محسن الاكرمينسياسة بدائل "الكاوية"

من بين المصطلحات المتداولة عند مول فران الحومة "الكاوية"، وهي ذاك الغشاء الحديدي السميك المحاذي لبيت النار. هي حرارة حد "الكاوية" التي وصل إليها عموم الشعب بصهد متتالية ادفع بالتسويف وبدون سؤال عن طرق إنجاح وتنفيذ مقترح التنمية الجديد!!! هو حرارة " الكاوية" القابل للانفجار من شدة الضغط، والذي قد يستحوذ على ردود أفعال "الرعية" غير الموجهة نحو معادلة " الرفاهية للجميع"، هي بدائل قديمة من طين الانتظار في قيام نموذج تنموي ديمقراطي وعادل، هي الحكامة التي تغيب عن رعاية "الرعية " وتمكن فئة من دغدغة العيش رابح رابح حتى مع "النموذج التنموي الجديد "و عند أي تغيير.

نهم مطالب "الشعب" العادلة لا تزال عالقة منذ القدم، وتكرر نفسها بتغيير المصطلحات منذ عهد الاستقلال، ويتم تحيينها وفق رؤية "مغرب الممكن" و"النموذج التنموي الجديد " فإلى متى؟. تخمة الالهاءات وتسويق نميمة الخصومات (السياسية) ومكائد المواقع الاليكترونية بات متسعا من تسويف الأداء السياسي إلى حين !!! النضال "الحزبي والنقابي" الذي بات يزكيه حديث المواقع الاليكترونية لن يفيد "الرعية" كرامة ولا عدالة اجتماعية.

نموذج التنمية والرفاه المعلق

نخبة من القوم حنطت "للرعية"  نموذجا جديدا تنمويا، يتغذى منه السياسي في برنامجه الانتخابي 2021، ويتحصن به الاقتصادي لمزيد من إنشاء الفوارق، وإثقال ظهر الدولة بالديون المستعصية. تقرير (152 صفحة) محتشم في فقرعة الرمانة وتحييد "الفاسد منها"، وكأن المصطلحات المفزعة لا يسميها بمسميات الحقيقة " الريع /الفساد  الكبير/التبديد / الترف والبذخ / الإخفاقات/ لوبي المال والسياسة والتشريع..." تقرير متسامح ومتوازي الأضلاع لا يقدر حتى على اقتحام مسارات الحرية الفردية ولا الجماعية ولا بدائل التمكين، ويرتكن إلى رمزية التلميح والإضمار، نموذج يولي اهتماما لكيفية "تطبيق الرفاه للجميع"، والرعية مدركة أن الرفاه لن يزيد إلا من غنى الأغنياء.

هي ديمقراطيتنا التي قطعت أشواطا من التفرد نحو تحنيط قراراتها باتجاه "الرعية" وصناعة إلهاء التسويف، هو نمط من المخططات المصغرة التي تبقى متعلقة بجيوب الطبقات المتوسط وعموم " الرعية"، هو تقرير وخلاصات المتغيرات التي ترغم الشعب في المساهمة عنوة في رفاه " جيوب المال ونصرة المقاومة الحريرية"، هي المطالبة الأحادية الفوقية في أداء "الرعية" واجباتها الملزمة تجاه الدولة، في مقابل يتم تحييد وتهميش حقوق الشعب المشروعة في العدل والصحة والتعليم والشغل والسكن...

المغرب يعيش الاشكالات الكبرى المتقاطعة بالتراكم ووتفاقم الحقد الاجتماعي، والنموذج التنموي يعدنا بتحرير الطاقات، واستعادة الثقة لتسريع وثيرة التقدم، وتحقيق الرفاه للجميع، أنا باغي فقط هي الحكامة الدستورية" ولي فرط يكرط"، ولا أخفيكم باغي حقي من غنى الوطن بحساب رياضي.

من السلم الاجتماعي إلى الصمت المطبق

قد تكون "الرعية" في حالة صوم الكفارة عن مطالب بقيت عالقة، قد يكون الشعب يعيش مرحلة اليأس وسئم من الانتظارية وبات يتلهى بمشاهد "التفاهة والسخافة" ويحتاج إلى المزيد من مضخات الأكاذيب ومن مفرقعات عاشورة" نموذج الاقتصاد التضامني". هو الشعب الذي علق في قشة الإنقاذ وظل عالقا وسط التجاذب السياسي المقيت بلا جدوى ولا جاذبية، هو الشعب الذي يطالب  بإعادة النظر في الاختيارات الكبرى.

قد لا نحتاج في سياق إلى الاستدلال البياني على وضعيات الأسر والهشاشة  إلى "نموذج تنموي جديد"، قد لا نحتاج إلى سجل اجتماعي يحصي الفقر والفقراء، فقد يعري المسكوتات ويفضح الدولة عالميا بالأرقام ومتاريس العيوب. فقط نحتاج فقط إلى رؤية جديدة تنموية ثورية تطوح بالفوارق الاجتماعية، وتستهدف التنمية التفاعلية مع قضايا ومشاكل الشعب. ونقول :" أن البدائل واضحة بلا خطوط حمراء ولا رقابة ذاتية من" لجنة الإفتاء التنموي".

نموذج شعب التمكين

يقال: أن الدم أكثر كثافة من الماء، ونحن نقول: أن الحكامة أكثر حماية للشعب من سوء الفساد الكبير. فالمواطن الفاعل يجب أن يكون مبادرا، منتجا للحلول والمشاركة العامة، غير منتج للسلبية ولا التواكلية ولا الانتظارية، لا بد من أن تكفل الدولة الكرامة وحقوق المواطنة للشعب لا الرعية، وإنتاج إجابة المساءلة: لماذا فشلت الدولة في نماذج تنموية ومخططات خماسية، وتقرير المغرب الممكن منذ ما يزيد عن خمسين سنة؟.

لن نقفل أبواب حلم يقظة المستقبل بمغرب التمكين، وبناء مشاريع مجتمعية متمايزة وتحقيق الكرامة والعيش اللائق لكل المغاربة، لن نركن إلى السلبية، ولا نعمل على رفع القيم الواعية والفعالية في تدبير شأن الوطن، ولكن خوفي أن يصبح "النموذج التنموي الجديد" قانون إطار جديد نطبل له من النص إلى الأرشفة النهائية في انتظار سنة 2035.

 

محسن الأكرمين

 

عادل بن خليفة بالكحلةداخل الحلف العالمي لمقاومة الإمبريالية والصهيونية

«فرحانين .. فرحانين .. فرحانين

كل ثورة وإحنا دايما فرحانين

اللي ماتوا فى المعارك .. فرحانين

واللي حضر واللي شارك.. فرحانين

واللي ساكنين الخنادق.. فرحانين

والماسكين على المبادئ.. فرحانين

واللي شايلين شوق لفكرة.. فرحانين

واللي حاملين هَمّ بكرة.. فرحانين

اللي كلمتهم أمانة.. فرحانين

واللي معدتهم جعانة فرحانين

إحنا ملح الأرض وتراب العجين

كل صناع الورود والمبدعين فرحانين

عد موج البحر ونجوم الليالي

عد رمل الأرض واكتر من السنين

قولوا قولوا .. فرحانين

كل ثورة وإحنا دايما فرحانين

قولوا قولوا .. فرحانين»

أحمد فؤاد نجم وإمام عيسى

***

لستُ أدري، إن كان قادة شعْبي الفلسطيني قرؤوا في العلوم الإستراتيجية وعلم اجتماع الثورات حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم. فهذه اللحظة لم تعد لحظة «انتفاضة» ومعارك متناثرة مع العدّو الصهيوني، تفصل بين الأشهر والسنوات، بل إننا أمام فرصة ثمينة، إذ نحن أمام ثورة بالقوة، وما علينا إلا أن نحوّلها إلى ثورة بالفعل.

فرض شباب القدس وحي الشيخ جرّاح وغزّة واللّدّ وحيفا وغيرها «التداعي الفلسطيني»: «نطلب تدخلك المسلّح يا غزّة!»، «نطلب تدخلك الشارعيّ يا قدس!».

فلقد كان الوعي الثوري الفِطري للشباب الفلسطيني سبّاقا على الوعي الثوري لدى القادة، رغم أننا لا ننكر مطلقا قيمتهم التاريخية اليوم وغدا. ما نشكره لهم هو استجابتهم للطلب الشبابي في التداعي الفلسطيني: شمالا- جنوبًا /جنوبًا- شمالا، تحركا سلميّا شارعيّا/ تحركًا مسلّحا ذكيّا، والعكس.

1- «ثورة فلسطينية» لا «انتفاضة» منذ اليوم:

الثورات أنماط. وكل نمط يتحدّد عينيّا حسب المكان والزمان والسياق التاريخي. وهنالك، يتفرّع كل نوع إلى ثورات خصوصية، فلا يمكن لهذه الثورة أن تكون نسخة طبق ثورة أخرى.

نحن أمام ثورة من نمط الثورة الشعبية طويلة الأمد، «والتي تمر بمرحلة أو مراحل مقاومة لغزو خارجي»، كما لاحظ المفكر منير شفيق، المهمّش لدى أكثر فصائل المقاومة في شعبي الفلسطيني (تجارب ست ثورات عالمية، بيسان [الدار التي نشر فيها أنيس النقاش]، بيروت، 2014).

صحيح أنه ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّـهِ ﴾، ولكنّ الإلهي مشروط دائما بحجم الحب الإيماني المسكوب وبحجم المراكمة السببيّة (إنسانيّا ومادّيًا). وذلك هو الإعداد: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم﴾. ذلك هو الشرط الإلهي ليكون النصر من عنده.

- مازالت الثورة الفلسطينية في حالة «قوّة»، أي لم تتحوّل إلى تحكم في الحاضر والمستقبل بَدَائيًّا- احتماليّا، بتجميع عقلاني للقدرات المؤدية إلى يوم الاستقلال الوطني عبر مَراحل مضبوطة، بمرونة التوقع التحكمي. فلا بد من ضبط لحركة الزمن الثوري المتوسط المدى أو الطويل المدى (حسب الحالات) حتى لا تكون أعمالنا مُرَادَّات reaction) ) ومجرد تشنجات ضد القهر الإمبريالي- الصهيوني.

