطينية الجامعة.

ما سبق لا يعني تجاهل الأخطاء والتجاوزات وما يُشاع عن وجود فساد في السلطة التي أسستها فتح ولا يعني تجاهل حالة الترهل في تنظيم فتح ، كما أن حركة فتح ليست السلطة أو رئيس الحركة أو لجنتها المركزية فقط، نحن نتحدث عن حركة فتح كفكرة وطنية وتاريخ نضالي وامتداد شعبي وحضور دولي وكفاءات عديدة حتى وإن كانت خارج الأطر التنظيمية.

نمنح الأفضلية لحركة فتح في مجال المقارنة بغيرها من الأحزاب المتواجدة الآن على الساحة دون أن ننتقص من قيمة ودور هذه الأحزاب حتى وإن كان بعضها أساء للشعب الفلسطيني وشوه عدالة قضيته، أما الحكم على المستقبل وعلى قدرة فتح على تحقيق الأهداف الوطنية فيحتاج إلى كثير من الجهد من أبناء الحركة وإلا فإن هذه الأفضلية قد تتآكل مع مرور الزمن.

حركة فتح ستكون أمام مفترق طرق مصيري عند انعقاد المؤتمر الثامن المُقرر في مارس القادم- هذا إن تم عقده في موعده- فإما أن تستعيد الحركة حيويتها وروحها الوطنية الأولى وتجدد قانون المحبة بين أبنائها وتحرر نفسها من أوزار السلطة وتبعاتها الثقيلة، أو تفشل في ذلك ويُعيد المؤتمر انتاج نفس القيادات والسياسات وبالتالي تكريس أزمة الحركة وأزمة النظام السياسي، مما سيمنح شرعية لأي منافس جديد يسعى لقيادة الشعب وتمثيل الوطنية لأن الوطنية ليست حكراً على أحد حتى وإن كانت حركة فتح.

في ذكرى انطلاق الحركة في الفاتح من يناير وهي نفس ذكرى انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة نتمنى القيام بمراجعة نقدية شاملة، لأن ما تم انجازه منذ تأسيسها لا يتناسب مع أهدافها المُسطَّرة في أدبياتها ولا يساوي حجم التضحيات من شهداء وأسرى وجرحي الذين ناضلوا تحت راية الحركة، كما أن طول عمر الحركة واستمرار وجودها على رأس النظام السياسي الرسمي لا يمنحها أفضلية أو شرعية مطلقة.

كتبنا قُبيل المؤتمر السابع بأن حركة فتح أمام مفترق طرق وللأسف لم تكن مخرجات المؤتمر السابع وحال فتح  بعده أفضل بكثير من حالها قبله، فهل سيختلف الأمر في المؤتمر الثامن؟ نأمل ذلك وغالبية الشعب تراهن على ذلك.

 

د. إبراهيم ابراش

 

محمد عمارة تقي الدين"إلى فلسـطيـن: تــــلك المُتَسربـِـلة بعطـر الأزليــة.. المصلوبة تكفيرًا عن خطايـا البشــريـة.. المقتولة غدرًا برصاصـة ما بعـــــد حداثـيـة.. المشنوقة ظلمــًا بأيـادٍ صهيونازية.. المطعـونة ظَهراً بخنجر الأنظمة القمـعية.. انهضي أيتها الرائعة ورتِّلي ترانيـمك الصباحـيــة.. أيتها المرابطة على ثغور الكرامـــة الإنسانية.. يامن علمتينا أنَّ المجـــرم ليس كما الضحية.. أنَّ الحق عليه أن يمُرّ حتمًا من فوهــة البندقيــة.. أنَّ الجُرح قد يهزم السكّين إن هو أخلص للقضية.. أنَّ الضمير الإنساني هو فلسطينيُّ الهوى والهويَّة".

ذلك هو نَصُّ إهداء موسوعتي (موسوعة الصراع العربي الصهيوني)، وقد أردت منه تأكيد حقيقة مركزية مفادها أن فلسطين تخوض معركة الشرف والكرامة الإنسانية نيابة عن البشرية كلها، ودفاعاً عن إنسانيتها المُهدرة.

ومن ثم فتأييد الحق الفلسطيني ليس تفضُّلاً على فلسطين والفلسطينيين، كما أن القضية الفلسطينية ليست شأناً داخلياً بل هي وجع العالم كله وأنَّات بقايا ضميره الحي.

فلسطين، في حقيقة الأمر، هي ذلك الجندي المُرابط على الثغور لدحر أعداء الإنسانية ومنعهم من تحطيمها قيمياً، وللتصدي لهذا الزحف غير المقدس لقيم ما بعد الحداثة نحو ضمائرنا وقيمنا الإنسانية الرائعة في محاولة لتقويضها من الداخل.

إذ نعتقد أن هذا الصراع العربي الصهيوني هو في عمقه تجسيد لمأساة البشرية كلها، وإخفاقاتها في تغليب الروح على المادة، والقيمية على النفعية، والحق على القوة، والوردة على السكين، وإن لم يتكاتف الجميع لإنهائه بشكل عادل وإنساني في آن فالأمر مُنذر بعواقب وخيمة.

هكذا يدفع الفيلسوف والمؤرخ الكبير أرنولد توينبي بتلك الفكرة إلى حدّها الاقصي، إذ يقول:"مأساة فلسطين ليست مأساة محلية، بل هي مأساة العالم، فهي ظُلم يُهدِّد السلم العالمي"، ففي عمق تلك المقولة بالغة الدلالة تكمن حقيقة مفادها أن ارتدادات الصراع العربي الصهيوني ستضرب العالم أجمع، فالظلم المفرط والكيل بمكيالين هو أمر من شأنه أن يؤجِّج العنف والإرهاب كقنبلة عنقودية انشطارية، وككرة ثلج مُتدحرِجة من أعلى جبلٍ تكبر يومًا بعد يوم، أو كنظرية الأواني المُستطرقة حيث ينتقل الإرهاب من الأماكن الأعلى إرهابًا(الكيان الصهيوني) إلى الأدنى (سائر العالم).

وإذا ما كانت الحضارة الغربية تحمل بين طياتها معسكرات الموت والإبادة الجماعية، على حدّ تعبير ريتشارد روبنسون، ففي يقيني أن الكيان الصهيوني هو مؤسِّس أكثر تلك المعسكرات جُرمًا ووحشية على الإطلاق، ومن ثم فالتصدي لهذا الكيان الغاصب هو معركة يخوضها الفلسطينيون دفاعاً عن الإنسان بما هو إنسان وعن قيمه التراحمية الخالدة.

فها هو المشروع الصهيوني وقد تم تعميده بالدماء: دماء الفلسطينيين وإخوانهم من العرب، مع حاجته المستمرة لمزيد من الدماء ليواصل نموه وتمدده الشيطاني ككائن دراكولي نهِم، وهكذا عمّدت الحضارة الغربية كل مشروعاتها التوسعية الاستيطانية، وهكذا ستفعل مستقبلًا عبر إنتاج مشروعات استيطانية جديدة إن ظلت تسير بذات الاتجاه وتتبنى نفس القناعات.

إن في إنهاء هذا المشروع الاستعماري وتصفيته فائدة كونية، حتى لليهود أنفسهم، فليس من المبالغة القول أن: اليهود كأمة على حافّة الانتحار إذا ما ظلت قوى الدفع تسير بذات الاتجاه دون تدخُّل من أحد.

فاليهود محاصرون بين انتحارين: انتحار مادي وجودي: إذ أنهم على وشك التورط، بفعل ممارسات الكيان الصهيوني الإجرامية، في معارك وحروب مُميتة، من شأنها القضاء على معظم الوجود اليهودي على الأرض. وانتحار روحي قيمي: أي ذوبان مُطلق في الطرح المادي للصهيونية، وفُقدان ما تبقّى من الرسالة الروحية الأخلاقية لليهودية كديانة سماوية.

وقد قطعوا  بفعل الصهيونية أكثر من نصف الشوط في كلا الاتجاهين.

إن ما نُريد له الانتحار هو الفكر الصهيوني بكل تجلياته العنصرية ونزوعه الإجرامي، لتتخلص اليهودية واليهود منه، وتنجو الإنسانية من بين براثنه، يقول المفكر الألماني إدوارد بيرنشتاين:"الصهيونية أشبه بالمُسكرات وتعاطي المخدرات الذي يفعل فعله كالوباء"، إذ تُفقد اليهود عقولهم، تُفقدهم قيمهم وروحهم التي ادَّعوا أنها طالما حفظت وجودهم وهويتهم طويلاً.

لقد انتقل اليهود بفعل الأطروحات العنصرية من وضع الجماعة المؤمنة إلى وضع الجماعة الوظيفية ذات المهام القذرة ، وأخيراً وضع الدولة الوظيفية ذات المهام الأكثر قذارة، في ظل تصاعد معدلات الصهينة بينهم، إذ تضخم الدور المُشين الذي أوكلتهم الحضارة الغربية به بقدر النقلة ما بين الجماعة والدولة، تلك هي إسرائيل ما بعد الحداثة وعصر السيولة حيث نسبية القيم وتدثُّرها بنفعيِّة مقيتة.

إن الغوص في أكثر مستويات التحليل عمقاً هو أمر من شأنه أن يخبرنا أن تأثير الصهيونية المدمر لا يقتصر على الديانة اليهودية واليهود فحسب، بل يزحف فكرها العنصري والمدنس على العالم في موجات ارتدادية هائلة، لتصيبه لعنة الشيفونية والعداء المُزمِن للآخر.

من هنا أهمية ممارسة ضغوط حقيقية على هذا الكيان الغاصب، وفي القلب من هذه الضغوط تأتي المقاومة الفعلية للمُغتصِب كأكثر الأعمال نُبلاً وأخلاقية على الإطلاق، إذ تبقى التضحية بالنفس من أجل الأوطان هي قمة مشاعر السمو الإنساني، فمن شأنها أن تُبقي جذوة التوق الإنساني لتحقيق العدل متقدة على هذا الكوكب.

واحدة من الحقائق التي تطل برأسها في هذا السياق، هي أن هذا الصراع العربي الصهيوني ليس صراعًا دينيًا كما يزعم البعض، ولكنه في عمقه صراع براجماتي نفعي يضرب بجذوره عميقًا في قلب الحضارة الغربية(تلك الحضارة التي بلا قلب)، غير أنه متدثر بعباءة الدين ببراعة فائقة، بشكل أعمى كثيرين عن قراءته بشكل حقيقي.

فهو صراع يُجسِّد كل إخفاقات الحضارة الغربية في طورها ما بعد الحداثي، فلا عجب إذن أن يدشِّن كثير من المفكرين الكبار أطروحاتهم العظيمة بتحليل ودراسة هذا الصراع، ومن ثم ينطلقون لبلورة رؤية إنسانية عامة، لعل أقرب الأمثلة: جمال حمدان، وإدوارد سعيد، وعبد الوهاب المسيري، وزيجموند باومان، وناعوم تشومسكي، وحنا أرندت وغيرهم.

هو إذن هَمُّ الإنسانية جميعها، هو عورتها التي تبحث عمن يسترها، هو مكبوتاتها الحيوانية وقد تفجَّرت في أبشع صورها.

ومن ثم وفي مقابل (حق القوة) والذي تُمثِّله إسرائيل، ومن خلفها الصهيونية العالمية، نُريد التأسيس لـ (قوة الحق)، والذي يُمثِّله الفلسطينيون وكل دُعاة الإنسانية.

والسؤال الذي يُطَلّ برأسه الآن: ماذا سيحدث لو تم إنهاء هذا الصراع العربي الصهيوني وحله حلًا عادلًا وإنسانياً في آن؟

في اعتقادي أن ذلك لو حدث، هو أمر من شأنه أن يفضي إلى تراجع الإرهاب العالمي وتقلُّصه لحدِّه الأدنى، سندلُف إلى عالم جديد، فحل هذا الصراع بهذا الشكل العادل والإنساني قد يقود لبداية مصالحة حضارية كبرى بين الشرق والغرب.

تؤكد الدراسات العلمية التاريخية أنه قبل ظهور الكيان الصهيوني الفجّ والوقح في المنطقة العربية كانت تلك المنطقة تتسم بسيادة القيم الإنسانية الرائعة، كالتسامح والتراحم والتلاحم الاجتماعي والتدين الوسطي البعيد عن العنف، غير أنه وبمرور الوقت وتزامناً مع انغراس هذا الكيان الغاصب في لحم المنطقة العربية استشرت مظاهر التطرف الديني والتشدد والتعصب وتفاقمت الفتن الطائفية.

كما يؤكد الباحث اليهودي المعادي للصهيونية (إسرائيل شامير) على النزعة العدائية للعالم أجمع ورغبة السيطرة عليه لدى الصهاينة، تلك النزعة التي تفشَّت كعدوى وبائية أصابت الآخرين، فيقول:"إن فلسطين ليست الهدف النهائي للصهاينة بل إنه العالم أجمع" .

فالحقيقة أن الكيان الصهيوني لن يترك العالم وشأنه، فالقناعة النائمة في أعماق أعماقه أنه لن يُكتب له الاستمرار والوجود في محيط ديمقراطي ومن ثم عليه اغتيال الديمقراطيات الوليدة في مهدها، كما أنه يخشي وجود دول قوية وموحدة لذا يتبنى سياسية تفتيت وبلقنة البلدان عبر تعميق تناقضاتها الدينية والعرقية والطائفية وصولاً لسقوطها النهائي.

من هنا فإن مساندة الحق الفلسطيني ليست ترفاً إنسانياً، بل هي حتمية وجودية على الجميع أن يمتثل لها.

فلسطين، في التحليل الأخير، هي تلك المطرقة التي تدق على الضمير العالمي لتوقظه كلما خلد إلى النوم، هي قلب الإنسانية النابض الذي يرشدنا إلى أن تلك البشرية لازالت تعج بالحياة، هي ترمومتر الكرامة الإنسانية الذي على وقعه نضبط ساعة كبريائنا، هي ميدان العالم الذي على الجميع أن يُبقيه مُرتَّباً وهادئاً وجميلاً.

فلسطين هي تلك الجميلة التي يتنفس العالم من رئتيها هواءً عبقاً بأريج الكبرياء والكرامة.

 

دكتور محمد عمارة تقي الدين

 

 

جواد العطاريعتبر مبدأ الفصل المرن بين السلطات الثلاث تشريعية وتنفيذية وقضائية ركنا أساسيا ومهما من أسس النظم البرلمانية، ومتى ما كانت كل سلطة تعمل بمعزل عن تأثير الاخرى كلما كان النظام الديمقراطي قويا ضاربا بجذوره في نفوس الساسة والناخبين على حد سواء كل يعلم دوره ويسير عليه بإتقان. لكن اي اختلال او تأثير سلبي في عمل احدى السلطات او ممارسة الضغوط والتأثير على الاخرى ستظهر الهزات والازمات وتعصف بروح النظام الديمقراطي ومصداقيته واستمراريته.