من سوء الحظ، ما زالت لغة القادة لغة «قبَلية». فما زال النّحنُ هو «غزة»، ومازال النحنُ هو «فَصيلنا» و«حزبنا»، و «تنظيمنا العالمي». فالثورات لا تنجح بدون «جبهة تحرير وطني» وتجاوز للانتماء «القبلي».

ومازال إعلام المقاومة (صحف إلكترونية وورقية، قنوات تلفزيونية، فيس- بوك) يتحدث عن «جهة فلسطينية»، وعن «فصيل فلسطيني»، وعن «انتفاضة» لا عن «ثورة». ولقد شعرت بهول غياب أنيس النقاش، وأحسستُ أنه ربما لا وجود لشبكة الأمان للبحوث والدراسات الاستراتيجية فعلا، فلم يستطع أنيس النقاش تحويل نجاحه في التفكير الاستراتيجي العملي إلى نجاح مؤسَّسي. وكانت وسائل إعلام محور المقاومة لا علاقة لها أثناء معركة «سيف القدس» بمنير شفيق... فقط، كنتُ انتظر بلهفة تدخل عبد الباري عطوان وناصر قنديل، ولكن لم يكن بإمكانهما تعويض أنيس النقاش رغم حجميهما. والمحلل العسكري بحتا لا يمكن أن يعوض القارئ الاستراتيجي، النادر أو المنعدم راهنا.

- العاجل حتى لا تُخْسر هذه اللحظة الثورية، هو بناء «جبهة التحرير الوطني» الآن الآن، دون تأخير. وليس بطريقة اصطناعية- تركيبية، محاصصية، بل بما أفرزته «سيف القدس». وأن تكون الجبهة جامعةً لأقاليم فلسطين دون تمييز بسبب الاحتلال الحِمَوي أو عدمه أو رمادّيته؛ وأن تكون جامعة للشارعي- المَدَني والمسلّح دون تمييز أو تفويق؛ وجامعة للاقتصادي والسياسي والعسكري، والتعبوي- الديني، والتعبوي- الفني والأجيالي، دون تمييز. و«الجبهة»، ليست مجرد تنظيم، بل هي توليفة القوى الثورية ذات الاستراتيجيا التفصيلية والسردية الكفاحية الخصوصية على جميع المجالات.

- لا بد للحراك المدني والانتظام الجمعوي أن يصبح هو المهيمن على التحرك الشبابي والشارعي والإنترنتي. ولا يعني ذلك ضبطا للإبداعية، بل يعني أن يصبح التحرك الشبابي والمدني تحركا استراتيجيّا، وتشبيكيّا، وتوحيديّا للحراك الفلسطيني على كامل الحِمى (Territory) الفلسطيني في تناغم مع السياسي والعسكري، أي ضمن الحراك الجبهوي- الثوري. فالعفوية المفرطة لا يمكن أن تراكم حبّات المِسْبحة الثورية حتى لحظة الاستقلال الوطني. والعفوية المفرطة، هي عائق أمام الإبداعية الثورية. فأن نتحرك معا يعني أن نفكر معا، وأن نطوّر عملنا الثوري بتفاصيله، وأن نُبدع احتيالات تجاوز التضييقات والحصار والصعوبات، بالتعاون مع الباحث الاقتصادي والباحث التّقاني...

2- مصادر الشحن الثوري:

- كان الصوم الرمضاني، في ذروة الجيشان العِرْفاني بالأسبوع الأخير من الشهر، أعظم تعبئة ثورية. ولقد كان غاندي وعز الدين القسّام و روح الله الموسوي وعمر المختار وعبد القادر الجزائري وشي غيفارا وكاسترو وشافيز، قادة صوَّامين. وكان «يوم القدس العالمي»، يوم الجمعة الأخير من رمضان، قوّة تعبئة ثورية إذ أحس الشعب الفلسطيني منذ سنة 1980، أن هذا اليوم المقدّس، المترافق مع ليالي القدر المقدسة، هو بحر جيشانيّ عالميّ ليصبح كل العالم فلسطينيّا، ببطون فارغة لا تعترف بالإفقار الإمبريالي- الرأسمالي ولا بالحصار الصهيوني- المتوحش: «و إلى معدتهم جعانة فرحانين!».

فقد كان يوم القدس «العالمي» (وليس الخاص بالأمّة الإسلامية، بل بكل العالَم المضادّ للإمبريالية) دافعًا ضخمًا، تراكم منذ 4 عقود في اللاوعي الفلسطيني، ليدفعه إلى هذه اللحظة الثورية العظيمة.

- لقد تراجع الشحن السردي والمخيالي للثورة الفلسطينية. أين زخم غسّان كنفاني وفرقة العاشقين ومحمود درويش وسميح القاسم ومرسال خليفة وناجي العلّي الذي بلغ حدّ معانقة العالمية والإنسانية العامة؟! أين استثمار مسرحية «المدينة المصلوبة» للأب إلياس زحلاوي؟! كان التدين غير الثوري والأقرب إلى التسلّف والتقوقع التنظيمي- «العالمي»، مسؤولا جزئيا عن هذا التراجع. وهذا شامل للإسلام فلسطينيا وللمسيحية الفلسطينية، بل لمجمل الإسلام سوريًّا (أو «شاميّا»، فالطبري استعمل إسمَيْ العلم) والمسيحية السورية، طيلة هذه المرحلة التاريخية.

- لا نجد في المسيحية السورية الراهنة (عمومًا) لاهُوت ثورة، يعيد نقد العهد القديم، الذي تسبب (مع أسباب أخرى) في ظهور الصهيونية «المسيحية»، ويستخرج من الأناجيل المسيحَ الثوري المنخرط في الثورة السورية الزيلوتية ضد المحتل الروماني... بل نجد الكنيسة الفلسطينية تابعة للكنائس الأجنبية: في لغتها أحيانا، وفي رموزها أحيانا أخرى، وفي ممتلكاتها أحيانا كثيرة...

حين ظهر ما يشبه الصليب (أداة إعدام الثوار عند الرومان) في سماء القدس عام 371 م، كان ذلك يعني أن كل الكون أصبح مصلوبا لأن القدس وبلاد الشام كانت تصْلبهما الإمبريالية الرومانية: أرضا محتلة ودينا مرومنا قسرا. ولكن من سوء الحظ أن ذلك فُهم أنه دعوة من السماء لتقديس آلة قتل الثورة الزيلوتية ورمزها العظيم. وكانت نتيجة ذلك امتصاص الروح الثورية التي أرادها أعظم حكيم سوري في التاريخ: «لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْض [الأرض التي احتلتها الإمبريالية الرومانية]، إنمَا جِئْتُ لأُلْقِيَ نَارا [لأدشن ثورة على الاحتلال الروماني]» (إنجيل متى ، 10 : 34..). تلك الانتكاسة في فهم إشارة السماء، بقيت عائقا إبستيميا نحو لاهوت تحرر فلسطيني.

كما لا نجد في الإسلام فلسطينيا، تمثلا للنبي الفلسطيني- السوري، رغم أن المدوّنة المحمّدية المُجْمع عليها تؤكد ضرورة المسيح «على أسوار دمشق»، من أجل استئصال «كل الظلم» من الشام ومن العالَم في الان نفسه: «لا تقوم الساعة حتى ينزل فيكم ابن مريم حكما مقسطا. فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق».

إن الثورة الفلسطينية غير ممكنة دون جعل المسيح أيقونتها، مثلما أن سيمون بوليفار أيقونة الثورة الفينزويلية.

- من سوء الحظ لم يترك «حارس القدس»، المطران الثوري العظيم كبّوجي ذو الشخصية الكارزمية، أثرًا واقعيّا، مؤسّسيّا. ليس لأنه من إقليم دمشق (ما سُمّي بالمقصّ الإمبريالي: «سوريا»)، بل لأن الكنيسة الفلسطينية (والسورية عمومًا) لم تُرد أن تكون مستقلة عن كنائس العالم، بل لم تُرد أن تكون قائدة لها (رغم أنها الأولى في التاريخ العالمي)، ولم تُرد أن تنشئ لاهوت التحرّر الفلسطيني، رغم الجهد الإبداعي العظيم للأب إلياس زحلاوي والجهد المقاومي للأب عطاء الله حنا... وكذلك لأن اللاوعي الإسلامي- السلفي رفضه، لا لأن المطران الثوري «مسيحي»، بل لأنه جعل المسيح ثورةً على الإمبريالية، بينما الأوزاعي(المؤسس لذلك اللاوعي الشامي المضاد للثورة وللشعب) كان يريد دينًا مهادنًا للقهرية الأموية، ولكل قهرية.

3- كيف تنبجس القيادة الثورية؟

- لابد لكل ثورة من انبثاق لقيادة طبيعية - توحيدية. فقيادة الثورة (قيادة أيّ ثورة) ينبغي أن تكون الموجّه الرمزي والحاضن العاطفي والاستراتيجي، والجامع (لا التفريقيّ)، القادر على تفهم قوى جبهة التحرير الوطني والتوليف بين أفعالها، والتقاط حُدوسها المستقبلية التي تقرّب لحظة الانتصار، لحظة يوم الاستقلال الوطني. ولا يمكن لهذه القيادة الطبيعية- التوحيدية أن تكون إلا كارزمية. والكارِزما بما هي شخصية طبيعية، بسيطة، لا مصطنعة، وإن كانت مركّبة الذكاء، لا يمكن أن تكون نتيجة بناء تربوي فحسب، بل هي أساسا نتيجة انجذاب شعبي تجاه كُتلة مُرَاكِمة للتضحيات المجازفة بالحياة والراحة والحب والاستقرار. وهي تكون في أكثر الأحيان شخصية دينية؛ وإن ادعت الإلحاد، فالإلحاد أحيانا هو تديّن مضادّ للتدين القائم.