وفي العراق لا فصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية لان الحكومة بنت البرلمان ومبدأ التحاصص هو السائد فلا تعاون مرن بين السلطتين بل انسجام وتوافق على طول الخط قادته الكتل السياسية لاكثر من عقد ونصف مما تسبب بظهور مشاكل عديدة من قبيل استشراء الفساد والمحسوبية والمنسوبية والتحابي على حساب المصلحة العامة وغيرها الكثير من المشاكل التي عطلت المشاريع والبناء والإعمار واكلت الاخضر واليابس، ورغم وجود هذا التعاون بين السلطتين في الكثير من النظم الديمقراطية التي سبقتنا الى انها حافظت على أمرين:

الاول - وجود حكومة ومعارضة في البرلمان، فالكل لا يشارك بالحكومة مثل العراق بل تتقاسم القوى الفائزة الأدوار فيما بينها ويمارس البرلمان رقابة صارمة على الأداء الحكومي حتى وصل في بريطانيا مثلا الى تشكيل حكومة ظل من المعارضة.

الثاني - الحفاظ على استقلالية القضاء من تأثير السلطتين التشريعية والتنفيذية، باعتباره صمام الأمان وقت الازمات وحتى تضمن استقلاليته من التأثيرات.

فإذا كان العراق قد فشل في تحقيق الامر الاول لان كل القوى الممثلة في البرلمان تسعى لتقاسم المناصب وتشارك بالحكومة، فهل نجح في تحقيق الامر الثاني المتمثل باستقلالية السلطة القضائية عن السلطات الاخرى؟.

في الحقيقة عانت السلطة القضائية كثيرا في العراق خلال المرحلة الماضية بسبب عدم وجود الأسباب الموضوعية التي تضمن استقلاليتها، فلا تعيين للقضاة مدى الحياة ولا مؤسسة المعهد القضائي التي تخرج القضاة بمعزل عن المحاصصة ولا القضاة انفسهم يمتلكون اسباب الحماية من الدولة على حياتهم او ممتلكاتهم... وفقدت المؤسسة القضائية الكثير من خيرة رجالها بسبب تمسكها بالقانون وعدم انصياعها للتأثيرات الخارجية.

ورغم هذا الامر وفرت الدولة الحماية لاعضاء المحكمة الاتحادية العليا لكن الدستور اوكل امر تعيين اعضاءها بيد البرلمان مما جعل الكثير من قرارتها عرضة للتفسير والتأويل خصوصا مع تضارب بعضها او تأخرها في اصدار القرارات، ومنها على سبيل المثال:

١- اصدرت المحكمة الاتحادية العليا قرارين متناقضين في نفس الموضوع وهو الكتلة الفائزة الاكبر في الانتخابات، حيث اعتبرتها عام ٢٠١٠ بانها الكتلة التي تتشكل داخل البرلمان في جلسته الاولى، ثم عادت عام ٢٠١٨ فاعتبرتها الكتلة التي حصلت على اعلى الأصوات في الانتخابات... مما تسبب بالكثير من الإرباك على المستوى السياسي خصوصا مع اعلان نتائج انتخابات عام ٢٠٢١.

٢- تتأخر المحكمة كثيرا في اصدار قرارتها حتى انها تعيد محافظا مقالا الى منصبه بعد سبعة اشهر من إقالته او تؤيد طعنا بقانون بعد صدوره واقراره بعام، مما يسبب الكثير من الإرباك على المستوى الاداري.

٣- تنظر المحكمة الاتحادية العليا دعوى طعنا في نتائج الانتخابات فتقبله شكلا وتؤجل الدعوى لغرض الدراسة وتخاطب مفوضية الانتخابات حول قضايا جوهر الدعوة ثم تعود بعد مضي اسابيع لترد الدعوى لانه ليس من اختصاصها.

لا يخفى على من قرأ النقاط الثلاث بان المحكمة الاتحادية العليا كانت عام ٢٠١٠ تحت تأثير سياسي في اصدار قرارها الذي ثبت السيد المالكي لولاية اخرى وابعد السيد علاوي الفائز الاول عن تشكيل الحكومة، وفي النقطة الثانية فان فترة الأشهر التي تكررت في إقالة المحافظين وتعديل بعض التشريعات هي فترة الضغوط الشخصية والحزبية وحتى تحت الضغوط الشعبية لانها خالفت الدستور برد ابطال تجميد مجالس المحافظات تحت تأثير الرأي العام، وفي النقطة الثالثة وهي الأهم فإننا كنا نحتاج من المحكمة الاتحادية العليا الحسم السريع لمثل هذه القضايا لانها تمس جوهر النظام الديمقراطي وصميم عمل المؤسسة القضائية وهو البت في الخلافات بين القوى السياسية، لذا لم يكن من داع للمحكمة التهرب من واجبها المؤسسي بدعوى عدم وجود الاختصاص.

ان اي محكمة عليا هي السند الحقيقي للنظام الديمقراطي وصمام الأمان وقت الازمات، لكنها ان لم تتمتع بالسرعة في الإنجاز اولا؛ والحسم دون محاباة ثانيا؛ والانفصال عن كل التأثيرات ثالثا؛ فلنقرأ على مستقبل النظام السياسي السلام.

 

جواد العطار

 

 

 

عبد الخالق الفلاحيمكن النظر إلى الوطنية باعتبارها خليطاً من التعلق العاطفي بالبلد ورموزها التعريفية وقيمها التأسيسية التي تعرف بالمبادئ الأولى، ويمكن تمييز التعليق الأمة وقيمها التأسيسية و مؤسساتها وقرارتها السياسية وفي كل بلدٍ يسعى الى الديمقراطية والحرية، تُوَفِّرُ الوطنية شعورًا والولاء والتفاني وتُقدّم للمواطنين غرضًا حياتيًا يرتكز عليه النظام، النهوض بالمواطنة التي تنطوي على مجموعة محددة وواضحة المعالم من الحقوق الفردية  والقانونية، واجبات و حقوق سياسية، وحقوق اقتصادية اجتماعية. من شأن ذلك تعزيز مشاعر الولاء، وترسيخ تمييز حاسم بين أولئك المشمولين "المواطنين" و"الاجانب "

إنَّ ضعف الهوية الوطنية لصالح هيمنة انتماءات ضيّقة يعنى ضعفا فى البناء الفكري والسياسى. ويعنى ان المواطن يشعر بان الوطن ليس لكلِّ ابنائه وأنه ساحة صراع على مغانم فيه، لذلك يأخذ الانتماء إلى طائفة أو مذهب أو قبيلة بُعدا أكثر حصانة وقوة من الانتماء الوطنى الواحد، كما يصبح الانتماء الفئوى مركبة سياسية يتمّ استخدامها للحفاظ على مكاسب سياسية أو شخصية.

كذلك فإنّ ضعف الهوية الوطنية قد يكون هو المدخل للاحتلال أحيانا، حيث تتحوّل أولوية الانتماءات الضيّقة إلى حجج بيد ضعيفي الارادة الوطنية تقتضي منهم  التعامل مع أى جهة خارجية من أجل مواجهة الانتماءات الأخرى فى الوطن الواحد!.

إنّ ضعف الهوية الوطنية المشتركة هو تعبير أيضا عن فهم خاطئ للانتماءات الأخرى. بالاعتقاد بمذاهب دينية مختلفة، أو الاعتزاز بأصول إثنية أو قبلية، هو ظاهرة طبيعية وصحّية فى مجتمعات تقوم على التعدّدية. لكن تحوّل هذا الاختلاف إلى خلاف سياسى عنفى وصراعات دموية يعنى تناقضا مع الحكمة فى الاختلاف والتعدّد، فيكون المعيار هو محاسبة الآخرين على ما وُلدوا به وعليه، وليس على أعمالهم وأفكارهم. من هنا يمكن النظر إلى الوطنية باعتبارها خليطاً من التعلق العاطفي بالبلد ورموزها التعريفية وقيمها التأسيسية التي تعرف بالمبادئ الأولى، ويمكن تمييز التعلق بالأمة وقيمها التأسيسية ومؤسساتها وقرارتها السياسية وفي كل بلدٍ يسعى الى الديمقراطية والحرية، تُوَفِّرُ الوطنية شعورًا والولاء والتفاني وتُقدّم للمواطنين غرضًا حياتيًا يرتكز عليه النظام .

يمثل التعدد الثقافي ظاهرة اجتماعية وتاريخية ّ قل ما يخلو منها مجتمع. وإذا ما أحسن استعمالها تحولت شخصيته وتطورت باستمرار دائم نحو إغناء وإفادة المجتمع وإعطائه حضارة متألقة وشعاعا ّوضاءا في ظل التنوع والتعدد والعيش المشترك. والثقافة عموما هي سجل مفتوح باستمرار يصاحب مسيرة المجتمع و يحفظ هذا التعدد والتنوع ويقوي مسيرة تطور المجتمع وسيرورته و يدافع عن الثقافة الوطنية من منطلق الاعتراف بالتفاعل الذي خضعت له عبر التاريخ، وبما أحدثه ذلك التفاعل من تأثير عليها وتوسيع لكل مكوناتها. إن الثقافة متعددة الاطراف تشكل نقطة ارتكازها على المعتقد واللغة والتاريخ، وتضطلع الدوائر المحيطة باستيعاب الجديد، ليصبح جزءا متجددا منها، فتصير الأصالة قوة خلاقة ومحفزة، وطاقة متجددة دائمة لتنمية الهوية الوطنية في إطار سيرورة متحركة، فتتشكل الشخصية الوطنية بمقوماتها الجغرافية والدينية واللغوية.

من الامور البديهية لا تطوير للحياة السياسية دون وجود أحزاب وطنية حقيقية ذوات برامج خدمة المواطن وحماية الأرض واستقلال الوطن بكامل حدوده، والأحزاب لطالما تعرضت لتهميش من قبل البعض والتعرض لها من قبل البعض الآخر، دون ان تضع  الأمور في نصابها والاعلان عن تحولات سياسية حزبية من أجل العمل الإصلاحي وبنائي ،الذي بوضوح على العزم للاصلاح حقيقي، ولا تستطيع اي قوة شديدة عكسي ايقافه اذا عزمت تلك الأحزاب التحرك بروح حب الأرض الذي تعيش عليه للعمل متوحدي الارادة ..

ربما تستطيع بعض القوى عرقلة جهود الآخرين  من خلال اثارة هويات فرعية حينا واستحضار أخطار غير واقعية، ولكن تلك القوى عليها الاستمرار في الانتقال من مرحلة الفردية والجهوية الى مرحلة الحزبية وبناء هيكلية تنظيماتها بالطرق القانونية، وتكافؤ الفرص، والمساواة والمواطنة،حفظ سيادة القانون ورفض الجهوية والعشائرية والإقليمية والعنصرية بكل اشكالها وتلوينها وتحت اي شعار،ويمكن بأي شكل من التحول الإصلاحي ، بناء استراتيجيات قوية بالعمل الجماعي وبمشاركة كل العقول والاعمار والثقافات وبطبيعة الحال لن يعجب البعض ولذلك لا عجب ان نراهم يبحثون عن كل وسيلة ممكنة لعرقلة توجه نحو الاصلاح، المشكلة في عدم الإصلاح ليست فى طبيعة الأحزاب ذاتها فهناك من الساسة  أصلحوا ونقوا احزابهم من التفسيرات الخاطئة وقدموا تفاسير معاصرة نهضت ببلادهم، وهناك أيضا اخرين رفضوا أى إصلاح لأنه ليس فى الإمكان أبدع مما كان، السؤال إذن: من ــ وما ــ الفاعل فى الإصلاح؟ هنا علينا أن نعود إلى التاريخ الإنسانى على الأرض وحتى يومنا هذا، لقد خلق الله الإنسان ووهبه عقل وإرادة، العقل لكي يفكر به والإرادة لكى يحقق ما فكر فيه، وفى البداية كان الإنسان عاريا ضعيفا لا يملك من أمره شيئا أمام الحيوانات المفترسة والطبيعة الغاضبة بالزلازل والأعاصير والفيضانات، إلا أن هذا الإنسان بدأ فى استخدام عقله فاستطاع أن ينتصر على كل المعوقات والفقاعات التي حاولت دون ذلك في نفث سمومها في كل الاتجاهات مستحضرين حينا هويات فرعية، وحينا ادعاء حرص غير حقيقي على الهوية الوطنية، وغيرها من عناوين يختبئون خلفها للهجوم على اي تطور اصلاحي حقيقي، وكأنهم وحدهم يملكون حمية الدفاع عن الهوية الوطنية، والآخرون مشكوك في ولائهم وانتمائهم ، الوطنية مفهومٌ أخلاقيٌ وأحد أوجه الإيثار لدفعها المواطنين إلى التضحية براحتهم، وربما بحياتهم من أجل بلادهم.

 

عبد الخالق الفلاح

 

 

قاسم حسين صالحتولى السيد مصطفى الكاظمي (54 سنة) رئاسة مجلس الوزراء في (7 /5 / 2020)، وكان للعراقيين موقفان: الأول يرى انه لا يختلف عن سابقيه وانه جاء بموافقة احزاب السلطة المتهمة بالفساد، والثاني يرى ان الرجل مستقل وينبغي ان نعطيه فرصة.. وكنا دعونا حينها الى منحه مئة يوما لنحكم بعدها له او عليه.

تــذكيــر

في بداية تكليفه، واجه الكاظمي وضعا معقّدا سياسيا، امنيا، اقتصاديا، صحيا، مجتمعيا.. ما واجهه احد من قبله، فهو استلم خزينة خاوية من سلفه عادل عبد المهدي، والعراق مدين للبنك الدولي، وتصاعد الأصابات والوفيات في الموجة الثانية لفايروس كورونا وتهديد النظام الصحي، وتضاعف نسب البطالة والفقر، وتهديد امني يطال المنطقة الخضراء، وتعدد المليشيات وعدم قدرة الدولة بالسيطرة على السلاح، وعودة متظاهري انتفاضة تشرين، و(دكات!)عشائرية في البصرة وميسان وبغداد.. وخطر يتهدد حياته من القوى الشيعية السبعة التي رشحته!.

ومع ذلك اختار ان يبدأ بأخطرها واكثرها الحاحا جماهيريا.. الفساد.. مدركا بأنه سيكون امام خيارين: اما ان ينتصر بمعركته على الفاسدين ويكون المنقذ والمخّلص والبطل الذي سيدخل التاريخ السياسي للعراق الذي خلا من الابطال القادة من سنين، واما ان يكون (الشهيد الحي).