كما أن هذه الشخصية الكارزمية ينبغي أن تكون منغرسة في ثقافة الشعب وتدينيّته وأيقونيته، وقادرة على أن تفرز من أفعالها تماهياتها دون قصدية. ومن الغريب أن يكون المسيح عيسى بن مريم أعظم حكيم فلسطيني (أهم حكيم سوريّ عموما)، وأهم كتلة رمزية ثورية في تاريخ فلسطين، وكامل البلاد السورية، ولكننا لا نجد الجامعات الفلسطينية والمقاومة الفلسطينية مهتمة به، ليصبح «مصدر طاقة ثورية»، بلغة علم اجتماع الثورات.

لا يمكن للكارزما القيادية الثورية أن تنبثق من قيادة انعزالية بتنظيم أو طائفة، أو قيادة مراهنة على كمبرادورية عربية مطبّعة.

فلا يمكن أن نراكم الكارِزما والجاذبية الرمزية، مِمّن خرج من غزّة بينما كان أهلها جميعا مهدّدون بالفناء آنئذ ليلتحق بواحةٍ جزيرية هانئة، مهما كانت المبرّرات الشرعية لوجوده هناك، ليكون خطاب الانتصار مرتّبًا نتيجة المعركة بترتيبِ هُوامي لصانعيها: «مِصْر، فقطر، فالأمم المتحدة»، ليتقزم الصانع الفلسطيني إلى صانع غزاوي فحسب، بل إلى صانع فصيليّ فحسب، بل يتقزم أمام حجم «مصر السيسية» التي «لُعِنت» من التنظيم العالمي طويلا، وحجم «قطر قاعدةِ السّيلية والسفارةِ الصهيونية» وحجم «الأمم المتحدة المنشئة القانونية للكيان الصهيوني»، بل يتقزّم حزام محور المقاومة إلى «إيران» فحسب، بل يتقزم الدور الإيراني في «الانتصار» إلى مجرّد «دعم مادّي» لا إلى «شريك» في الصراع مع الحلف الصهيوني- الإمبريالي. ولا يمكن أن تكون الكارزمية ممن شكر تغطية قناة واحدة للمعركة، ناسيا الميادين والعالم والمنار وتلي سور الفينزويلية...

- مازالت هذه القياديّة غير طبيعية، أي تركيبية، محاصصية، اصطناعية، نتيجة تسويات تنظيمية ومقصودة. ومازالت منقسمة إلى قيادتين: سياسية وعسكرية، بينما يجب أن تكون موحدة، إذا أردنا الانتقال إلى مرحلة الثورة. ومازال خطابها«قَبَليا» (تغطيةً لحزب، لفصيل، لتنظيم عالمي انعزالي، لجهة..). ففي غالب الأحيان لا يؤكد انتماء إلى وطن شامي كبير، ولا إلى وطن عربي كبير، ولا إلى محور مقاومة إلا هامشيا وديكوريا وثانويا، وتقية...

لا نرى في خطابها مقولة «الإمبريالية»، بل لا نرى فيه سوى مقولة غير متبلورة لـ«الصهيونية». فليس فيه تمثل إمبريالي - تاريخي متراكم ومنظّم، باستمرار. فلا تمكن موضوعيا مقاومة هذا العدوّ المتعوْلِم منذ مؤتمر بازل عام 1897 ، بل منذ ما قَبْلهُ، دون حلف عالمي مضادّ، هو الحلف المضادّ للإمبريالية التي خلقت الصهيونية والكيان الصهيوني... بل نجد فيه رهانا على رديفةِ قاعدة السيلية والوساطة التطبيعية-العربية مع العدوّ الصهيوني، لتنتهي المعركة دون إلزامات للعدو بالتخلي عن بعض استراتيجية إفناء حي الشيخ جراح وتهويد القدس، وعن بعض استراتيجية حصار غزة.

هذا لا يقلل من قيمة الانتصار، فقد كان الانتصار منذ بداية «سيف القدس». ولكن النهاية السياسية للملحمة، لم تكن حسنة الصياغة، لأن القيادة سلمت جل الصياغة لدول عربية تطبيعية- كمبرادورية للإمبريالية الأمريكية، فلم تنسقها مع محور المقاومة. فهي شديدة التنسيق معه عسكريا، مرتعشة العلاقة به سياسيا. فلن يتزحزح الوضع الكولونيالي للشعب الفلسطيني تدريجيا، إلا بتمثل هذا الشعب بماهو أحد شعوب سوريا الممزّقة منذ سايكس-بيكو ومنذ سقوط الوحدة الإسلامية العثمانية، وبالتخلي عن الضيق الفادح للأفق الاستراتيجي- العالمي في وعي هذه القيادة.

وبذلك كان تعاملها مع إيران على أنها قدرة «شيعية»، وليس على أنها قدرة ثورية مضادّة للإمبريالية (وهذا خطأ تكويني فادح في هذه القيادة)؛ ومع «سوريا» على أنها «بعث» أو «تحالف قوى يسارية وعلمانية وقومية ضد الإخوان المسلمين»، لا على أنها قدرةٌ ممانعة للكولونيالية الصهيونية وسياقها الإمبريالي- التاريخي (فالتعصبية لا تصنع القيادة الثورية)، وعلى أن كوبا وفينزويلا وبوليفيا والأورغواي والإكوادور «كتل كافرة» لا قدرات مناهضة للإمبريالية الغربية (الأمريكية) التي صنعت «إسرائيل».

4- ثورة فلسطينية مسنودة بمحور المقاومة للإمبريالية العالمي:

بذلك تكون علاقة القيادة بـ«إيران» و«سوريا» مجرد «براغماتية» و«اقتناص»، لن يستمر، و«تقيّة» مع «عدو» «كافر» («شيعي» أو«علماني») تنتهي بمجرد تحقيق «الاقتناص» من أجل معركة محدودة في الحاضر لن تمتد إلى يوم الاستقلال الوطني. وقد كان ردّ جلال العربي ردّا على مقال الصحافي القدير كمال خلف «الأبواب المفتوحة بين دمشق وحماس»، في «رأي اليوم» معبّرا عن ذلك إذ قال بتشخيص قبَلي : «بشار الأسد يحتاج لحماس، وحماس ليست في حاجة إلى سوريا»، فلقد «قضت حماس حاجتها من سوريا، ولم تعد في حاجة إليها».

وإذا كان الجزء الأول صحيحًا (دون تشخيص إفرادي وقبَلي): «بشار الأسد يحتاج لحماس»، فالدولة السورية تحتاج لجبهة التحرير الوطني الفلسطينية، ولكنّ الجزء الثاني خاطئ تمامًا، «إذ المؤمن بأخيه». فيوم الاستقلال الفلسطيني سيعني تأسيس الكنفيدرالية السورية(أو «الشَاميّة»، فالطبري استعمل إسميْ العَلم)، القوّة الإقليمية.

ولا يمكن لتحرير وطنيّ فلسطيني أن يكون إلا ضمن وضع الوطن الفلسطيني داخل الوطن السوري الكبير. وقد نظّر أنيس النقاش للكنفيدرالية السورية، ولكن تلك القيادة لم تقرأ ذلك التنظير. ولا يمكن للتحرير الوطنيّ الفلسطيني أن يكون إلا ضمن الحلف العالمي المضاد للإمبريالية، محور المقاومة المضادة للإمبريالية من كركاس إلى طهران.  فالثورة الفلسطينية لن تكون إذا لم تفكر قيادتها بطريقة واقعية؛ مستندة إلى قراءة علمية في تاريخ الثورات... لقد عرض لهم منير شفيق 6 ثورات ولم يقرؤوا كتابه!! وهم متكبرون على تاريخ الثورة الإيرانية التي بدأت سنة 1907 وما زالت مستمرة!!...

أين المثقف الثوري فيهم؟! أين المفكّر الاستراتيجي فيهم؟! أين الفنان والشاعر الثوري فيهم بحجم الألم الفلسطيني وبحجم الصليب الفلسطيني الذي صُنع في لندن وواشنطن وعواصم التطبيع؟! سَرْديتهم محدودة، ليس فيها شاعرية ولا مسيحانية ولا بِشارة بعالَم بشري موحَّد جديد!!! ليست لهم ثقافة موسيقية وتشكيلية ومسرحية وسينمائية بحجم الدمار الفلسطيني!!

5- إيران تُريدُ رِبْعيّة المقاومة الفلسطينية:

- «شهيد القدس! شهيد القدس! شهيد القدس!»، لم يكن موجودًا في خطاب «الانتصار» ذاك! هل كان «شهيدا» للقدس آنئذ ولم يَعُدْ كذلك الآن؟! أم كل ما في الأمر تقيّة مِشعَلية متكررة بألوان جديدة!؟ ألم يكن يستحق أن يكون أحد المُهدى إليهم هذا الانتصار؟!!

- لا تريد الجمهورية الإيرانية من جبهة التحرير الوطني الفلسطينية أن تكون «متذللة»، «تابعة لها»، «فقيرة لها»، بل تريدها ذات «رِبْعة» (بمصطلحية صحيفة المدينة: Autonomy). يقول الشيخ اللبناني «السّنّي» ماهر حمود على حدود فلسطين يوم 19/5/2021: «أتدرون لماذا قبّل المرشد الشهيدَ سليماني من رأسه، كما تشاهدونه كثيرا على القنوات؟! لقد طلب منه مضاعفة تسليح المقاومة، فأجابه أن دون ذلك كيلومترات طويلة وموانع ضخمة، هائلة. فقال له: (فلنساعدها على بناء مَعامل السلاح وتصاميم التّقانة العسكرية). فلما قال له: («سأفعل»)، قام وقبّله من رأسه!». فمن الواضح أن الجمهورية الإيرانية لا تريد «تبعية» فلسطينية، بل تريد شريكا فلسطينيا، ذكيّا، رِبْعيّا، مُبْدعًا، بل يجب على كل شركاء محور مقاومة الإمبريالية والصهيونية أن يكونوا كذلك. لم تعد إيران تحتاج إلى دليل آخر على أنها تريد فلسطينًا رِبْعيّة، لا فلسطينًا تابعة لألاعيب السياسة العربية وغير العربية؛ فضلا عن أن أسلحتها أصبحت تسمّى «غزة» و«القدس».

فإذا كانت سوريا وإيران تريدان «حماس» متذيلة، منخرطة في محاربة الصراع العالمي على سوريا، لكان الأولى بهما أن توظفا «الجهاد الإسلامي». وهذا لم يحدث.

وكما أكدّ، محمد حسنين هيكل وأنيس النقاش، المفكّران الاستراتيجيان، فإن الثورة الإيرانية وجمهوريتها فرصة ثمينة للثورة الفلسطينية، بل للمضادة العربية للإمبريالية والصهيونية.

أهم المستخلصات:

لست من المختصين في العلوم الاستراتيجية، ولكنني اشتغلت في علم اجتماع الثورات. ومن الواجب الإدلاء بهذه التشخيصات الناحية نحو العلمية.

1- هذه اللحظة لم تعد لحظة «انتفاضة»، فنحن أمام ثورة بالقوة، وما علينا إلا أن نحوّلها إلى ثورة بالفعل.

2- نحن أمام ثورة من نمط الثورة الشعبية طويلة الأمد، بإمكانها أن تتحوّل إلى تحكم في الحاضر والمستقبل بَدَائيًّا-احتماليّا، بتجميع عقلاني للقدرات المؤدية إلى يوم الاستقلال الوطني عبر مَراحل مضبوطة، بمرونة التوقع التحكمي. فالثورة تأبى الإرتجال ومرادّات الفعل وعدم البصيرة طويلة المدى.

3- لا تنجح الثورات بدون «جبهة تحرير وطني»، ودون تجاوز للانتماء «القبَلي». ولا يمكن بناء هذه الجبهة بطريقة اصطناعية- تركيبية، محاصصية، بل بما أفرزته «سيف القدس». وهي ليست مجرد تنظيم، بل هي توليفة القوى الثورية ذات الاستراتيجيا التفصيلية، والسردية الكفاحية الخصوصية، مدنيا وعسكريا، سياسيا واقتصاديا، ثقافيا وإعلاميا...

4- كان يوم القدس «العالمي» (وليس الخاص بالأمّة الإسلامية، بل بكل العالَم المضادّ للإمبريالية) دافعًا ضخمًا، تراكم منذ 4 عقود في اللاوعي الفلسطيني، ليدفعه إلى هذه اللحظة الثورية العظيمة، فلقد أصبح أكثر إقداما ثوريا بالعولمة التقدمية للمظلمة الفلسطينية.

5- لا تمكن موضوعيا مقاومة هذا العدوّ المتعوْلِم، دون وضع الوطن الفلسطيني ضمن أوطان الوطن الشامي الكبير، و دون حلف عالمي مضادّ، هو الحلف المضادّ للإمبريالية.

6- إن الثورة الفلسطينية غير ممكنة دون جعل المسيح أيقونتها.

7- لابد لكل ثورة من انبثاق لقيادة طبيعية - توحيدية، ذات شخصية كارزمية ينبغي أن تكون منغرسة في ثقافة الشعب وتدينيّته وأيقونيته.

***

أرجو ردودا حوارية هادئة، بالمجادلة بما هي أحسن، لا ردودا تشنجية. فالمهم أن نبلور معا استراتيجية ثورتنا...﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚأُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾...

***

المجد للثورة! المجد للثورة!

المجد للإنسان يعطي أرضه عمره

للبندقية في اليد الحرة

للشعب يصنع بالدما فجره

المجد! المجد!

*

أن لم نضحِّ أنا و أنت فمن يضحي

إني فتحت لموطني شباك جرحي

لتمر منه العاصفة .. عاصفة!

المجد! المجد!

*

أوصيك فلتكمل طريقي

واحمل سلاحي يا رفيقي

أوصيك بالثورة!

المجد! المجد!

***

د. عادل بن خليفة بِالكَحْلة

(باحث اجتماعي واناسي)

 

 

عبد الخالق حسينيمر العراق اليوم بأخطر أزمة في تاريخه الحديث، وخطورة الأزمة هذه تتمثل في وجود عشرات المليشيات المسلحة المنفلتة الموالية لدولة أجنبية ألا وهي إيران، لذلك تسمى بـ(المليشيات الولائية)، أي أنها تأخذ أوامرها وتعاليمها من الولي الفقيه، مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد علي خامنئي، وليس من القائد العام للقوات المسلحة العراقية كما يقتضيه الدستور. والأنكى والأشد والأخطر أن هذه المليشيات رغم أنها تقتل العراقيين لمصلحة دولة أجنبية، إلا إنها تعمل بغطاء ديني وطائفي، وبما يسمى بـ(الحشد الشعبي)، الذي تأسس استجابة لفتوى الجهاد الكفائي التي أصدرها آية الله السيد علي السيستاني في ظروف خاصة استجدت بعد أن احتلت فلول داعش التكفيرية الإرهابية المحافظات الشمالية الغربية في حزيران عام 2014، وراحت تهدد باحتلال بغداد والمحافظات الأخرى.

كذلك يحب التوكيد على التمييز بين الحشد الشعبي الحقيقي الذي تأسس استجابة لفتوى السيد السيستاني كما ذكرنا، والذي تم دمجه مع الجيش بقانون، حيث يأتمر بأوامر القائد العام للقوات المسلحة، وبين المليشيات الحزبية الطائفية الأخرى التي استغلت الوضع المتأزم، فراحت تتكاثر كتكاثر الفطريات الطفيلية وبغطاء الحشد الشعبي. وقد أكدنا مراراُ على التمييز بين الإثنين، وعلي سبيل المثال في مقالنا الموسوم: (المليشيات الولائية ليست من الحشد الشعبي)(1)

وقد تفاقمت أزمة المليشيات هذه بعد انفجار الانتفاضة الشعبية السلمية في الأول من تشرين الأول/ اكتوبر، عام 2019، مطالبة الحكومة بحقوق مشروعة مثل تحسين الخدمات والأمن، وإيجاد العمل للعاطلين، ومحاربة الفساد، والتحرر من الهيمنة الإيرانية...الخ. وكانت هذه التظاهرات سلمية ومشروعة كفلها الدستور، ولكن واجهتها المليشيات الولائية بالرصاص، وكاتمات الصوت، والاختطاف والاغتيال، فلحد الآن بلغ عدد ضحايا الانتفاضة التشرينية نحو الف شهيد، والجرحى نحو 30 ألف، أما عمليات الاغتيالات والاختطاف، واختفاء قياديين ومرشحين للانتخابات البرلمانية القادمة فلا يُعرف عددها، وبالتأكيد تبلغ العشرات، والناس تعيش في حالة رعب من هذه المليشيات السائبة.

وهذا يعني أن هذه المليشيات التي كان الغرض منها مساعدة الأجهزة الأمنية الحكومية (الجيش والشرطة) في محاربة داعش وبقية التنظيمات الإرهابية، صارت الآن هي نفسها مشكلة إضافية، تمارس الإرهاب ضد الدولة والمواطنين، و بأوامر من الولي الفقيه الإيراني في ضرب سفارات الدول الأجنبية ببغداد وخاصة السفارة الأمريكية. فإيران تريد حكم العراق من خلال هذه المليشيات، وتفرض عليه أجندتها، وتجعله في حالة عداء مع العالم وخاصة الدول الغربية، وساحة لمحاربة أمريكا وبدماء العراقيين. وهذه السياسة هي انتحارية للعراق الذي مازال يئن من تركة حكم البعث وتداعيات سقوطه.

وقد بلغ السيل الزبى عندما تمادت هذه المليشيات في غيها، وأمعنت في تهديد السلطة الشرعية، وأمن وسلامة المواطنين في أعقاب قيام قوة أمنية، وبقرار من السلطة القضائية يوم الأربعاء المصادف 26/5/2021، باعتقال قائد عمليات الأنبار في الحشد الشعبي قاسم مصلح، بتهمة قتل الناشط في التظاهرات السلمية إيهاب الوزني في كربلاء وآخرين من الناشطين.(2)

ورداً على اعتقال مصلح "احتشدت جموع كبيرة من عناصر المليشيات في عملية استعراض القوة أمام بوابات المنطقة الخضراء، فى ساعة متأخرة من اليوم نفسه، بهدف الضغط على رئيس الوزراء لإطلاق سراح قاسم مصلح، أو تسليمه بشكل فورى، إلى جهاز الأمن التابع للحشد وفق الوساطات التى خرجت سريعاً فى محاولة لاحتواء الموقف"(3).

والجدير بالذكر أن هناك أدلة تثبت ضلوع قاسم مصلح في عمليات قتل الناشطين السلميين، وعلى سبيل المثال: "قالت السيدة سميرة الوزني، والدة الناشط القتيل إيهاب الوزني، إن ابنها تلقى تهديدات مستمرة من القيادي في ميليشيات الحشد الشعبي قاسم مصلح... مناشدة الحكومة بكشف قتلة المتظاهرين والناشطين، ومن بينهم قتلة ابنها." (4)

كما حصل موقع "الحرة" على تسجيل صوتي للناشط فاهم الطائي، الذي اغتيل قبل أكثر من عام في كربلاء أيضاً، يتحدث فيه عن تلقيه تهديدات من القيادي في الحشد الشعبي قاسم مصلح.(5)

وإزاء تفاقم هذا الوضع المتأزم، والذي راح يهدد الدولة العراقية، كتب العديد من الكتاب العراقيين والعرب، مقالات قيمة اعربوا فيها عن استيائهم من الوضع، وطالبوا المسؤولين بأخذ الإجراءات الرادعة واللازمة لوقف هذا التردي قبل فوات الأوان. ومن هذه المقالات، مقال وصلني من الباحث العراقي الدكتور كاظم حبيب بعنوان: ((هل الحشد الشعبي للعراق أم على العراق؟ [في ضوء اجتياح واحتلال المنطقة الخضراء!] ))(6) تساءل الكاتب بحق: "ابتداءً يمكن طرح السؤال الوارد في عنوان المقال بطريقة أخرى: هل العراق دولة كارتونية تحكمها الدولة العميقة ومليشياتها؟ وهل "الحشد الشعبي حصان طروادة" لإيران؟ هذه الأسئلة ذات معنى واحد، ويستوجب الإجابة عنها من كل مواطنة ومواطن في العراق وفي الخارج يدرك قيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان واستقلال الدولة وسيادتها الوطنية ويناضل من أجلها." انتهى.