وكان هذا التصور هو الذي شاع عنه بين اغلب العراقيين لغاية اجتماعه بالسيد المالكي.فقد اصاب الكثيرين بالأحباط واعادهم لسيكولجيا توالي الخيبات، واعيد ليكون بنظرهؤلاء كالسيد العبادي الذي وعد بضرب الفاسدين بيد من حديد وما ضرب، لأنه(العبادي) ادرك ان المسؤولين الكبار باجهزة الدولة وقيادات الكتل السياسية متورطة كلها بالفساد، مبررا خذلانه باعتراف (شاهد من أهلهم) في خطابه بجامعة بغداد (27/11/2017) بأن (الفساد مافيا، يملكون المال، فضائيات، قدرات، يستطيعون ان يثبتوا انهم الحريصون على المجتمع، وهم الذين يحاربون الفساد، ولكنهم آباء الفساد وزعماء الفساد).

وكنّا افترضنا وقتها ان الكاظمي اراد من لقائه بالمالكي.. تحييد مصدر شر، لأن كليهما، بنظر الشارع، يخشى الآخر.فالمالكي يخشى الكاظمي ان يبدأ بمحاسبة الفاسدين وفق قانون (من اين لك هذا) وعندها سيكون اول من يستدعى بوصفه رئيس وزراء لثمان سنوات هادن فيها الفاسدين باعتراف صريح (لديّ ملفات للفاسدين لو كشفتها لأنقلب عاليها سافلها).والكاظمي يخشى المالكي لقوته السياسية وتغلغل اعضاء حزبه (الدعوة) في مؤسسات الدولة.. وقد حاول كلاهما استخدام (سيكولوجيا الكيد) حيث يمتلك المالكي خبرة سياسية اعمق فيما يمتلك الكاظمى خبرة مخابراتية اخطر.

القرارات .. تحدد نوعية الحاكم

يتحدد تقويم أداء أي حاكم بالقرارات التي يتخذها، هل يبدأ بالقرارات الأصعب نزولا الى الأسهل، ام يبدأ بالاسهل صعودا الى الأصعب، أم بالاسهل والتوقف عن تنفيذ الاصعب؟.

ان القائد الذي يعتمد الآلية الأولى يتمتع بشخصية الواثق من نفسه ان اعتمد على جمهور واسع يمثل المجتمع لا على المغامرة، فيما تمتاز شخصية الذي يعتمد الثانية بالحكمة والتأني والعقلانية، وبعكسهما.. تتصف شخصية من يعتمد الثالثة بالتردد.

وما حصل، ان الكاظمي اعتمد الآلية الثانية التي اعتمدها العبادي في اتخاذه القرارات (البدء بالقرارات الاسهل صعودا الى القرارات الأصعب)، لكنه اختلف عنه بأنه لم يتوقف عن تنفيذ الاصعب التي توقف عندها العبادي، اذ بدأ بأصدار قرار يقضي بايقاف ازدواج الرواتب، تبعه في (25 حزيران 2020) اعلانه بأن الأيام القادمة ستشهد حملة تغييرات في المناصب المتقدمة في الدولة، وتجريد الأحزاب من المناصب التي حصلت عليها خلافا للقانون.ولأن الحدثين خطيرين فقد تساءلنا ليلتها في منشور بعنوان(الأنقلاب الأبيض هل سيحصل؟)، لتفيد فضائيات باقتحام مسلحي ميليشات حزب الله المنطقة الخضراء، وتجاوزت عليه اعتباريا دون رد حاسم منه.وانتهينا الى ان العبادي كان في قراراته (هاوي بس ما ناوي).وتمنينا على الكاظمي ان يكون (هاوي وناوي).صحيح ان لا رهان على السياسة في العراق لأنها بلا مباديء، بلا اخلاق.. لكن الكاظمي ما كان مضطرا لأن يبدا بالأصلاح ويعد بالقضاء على الفساد ويقدم على اتخاذ اجراءات تهدد حياته.ولأنه كان قد اعلن عن بدء المواجهة مع قوى تمتلك المال والسلاح ومع (الدولة العميقة) فانه ترتب عليه ان يكمل المشوار، لأن التردد في القرارات او الأحجام عن تنفيذ القرارات الأصعب ستؤدي به الى ان يخسر الشعب(كتلته)، وستنتقم منه قوى الفساد وتجعله انموذجا لمن تسول له نفسه التحرش بها.

الكاظمي.. بعد المئة يوم

كنا استطلعنا آراء العراقيين مرتين في شهرين من حكم الكاظمي انقسم فيها العراقيون بين من عقد الأمل عليه في الأصلاح، وبين من فقد الثقة به، وبين المتردد الذي ينتظر ما سيحدث في قابل الأيام.وبانتهاء المئة يوما، اجرينا الاستطلاع الثالث في (5-6/9/2020)لتقويم اداء الكاظمي شارك فيه (3843) بينهم اكاديميون ومثقفون واعلاميون.. توزعت اجاباتهم على النحو الآتي:

الأول: يثمن اداء الكاظمي.. اليكم نماذج منها:

 افضل رئيس وزراء حكم العراق.

 لديه نية حسنة بتأسيس دولة مستقرة ناجحة.التحديات كبيرة جدا، وعمل الكثير في ذلك، لربما لم يشعر بها المواطن.. لكن سوف تأتي أكلها لاحقا، اضافة الى ان هناك تشويش وتقزيم متعمد من اي عمل او منجز يقوم به.

 رجل يعرف قدر نفسه. فهو يعرف ان عليه بناء دولة من الصفر، واعداؤه كثر وأقوياء ويمتلكون دعما خارجيا قويا، ويعرف ان ادواته للتغيير الثوري ( لو فكر بذلك ) هي ضعيفة، او ربما تؤدي لفوضى لا نهايات موثوقة لها.. لذلك نراه يتحرك ببطء ولكن بثقة.

 لا يزال يحاول ان يكون مصلحا اجتماعيا وليس قائدا.

الثاني: يرى فيه شخصية استعراضية.

 حكومته حكومة فيسبوكيه بدون تخطيط ، يعتمد على الاعلام الالكتروني.

 كنا ننتظر منه مسك اي رمز من رموز الفساد الكبيره، ولكنه لم يفعل.يتخذ قرارات ويتراجع عنها.بأختصار هو ليس حازم وليس لديه الشجاعه الكافيه.

 الرجل حقق نتائج جيدة على مستوى الفيس بوك، لكن على أرض الواقع لم يحقق شيئا مهما.. مجرد فقاعات إعلامية.

الثالث: موقف الشك المريب منه:

 لقد ابتلعنا الطعم الذي ألقته الأحزاب الفاسدة.الكاظمي مرشحهم واختيارهم وأداتهم. افتعلوا في الإعلام مشاكل معه ليسوقوه للشارع المنتفض فظن الناس أنه ضدهم وهم ضده فتقبلته الأكثرية، وبعد ثلاثة أشهر لم يقدم شيئا حقيقيا في مشروع بناء دولة المؤسسات، ولم يقدم شيئا في اتجاه محاربة الفاسدين، وأكثر من ذلك أن وزير الداخلية يرى أن حرق الإطارات يعيق بناء الدولة بينما حيتان الفساد تعيث الخراب في العراق ولا رادع.

 هو شخص متلاعب ولو كان ضد الفاسدين لما منحوه الثقه، الذي لا يحقق مصالحهم لا يمنحوه الثقه.

الرابع: دور الناقد المتعاطف

 لديه المنهج لكنه متردد او بطيء في السير بمنهجه بهمّة وجرأة.

 لحد الان ما حقق اي انجاز كسب فيه تعاطف الشعب العراقي والمتظاهرين، واذا استمر هكذا ستسقطه الثورة ويكون مثله كمثل عادل عبد المهدي. اذا كان يسعى للعمل على أصلاح المنظومة السياسية فيجب ان يسعى نحو تكملة انجاز قانون الانتخابات الفردي وتغيير المفوضية غير المستقلة وجعلها حره.

 والله انا من محبي الكاظمي بس لحد الان ماكو اي شي جيد تحقق بالواقع، صحيح الفترة قصيرة بس عدنه مثل بالريف (ما يلحك على الجوعان ناعم الثريد )، انا جوعان وتكول خل نعملك الثريد. بس الحجي والوعود ، وهذا تخدير، والناس اذ اتضل هيج راح تسحب تاييدها.

الحلقة الثانية : الكاظمي بعد سبعة أشهر

*

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

كريم المظفرالعالم يقف اليوم على حافة أزمة جديدة في العلاقات الدولية، لم نشهد أمثلة عليها منذ أزمة الصواريخ الكوبية قبل خمسين عاما، وتنذر المواجهة بين دول الناتو وروسيا بالوصول إلى خط أحمر يمكن أن يتبعه أكثر الأحداث حزنًا التي يمكن أن تغير تاريخ الكوكب، لم تجذب اللاعبون العالميون فقط، ولكن أيضًا البلدان التي كانت في السابق في خلفية السياسة العالمية إلى هذا الوضع، بما في ذلك بيلاروسيا.

موسكو تؤكد أنها أصبحت في موقع لم يعد فيه أمامها مجالا للتراجع، فيما يخص مباعث قلقها إزاء تمدد حلف الناتو شرقا، التي عبر عنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالقول "دفعونا إلى الخط الذي لم يعد بوسعنا فيه مواصلة التحرك إلى الوراء "، وأقرت موسكو بأن نشر روسيا علنا اقتراحاتها إلى الولايات المتحدة وحلف الناتو بخصوص "الضمانات الأمنية" لم يكن أسلوبا عاديا للنقاش، موضحة أن "هناك مخاوف لدى موسكو من أن الغرب سيستغل أي مبادرة من جانبها لمواصلة أنشطة تخريبية رامية لخلق تهديدات على روسيا في أراضي الدول المجاورة لها".

وإزاء هذا الوضع اقترحت روسيا رسميا على الولايات المتحدة وحلف الناتو توقيع اتفاقيتين لوضع نظام ضمانات أمنية بغية تخفيف التوترات العسكرية في أوروبا، وتقضي هذه الاقتراحات بتكثيف التنسيق بين الطرفين بهدف تفادي أي حوادث عسكرية خطيرة، والحد من نشر أسلحة إستراتيجية مثل القاذفات الثقيلة والصواريخ متوسطة وقصيرة المدى، في مناطق محددة، مع تعهد الناتو بعدم مواصلة تمدده شرقا، وعدم منح أوكرانيا العضوية فيه.

وخضع موقف السياسة الداخلية والخارجية للقيادة البيلاروسية في 2020-2021، لتغييرات كبيرة، فالضغط الغربي ومحاولة الانقلاب أجبرت مينسك الرسمية على بدء الحديث بجدية عن الحاجة لحماية البلاد من هجوم محتمل، وقد صرح الرئيس ألكسندر لوكاشينكو بذلك مرارًا وتكرارًا، معززًا أقواله من خلال استمرار حشد القوة العسكرية لحلف الناتو على حدود دولة الاتحاد (SG)، فضلاً عن السياسة غير الملائمة لأوكرانيا، حيث ألقى الزعيم البيلاروسي في نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) ربما أخطر بيان في السنوات الأخيرة، وقال لوكاشينكو إنه مستعد لمطالبة نظيره الروسي فلاديمير بوتين بإعادة الأسلحة النووية إلى الجمهورية، مضيفًا أنه في حالة الاتفاق، سيتم إعطاء الأفضلية للأسلحة "الأكثر فعالية" في "الاتصال" مع الناتو.

يشار إلى أنه في وقت سابق كان لرئيس بيلاروسيا رأي مختلف وأشار إلى أن مثل هذه الخطوات ستجعل بلاده هدفًا محتملًا في حالة حدوث صدام عسكري محتمل بين حلف شمال الأطلسي وروسيا، والآن، وعندما أصبح من الواضح أنه لا أحد في الغرب يفكر في إتباع سياسة معادية لروسيا خارج العمل ضد بيلاروسيا، تغير موقف مينسك بشكل جذري، ومع ذلك، لم يخف لوكاشينكو أبدًا أنه يأسف دائمًا لسحب الأسلحة النووية من الجمهورية، مما أثر بشكل خطير على وضع البلاد ومستقبلها.

تجدر الإشارة إلى أن الأسلحة النووية ذهبت إلى بيلاروسيا من الاتحاد السوفيتي وكانت على أراضي الجمهورية حتى عام 1996، حتى قبل الحصول على الاستقلال، تم اتخاذ قرار في مينسك بتحويل البلاد إلى منطقة خالية من الأسلحة النووية، وهو ما تم تكريسه في إعلان سيادة الجمهورية الذي تم تبنيه في 27 يوليو 1990.

وخلال النصف الأول من التسعينيات، بذلت الدول الغربية، جنبًا إلى جنب مع روسيا، كل ما في وسعها لإزالة هذا النوع من الأسلحة ليس فقط من بيلاروسيا، ولكن أيضًا من أوكرانيا، وفي عام 1992، وقعت مينسك على بروتوكول لشبونة، لإضفاء الطابع الرسمي على عضوية البلاد في معاهدة الحد من الأسلحة الهجومية الإستراتيجية، وفي يوليو من العام التالي انضمت إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT)، لتصبح الدولة الأولى للتخلي طوعا عن حيازة هذا النوع من الأسلحة المتبقية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، في الوقت نفسه، وكخطوة انتقامية، قدمت بريطانيا العظمى وروسيا والولايات المتحدة ضمانات أمنية لبيلاروسيا وأوكرانيا، محددين التزاماتهما في مذكرة بودابست في 5 ديسمبر 1994.

هذا هو بالضبط المستند الذي تسبب في السنوات اللاحقة ولا يزال يتسبب في العديد من النزاعات بسبب العديد من التفاصيل القانونية والطبيعة غير الملزمة لتنفيذه، ومع ذلك، في ذلك الوقت في مينسك، وكذلك في كييف، تم أخذ التزامات الغرب على محمل الجد، مما أدى في النهاية إلى سحب الأسلحة النووية من هذه البلدان، وغادرت آخر الرؤوس الحربية بيلاروسيا في نوفمبر 1996.

وأعتبر الرئيس لوكاشينكو، الذي أصبح رئيسًا لبيلاروسيا، مرارًا وتكرارًا في السنوات اللاحقة أن سحب الأسلحة النووية من البلاد كان خطأ، وفي إحدى المقابلات الأخيرة التي أجراها، أدلى الزعيم البيلاروسي بتصريح مفاده أنه أجبر على القيام بذلك - وليس من قبل الدول الغربية بقدر ما من قبل الرئيس الأول للاتحاد الروسي، وقال لوكاشينكو في مقابلة مع رئيس MIA "روسيا اليوم" ديميتري كيسيليف "هل تعرف لماذا أخرجته بالفعل؟ في انتهاك للاتفاقية، تركته في بيلاروسيا، أنت لن تصدق، ليس فقط بناء على طلب الأمريكيين، لكن أولاً وقبل كل شيء، تحت الضغط الشديد من يلتسين والفريق بأكمله الذي كان في ذلك الوقت ".