ونظراً لأهمية المقال والتساؤلات، فقد عممته على مجموعة نقاش، فجرى نقاش هادف ورصين من قبل نخبة من المثقفين الحريصين على أمن وسلامة العراق مشكورين. ومقالي هذا جاء من وحي هذه المناقشات، ويتضمن الكثير من أفكارها. والسؤال المهم هو كيف الخروج من مأزق المليشيات التي باتت تهدد وجود العراق كدولة وتحويله إلى دولة عميقة، أو دولة كارتونية؟ وهل من سبيل سلمي لحلها وإنقاذ العراق من شرورها؟

فما الحل؟

لا شك أن هذه ليست المرة الأولى التي يمر بها العراق بأزمة المليشيات المنفلتة وتجاوزاتها على أمن وسلامة المواطنين، وتسيء إلى هيبة الدولة. ففي عهد حكومة ثورة 14 تموز 1958، تشكلت (المقاومة الشعبية)، ولما حصلت بعض التجاوزات على المواطنين، انتهت سلمياً ببيان من رئيس أركان الجيش (الحاكم العسكري العام) أحمد صالح العبدي آنذاك، دون أية صعوبة. ثم جاء دور (الحرس القومي) البعثي السيئ الصيت بعد انقلاب 8 شباط 1963 الأسود، فعاثوا في الأرض فساداً، والذي أنتهى بعد أن انقلب عليهم الرئيس عبدالسلام عارف في تشرين الثاني من نفس العام، فألقوا أسلحتهم واستسلموا دون مقاومة تذكر. ثم جاء البعثيون ثانية عام 1968، وفي السبعينات قاموا بعسكرة المجتمع، وشكلوا ما سمي بـ(الجيش الشعبي، وفديائيي صدام...الخ)، حيث أرغموا حتى كبار السن بالانضمام لهذا الجيش خاصة أيام الحرب العراقية - الإيرانية العبثية، والذي انتهى بانتهاء النظام البعثي الصدامي بحرب قادتها أمريكا.

ولكن ما يجري اليوم من الحركات المليشياوية هو من نوع جديد لم يألفه العراقيون من قبل، فهذه المليشيات تعمل بالغطاء الديني المقدس، و باسم حماية الوطن والدين والمذهب، وأنها تريد تطهير البلاد من الوجود الأمريكي...الخ، لذلك فكل من يتجرأ بانتقادها، أو حتى تقديم النصح لها باحترام الدستور والقوانين، لم يسلم من التهم الجاهزة بالعمالة للصهيونية وأمريكا. أما ولاءهم لمصلحة إيران وتدمير وطنهم العراق فهذا ليس عمالة في رأيهم.

أما كيف يمكن التخلص من هذه المليشيات المغلفة بالغلاف الديني، وبأقل ما يمكن من خسائر، فقد جاء في مداخلة أحد الأخوة في مجموعة النقاش اقتبس منها ما يلي:

"الذي أنشأَ الحشد الشعبي بفتوى فرض الجهاد الكفائي لأول مرة بغرض الحفاظ على الأرواح من عبث داعش الكافر يستطيع حله (إن أراد) بفتوى انتفاء الحاجة اليه وعبثية استمراره، لا بل وحتى تكفير من استمر بالانتماء له لما يخالطه الآن من دنس قادته، والكثير من افراده الفاسدين. ولا اعتقد انه سوف تعوزه البلاغة اللغوية لتبرير الفتوى الثانية." وأضاف الصديق: "ولا ينكر ان الانتماء للحشد اصبح مصدر رزق لبعض الناس ولا بد من إيجاد حل للفقر في هذه الدولة الغنية البائسة." انتهى

وفي مجموعة النقاش من شكك في إمكانية جدوى هكذا فتوى فيما إذا أصدرها المرجع الديني، و قال آخر أن المرجع هو زعامة روحية، ولا تمتلك آليات تنفيذ الفتوى. وربما ستتمرد المليشيات على المرجع الديني، وبذلك يفقد مكانته...الخ. كما وصلني تعليق من صديق متابع للأزمة العراقية قائلاً: ((لا أتفق أن اصدار الفتوى سيحل هذه المعضلة الكبيرة. فالسيستاني سبق وأن عبر عن توجيهه بهذا الشأن وهو حصر السلاح بيد الدولة أكثر من مرة لكن دون فائدة. هذا مخطط كبير للجارة إيران ولن يتخلوا عنه بسهولة.))

أعتقد أن هذه المخاوف رغم احتماليتها الضعيفة، إلا إنها غير مقبولة ولا تبرر سكوت المرجع الديني عنها، خاصة عندما يكون الوطن مهدداً بالخطر، إذ لا يجب الاستسلام للبلطجة خوفاً منها، كذلك نقول أن الفتاوى لا علاقة لها بآليات تنفيذها، فزعامة المرجع الديني هي زعامة روحية وليست تنفيذية. (إنما الدين النصيحة- حديث شريف). فالقوة المادية التنفيذية تبقى بيد الدولة كما حصل في تنفيذ فتوى الجهاد الكفائي الأول عام 2014. فالمليشيات الولائية الآن راحت تهدد البلاد والعباد واتخذت من فتوى الجهاد الكفائي ذريعة لفرض هيمنتها، وتعيث في الأرض فساداً، إذ تفيد الأنباء أنه حتى السيد السيستاني نفسه مستاء منهم كما غالبية الشعب العراقي.

لذلك فالمطلوب من المرجع الديني هو إصدار فتوى لسحب البساط من تحت أقدام المليشيات الولائية، وتجريدهم من تشبثهم بالدين والمذهب في ارتكاب جرائمهم بقتل و ترويع المواطنين. وإذا ما تمردوا على المرجع وخالفوا الفتوى فهم الخاسرون في جميع الأحوال، لأنهم يثبتون أنهم ليسوا مدافعين عن الدين، ولا يحترمون المرجع الديني الأعلى، بل يعملون لأغراض سياسية ومنافع مادية دنيوية وعمالة لدولة أجنبية. والدولة هي التي تمتلك آليات التنفيذ. لذلك فإصدار فتوى ضد المليشيات الولائية ستكسب المرجعية شعبية واسعة، لأنها ستخدم ليس الشعب العراقي فحسب، بل وتبرئ المرجعية من الإذعان لهذه المليشيات المنفلتة التي أساءت إلى سمعة الشيعة كمذهب مُضطهَد طوال التاريخ، حيث راح خصومهم يرددون أن الشيعة كانوا مظلومين وهم خارج السلطة، ولكنهم بعد أن صاروا في السلطة تحولوا إلى ظالمين. لذلك يجب حماية الشيعة من تلك الفئات الضالة (خوارج العصر) التي ترتكب الجرائم باسمهم.

خلاصة القول، إن إصدار فتوى بحل المليشيات المنفلتة هو الطريق التقليدي الأمثل والأسلم في حل هذه الأزمة المستفحلة المستجدة، وذلك بمناشدة المرجعية الدينية في مثل هذه الظروف ، بأن يتقدم مسؤول كبير في الدولة، أو أي شخص من المجتمع بسؤال إلى المرجع، بنفس الطريقة التي أصدر بها فتوى الجهاد الكفائي الأول، ويبين أن الغرض من الحشد الشعبي قد انتهى، وتحول إلى ضده، لأن هناك الكثير من العصابات المسلحة ظهرت وتتظاهر بأنها هي الحشد الشعبي، ولكن غرضها إضعاف الدولة وزعزعة الأمن، واستقرار البلد، والإساءة إلى الشعب، خدمة لدولة أجنبية، ... وفي رأيي أن السيد السيستاني رجل حكيم، وصمام أمان منذ سقوط حكم الطاغية صدام عام 2003 ولحد الآن، ويعرف كيف يتصرف بمنتهى الحكمة في مثل هذه الظروف الحرجة التي يمر بها العراق، و لا تأخذه في الحق لومة لائم.

 

د. عبد الخالق حسين

...............................

روابط ذات صلة

1- د. عبد الخالق حسين : المليشيات (الولائية) ليست من الحشد الشعبي

https://akhbaar.org/home/2020/10/276571.html

2- بعد اعتقال "طريد السيستاني".. تأييد كبير لردع الميليشيات

https://akhbaar.org/home/2021/5/283518.html

3- خالد عكاشة: الأمن العراقى.. والمناطق «غير» الخضراء

https://www.elwatannews.com/news/details/5512365

4- والدة الوزني: قاسم مصلح قال لابني ’سأقتلك ولو بقي في عمري يوم واحد’!

https://www.basnews.com/ar/babat/691196

5- ناشط عراقي يكشف في تسجيل صوتي قبل اغتياله الشخص الذي كان يهدده

https://akhbaar.org/home/2021/5/283515.html

6- أ. د. كاظم حبيب : هل الحشد الشعبي للعراق أم على العراق؟ [في ضوء اجتياح واحتلال المنطقة الخضراء!]

https://akhbaar.org/home/2021/5/283627.html

 

 

2508 أندريهبقلم أندريه إساييف*

ترجمة: عادل حبه


تناوب العسكريون والإسلاميون على السلطة على مدى عقود عديدة في معظم دول الشرق الأوسط. واليوم فإن الصورة ليست واضحة جدا. فالجيش يقف على رأس السلطة في مصر فقط، والأنظمة الملكية الإسلامية قائمة في شبه الجزيرة العربية (باستثناء اليمن). ويحدد الإسلام المقترن بالتقاليد التاريخية سياسة إيران الخارجية؛ ويملك حزب النهضة الإسلامي المعتدل أكبر كتلة في البرلمان التونسي.

في سوريا والعراق حاول الجهاديون السُنّة السيطرة على السلطة، ولكن تم ردعهم. وتعتبر إيران الشيعية هذه الدول ضمن حدود مصالحها "الطبيعية". وتضغط طهران على دمشق بشكل متوازن في علاقاتها مع موسكو وبغداد، و مع واشنطن.

أما في ليبيا، فقدت تطورت حرب الكل ضد الجميع تدريجياً إلى مواجهة بين المشير حفتر والحكومة الواقعة تحت التأثير الملموس للإخوان المسلمين. وليس من الواضح ما هي القوى التي ستتولى زمام الأمور في حالة التوصل إلى مصالحة نهائية بين الأطراف المتصارعة. وإذا حدث ذلك، يمكن أن يصبح "الإخوان" المستفيدون الرئيسيون مرة أخرى.

ومن ناحية أخرى، ينحدر لبنان إلى حالة خطيرة من الركود الاقتصادي والسياسي، ويكاد اليمن أن يقف على شفا البقاء. في مثل هذه الظروف، يتمتع الإسلاميون بكل فرص النجاح.

إن الربيع العربي"، الذي بدأ قبل عشر سنوات تحت تأثير أفكار النموذج الغربي " لدمقرطة المجتمع"، أدى إلى ظهور مجموعة كاملة من الاتجاهات الجديدة التي غيرت بشكل جذري الأجندات الإقليمية.

أولاً ، إنه كابوس تنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق كرد فعل من السُنّة (ومن ضمنهم  الضباط البعثيون) على حل جيش صدام نتيجة غزو التحالف الأمريكي البريطاني وعلى انتقال السلطة في البلاد إلى الأغلبية الشيعية. وفتح فراغ السلطة آنذاك في سوريا اًفاق جديدة لداعش. ولم يجري أي اتفاق بين الأطراف المتصارعة، ولكن الإجراءات المستمرة للعديد من الأطراف الفاعلة إلى الهزيمة، لم يهدف إلى تدمير أركان "الدولة" السورية بأي حال من الأحوال.

ثانياً، أدت الحرب الأهلية في سوريا ، مع عدد من الأطراف الخارجية المتورطة بشكل مباشر أو غير مباشر في الصراع ، إلى أزمة اقتصادية حادة وانهيار فعلي للبلاد . فسلطة الحكومة المركزية لا تمتد إلى كل أراضي الدولة التي يسيطر عليها الأتراك والأكراد والأمريكان ، وداعش ...

ولم تسفر محاولات إقامة حوار بين السوريين "تحت هدير المدافع" عن نتائج إيجابية، إذ يجري استئناف اللجوء إلى المدافع بشكل دوري. ولا تزال آفاق إعادة توحيد الأراضي السورية، وتشكيل حكومة ائتلافية، وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، تخمينية إلى حد كبير. وتتبادل دمشق والمعارضة الإتهامات  التي لا نهاية لها خلال عملية التفاوض، وتعطل عمل اللجنة الدستورية المشكلة في ظل هذه الظروف الصعبة ، رغم أن روسيا فعلت الكثير لبدء تنفيذ خطة للسلام في هذا البلد.

ثالثاً ، تفاقمت حدة المواجهة الشيعية -السنية، وصولاً إلى المواجهة المسلحة - في اليمن وسوريا والعراق. وتحاول إيران مد "المحور الشيعي" إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط عبر العراق الذي تقطنه أغلبية شيعية ، وسوريا ، حيث يتولى العلويون ("الشيعة تقريباً") السلطة ، ولبنان ، حيث يعتبر حزب الله القريب من طهران القوة السياسية الأكثر نشاطًا في البلاد. و تقف الأنظمة الملكية العربية بوجه هذه الخطط بكل الطريقة الممكنة ... ومن اللافت للنظر أن ولي عهد السعودية محمد بن سلمان في تعليقه على طلب برفع الحصار الاقتصادي عن قطر، لمّح إلى "الحاجة الملحة" لتوحيد جهود الدول العربية في مواجهة "التهديد الإيراني".

رابعاً ، على خلفية الحرب الأهلية في سوريا والنضال ضد الجهاديين المتنوعين، يتصاعد نفوذ الحركة القومية الكردية التي لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.

أما في العراق ، فشبه الدولة الكردية موجودة بحكم القانون، وفي سوريا  بحكم الأمر الواقع. لقد تم تصنيف هذه الأخيرة على أنها متعددة الجنسيات، لكن الأكراد هم من يعزفون على الكمان الأول فيها. في عام 2017، حاول أكراد العراق التخلص من حالة شبه الدولة، لكن معارضة بغداد والجيران الإقليميين والجهات الفاعلة الخارجية أبطلت نتائج الاستفتاء. ومع ذلك، لا يمكن استبعاد أنها كانت مجرد "فطيرة أولى".

خامساً، بدأ تطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل، وكانت النتيجة الحتمية انخفاض اهتمام النخب العربية بالقضية الفلسطينية ، في الواقع وليس بالكلمات. حتى أن الإمارات أعلنت عن إنشاء صندوق استثماري كبير لإسرائيل. لقد بدأت هذه العملية من قبل إدارة واشنطن السابقة، لكن الإدارة الحالية "ملتزمة بشدة بأمن إسرائيل وتعتقد أن العلاقات مع هذا البلد لها أهمية رئيسية في السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط".  ولكن هذه المصالحة هي ليس "مع" اسرائيل، بل "ضد" إيران. وفي نهاية المطاف، من غير المحتمل أن يساهم التطبيع في خفض المستوى العام للتوتر الإقليمي.

أخيراً ، سادساً، أدى الإخفاق في تطبيق عقيدة "العثمانية الجديدة" إلى عزلة تركيا المتزايدة. وفشلت محاولة أنقرة لفرض نفسها على المغرب العربي وعرب المشرق بصفتها "الأخ الأكبر" على أساس "المصير التاريخي المشترك": لم تأخذ السلطات التركية في الحسبان بطريقة ما أن السلام العثماني يثير ردود فعل معاكسة مباشرة بين الأتراك والعرب.

في الوقت نفسه ، تحاول تركيا تشكيل أجندتها الخاصة عن طريق النشاط العسكري في سوريا وليبيا والعراق وعمليات "حفر الآبار" في شرق البحر الأبيض المتوسط.

لقد بلغت هرطقة "القوة العظمى التركية" ذروتها في كانون الأول عام 2020 – حيث جاء في بيان وزير الدفاع أنه "لا يمكن لأي طرف أن يفعل أي شيء في المنطقة، أو يعمل بدون أو ضد القوات المسلحة التركية". ونتيجة لذلك، فإن قطر، العضو المشاكس في مجلس التعاون لدول الخليج العربية، هي الوحيدة التي تحتفظ بعلاقات جيدة وحليفة تقريباً مع أنقرة. لكن جامعة الدول العربية طالبت بالانسحاب غير المشروط للقوات التركية من هذه الدول. وعلاوة على ذلك، أجبر بحث الأتراك عن مكامن الغاز في مياههم الخاصة والأجنبية عدداً من الدول في المنطقة (بالإضافة إلى اليونان وفرنسا) على الاتحاد في تحالف غير رسمي مناهض لتركيا. كل هذا دفع السلطات التركية إلى البحث عن "شركاء استراتيجيين" جدد - من أوكرانيا إلى باكستان.

ولا يتراجع الاهتمام بالشرق الأوسط من جانب اللاعبين الخارجيين، وهذا ليس مفاجئاً على الإطلاق. إذ تواصل الولايات المتحدة تقليدياً رعاية المملكة العربية السعودية وإسرائيل، لكن الأكراد الآن يؤيدون ذلك أيضاً. وبحاول المبعوثون الأمريكيون التوفيق بين القوى السياسية الرئيسية في كردستان العراق وبناء الجسور بين القادة الأكراد في العراق وسوريا. بالمناسبة ، دعا جو بايدن ، عندما كان رئيس اللجنة الدولية للكونغرس، إلى إقامة "كردستان حرة" على أراضي هذين البلدين.

وأعلنت الإدارة الأمريكية الجديدة عن مسار جديد صوب "إعادة إيران إلى الاتفاق النووي"، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الجمهورية الإسلامية سعيد خطيب زاده لشبكة CNN مؤخراً إن التقدم في هذا الاتجاه ممكن. ومع ذلك ، فإن استعداد واشنطن لتطبيع حقيقي للعلاقات مع طهران المسيئة للولايات المتحدة هي قضية قابلة للنقاش، وإن أي "استرخاء" فيما يتعلق بإيران سيؤدي حتماً إلى استياء في الرياض، وخاصة في اسرائيل.

وتعمل روسيا ، التي لها على الأقل علاقات عمل مع كل دول الشرق الأوسط، على ترسيخ دور الوسيط "الإقليمي" بشكل لا يمنعها من حماية مصالحها. ومن الأمثلة على ذلك صفقة أوبك، فضلاً عن حقيقة أن استثمارات شركات النفط الروسية في القطاع ذي الصلة من الاقتصاد العراقي تجاوزت 13 مليار دولار أمريكي.

يبقى الاهتمام الرئيسي للسياسة الروسية في الشرق الأوسط موجه صوب سوريا. إن موسكو على قناعة بأن إحراز تقدم حقيقي في التسوية السورية مستحيل دون إنهاء الضغط الاقتصادي على دمشق. ويعلن خصوم روسيا العكس، ويطرحون مطلب "تغيير النظام" كشرط لمشاركتهم في الانتعاش الاقتصادي للبلاد. والدليل على ذلك هو "قانون حماية السكان المدنيين في سوريا رقم HR31" الأمريكي الصادر عام2019، والمعروف أيضاً باسم "قانون قيصر"، الذي يسمح لواشنطن بفرض عقوبات على المنظمات والأشخاص الداعمين لدمشق وللمسلحين، أي الجماعات المسلحة المرتبطة بروسيا أو إيران بحسب رأي الولايات المتحدة. وفقاً لسيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي، فإن الغرض من هذا العمل هو "خنق الشعب السوري حتى ينتفض الشعب ويطيح ببشار الأسد".