حتى نوفمبر 2021، دعا مينسك بثبات إلى نزع السلاح النووي باعتباره الهدف الاستراتيجي الرئيسي لتنفيذ معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، رحبت وزارة خارجية الجمهورية بالتمديد لمدة 5 سنوات في فبراير لمعاهدة زيادة تخفيض الأسلحة الهجومية الإستراتيجية والحد منها ( ستارت -3) "كخطوة أخرى نحو خفض الأسلحة النووية، والآن اتضح أن مينسك كانت في الواقع مستعدة دائمًا لتصعيد التوترات، بالإضافة إلى ذلك، أصبح معروفًا في نوفمبر أن البلاد احتفظت عمليا بجميع البنية التحتية اللازمة لاستعادة الأسلحة النووية، وكما ذكر ألكسندر لوكاشينكو، تم الحفاظ على جميع المواقع اليوم، باستثناء موقع واحد كان يحتوي في السابق على أسلحة نووية، " نحن مستعدون لذلك على أراضي بيلاروسيا، بصفتي مالكًا متحمسًا، لم أقم بتدمير أي شيء، فكل الحظائر لا تزال قائمة.

في وقت لاحق، تم دعم موقف الزعيم البيلاروسي من قبل وزارة الشؤون الخارجية للجمهورية، ففي 18 كانون الأول (ديسمبر)، قال وزير الخارجية فلاديمير ماكي إن بيلاروسيا مستعدة لاستضافة أسلحة نووية "كإحدى الردود المحتملة " على الإجراءات المستقبلية المحتملة لحلف شمال الأطلسي على أراضي بولندا، كما شدد على أن التهديدات الحالية لا ترتبط فقط بموقف دول الناتو، ولكن أيضًا بأوكرانيا، التي تتحول تدريجياً إلى نوع من نقطة انطلاق لتحالف شمال الأطلسي ضد روسيا.

إن أسباب التغيير في موقف القيادة البيلاروسية مفهومة تمامًا، ففي سياسته المعادية للروس بشكل واضح، وصل الناتو الآن إلى نقطة أنه مستعد لانتهاك جميع الالتزامات التي تم التعهد بها سابقًا وخلق وسائل ضغط إضافية على روسيا ومعها على بيلاروسيا، وإذا كان الأمر في وقت سابق يتعلق فقط بتوسيع الكتلة إلى الشرق، فقد تحدثوا اليوم بشكل مباشر في التحالف عن دفع الأسلحة النووية إلى حدود الأمن العام.

وعلى وجه الخصوص، في 19 نوفمبر، قال ينس ستولتنبرغ، الأمين العام للكتلة، إن الأسلحة النووية الأمريكية المنتشرة في أوروبا قد ينتهي بها المطاف في أوروبا الشرقية إذا رفضت ألمانيا نشرها، وتم تذكير برلين بالاتفاقية الموقعة في عام 1991 بشأن الاستخدام المشترك لهذا النوع من الأسلحة، والتي بموجبها تخلت FRG عن إنتاج واستخدام الأسلحة النووية والبيولوجية والكيميائية مقابل نشر الترسانة النووية لدول الناتو في غرب البلاد.

ولا يمكن لنوايا الحلف هذه أن تفشل في إثارة رد فعل في موسكو، حيث سئموا من التسامح مع تصرفات الشركاء الغربيين، وبالنسبة للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، أصبح الموقف المتشدد الحالي لروسيا كشفًا حقيقيًا، حيث حذر حلف الناتو في منتصف ديسمبر من العواقب المحتملة لمواصلة سياسة التسلح والانضمام إلى دول الحلف القريبة من الاتحاد الروسي، حتى أن الكثيرين في بروكسل وواشنطن اعتبروا أن مقترحات الكرملين الحالية لحل الموقف كانت إنذارًا مفتوحًا، لكنهم ما زالوا لا يستطيعون تجاهلها، خاصة في ضوء التصريحات الأخيرة التي أدلى بها ليس فقط ممثلو وزارة الخارجية الروسية، ولكن من قبل الرئيس فلاديمير بوتين، في 21 ديسمبر، حول الضمانات الأمنية الروسية، وقال " بالطبع، في حالة استمرار الخط العدواني الواضح لزملائنا الغربيين، سنتخذ تدابير عسكرية-فنية انتقامية مناسبة. للرد بقسوة على الخطوات غير الودية، ولدينا كل الحق في القيام بذلك".

المراقبون الروس يؤكدون صعوبة المفاوضات التي ستجري في العاشر من يناير الجاري حول الضمانات الأمنية التي تطالب بها موسكو، ويرشحون احتمالات عدة المتشائمة منها والمتفائلة، لأن النقطة الأساسية فيها هي مسألة ضمان عدم توسع الناتو في أوكرانيا وجورجيا، وطلبت روسيا هنا إلغاء نتائج قمة بوخارست للعام 2008، وهذا غير مقبول بالنسبة لحلف شمال الأطلسي، لأن الحديث يدور عن تثبيت قانوني، ويمكن مناقشة قضايا أخرى، مثل الصواريخ والمناورات وما إلى ذلك.

وهناك خياران محتملان في هذه الحالة وفقا للنائب الأول لرئيس مركز التقنيات السياسية، الأستاذ في المدرسة العليا للاقتصاد أليكسي ماكاركين، لـ"موسكوفسكي كومسوموليتس، أحدها أن يتمكن الطرفان من التوصل إلى اتفاق، حول مجموعة واسعة من القضايا أو حتى على تسوية كبيرة بين روسيا والغرب، بل يمكن أن تشمل التسوية بعض الأسئلة الأخرى، إضافة إلى تلك التي تم ذكرها في البداية، أما "السيناريو المتشائم فهو عدم التوصل إلى اتفاق، وأن يحاول كل طرف تحميل مسؤولية الفشل للطرف الآخر. وفي غضون ذلك، إذا فشلت المفاوضات، فإن مستوى عدم الثقة سيبلغ ذرى غير مسبوقة، علاوة على ذلك، حتى مع السيناريو الأكثر تفاؤلا، فإن "الحرب الباردة" سوف تستمر، ولكن في أطر معينة قابلة للتنظيم، ولكن في ظروف هذه الأطر، يمكن تحسين الثقة بين الطرفين. وثمة خيار آخر هو حرب باردة بلا أطر عمل أو ثقة".

ولا تستبعد روسيا أن تكون لدى الغرب "رغبة في تأجيج المشاعر العسكرية (في أوكرانيا) وإشعال "حرب صغيرة" ثم اتهام موسكو (بذلك)، وفرض عقوبات جديدة عليه، من أجل كبح قدراتها التنافسية، موقف غربي و ناتوي حول أوكرانيا وصفه وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف بأنه " وقح "، والتأكيد أن روسيا لا تنوي إذلال نفسها بمطالبة الغرب برفع العقوبات الأحادية غير القانونية، وقال: "لم نطلب من أحد أن يرفع عنا العقوبات، ولن نذل أنفسنا أمام أحد"، والتشديد على أن " روسيا ستجد ردا إذا شدد الغرب عقوباته" .

وعلى خلفية التصريحات التي صدرت في الأسابيع الأخيرة حول إمكانية قيام روسيا بخلق "تهديدات مضادة" ضد دول الناتو، ومنع بأي وسيلة ظهور قواعد الناتو في جورجيا وأوكرانيا، وغير ذلك من الأمور، احتمال إعادة الأسلحة النووية إلى بيلاروسيا، وعلى الرغم من حقيقة أن مثل هذه الخطط لم يتم تأكيدها بشكل مباشر في موسكو، فقد ألمحت العاصمة الروسية بالفعل بشكل لا لبس فيه عدة مرات أنها مستعدة للنظر في أي خيارات، علاوة على ذلك، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في بداية ديسمبر / كانون الأول إن كلمات لوكاشينكا الأخيرة يجب أن تؤخذ على أنها "تحذير خطير للغاية، تمليه في المقام الأول السياسة المتهورة التي ينتهجها الغرب".

وفي هذه الحالة، قد تصبح بيلاروسيا بالنسبة لروسيا أحد الشركاء الرئيسيين ليس فقط في إنشاء هيكل لمواجهة عدوان الناتو المحتمل، ولكن أيضًا في تشكيل نظام جديد للتفاعل على الساحة الدولية، ويرجع ذلك إلى حقيقة أن الولايات المتحدة في الوقت الحالي لا ترى تهديدًا محتملاً من الاتحاد الروسي، حيث لا توجد قواعد عسكرية روسية، خاصة تلك التي لديها رؤوس حربية نووية، في المنطقة المجاورة مباشرة للحدود الأمريكية، وبالنسبة لواشنطن، تكمن المشكلة في نفوذ موسكو المتنامي في القارة الأوراسية، الأمر الذي يمكن أن يقوض بشكل خطير الوضع الراهن الذي تعتبر الولايات المتحدة نفسها فيه "شرطي العالم".

هذا هو السبب في أن تصريحات لوكاشينكا الأخيرة لم تسبب ضجة خطيرة في واشنطن فحسب، بل وتسببت في إحداث صدى في الاتحاد الأوروبي، حيث أدركوا خطورة ظهور الأسلحة النووية الروسية في بيلاروسيا، لكنهم يعرفون أن مثل هذه الأسلحة يمكن أن تظهر بشكل أسرع غرب مينسك - في منطقة كالينينغراد، ومع ذلك، لا يمكن لبروكسل أن تفشل في فهم أن تعزيز الإمكانات العسكرية الروسية في الاتجاه الغربي قد يغير الوضع الجيوسياسي بأكمله في أوروبا، خاصة على خلفية التقارير الأخيرة من موسكو حول أسلحة جديدة وقدراتها، ففي 21 كانون الأول (ديسمبر)، قال وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو إن الثالوث النووي عالي التقنية للاتحاد الروسي يضمن بقاء 6255 رأسًا حربيًا خاصًا، قد ينتهي الأمر ببعضها في بيلاروسيا، بشكل أساسي كجزء من أنظمة الصواريخ التكتيكية التشغيلية إسكندر أم التي يبلغ مداها 500 كيلومتر، في الوقت نفسه، ستتمتع مينسك بالعديد من الحقوق في المعدات النووية للرؤوس الحربية مثل تلك التي تتمتع بها بلجيكا أو ألمانيا أو إيطاليا أو هولندا أو تركيا الخالية من الأسلحة النووية رسميًا، حيث تخزن الولايات المتحدة حوالي 200 قنبلة هيدروجينية بسعة إجمالية تبلغ 18 ميغا طن، وتفضل دول الناتو عدم تذكر ذلك، متهمة روسيا بـ "العدوان" الأسطوري، ومعها بيلاروسيا.

المشكلة الرئيسية في الوضع الحالي هي أن أهداف الولايات المتحدة بعيدة كل البعد عن مصالح شركائها الأوروبيين، فبالنسبة لواشنطن، التي تشعر أنها تتمتع بنوع من الأمن، من المهم عدم السماح بتعزيز نفوذ روسيا، وينظر البيت الأبيض إلى أي تغيير في الوضع الجيوسياسي على أنه تحدٍ مباشر لا يمكن للولايات المتحدة إلا الرد عليه، وهذا ينطبق بشكل خاص على البلدان المحيطة بروسيا والتي تمكن الأمريكيون، باستثناء بيلاروسيا، من تهيئة الظروف اللازمة للهيمنة وإطلاق موجة من الخوف من روسيا في هذه الدول، ومن غير المرجح أن تظهر القواعد العسكرية الروسية في وقت السلم، وهو ما لا يمكن قوله عن الأراضي البيلاروسية،فكل المحاولات لتمزيق مينسك بعيدًا عن موسكو تحطمت في أحداث عام 2020، والتي كانت بمثابة فشل للسياسة الغربية في بيلاروسيا، وخلق جميع المتطلبات الأساسية لتعميق الاندماج في دولة الاتحاد، و في المقام الأول في مجال الدفاع، لذلك، أصبحت بيلاروسيا اليوم تنظر إليها دول الناتو على أنها جزء لا يتجزأ من خطة الضغط على روسيا في مظاهرها المختلفة.

في الوقت الحالي، لا يزال من المستحيل القول إن مينسك وموسكو مستعدتان تمامًا لإنشاء نظام دفاع موحد لدولة الاتحاد، حيث لا يزال هناك حديث عن القواعد العسكرية الروسية أو المشتركة في بيلاروسيا، و تود السلطات البيلاروسية زيادة حمايتها على حساب الأسلحة الروسية، لكنها في الوقت نفسه تظل مستقلة نسبيًا في اتخاذ قرار بشأن استخدامها، وربما يكون هذا هو العائق الرئيسي أمام ظهور أسلحة نووية من الاتحاد الروسي في الجمهورية، يمكن أن تنتقل العملية من مركز ميت فقط بعد موافقة مينسك على سيطرة موسكو الكاملة على هذا النوع من الأسلحة إذا ظهر على الأراضي البيلاروسية، وكلما زاد عدد دول الناتو عن تصعيد الموقف، زاد احتمال حدوث هذا السيناريو.

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

محمد المحسنلنصرخ.. لا ليسمعنا أحد، بل لتوقظنا صرختنا مما نحن فيه..!!

"إلى متى ستظلّ يا وطني ناقلة للنفط، ومحطّة لأعلام الدّول الكبرى.. ونموت مذلّة؟".. الشاعر العراقي المغترب "مظفر النواب".

بعد مُضي سبعة قرون على رحيل القائد الأعظم، صلاح الدين الأيّوبي، صار عُمر الولايات المتحدة الأمريكية قرنين من الزمان لا غير..

ها هي أمريكا اليوم تنتصب منفردة وكأنّها "المنقذ" العالمي، دون أن تنشد مغفرة من أحد.. وها هي قد أضحت قوّة تُحتذى، تستثير نخوة الدول الكبرى، كما كان الإغريق يستثيرون وسطاء الوحي من الكهنة.. وها هي الرؤوس- هنا وهناك- تنحني لأوامرها مما يكسبها مكانة الأنبياء، والمبشرين، والحاملين وزر البشرية كلّها.

ونحن؟

ها نحن فوق الصفائح، في مركزية الصدع، نرتجّ ونشعر بأنّنا منزلقون، وخارج السيطرة والتحكّم، مستسلمون- لأقدارنا- ومهدّدون في ذات الآن.

ولكن..

ما الذي يجبرنا على ترك الأمور تسير تائهة فوق بحر الظلمات، تسير هكذا، بالعمى الذي سارت به دائمًا!؟..أليس هذا ما سرنا إليه؟

من السؤال يتناسل السؤال، والدّم يرث الدّم، وها هي الأشياء تنقلب رأسًا على عقب.. وها هي أمريكا ترفع الغطاء عن الجميع..وها نحن في قلب اللجّة..

إلا أنّني لست متشائمًا حين أقول أنّ مجموعة حقائق كانت متوارية في زحمة القضايا والأحداث الساخنة، بدأت تتعرّى كي تعلن أنّ العرب والمسلمين- مطالبون- أكثر من أيّ وقت مضى بأن يتعلّموا كلّ شيء من جديد..ليس حسن السلوك، بل حسن القبول والطاعة، إنطلاقا من إعادة النظر بالبرامج السياسية، مرورًا بالسكوت عن الصراخ من الألم، ووصولًا إلى تقديم الإعتذار للولايات المتحدة، عن "الإرهاب، والعنف، والنكوص الحضاري الخارج من الشرق.. شرقنا المتوحّش"

والأخطر..

أن يأتي يوم نطالَب فيه جميعًا بالتعويض لضحايا- كارثة مانهاتن- بقصد تحويلنا إلى مسؤولين عما جرى!، بل أنّ الأخطر من ذلك كلّه، أن يُطالَب الفلسطينيون بدورهم، بدفع ثمن الرصاص الإسرائيلي الذي حصد رقاب أطفالهم، بإعتبارهم حملوا أجسادهم وضربوا بها الرّصاص الصهيوني الهاجع في الرشاشات.. كما أنّهم استفزوا الموت الغافي في الصواريخ والمدافع والقلوب الحاقدة..!!

وماذا بعد؟

لقد أضحى الأمر جليًا ولم يعد في حاجة لتوضيح، وهو كما يبدو وحتى الآن، ليس إلا إعدادًا لتغيير المنطقة وإعادتها إلى ما قبل مرحلة "سايكس- بيكو"، فما تطلبه واشنطن كل يوم عبر التعليمات المتلفزة، لا يختلف عن التعليمات والفرامنات السلطانية التي كانت تصدر عن الباب العالي.

والسؤال:

هل سنظلّ هكذا..مُحاصرين بالدياجير والعمى والصّمت، نرنو بعيون الآسى إلى الدّم العراقي مراقًا، وإلى الجنائز الفلسطينية وهي تسير خببًا في اتجاه المدافن!؟

ألا نخجل من النحيب وحسب، بينما يخجل الفلسطيني، وكذا العراقي من الإستسلام، فيحوّلان مسيرة الحياة إلى نقمة لا يملكان فيها سوى الرّفض والصّبر والتحدي؟

وبسؤال مغاير أقول: ألسنا جميعًا في قارب واحد، قد يهوي إلى عمق اللجّة، حيث لا شيء غير الموت وصرير الأسنان، لا سيما وأنّ ما نراه الآن.. وهنا قد لا يكون إلا قمّة جبل الثلج.. فما خفي أعظم..!؟

وإذًا..

فلنصرخ إذًا..ليس الصراخ عيبًا، وسوف لن يسمعنا أحد، إذ لا يجرؤ أحد على الإصغاء إلى صرختنا، لئلا يُتَهَم بالخروج عن جدول أمريكا.

ولنصرخ ثانية.. لا ليسمعنا أحد، بل لتوقظنا صرختنا مما نحن فيه.

ولنصرخ ثالثة.. كي ندرك بعد سبات عميق، أنّ مقارعة العدوّ دَيْن في أعناقنا، وما علينا والحال هذه، إلا أن نقاوم الإحتلال بوسائل ملائمة، لا تشوّه صورة حقّنا وحقيقتنا.. حتى ولو ترافق ذلك مع موت المرجعيات العالمية.. لا سيما بعد أن أصبح مجلس الأمن الدولي شديد الشبه بمجلس الأمن القومي الأمريكي، وبعدما أصبح ذهب الصّمت العربي ذا بريق خلاّب: حصار يولد حصارًا، وأمريكا تلتفّ حول الجميع..

فماذا نفعل إذا ما حاصر فرعها الشرق أو سطى المدن والقرى الفلسطينية؟، وماذا سنفعل إذا حوصرت دمشق أو بيروت.. وسقطت عاصمة عربية أخرى في يد "المغول"!؟

أسئلتي جدّ عادية، إلا أنّها في وضع غير عادي، لكنّها تهدّد الجميع بالإنحدار صوب الهاوية، وفي عمق الهاوية السحيق قد لا نجد متسعًا للجميع..!

سأصارح:

إنّ أمريكا بإمكانها أن تحقّق ما تشاء، طالما أنّها لا تتعامل إلا مع 22 ملكًا ورئيسًا، وسواء أكان المقصود من خلال هذه السياسة "الإمبراطورية"، ايجاد شرق أوسط بالمفهوم الإسرائيلي، أو إنتاج شرق أوسط يتلاءم مع الرغبة الأمريكية، فإنّ كل المؤشرات توحي بأنّ الكمّاشة الأمريكية ستلتفّ حول رقبة الجميع، مما يعني أنّ مصير النظام العربي وما يرتبط به من منظمات، كالجامعة العربية، ستبقى فاقدة لقيمتها، كسيحة وعاجزة بالتالي عن ممارسة أي تأثير إيجابي في المشهد السياسي العربي.

غير أنّ الأخطر من كل ذلك، هو تعرّض المنطقة برمتها إلى نوع من البلقنة، قد ينتهي بها إلى تقسيم الدّول العربية إلى دويلات طائفية وعشائرية وإثنية، وهو ما تؤسّس له الإدارة الأمريكية في كواليس البيت الأبيض، وما تخطّط له حكومة- آكلة الموتى- في تل أبيب تحت جنح الظلام.

أقول هذا في الوقت الذي تتعالى فيه صيحات متطرّفة تسعى لتحويل منطقتنا، إلى ميدان حرب طويلة، تارة تحت عنوان "حرب الإرهاب والتطرّف"، وتارة تحت عنوان "صراع الحضارات"، وتارة تحت عنوان "تدمير أسلحة الدمار الشامل"!، ويسعى منظرو هذه الحرب لحشد العالم بأسره في جبهة واحدة ضد العرب والمسلمين.

وماذا يعني هذا؟

هذا يعني، أنّ للولايات المتحدة الأمريكية- بما تملك من قواعد عسكرية وتسهيلات لوجستية في منطقتنا- رؤية استراتيجية جديدة، تستدعي قيامها بمهام عسكرية، الأمر الذي يجعلنا في المدى المنظور، طرفًا في حروب كثيرة، تستنزف امكانياتنا، وتهدّد أمّتنا دون طائل، خصوصًا وأنّها تخبّطت في المستنقع العراقي، ولا تزال تتخبّط في الأوحال الأفغانية..

ولكن..

هل نملك القيام بشيء إزاء كل هذه التحديات؟، وهل بإمكاننا والحال هذه حشد الطاقات العربية بشكل بنّاء لمواجهة الأخطار القادمة.. لا سيما في بعض الإشراقات الخلابة للمشهد العربي؟

الجواب هذه المرّة ساطع كعين الشمس، ولا يحتاج إلى استخارة: إما أن نكون عربًا دون زيف أو خداع أو أن نسير حفاة إلى قبورنا كي نتوارى خلف التراب.

هل بقي لديَّ ما أضيف!؟..

قطعًا..

 

محمد المحسن - كاتب صحفي تونسي

 

عبد الخالق حسينبمناسبة مئوية تأسيس الدولة العراقية، أجرت فضائية (العراقية) شبه الرسمية، مقابلة مع السيد وزير المالية الدكتور علي عبدالأمير علاوي، دامت ساعة و 21 دقيقة، استعرض فيها المراحل المهمة التي مر بها العراق منذ التأسيس عام 1921 و إلى يومنا هذا. (رابط الشريط رقم 1 في الهامش).

ونظراً لأهميتها، نالت تصريحات السيد الوزير اهتمام الإعلاميين والمعلقين السياسيين. فقد أشار إلى المشاكل الكبرى التي تهدد وجود العراق ومستقبله كدولة وسماها بحق (المشاكل الوجودية)، مثل اعتماد العراق شبه الكلي على النفط لنحو 90% من موارده المالية، وخطر الاستغناء عن النفط بعد حوالي عشر سنوات من الآن، حيث هناك توجه عالمي لحماية البيئة من انبعاث ثاني أوكسيد الكاربون، والاحتباس الحراري ومخاطره على البشرية، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة البديلة مثل الطاقة الشمسية والرياح والشلالات والأمواج البحرية وغيرها. ولذلك فمصير النفط كمصير سلفه الفحم، سيتحول إلى بضاعة بائرة في باطن الأرض، وبالتأكيد سينهار سعر البرميل إلى أدنى ما يمكن، وهذا يعني إفلاس العراق مالياً.

وجواباً على سؤال مقدم البرنامج، الاعلامي السيد كريم حمادي، حول أفضل مرحلة في تاريخ الدولة العراقية حصل فيها بناء المشاريع الاقتصادية والخدمية، ركز الضيف على السنوات الأخيرة من العهد الملكي، وأشاد بدور مجلس الإعمار، الذي تم حله في عهد ثورة 14 تموز 1958 دون أن يوضح مبررات هذا الحل. كذلك قال أن أغلب المشاريع التي انجزها عبدالكريم قاسم، كانت مخططة من قبل مجلس الإعمار إبان العهد الملكي مثل مدينة الثورة (الصدر حالياً) وغيرها، وأن قاسم أخذ الفخر الـ(credit) له أي نسب الفضل لنفسه في تنفيذ هذه المشاريع !

لا أريد أن أناقش كل ما صرح به السيد الوزير، فأغلبها صحيحة، وخاصة مخاطر الاعتماد الكلي على النفط في الموارد المالية، لأن هذا يعني انهيار الدولة العراقية في المستقبل القريب. ولكني أود في هذا المقال أن أوضح بعض الأمور التي مر عليها السيد الوزير دون أن يفيها حقها، وكذلك المخاطر الأخرى التي تهدد وجود العراق كدولة ولم يشر إليها. فهناك الكثير من المخاطر إن لم يتخذ المسؤولون إجراءات وقائية ضدها فمستقبل العراق في مهب الريح، ويكون مظلماً ومرعباً وربما سيكون غير قابل للبقاء كدولة. وقد يرى البعض أن هذه نظرة تشاؤمية، ونقد مبالغ به...الخ، فالجواب أن من واجب المثقف تشخيص مواطن الخطأ، ودق ناقوس الخطر قبل فوات الأوان، وتجنب سياسة النعامة في دفن رأسها بالرمال.

أولاً، مرحلة الإزدهار الاقتصادي:

يشهد التاريخ أن أهم مرحلة تحقق فيها ازدهار اقتصادي هي مرحلة ثورة 14 تموز(1958-1963) بلا أي شك، وذلك لإعتماد قائد الثورة ورئيس الحكومة الزعيم عبد الكريم قاسم على خيرة الكفاءات الوطنية المخلصة، والمتحمسة لخدمة الوطن عملاً بمبدأ: (الشخص المناسب في المكان المناسب)، بدون أي تمييز. ويشهد بذلك باحثون أجانب مثل حنا بطاطو الذي قال: "ومما له مغزى أن أصحاب المصانع لم يعرفوا ازدهاراً كالذي عرفوه في عهد عبد الكريم قاسم (1958-1963)، الذي كانت سياساته الاقتصادية والمالية موحى بها - إلى درجة غير قليلة- من الوطنيين الديمقراطيين [يقصد الحزب الوطني الديمقراطي]، وبدقة أكبر، من محمد حديد الذي كان له في تلك السنوات نفوذه في الحكومة حتى عندما كان خارجها" (حنا بطاطو، تاريخ العراق، ج1، ص346). وللمزيد للإطلاع على منجزات ثورة 14 تموز 1958، في التنمية الاقتصادية، - الإنتاجية والخدمية-، والتنمية البشرية في عمرها القصير، يرجى فتح الرابطين 2 و3 في الهامش.

ثانياً، مَنْ خطط لهذه المشاريع ولمن الفضل في تنفيذها:

بعد أكثر من نصف قرن على الثورة، وللانتقاص من دور حكومتها، وزعيمها في تحقيق أكبر ما يمكن من منجزات للشعب العراقي من مشاريع وقوانين تقدمية مثل (قانون الأحوال الشخصية رقم 181 لعام 1959) الذي أنصف المرأة، وقانون الإصلاح الزراعي، وقانون إلغاء حكم العشائر، و(قانون رقم 80 لسنة 1961) الذي استرجع بموجبه 99.5% من مساحة العراق من الشركات النفطية، وغيرها كثير... قالوا أن جميع هذه المشاريع والقوانين كان قد خطط لها في العهد الملكي، مثل بناء ميناء أم قصر، ومد الخط العريض بين بغداد والبصرة، وبناء مدينة الثورة، ومدينة الطب، ومعمل الأدوية في سامراء، والزجاج في الرمادي، وتعليب الفواكه في كربلاء، ومضاعفة عدد المدارس والطلبة والمعلمين والمئات غيرها، أقول ولو افترضنا جدلاً أن جميع هذه المشاريع والقوانين قد خطط لها في العهد الملكي، فما قيمة هذه المخططات التي كانت حبراً على ورق وحبيسة الأدراج لسنين طويلة في العهد الملكي، إلى أن جاء عبدالكريم قاسم وحولها إلى مشاريع حقيقية قائمة على أرض الواقع، وبتلك الإمكانيات المالية المحدودة في ذلك الوقت العصيب حيث المؤامرات الداخلية والخارجية لوأد الثورة؟ هذه المشاريع ستبقى نصباً تاريخية شامخة على مر السنين تذكر بوطنية وإخلاص الزعيم عبدالكريم قاسم وثورة 14 تموز.

فالعبرة ليست بالتخطيط ومن الذي خطط فحسب، بل بالتنفيذ ومن نفذ. فبعد 2003 هناك المئات من المشاريع التي خُطط لها، وحتى دُفِع الكثير من تكاليفها بالعملة الصعبة لجهات أغلبها وهمية، ولكن لم يتم تنفيذها بل سُرقت تلك الأموال الهائلة وبقيت المشاريع بلا تنفيذ. كذلك هناك الألوف من المعامل المعطلة مثل معمل الورق في البصرة وغيره ترفض حكومات ما بعد 2003 إعادة تأهيلها بضغوط من أتباع دول الجوار مثل إيران وتركيا، لإنعاش اقتصاديات هاتين الدولتين، إضافة إلى ما يحصل عليه التجار من أرباح فاحشة، وإبقاء العراق بلداً مستهلكاً يستورد حتى الغاز من إيران ويترك غازه الطبيعي يُحرق في الجو ويدمر البيئة العراقية.

ثالثاً، حل مجلس الإعمار:

هذا المجلس تأسس بناءً على اقتراح المرحوم عبدالكريم الأزري، الوزير المخضرم في العهد الملكي، كما أشار الدكتور علي علاوي، وكما جاء في مذكرات الأزري. وفعلاً قام المجلس ببناء السدود مثل سد سامراء لحماية بغداد من الغرق ولأغراض زراعية أيضاً. وبالمناسبة، هذه السدود وغيرها من المشاريع الإروائية الكبيرة لم تكن من تخطيط مجلس الإعمار، بل كانت من تخطيط الخبير البريطاني المعروف ويليم ويلكوس في أواخر العهد العثماني كما درَّوسنا في مرحلة تعليمنا الابتدائي عن المشاريع المنجزة وغير المنجزة.

أما لماذا تم حل مجلس الإعمار بعد ثورة 14 تموز في عهد الزعيم عبدالكريم قاسم، علينا أن نرجع إلى الشخصية الوطنية الفذة، والخبير الاقتصادي الراحل محمد حديد الذي تبوأ منصب وزارة المالية في حكومة الثورة. وهو بالمناسبة، أول عراقي خريج جامعة لندن للاقتصاد (London School of Economics)، والذي شهد بحقه الباحث حنا بطاطو كما أشرنا أعلاه.