أما بكين، التي تتمتع بحضور طويل وثابت في المنطقة كواحدة من اللاعبين الاقتصاديين الرئيسيي ، فإنها تعلن بشكل متزايد عن طموحاتها السياسية. فقد زار وزير الخارجية الصيني وانغ يي المملكة العربية السعودية وتركيا وإيران والإمارات والبحرين وسلطنة عمان في آذار عام 2021، وأعلن عن وثيقة حول "المبادئ الخمسة لحل النزاعات في الشرق الأوسط". لكن الصين تدخل للتو في صف الصدارة السياسية للمنطقة، ولا يزال من الصعب الحديث عن خططها الاستراتيجية، بالإضافة إلى ضمان تحقيق وسلامة "طريق الحرير الجديد".

ولا يسع المرء إلا أن يذكر ظاهرة منصة أستانا، أي التحالف الذي أنشأته روسيا وتركيا وإيران حول الحالة السورية، على الرغم من حقيقة أن أهداف هذه الأطراف النهائية لا تتطابق دائماً. ومع ذلك، نجحت الدول الثلاث من خلال "العمل" مع القوى العسكرية والسياسية المتحالفة معها في سوريا لتقليل مستوى العنف عدة مرات. ولكن بعد ذلك تباطأت العملية على منصات التفاوض و "على الأرض".

وهذا يدل على رغبة تركيا في استكمال الصيغة الحالية بالحفاظ على قطر كصديقة وامتلاك موارد مالية مجانية، وتحويل "الترويكا" إلى "أربعة"، من خلال ضم قطر إلى المجموعة، من أجل تعزيز موقعها في الموقف، كما يطلق عليه عادة بالتحالف.

تظل جميع مناطق في حالة من عدم الاستقرار في المنطقة تقريباً ، بما في ذلك المناطق التي تبدو "هادئة" ، فهي أيضاًعرضة للصراع.

في العراق ، قد تبدأ الاشتباكات العرقية والطائفية في أي لحظة. بالإضافة إلى ذلك، فإن الخلايا "النائمة" التابعة لداعش تذكر نفسها بشكل دوري هنا، وينشط الإرهابيون بشكل خاص في المناطق المتنازع عليها بين بغداد وأربيل. ويعود السبب إلى انسحاب قوات البيشمركة من هناك بعد الاستفتاء على استقلال كردستان العراق. وعلاوة على ذلك، وعلى خلفية سلسلة من التصريحات العدائية للقيادة التركية حول احتمال بدء عملية في سنجار العراقية، بدأت التشكيلات الشيعية في سحب قواتها إلى الحدود.

ولم يتم التوصل إلى حل دائم في ليبيا ، ولم يشهد الوضع في اليمن أي تحسن.

ولا يمكن استبعاد احتمال انتهاء اندفاع محتمل آخر في نشاط أنقرة على الجبهة السورية بمشاركة جنود أميركيين في المواجهة المسلحة التركية الكردية، وتدخل القوات الإيرانية في المواجهة التركية السورية. إذ يوجد عدد كافٍ من المحرضين هنا ، وعواقب مثل هذا التطور للأحداث لا يمكن التنبؤ بها.

وحتى بدون ذلك ، فإن الوضع في سوريا ينطوي على الكثير مما هو مرغوب فيه. إن سياسة الغرب والدول العربية الغنية، التي لا تساعد السوريين في المناطق التي تسيطر عليها دمشق، قائمة على خيار الخنق الاقتصادي للنظام الحالي، ويمكن أن تنجح نظرياً، لكن بعد ذلك ستصبح جولة جديدة من الحرب الأهلية حقيقة واقعة. ربما هناك طرف ما مهتم بهذ ، ولكن ليس روسيا بالتأكيد. إن إعادة التشكيل السياسي لسوريا، مع مراعاة مصالح مجموعاتها العرقية والطائفية، تعتبر القوى السياسية ذات العلاقة أمراً ضرورياً اليوم، وقد تتأخر إلى الغد.

هذه هي النتائج المحزنة لـ "الربيع العربي" ، يبقى السؤال - من يحتاج إلى ذلك ولماذا بدأ به؟

 

........................

* إن اندريه كونستانتينوفيتش إيساييف هو سياسي روسي، ونائب في مجلس دوما الدولة للإتحاد الروسي، وعضو لجنة العمل والسياسة الاجتماعية وشؤون المحاربين القدماء في الدوما، وعضو في اللجنة العليا للحزب الحاكم "روسيا الموحدة".

 

محمد السعديتداعيات أزمة الشيوعيون العرب المحتدمة والتي ما زالت أثارها متداولة ومؤثرة على قرار التقسيم رقم 181 الصادر في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1947 عن الجمعية العامّة للأمم المتحدة وبتأيد من الاتحاد السوفيتي السابق بحق أرض فلسطين وأهلها، نكبة فلسطين شكلت أنعطافة خطيرة في مسيرة اليسار العربي والاحزاب الشيوعية العربية وتأثيرات السياسة السوفيتية الداعمة لقرار التقسيم بل هي التي زودت إسرائيل بالاسلحة والطائرات في حروبها المتتالية ضد العرب وقضيتهم المركزية . تعد قضية فلسطين محور نضالنا العربي وقضيتنا المركزية في المصير نحن الشيوعيين العرب . فجاء قرار التقسيم بمثابة الصاعقة على توجهات اليسار العربي وشكل خللاً فكرياً في التوجه العام للوضع السياسي العالمي وبعد أن أعلن الاتحاد السوفيتي تأيده الكامل لقرار التقسيم، ودوره الضاغط والمفروض على آلية قرارات الاحزاب الشيوعية في تأييد مشروع التقسيم .

تعد القضية الفلسطينية من بين القضايا التي القت بظلالها على الوضع العربي من جهة والدولي من جهة أخرى، هناك ثابته تاريخية يجب التوقف عندها، فقد كان الشيوعيين العراقيين يروون قضية فلسطين رؤيه خاصة وعميقه بما ميزتهم عن باقي الاحزاب والقوى السياسية الاخرى العاملة في الشارع العراقي، إذ كانوا يفصلون بين الصهيونية واليهودية، فاعتبروا الحركة الصهيونية أساس البلاء، في حين أن اليهود شريحة مضطهدة من قبل الحركة الصهيونية نفسها، وأن حصر موقف الحزب الشيوعي من قرار تقسيم فلسطين وفق الدوافع السوفيتية ومصالحهم ترك مردودات سلبية على وضع الحزب داخلياً لاسيما مع فترة تولي اليهود العراقيين لمراكز قيادية في الحزب الشيوعي العراقي شاؤول طاوق، ساسون دلال، يهودا صديق، وآخرون . .

موقف الإتحاد السوفيتي بخصوص التقسيم وفـّر للصحف المرتزقة والمعادية ومأجوري الإمبريالية وعملائها فرصة لا للتشهير بالإتحاد السوفيتي فقط وتجربته الاشتراكية، بل أيضا بالحركة الشيوعية وأحزابها في البلدان العربية فنالوا من تاريخها ومواقفها الوطنية والقومية ... ولذلك، فإنه كان يجب على الاحزاب الشيوعية العربية من تحديد موقفها من التبعية لموسكو وسياستها والتي في أغلبها جاءت بالضد من مصالح ومواقف شعوبها فان الاعتراف بالتقسيم لقد خلق جو تنظيمي قلق وغير مستقر للاختلاف في المواقف والرؤى، بل راح بعض قادة الاحزاب شرق أوسطية في الدفاع عن قرار التقسيم أكثر من ستالين نفسه، ويعتبر خالد بكداش عميد الشيوعيين العرب كما يلقبوه وهو يحلو له هذا اللقب في خوض صراع مرير ضد رفاقه، الذي عارضوا قرار التقسيم، وهذا ينطبق أيضا على سياسة الاحزاب الشيوعية في الموقف من قرار التقسيم . للحزب الشيوعي العراقي له رؤى مختلفة وعلى مر تاريخه مع قضية فلسطين التي كرس صفحات من نضالاته وبرامجه لوضع حلول عادلة وفق قاعدة حق الامم في تقرير مصيرها . وكان الرفيق فهد وهو حبيس الجدران ضد قرار التقسيم وأعتبره سابقه خطيره على مستقبل الشيوعيين في العراق والمنطقة، وأيضا تعرض قادة أحزاب شيوعية عربية للتنكيل والتشهير والطرد من أحزابهم لمواقفهم ضد التقسيم وتصنيفهم بخونة مباديء الكومنترن . وماتعرض له فرج الله الحلو سكرتير الحزب الشيوعي اللبناني ورفاقه من أساليب تنكيل ومصادرة أراؤه وأفكاره وعزله عن مهامه الحزبية والقيادية .

 

محمد السعدي

مالمو/حزيران٢٠٢١

 

 

هاشم نعمةترجمة: د. هاشم نعمة

يتزايد الضغط على عمالقة النفط والغاز من قبل المستثمرين والبنوك وحتى من الوكالة الدولية للطاقة لزيادة عملية الاستدامة في مجال الطاقة بسرعة.

يتنامى في المجتمع حاليًا عدم الثقة في النوايا الحسنة لشركات صناعة النفط والغاز. ألا تعرض العالم للخطر باستراتيجيات أعمالها أم يمكنها تقديم مساهمة مهمة في حل أزمة المناخ؟

في الحياة الواقعية، تتعرض الشركات العاملة في مجال الطاقة "الأحفورية" لوصمها بالعار بنحو متزايد وتُجبر على مواجهة الشباب المهتمين الذين يخرجون إلى الشوارع بأعداد كبيرة، والمنظمات البيئية التي ستلجأ إلى المحاكم لملاحقة هذه الشركات. وحتى الحلفاء القدامى، المستثمرون، يتشككون بنحو متزايد فيما إذا كانت أموالهم "في النفط" لا تزال آمنة.