يقول محمد حديد في مذكراته عن أسباب حل مجلس الاعمار ما يلي:

(( حول تخصيص 70% من واردات النفط لوزارة الإعمار و 30% فقط للشؤون الأخرى، المشاريع الاجتماعية والخدمات مثل الصحة والتعليم ...الخ: أن حكومة الثورة غيرت المعادلة فجعلتها 50% للإعمار، و50% للميزانية الاعتيادية لسببين: أولاً، إن هذه المشاريع الاجتماعية لا تقل شأناً ومركزاً في الأسبقية عن المشاريع الاقتصادية العمرانية، ذلك أن التعليم والصحة والشؤون الاجتماعية المعنية بالإنسان، ربما تكون أكثر تحقيقاً لمصلحته من المشاريع العمرانية الاقتصادية، أي أن الاستثمار في الإنسان لا يقل أهمية عن الاستثمار المادي في المشروعات الاقتصادية مع الاعتراف بأهميتها بالنسبة للتنمية الاقتصادية. والسبب الثاني هو أن الـ 70 في المائة من واردات النفط، التي كانت تخصص للخطة الاقتصادية كانت لا تنفق جميعها بسبب عجز الجهاز الفني والإداري عن تنفيذ الخطة الاقتصادية، وتبقى مبالغ كبيرة منها مجمدة في الميزانية، وتنعكس في أرصدة نقدية إما في حسابات البنك المركزي، وإما الأرصدة الإسترلينية المودعة في بريطانيا وغيرها من الأقطار الأوربية. ولذلك كان من غير المعقول لأن يبقى المجتمع محروماً من الخدمات التي يحتاج إليها، في الوقت الذي تبقى واردات الدولة معطلة في حسابات مجمدة.)) (محمد حديد، مذكراتي، الساقي، ط1، 2006، ص339).

وكما ذكرنا آنفاً أن حكومة الثورة قد حققت منجزات في مختلف المجالات من مشاريع اقتصادية وتنمية بشرية في اربع سنوات ونصف السنة وبدون مجلس الإعمار، حققت ضعف ما حققه العهد الملكي خلال 38 سنة. فإعمار البلاد لا يعتمد على وجود أو عدم وجود مجلس الإعمار، بل بتوافر النزاهة و الاخلاص الوطني، والضمير والشرف لدى القيادات السياسية المتنفذة في الحكومة.

رابعاً، قانون الإصلاح الزراعي وهجرة الفلاحين إلى المدن

وعن هجرة الناس من الريف إلى المدن وخاصة بغداد، (سكان خلف السدة والشاكرية...الخ)، حاول السيد الوزير أن يلقي اللوم على قانون الإصلاح الزراعي، ولكن بعد قليل تراجع واعترف أن الهجرات بدأت في أوائل الخمسينات، أي في العهد الملكي وقبل الثورة بسنوات. وهنا أود أن أشير إلى أن سبب الهجرة ليس قانون الإصلاح الزراعي، بل ظلم الاقطاعيين، وقانون حكم العشائر الذي سنه الإنكليز بعد احتلالهم للعراق، حيث وزعوا عليهم الأراضي الزراعية الأميرية كرشوة لكسب شيوخ العشائر، وتحويلهم من شيوخ ووجهاء لرعاية أبناء عشائرهم إلى إقطاعيين ظالمين لهم، وحولوا أبناء عشائرهم إلى أقنان وعبيد يباعون مع الأرض، يعانون من الجوع والجهل والمرض. وهذا كان سبب الهجرة، وليس قانون الإصلاح الزراعي. وهذه الظاهرة لم ينفرد بها العراق، بل كانت ومازالت متفشية في معظم بلدان العالم الثالث، خاصة في مصر قبل ثورة 23 يوليو 1952.

المخاطر التي تهدد مستقبل العراق

1- الاعتماد الكلي على النفط المعرض للزوال بعد عقد أو عقدين من الزمن، وعدم الاعتماد عليه في إنتاج الطاقة والموارد المالية.

2- شح المياه: جميع منابع مياه الرافدين وشط العرب هي في تركيا وإيران، وهاتان الدولتان مستمرتان في بناء السدود وحجز المياه عن العراق وهلاكه عطشاً، ولذلك فبعد عقد أو عقدين ستجف الأنهر العراقية. أما شط العرب، وأنهر البصرة فقد تحولت بعد 2003 إلى مستودعات لمياه الصرف الصحي، التي تسبب في تفشي الأمراض.

3- اتساع التصحر، وهو نتيجة لشح المياه،

4- الانفجار السكاني، كان تعداد نفوس العراق عام 1920 نحو 1.4 مليون نسمة، وبعد مائة سنة قفز العدد إلى 40 مليون، أي حوالي 28 ضعفاً. إذ تفيد الدراسات أن هناك زيادة في السكان بنحو مليون نسمة في السنة في مستواه الحالي. وهذا يعني أن العراق يواجه مشكلة الزيادة في السكان، ونقص في موارد المعيشة وغيرها من الموارد الضرورية لإدامة الحياة.

5- الصراع الطائفي والأثني بين مكونات الشعب العراقي، وتغلب نزعة الولاء للانتماءات الثانوية (الدينية، الطائفية، الأثنية، والمناطقية)، على الولاء الوطني العراقي، بل وضعف الشعور بالانتماء لهذا الوطن، وعدم حرص المواطن على ممتلكات الدولة، بل ويسعى إلى تخريبها عمداً. وهناك معلومات كثيرة في هذا الشأن لا مجال لذكرها.

6- تفتت النسيج الاجتماعي، وعودة البداوة، والقبلية والعشائرية وما يرتبط بها من تخلف، وصراعات وحروب داخلية فيما بين العشائر، كلها بدأت في عهد حكم البعث الصدامي الساقط،

7- تفشي وباء الإسلام السياسي ومليشياتهم المنفلتة، وعدم اعتماد السياسيين الإسلامويين على العلوم والتكنولوجيا وفن الممكن في حل المشاكل، بل الاعتماد على الغيبيات والدعاء بالنصر من عنده تعالى، وشيطنة المعارضين لهم لتصفيتهم بشتى الوسائل،

8- انهيار التعليم في جميع مراحله، وتفشي البطالة، والفقر، والاعتماد الكلي على الدولة في التعيينات،

9- تفشي الفساد الإداري والرشوة في جميع مفاصل الدولة، فالمواطن العراقي الذي يراجع دوائر الدولة لأي سبب، لا تُحل مشكلته ما لم يدفع رشوة للموظف،

10- عدم التزام المواطنين بالقوانين وواجباتهم إزاء الدولة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، وكما ذكر السيد الوزير، لم يدفع أغلب المواطنين فواتير الكهرباء، و أن هناك 13 تريلون دينار بذمة المواطنين لوزارة الكهرباء، أي ما يعادل 10 مليار دولار. وهذا يعتبر سرقة للمال العام لم يحصل في أي بلد في العالم غير العراق.

11- محاولات دول الجوار، وخاصة إيران وتركيا لإضعاف العراق وإنهاكه وتدميره. إذ تحاول تركيا احتلال نحو 100 ألف كم مربع من شمال العراق بحجة أن هذه كانت أراضي عثمانية، والآن لتركيا قوات عسكرية في بعشيقة بدعوى محاربة حزب العمال الكردي (PKK).(شاهد فيديو في الهامش رقم 4). ولهذه الدول مثل إيران أنصار على شكل أحزاب سياسية متنفذة، ومليشيات مسلحة في العراق، تأتمر بأمر الولي الفقيه الإيراني على حساب وطنهم وشعبهم، لأن الإسلام السياسي لا يعترف بالوطن ولا بالوطنية.

ولا شك أن هناك مشاكل كثيرة أخرى، ولكن نكتفي بهذا القدر.

لذلك، وإزاء هذه المشاكل المتراكمة وتصاعدها نحو الأسوأ، ولا شك أن كل منها يكفي لقصم ظهر البعير كما يقول الأعراب، فهل يمكن لهذا العراق أن يعيش كدولة عصرية متحضرة بحدوده الجغرافية الحالية، تتكيف مع ما يتطلبه العصر الحديث؟

أنا أشك في ذلك، وأعتقد أن هذا شبه مستحيل، ولذلك فمستقبل العراق مظلم ومرعب، ومعرض للإنهيار ما لم يعي المسؤولون في الدولة حجم المشكلة ويتخذوا التدابير اللازمة لدرأ الكارثة، وهذا ممكن فقط لو توافرت النوايا الصادقة، والنزاهة و الشرف والاخلاص للوطن، يعني شخصيات وطنية مثل الزعيم عبدالكريم قاسم وأعضاء حكومته النجباء (حكومة ثورة 14 تموز)، وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر.

ما العمل؟ مقترحات لتحويل العراق إلى دولة صناعية، وزراعية وسياحية

السؤال هنا: هل يمكن منع كارثة انهيار الدولة العراقية عند الاستغناء عن النفط وغيره من المشاكل؟

الجواب: نعم ممكن إذا حاول المخلصون تلافي الكارثة بصدق ونزاهة، وهناك اقتراحات وحلول كثيرة طرحها العديد من الزملاء الأفاضل في مقالاتهم، ومناقشاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن كما يقول المثل الإنكليزي: (القول اسهل من الفعل Easier said than done).

فحكومات الدول المصدرة للنفط كانت تعلم بنضوب النفط والغاز يوماً، ولكن اليوم ظهر سبب آخر، وهو ترك النفط والغاز كمصدر من مصادر الطاقة وذلك للحفاظ على سلامة البيئة من التقلبات المناخية، وظهور البدائل النظيفة المتجددة للطاقة.

وقد اهتمت حكومات الدول الخليجية منذ بداية نهضتها الاقتصادية في منتصف القرن الماضي، بإيجاد البدائل عن النفط والغاز كمصدر للموارد المالية، والحفاظ على حصة الأجيال القادمة من هذه الثروة الناضبة، وذلك بتخصيص نسبة معينة من الموارد النفطية في الاستثمار في مختلف المجالات الاقتصادية وفي مختلف دول العالم. وقد نجحت الدول الخليجية أيما نجاح في هذا المضمار، بحيث صارت الموارد المالية من هذه الاستثمارات تعادل الموارد النفطية وربما تفوقها في المستقبل. لذلك فعندما يصبح النفط ثروة بائرة، يكون لدى هذه الدول البديل الدائم، ويتحملون الصدمة، وكأن شيئاً لم يكن.

أما في حالتنا العراقية، فأفضل فرصة ذهبية توفرت للاستثمار في المشاريع غير النفطية، ودعم القطاعات الاقتصادية الإنتاجية في الصناعة والزراعة والثروة الحيوانية والقطاعات الخدمية، والسياحية، توفرت في عهد حكم البعث، حيث بلغت الواردات النفطية أرقاماً فلكية للدولة، ففي عام 1979 كان رصيد الدولة نحو أربعين مليار دولار. وهذا مبلغ ضخم في ذلك الوقت، كان بإمكان حكومة البعث أن تحذو حذو الدول الخليجية في الصناعة والزراعة والتنمية البشرية وغيرها، ولكن بدلاً من ذلك، راحت الحكومة، وخاصة في فترة رئاسة صدام حسين، بتبديد هذه الثروة واستدان عليها نحو 120 مليار دولار، وصرفها على عسكرة المجتمع، وشراء ذمم الاعلاميين في العالم لتجميل وجه الدكتاتور، وحكاية كوبونات النفط باتت معروفة للجميع، وتم تبديد هذه الثروات على شن الحروب العبثية على إيران ومن ثم احتلال الكويت...و(حرب تلد حرباً أخرى) إلى آخره من قائمة كوارث الدمار الشامل. وكما أشار الوزير علاوي، أن الحروب الصدامية العبثية كلفت العراق نحو 400 مليار دولار.

ثم جاءت مرحلة ما بعد 2003، وخلال الـ 18 سنة الماضية فشلت الحكومات المتعاقبة في التخلص من تركة البعث، بل زادوا عليها بالفساد، والأنانية، وسرقة أموال الشعب، وفقدان الشعور بالوطنية والمسؤولية، إلى أن وصلنا إلى هذا الوضع المأساوي المزري، وضع اللادولة، والدولة الرديفة، والدولة الفاشلة وغيرها من المسميات..

لست خبيراً بالاقتصاد، ولكن اعتماداً على الحس العام (commonsense)، فمن واجب الدولة القيام بتشكيل لجان من الخبراء الوطنيين النظيفين في مختلف المجالات، وبالأخص الاقتصاديين والصناعيين والماليين، والمفكرين وغيرهم، وما أكثرهم، والحمد لله، لدراسة الأزمة، وإيجاد الحلول الواقعية لها، ولكن حسب تقديراتي كمواطن متابع للقضية العراقية ومهتم بها، أطرح النقاط أدناه قابلة للتعديل والإضافات. فلو توفرت النوايا الصادقة والنزاهة والاخلاص للشعب والوطن، لأمكن إخراج العراق من مأزقه وأزمته المالية وغيرها وذلك كالتالي:

1- من الممكن الإسراع في الاستثمار الاقتصادي بمختلف مجالاته بما هو متوفر من الواردات النفطية، وحذو الدول النفطية وغير النفطية في هذا المجال.

2- التخلص من المحاصصة الطائفية في مؤسسات الدولة، واعتماد مبدأ الشخص المناسب في المكان المناسب،

3- مواجهة الانقسامات المجتمعية بحملة تثقيفية مكثفة، ومستدامة، ومنع أي تمييز: ديني، أو طائفي، أو أثني..الخ

4- منع ذكر الانتماء الديني والطائفي والأثني في بطاقة الهوية الوطنية العراقية،

5- حل المليشيات المسلحة السائبة وحصر السلاح بيد الدولة فقط،

6- حملة تأهيل جميع المعامل المتوقفة عن العمل، إذ هناك آلاف المعامل الصغيرة المتوقفة عن العمل، يجب الاسراع في تأهيلها، لتوفير العمل لملايين العاطلين، فهناك عشرات الجامعات والمعاهد، وألوف المدارس الاعدادية وغيرها تخرج سنوياً مئات الألوف من الخريجين الشباب يبحثون عن عمل،

7- تشجيع القطاع الخاص، إذ لا يمكن للدولة وحدها أن تكون هي المصدر الوحيد لإيجاد العمل للعاطلين، أما التعيينات بدون عمل فهي بطالة مقنعة تؤدي إلى تضخم جهاز الدولة، وترهله، والكسل والخمول في أداء الواجب،

8- تشجيع الأفراد على المبادرات الشخصية، في خلق أعمال حرة لهم مع مساعدة الدولة لهم مادياً في أول الأمر.

9- تشجيع الاستثمارات الخارجية في جميع المجالات في العراق،

10- الاستثمار في إنتاج الطاقة من المصادر البديلة المتجددة مثل الطاقة الشمسية حيث تتوفر أشعة الشمس في العراق في جميع فصول السنة. وفي هذا الخصوص يجب إقامة علاقات اقتصادية مع الصين الشعبية المعروفة بقدرتها في صناعة الألواح الشمسية ونصبها، وذلك بفتح معامل لصنع الألواح الشمسية في العراق، وتشجيع شركات أهليه عراقية، وتدريب العراقيين في هذه الصناعة، وحث الناس على استخدام هذه الطاقة النظيفة والمجانية عدا تكاليف نصب الألواح على سطوح بيوتهم، كذلك قيام الحكومة بتجهيز جميع أبنيتها بالطاقة الشمسية. فهناك دول تخطط للاستفادة من صحاريها لإنتاج الطاقة الكهربائية الشمسية وتصديرها إلى دول أخرى.

11- في قطاع السياحة: العراق بحكم موقعه الجغرافي، وتاريخه العميق والعريق، وكونه مهد الحضارة البشرية، وغزارة الآثار التاريخية، والمواقع الدينية، مؤهل ليكون أفضل دولة سياحية لمختلف أنواع السياحة، الترفهية، والثقافية، والدينية لأتباع مختلف الديانات والمذاهب. إضافة إلى إمكانية تحويل منطقة الأهوار، وشط العرب إلى مشتى والرياضة المائية.

12- الاهتمام بالصناعات البتروكيماوية، وتطويرها بحيث توفر مواداً تستخدم في الصناعات المختلفة،

فطالما عندنا النفط كمادة أولية يمكن التقدم في هذا المجال، وكذلك صناعة الأسمدة الكيمياوية،

13- تقليص العطل بشكل عام، فهناك من يستغل المناسبات الدينية، وأغلبها ليست عطل رسمية، ولكن هؤلاء البعض يستغلونها للتهرب من العمل. وإذا ما أضفنا إليها يومين في كل أسبوع، إضافة إلى العطل الرسمية، فالوقت المهدور بالعطل يساوي ما يقارب نصف سنة تكون دوائر الدولة والمؤسسات الاقتصادية والتعليمية وغيرها معطلة. وهذا لا يوجد إلا في العراق.

14- الاهتمام بالثروة الزراعية والحيوانية، وبالأخص زراعة النخيل، إذ كما جاء في الحديث: "أكرموا عمتكم النخلة". فقبل الحروب الصدامية العبثية كان العراق أكبر بلد مصدِّر للتمور، حيث كان فيه نحو 40 مليون نخلة، وعند سقوط الصنم الصدامي كان في العراق نحو 8 ملايين نخلة فقط. كذلك يجب تشجيع إنشاء أحواض لتربية الأسماك، والاهتمام بتكاثرها في الأنهر والبحيرات، وسن قوانين تمنع استخدام السموم والمتفجرات لصيد الأسماك بالطريقة الهمجية التي تؤدي إلى نفوق أعداد كبيرة من الأحياء المائية، وهذه جريمة لا تغتفر،

15- الإهتمام بقطاع النقل: يتميز العراق بموقعه الجغرافي فهو الطريق الرابط بين آسيا وأوربا، وعليه يجب التركيز على شبكة النقل بمختلف أنواعه، الجوي والبري والبحري، وهذا يحتم الاهتمام بالنقطة الأخيرة وهي:

16- الإسراع في بناء مشروع ميناء الفاو الكبير، وبذلك يمكن تحويل الفاو إلى أكبر مصدر يدر على العراق في الموارد المالية، كما هونكونغ ودبي وغيرهما من الموانئ. ولذلك تحاول دول الجوار قتل هذا المشروع لكي لا ينافس موانئها.

لا شك أن هناك وسائل أخرى كثيرة يمكن أن تساهم كبديل عن النفط في تمويل الموازنة العراقية وحل الأزمة المالية ودرأ خطر انهيار الدولة العراقية بعد النفط.

وكل عام وأنتم وعراقنا الحبيب والعالم بألف خير

 

د. عبد الخالق حسين

.....................................

روابط ذات علاقة

1- تغطية خاصة مع كريم حمادي | الضيف: علي علاوي .. وزير المالية | العراق والدولة.. مئة عام من التقلبات

https://www.youtube.com/watch?v=McTBsH8HfY4

2- عبدالخالق حسين: منجزات ثورة 14 تموز 1958

http://www.abdulkhaliqhussein.nl/index.php?news=389

3- منجزات الزعيم عبدالكريم قاسم خلال فترة حكمه

http://www.akhbaar.org/home/2018/7/246337.html

4- فيديو قصير:متحدث عراقي يؤكد أن تركيا تتأهب للسيطرة على أراض عراقية غالية وضمها لها وتبلغ مساحتها 100 ألف كم بحجة أنها كانت يوما تابعة لها

https://www.facebook.com/abdulkhaliq.hussein.1

5- د. حميد الكفائي: استعادة الدولة أولى من الاحتفال بذكراها المئوية

https://akhbaar.org/home/2021/12/289956.html

5- أ. د. عادل شريف: العراق في مئويته الأولى، سياسات مستوردة وانقسام مجتمعي

https://almasalah.com/ar/NewsDetails.aspx?NewsID=220434

 

 

اياد الزهيريما أشبه العراق اليوم باالأتحاد السوفيتي السابق وخاصة عام ١٩٩١ م حيث أستقلت جمهوريات البلطيق (أستونيا، ولتوانيا، لاتفيا) التي ضمها ستالين بالقوة للأتحاد السوفيتي، وحين مرت السلطة المركزية في موسكو بأضعف حالاتها بقيادة غورباتشوف، أعلنت هذه الجمهوريات أستقلالها كغيرها من جمهوريات أسيا الوسطى التابعة للأتحاد السوفيتي السابق، وان روسيا كانت افقر هذه الجمهوريات حيث كانت موسكو تنأى بحمل ثقيل بسبب تحملها أعباء الجمهوريات التابعة للاتحاد، وهي تبعات معضمها أقتصادي، مما أثقل كاهل الخزينة الأتحادية السوفيتية ، وأما اليوم وبعد أنفصال الجمهوريات الأخرى التي شكلت جمهوريات الأتحاد السوفيتي السابق،  جعل روسيا تعيش وضعاً أقتصادياً مزدهراً بسبب ما ألقته عن ظهرها من عبء ثقيل فرضها ألتزامها بأتحاد فُرِضَ بالقوة، . بلدنا اليوم يعيش حالة قريبة من ذلك وخاصة مع الأخوة الكرد (الأقليم) وكما كانت شعوب جمهوريات البلطيق لا تطيق الفرد الروسي الموجود على أراضيها ولا يهوى جمهورها التبعية الى موسكو والتي أنتهت بالأنفصال، فشعب الأقليم وأحزابه لا تطيق بغداد، وقد عبر شعب الأقليم بأكثر من مظهر في ذلك ومنها الحرق المتكرر للعلم العراقي، وأستفتاء الأنفصال الذي عملته الأحزاب الكردية وأيده معظم الشارع الكردي، أضافة الى ما صرح به زعيمهم مسعود بأن الأكراد أجبروا على الأنضمام الى العراق، وآخرها تصريح أبنه مسرور، وهو ويمثل رئيس الأقليم حالياً، كلنا نتذكر جوابه لصحفي غربي عندما سأله، هل انت كردياً أولاً أم عراقياً، فأجاب بكل وضوح أنه كردياً أولاً وحينها كان هناك عاصفة من التصفيق من قِبل الجمهور الكردي من الحاضرين، أذن فلماذا لا تتخلص بغداد من أعباء الأقليم وهي أعباء كثيرة منها مالية وأخرى أمنية وأن يكون هناك عراق من العرب والتركمان وباقي الأقليات التي تُريد البقاء تحت خيمة العراق، لأن لها جذور تاريخية وحضارية في أرضه، أن عراق بدون الأقليم سيكون عراق أكثر أنسجام وأقل مشاكل وأكثر أمن، وسيزدهر بوتائر أعلى ولنا بتجربة روسيا خير مثال، فصعود روسيا أعتمد على ما موجود من ثروات طبيعية ضخمة بالأضافة الى موارده البشرية زائد قيادة حكيمه وقوية كالرئيس بوتين . فالعراق بلد غني بموارده الطبيعية والبشرية، وما يحتاجه فقط الا قيادة ذات طابع بوتيني، وعنئذ سيسترجع العراق عافيته، كما أسترجعت روسيا قوتها الأقتصادية والعلمية والعسكرية، وعادت روسيا ثانيةً كقوة كبيرة بالعالم، ونحن في عراق بدون أقليم نمتلك موارد طبيعية وبشرية ضخمة، ولكن لا نحتاج الا رئيساً بمواصفات بوتين لكي يسترجع العراق عافيته وكامل سيادته، ولا شك سيكون من أبرز دول المنطقة بقوته الأقتصادية والعلمية والعسكرية وسيفرض هيبته على الجميع، وبغير هذا الطريق الذي نمنح فيه الجزء أستقلاله سنفقد بمؤامرات الجزء المستمرة وخاصة في تعاونه مع الكيان الأسرائيلي، الذي سيجعل منه أقليماً مشاكساً لبغداد ومزعجاً لها، ومستنزفاً لثرواته عبر أحداث توتر أمني ليس فقط في المناطق المتنازع عليها، بل الأقليم، وكما حصل منذ ٢٠٠٣ م يعمل على نقل الأضطراب الأمني الى الوسط والجنود بغية أشغال بغداد وأضعافها لكي تقوى الأطراف، وما موجود من قيادات هزيلة في العراق اليوم يساعد كثيراً الأقليم في تنمره على بغداد، وهذا هو الذي يجري على أرض الواقع.

 

أياد الزهيري

 

 

بكر السباتينأثبت الرئيس الفلسطيني محمود عباس ما كان يردده دائماً في كل المناسبات بأن اتفاقية التنسيق الأمني مقدسة، من خلال زيارته المفاجئة أو لنقل استدعائه من قبل طرف الاتفاقية أعلاه في 27 ديسمبر الجاري، إلى منزل وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس لإجراء محادثات بشأن قضايا اقتصادية وأمنية، في الوقت الذي يحاصر جيش الاحتلال الإسرائيلي قطاع غزة ويسعى جاهداً إلى تهويد القدس وقضم الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية والتنكيل بالفلسطينيين وإفلات قطعان المستوطنين المستعرة لعقرهم في الشوارع وإعدامهم في وضح النهار في نطاق سلطة التنسيق الأمني المكاني والأمني.

فبدا وكأن هذه السلطة وُجِدَتْ لحماية المستوطنات فقط على اعتبار أن جرائم المستوطنين مشفوعة فيما تندرج مقاومة الفلسطينيين العزل لهذه الأفعال الشنيعة تخريباً وإرهاباً اقتضى من سلطات الاحتلال مواجهتها أو الضغط على الأجهزة الأمنية الفلسطينية لإلجامها والتعامل معها بشدة وفق اتفاقية التنسيق، ما استرعى استدعاء عباس من قبل غانيتس لوضع النقاط على الحروف، وهذا ما حصل وفق غالبية المحللين.

هذا ذنب كبير اقترفه رئيس سلطة خالفت مبادئ النضال واستجابت لاتفاقية وجدت لحماية الجاني من الضحية التي حشرت في الزاوية.. سلوك لم يشهد له التاريخ مثيلاً، بأن يقوم عباس بزيارة مجرم الحرب بني غانيتس الذي أعطى أوامره لإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين الفلسطينيين الذين تركتهم السلطة الفلسطينية دون حماية مكتفية بالشجب والاستنكار.

إذ تتوالى الاعتداءات المبرمجة من قبل قطعان المستوطنين المدعومة بجيش الاحتلال الإسرائيلي على الفلسطينيين في الضفة الغربية وعلى رؤوس الأشهاد، وبالرغم من الخسائر الكبيرة التي يتكبدها الفلسطينيون من جراء هجماتهم المستعرة على بيوتهم وأراضيهم وبساتين الزيتون تنكفئ سلطة أوسلو على نفسها دون تقديم سوى الشجب والاستنكار كأنها طرف محايد في موقف لم يشهد له التاريخ مثيلاً .

فكيف بقيادة فلسطينية وجدت لقيادة "النضال الفلسطيني!" واستعادة حقوق الشعب الفلسطيني المسلوبة؛ تتحول خلافاً للأعراف، إلى رأس حربة في يد العدو .. ليباغت- رغم كل هذا- رئيس السلطة الفلسطينية عباس، الشعبَ الفلسطيني بهذه الزيارة التي وصفتها السلطة بأنها تهدف إلى خلق أفق سياسي يؤدي إلى حل وفق قرارات الشرعية الدولية..

وكأن "نكبة" اتفاقية أوسلو "الانتهازية" التي أبرمت عام 1993، منحت للفلسطينيين مستحقات السلام تحت عنوان "الخيار السلمي" بينما هي في حقيقة الأمر أدت إلى استنزاف حقوق الشعب الفلسطيني وتجاوزت كل الخطوط الحمر وتركت القضية الفلسطينية في مهب الريح لولا ظهور المقاومة في غزة التي نفضت الغبار عن هذا الملف وأبعدته عن أيادي العابثين بالمصير الفلسطيني والذين يراهنون على اتفاقيات خرقاء مع المحتل الإسرائيلي الغاشم الذي ينكل بالفلسطينيين ويسطو على المزيد من الأراضي الفلسطينية المستباحة دون رادع؛ بغية تحويل الضفة الغربية إلى جزر أمنية كما شاءت لها صفقة القرن التي ظن كثيرون بأنها انتهت بينما يتم تنفيذها وعلى مراحل تحت طاولة القمار التي أقحم عباس في أتونها في زيارته الأخيرة المريبة لمنزل بني غانتس والمرفوضة جماهيرياً!! ناهيك عن أن أوسلو نفسها فتحت أبواب التطبيع المهين أمام دولة الاحتلال على صعيد عربي.

وكان على مستشاري عباس أن ينبهوه إلى أن خيار السلام مع الفلسطينيين بالنسبة للقيادة الإسرائيلية ليس استراتيجياً بحيث سيفضي إلى حل دائم؛ بل تكتيكياً مراوغاً بغية الوصول من خلاله إلى فرض سياسة الأمر الواقع على الضفة الغربية وتحويلها إلى جزر أمنية محاصرة بالمستعمرات ويتم التحكم بها كما هو حال غزة فيما لو جردت من سلاح المقاومة الذي حقق الردع مع أعتى الجيوش في العالم.

إن المفاوضات القائمة على وعود إسرائيلية كاذبة، إنما تندرج في سياق التكتيك الأمني بحيث يتم اللجوء إليها كلما تعرض كيان الاحتلال الإسرائيلي إلى ضغوطات ميدانية على الأرض بفعل المقاومة المسلحة في غزة أو تلك التي أنيطت بالفلسطينيين وفزعاتهم الفاعلة ضد قطعان المستوطنين التي لا تبقي ولا تذر.

وفي المحصلة فإن ما تسعى إليه القيادة الإسرائيلية هو كبح جماح أية مقاومة تطل برأسها على المشهد الفلسطيني، ومحاولة دعم الاقتصاد الفلسطيني وفق الرؤية الصهيونية في أن يظل تحت سيطرة القرار الإسرائيلي حتى يظل الفلسطيني يلهث وراء مصالحه " العصا والجزرة" دون أن يظفر بها.

ولأن شجرة الزيتون ومنتجاتها من الزيت تمثل أهم ركن في اقتصاد الريف الفلسطيني، فقد تم استهدافها واقتلاعها في مجازر تعرضت لها هذه الشجرة الكنعانية المباركة العريقة والتي تمثل هوية الشعب الفلسطيني، ما استرعى من غانيتس إهداء الرئيس الفلسطيني زجاجة زيت من معاصر الزيتون في مستعمرات الضفة الغربية التي أقيمت على أراضي محتلة، في إطار رسالة إسرائيلية فحواها بأن شجرة الزيتون ومنابتها ما هي إلا موروثاً إسرائيلياً.

وكان الأولى بعباس رفض قبول الهدية حتى لا تعتبر اعترافاً ضمنياً منه بما يضمر قادة الاحتلال الإسرائيلي في قلوبهم وعقولهم القائمة عل احتلال الأرض والموروث الفلسطيني بأنواعه، رغم أن الرئيس الفلسطيني تجاوز كل القوانين في تقلده لرئاسة السلطة بحيث يعتبر لدى كثيرين من الفلسطينيين رئيساً غير شرعي، أي أن ما يقرره غير قانوني.

فالمصادر الإسرائيلية من جهتها تؤكد ما ذهبنا إليه من خلال حديثها عن مخرجات لقاء عباس و غانتس، في أن هناك تسهيلات اقتصادية ستمنحها الحكومة الإسرائيلية للسلطة الفلسطينية، صنفتها في خانة إجراءات بناء الثقة.. مع أن كل اختبارات الثقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين فشلت وكان آخرها صفقة الإفراج عن الأسرى وربط توريد الغاز إلى القطاع وفتح الأبواب للعمالة الفلسطينية بالهدنة الطويلة المنشودة دون فك الحصار.. أي ممارسة لعبة العصا والجزرة في الضفة الغربية والقطاع المحاصر وإبقاء الأمر على حاله وصولاً إلى فرض سياسة الأمر الواقع.

وفي هذا الصدد، تواترت بيانات الإدانة عن الفصائل الفلسطينية. وقالت حركة حماس: إن اللقاء لا يخدم إلا الإسرائيليين. فيما عدته حركة الجهاد الإسلامي تنسيقًا أمنيًا في لحظة فلسطينية حرجة، وأن الانتفاضة انفجرت من أصله وأن لقاء عباس تم مع من أعطى أوامره لإخماد المواجهات مع الفلسطينيين بالقوة لذلك سمح بإطلاق الرصاص الحي على الفلسطينيين .

وجاء اللقاء في رأي الجبهة الشعبية "رهاناً خاسرا".

أما شرفاء فتح وخلافاً لسياسة سلطة أوسلو فإن انخراطهم في الفزعات الميدانية على الأرض تعبر عن رفضهم لتقاعس السلطة إزاء ما يتعرضون له من انتهاكات على يد المستوطنين الصهاينة..

وفي الحقيقة أن الكلمة الفصل تعود إلى الشعب الفلسطيني الذي يدافع عن أرضه وعرضه ومقاومته المظفرة، ويعلم قادة الاحتلال الإسرائيلي بأن حصادهم الخيبة ولا رهان على من يتاجر بوطنه ويتنازل عن ثوابته الوطنية.

 

بقلم بكر السباتين

1 يناير 2022

 

 

كريم المظفرخمسون دقيقة، هي فترة المكالمة الهاتفية التي أجراها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع رئيس الولايات المتحدة الأمريكية جوزيف بايدن، في الثلاثين من ديسمبر الجاري، والتي وصفها مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف، بأنها "كانت المحادثة شبيهة بالأعمال التجارية وذات مغزى، واتفق الرئيسان، وهو أمر مهم للغاية أيضًا، على مواصلة الحوار بعد العام الجديد".

وهذه هي المحادثة الثانية بين البوابتين الأمريكية والروسية خلال شهر ديسمبر الجاري، الأولى كانت في 7 كانون الأول (ديسمبر) عبر الفيديو كونفرانس، ناقش القادة العلاقات الثنائية، وقضايا الاستقرار الاستراتيجي، والأمن السيبراني، بالإضافة إلى الوضع حول أوكرانيا وتوسع الناتو باتجاه الشرق.

بيان الكريملين عقب المحادثة بين بوتين و بايدن، والتي جاءت هذه المرة - بمبادرة من الجانب الروسي -، أوضح إن الموضوع الرئيسي للمحادثة كان هو تنفيذ الاتفاق الذي تم التوصل إليه خلال مؤتمر الفيديو في 7 كانون الأول (ديسمبر) لبدء مفاوضات بشأن توفير ضمانات قانونية لضمان أمن روسيا، وقدم فلاديمير بوتين تفسيرات مفصلة للمقاربات المبدئية التي تقوم عليها المسودات الروسية للمعاهدة بين الاتحاد الروسي والولايات المتحدة الأمريكية واتفاقية الاتحاد الروسي مع الدول الأعضاء في منظمة حلف شمال الأطلسي، وتم التأكيد على أن نتيجة العمل المشترك يجب أن تكون ضمانات قانونية ثابتة تستثني تقدم الناتو شرقاً ونشر أنظمة أسلحة مهددة في المنطقة المجاورة مباشرة للحدود الروسية، وعلى أنه لا يمكن ضمان أمن كل بلد إلا على أساس التقيد الصارم بمبدأ عدم قابلية الأمن للتجزئة.

الرئيس الروسي أُعرب عن الاستعداد المتبادل لإجراء حوار جاد وهادف بشأن القضايا المحددة، وتم التأكيد على أن المحادثات ستجرى أولا في جنيف في الفترة من 9 إلى 10 يناير، ثم في إطار مجلس الناتو وروسيا في بروكسل في 12 يناير، وفي 13 يناير، ستبدأ المناقشات في OSCE، واتفق الرؤساء على إبقاء مسار المناقشات تحت السيطرة الشخصية على مسارات التفاوض المذكورة أعلاه، ولاسيما في شكل ثنائي مع مراعاة تحقيق نتائج ملموسة في أقرب وقت ممكن، وشدد جوزيف بايدن وفي هذا السياق، على المسؤولية الخاصة لروسيا والولايات المتحدة لضمان الاستقرار في أوروبا والعالم ككل، وكذلك حقيقة أن واشنطن ليس لديها نية لنشر أسلحة هجومية على أراضي أوكرانيا.

وقدم الجانب الروسي إجابة شاملة على الخيار الذي ذكره مرة أخرى جوزيف بايدن، وهو تبني عقوبات "واسعة النطاق" ضد روسيا في حالة تصعيد الموقف حول أوكرانيا، وعلى وجه الخصوص، قيل أن هذا سيكون خطأ فادحًا، وفي الواقع، يهدد بالقطع الكامل للعلاقات الروسية الأمريكية، وبشكل عام، ووفقا لبيان الكريملين كانت المحادثة صريحة وعملية، وبالطبع كانت مفيدة للطرفين، وتم الاتفاق على مواصلة الاتصالات المنتظمة على أعلى مستوى. 

السكرتير الصحفي للكريملين ديميتري بيسكوف، يرى إن المحادثات الهاتفية بين رئيسي روسيا والولايات المتحدة تسبق لقاء وجها لوجه بين الزعيمين، وأصبحت هذه المحادثة استمرارًا منطقيًا للمحادثات التي عقدت في مؤتمر عبر الفيديو بين روسيا والولايات المتحدة في أوائل ديسمبر، في حين أشار مساعد الرئيس الروسي، إلى أن الرئيس الأمريكي جو بايدن أشار في محادثة مع نظيره الروسي إلى "عقوبات واسعة النطاق" محتملة، وان الرئيس قال فلاديمير بوتين رد على ذلك، وأعطى إجابة واضحة بأنه سيكون خطأ فادحا، والذي، بالطبع، يمكن أن يؤدي إلى قطع كامل في العلاقات، وأضاف أن مثل هذه العقوبات ستؤدي إلى أخطر العواقب، وتأمل روسيا ألا يحدث ذلك، وأوضح أوشاكوف، إن النقطة الأساسية التي دارت خلال المحادثات من الجانب الأمريكي هي أن بايدن قال إن الولايات المتحدة لا تنوي نشر أسلحة عسكرية هجومية في أوكرانيا.

وستعقد المحادثات الروسية الأمريكية بشأن الاستقرار الاستراتيجي وقضايا الأمن في 10 كانون الثاني / يناير، بعد ذلك، في 12 يناير، ستتم مناقشة قضية الأمن الأوروبي والوضع في أوكرانيا في اجتماع لمجلس الناتو وروسيا في 13 يناير مع منظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE)، وذكرت شبكة CNN نقلاً عن مصادر متعددة أن النائب الأول لوزيرة الخارجية ويندي شيرمان ستقود الوفد الأمريكي لإجراء محادثات مع روسيا بشأن الضمانات الأمنية.

ووفقا لأوشاكوف فإن رئيسي روسيا فلاديمير بوتين والولايات المتحدة، جو بايدن، اتفقا على إجراء مفاوضات بشأن الضمانات الأمنية على ثلاثة مسارات: روسيا الثنائية والولايات المتحدة في جنيف، روسيا، وحلف شمال الأطلسي في بروكسل و فيينا من خلال منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وسيمثل روسيا في جنيف نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، في المفاوضات مع منظمة الأمن والتعاون في أوروبا - الممثل الدائم لدى المنظمة ألكسندر لوكاشيفيتش

أما في الولايات المتحدة فقد شددت واشنطن على أن أي دولة لها الحق في الانضمام إلى الناتو متى شاءت، ووفقا لممثل رفيع المستوى للإدارة الأمريكية، فإن رأي روسيا بشأن إمكانية توسيع الحلف لا يؤثر على موقف الولايات المتحدة، وردا على سؤال عما إذا كانت واشنطن ستقدم لموسكو أي ضمانات أمنية، رفض المسئول الأمريكي الإجابة وأوضح أن المفاوضات حول مثل هذه المواضيع تجري خارج الفضاء العام، ونقل عن الرئيس بايدن قوله للرئيس بوتين، "انه فيما يتعلق بقضية الناتو التي أثرتها، فإن موقفنا واضح تمامًا، هذه القرارات تتخذها دول ذات سيادة، طبعا بالتشاور مع الحلف " .

وخلال المحادثة، قال الزعيم الأمريكي إن الولايات المتحدة مهتمة بإجراء حوار مع الاتحاد الروسي حول الاستقرار الاستراتيجي، وفي عمل مجلس روسيا والناتو والاتصالات عبر منظمة الأمن والتعاون في أوروبا. وأضاف أن روسيا والولايات المتحدة مسئولتان عن ضمان الاستقرار في أوروبا والعالم ككل، وأن واشنطن ليس لديها نية لنشر أسلحة هجومية على الأراضي الأوكرانية.

وقال المسئول الأمريكي، إن الرئيس الأمريكي جو بايدن ناقش مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الحاجة إلى خفض التصعيد في أوكرانيا واتخاذ إجراء أمريكي في حالة تدهور الوضع، وان بايدن كرر بأنه ستكون هناك تداعيات في حالة الغزو الروسي لأوكرانيا، وأشار إلى أن بايدن قال إنه في هذه الحالة، ستبذل الولايات المتحدة جهودًا لتعزيز قوات الناتو وتقديم مساعدة إضافية لأوكرانيا، وإن الولايات المتحدة تسترشد باحتواء روسيا في سياق أوكرانيا.

المكالمة الهاتفية الثانية بين بوتين و بايدن جاءت في ظل إستمرار الإعلام الغربي والأوكراني وعلى مدى الأسابيع القليلة الماضية، في الحديث عن استعدادات مزعومة لغزو روسي لأوكرانيا، رغم النفي الروسي مرارا وجود مثل هذه النوايا لديها، وعلى وجه الخصوص، ونقلاً عن مصادر، فأن المخابرات الأمريكية تعتقد أن بإمكان روسيا التحضير لغزو أوكرانيا في أوائل عام 2022 وإجرائه من ثلاثة اتجاهات - من شبه جزيرة القرم والبر الرئيسي وعبر بيلاروسيا.

ويعتقد الرئيس السابق لقسم الإعلام بوزارة الخارجية الأوكرانية، نائب البرلمان الأوكراني، أوليغ فولوشين، أن روسيا ستهزم أوكرانيا في أقل من عشر دقائق، وستدمر النقاط الرئيسية في الحكومة دون دخول أراضيها، ووفقًا له، في هذه الحالة، سيفقد الجيش الأوكراني علامات الحداثة القليلة التي يمتلكها الآن، وأضاف النائب: "ربما لا يفهمون ما هي حرب التكنولوجيا الفائقة الحديثة".

أما الولايات المتحدة فقد أوضحت، أنه في حالة حدوث "غزو" لأوكرانيا، ستصل القوات الروسية إلى نهر الدنيبر في غضون ثلاثة إلى أربعة أيام، وبحسب المدير السابق لقسم التحليل الروسي في وكالة المخابرات المركزية جورج بيبي والمستشار السابق لوزير الدفاع في إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب دوغلاس ماكجريجور، فأنه "إذا تعلق الأمر بقتال في أوكرانيا، من المرجح أن تفوز روسيا - وبسرعة."

لذلك فإن المكالمات الهاتفية والاتصالات الأمريكية الروسية على المستويات المختلفة، لم تسهم حتى الآن في تخفيف حدة التوتر بين موسكو وواشنطن من جهة و بين موسكو وحلف شمال الأطلسي (الناتو) من جهة أخرى، ولم تحرك ساكنا في العلاقات بينهما، فالعقوبات الإقتصادية مستمرة، ولا احد يجرأ على إلغاءها أو حتى تخفيفها، وإجراءات طرد الدبلوماسيين، وتبادل الاتهامات في قضايا عديدة مازالت مستمرة، لأن الدول الغربية ترى في روسيا (عدوا افتراضيا) تحاول من خلاله تنفيذ مخططاتها التوسعية، وتعلق كل مشاكلها الداخلية من خلال (اختلاق) الأزمات مع موسكو، وإن إجراءاتها ما هي إلا محاولة لأحتواء روسيا، ووقف نشاطها السياسي في العالم وفي سوق السلاح العالمي، الذي بات ينمو بشكل ملحوظ، وبالأخص في منطقة الشرق الأوسط، وجنوب شرق آسيا، تلك المناطق التي كانت (مقفولة بالكامل) للولايات المتحدة.

 

بقلم: الدكتور كريم المظفر