في هذا الأسبوع  كان ثمة هجومًا إضافيا مباشرًا من قبل الوكالة الدولية الطاقة ذات النفوذ الكبير (IEA). هذه المنظمة التي دائما ما ترضي الصناعة الأحفورية، تأسست قبل نصف قرن لمنع إمدادات النفط من التعرض للتعثر المستمر. لكن في التقرير المعنون "صفر فقط لعام 2050"، دعت الوكالة الدولية الطاقة شركات النفط إلى التوقف عن البحث عن حقول غاز ونفط جديدة، لأنه لم يعد من الممكن استخدامها. أي إذا أرادت البشرية الاحتفاظ بفرصة للحد من الاحترار العالمي بدرجة ونصف مئوية كحد أقصى في نهاية القرن.

لقد هز هذا الهجوم من قبل الوكالة الدولية الطاقة عالم النفط. ففي الماضي، طالبت الجماعات البيئية فقط في مقترحاتها الأكثر جذرية بإنهاء فوري للبحث عن موارد نفط وغاز جديدة. وفجأة جاء هذا الطلب من داخل ذات الدائرة.

صُدم العديد من الخبراء وقالوا إن اقتراح الوكالة الدولية للطاقة كان غير مجدٍ. كانت توقعات الوكالة الدولية للطاقة السابقة بعيدة كل البعد عن الدقة، كما كتب المحلل اليميني فيل فلين في موقع إنفستينج دوت كوم على الإنترنت. ووفقًا لنائب رئيس معهد البترول الأمريكي، فإن أي خارطة طريق لانبعاثات صفرية صافية ستشمل "الابتكار المستمر واستخدام الغاز الطبيعي والنفط".

لقد استجابت شركات النفط ببطء شديد للتغييرات الضرورية في الماضي، كما كتب جريج موتيت. وهو خبير بريطاني في تحول الطاقة في المعهد الدولي للتنمية المستدامة ذي الشهرة الواسعة .(IISD) علما أن "بريتيش بتروليوم BP هي شركة النفط الوحيدة التي لديها هدف محدد قصير الأجل لتخفيض إنتاج النفط. لكن الأمر استغرق 23 عامًا حتى وصلت الشركة إلى ذلك. لأنه في وقت مبكر من عام 1997، قالت الشركة إنها تأخذ مسألة تغيّر المناخ على محمل الجد. لذا فهي بطيئة للغاية. ولا تزال شركات النفط تنكر عن علم أو بغير علم، خطورة أزمة المناخ والدور الذي تلعبه منتجاتها فيها".

أسئلة المناخ والمساهمون

ومع ذلك، فإن السؤال يتمثل في ما إذا كان بإمكان القطاع الحفاظ على هذا الموقف الدفاعي لفترة طويلة. كان هذا واضحًا بالفعل خلال اجتماع مساهمي شركة شل عبر الإنترنت هذا الأسبوع. خلال الاجتماع الذي استمر ثلاث ساعات تقريبًا، كان ثمة نقاش بالكاد حول الموضوعات المألوفة مثل توزيع الأرباح أو سعر السهم أو سعر النفط. كانت أسئلة المستثمرين تدور اكثر حول الطاقة المتجددة والاحتباس الحراري وانبعاثات مجموعة شل من ثاني أكسيد الكربون.

بدأ الاجتماع بداية رائعة يوم الثلاثاء بخطاب ألقاه رئيس مجلس إدارة شل المنتهية ولايته تشارلز هوليداي. ذكر فيه كيف أنه قبل ست سنوات، عندما طُلب منه تولي المنصب، أمضى ثلاثة أشهر في جولة في مجموعة شل الدولية. في سنغافورة دخل في حديث مع موظف، إذ سأله "ماذا تريد مني أن أفعل عندما أصبح مديرا؟" لم يكن على رجل شل أن يفكر طويلا. إذ أجاب، "ابنتي البالغة من العمر 13 عامًا تخجل من أن والدها يعمل في شركة شل. أريدك أن تغير ذلك".

شعر هوليداي أن مهمته قد أنجزت. قال إن شركة شل قد تغيرت بالفعل. خذ على سبيل المثال خطة التحول التي يجب على شركة النفط والغاز جعلها خالية من الانبعاثات خلال ثلاثين عامًا. "إذا كانت تلك المرأة البالغة من العمر 19 عامًا موجودة هنا، فسأعطيها خطتنا الانتقالية وأقول: اقرئي هذا. ربما تريدي  أن تتبعي خطى والدك ".

لكن جزءًا مهتما من المساهمين طالب يوم الثلاثاء باستدامة أسرع مما تقترحه شركة شل في خطة التحول. كانت خيبة أمل كبيرة لمجلس الإدارة، وفقًا لشركة شل، أن الحركة "الزائدة عن الحاجة" لحركة (أتبع هذا) Follow This، والتي تدعو شركات النفط إلى الامتثال لاتفاقية باريس، تلقت دعمًا من ما لا يقل عن 30 في المائة من المساهمين. هذه النسبة هي ضعف ما كان عليه الحال عام 2020.

شل ليست استثناء. إذ تضاعف أيضًا عدد المستثمرين الذين يطالبون بخطوات إضافية نحو الاستدامة في فترة زمنية قصيرة في شركة بريتيش بتروليوم البريطانية. كذلك تم في كونوكو فيليبس الأمريكية دعم اقتراح قدمته حركة (أتبع هذا) هذا الشهر من قبل غالبية المساهمين.

"إننا نطلق على هذا التحول أوقات مهمة"، يقول الأستاذ الجامعي في روتردام، ديرك لورباخ، المتخصص في التحولات الاجتماعية والاقتصادية، ووفقا له، يمكن التنبؤ بالأنماط في وقت مبكر. "يمكنك أن ترى أن النظام يتعطل ويتعرض لمزيد من الضغط. قد يستغرق ذلك وقتًا طويلاً، ولكن عند نقطة معينة ينشأ توتر داخلي ثم تختفي الشرعية الاجتماعية". يرى لورباخ أن هذا يحدث في صناعة النفط، ولكن أيضًا في الزراعة وصناعة السيارات التي حاولت إيقاف التغيير "بفضائح انبعاثاتها.

وفقًا للورباخ، يبدأ التحول عادةً هامشيا. "بدأت حركة (اتبع هذا) صغيرة جدًا في اجتماعات المساهمين في شركات النفط. إن القليل من الذين لديهم تحليل جيد طويل الأمد هم بذور التغيير. هذا في حد ذاته ليس تحولا، تمامًا كما كان عليه الحال في عدد قليل من الألواح الشمسية. لكن هذه التطورات جزء من عملية بحث اجتماعي عن نظام مختلف ".

يمكن أن يؤدي هذا إلى ولادة شركات جميلة من جديد. تحاول بعض الشركات تأخير هذا التحول لأطول فترة ممكنة، ولكن هناك أيضًا أمثلة لشركات بدأت عملية التحول الخاصة بها. مثل أورستيد وشركة المناجم الهولندية التي تطورت إلى شركة متخصصة في المواد الكيميائية الدقيقة (قطاع من الصناعات الكيميائية يهتم بتصنيع المواد عالية الجودة مثل الأدوية والمنظفات والأصباغ والالكترونيات وغيرها)*، بينما استبدلت شركة أورستيد الدنماركية النفط والغاز باستخدام طواحين الرياح.

وفقًا لرئيس شركة شل فان بيردن، لا يوجد تحول حقيقي حتى الآن. ففي مقابلة معه في موقع بلومبرج غرين عام 2020، سُئل عما إذا كان يرى التطورات الحالية في سوق الطاقة على أنها "تحول فوضوي". هذه العملية هي خوفه الكبير. يقول فان بيردن ، مشيرًا إلى أزمة كورونا: "ما يحدث الآن فوضوي، لكنه ليس تحولا".

لخفض استخدام الوقود الأحفوري بمقدار الربع  كما يقول، "هناك حاجة إلى إجراءات صارمة. عليك أن تحبس الناس. عليك إغلاق الاقتصاد. إنه يوضح حجم التحدي، ومدى تعقيده، وماذا ستكون العواقب إذا كنت تريد حقًا التخلص من النفط والغاز بطريقة مبسطة".

مخاوف بشأن الأصول العالقة

سواء كان الأمر بسيطًا أم لا، يفقد النفط والغاز ببطء موقع قوتهما في عالم الطاقة. هذا الأمر مرئي أيضًا من قبل المستثمرين. منذ أكثر من عشر سنوات، بدأت كاربون تراكر Carbon Tracker، وهي مؤسسة فكرية مالية مستقلة، في التحذير من الأصول المتعثرة، والمخاطرة في الاستثمار في الوقود الأحفوري الذي لن يتم تعويضه أبدًا. كان الأمر مضحكا بعض الشيء، حتى حذر مارك كارني، محافظ بنك إنجلترا، البنك المركزي البريطاني، في تشرين الأول| أكتوبر 2015 من الأزمات المالية بسبب تغيّر المناخ.

بعد كارني، يشير البنك المركزي الهولندي أيضًا بانتظام إلى مخاطر تغيّر المناخ. ففي مقابلة مع صحيفة NRC، حذر أولاف سليبن عضو مجلس إدارة البنك الأسبوع الماضي من التغييرات المفاجئة إذا لم تسرع هولندا في سياستها المناخية. "بصفتنا أوصياء على الاستقرار المالي في هولندا، فإننا نشعر بالقلق حيال ذلك".

نشر موقع بلومبرج يوم الأربعاء الماضي تحقيقًا في استثمارات البنوك في الطاقة. وجاء في العنوان: "لقد دعمت البنوك دائمًا الوقود الأحفوري على حساب المشاريع الخضراء - حتى هذا العام". فمنذ إبرام اتفاقية باريس للمناخ عام 2015، تم إنفاق ما لا يقل عن 3000 مليار يورو على الوقود الأحفوري، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف ما تم إنفاقه على المبادرات المستدامة. لكن المؤسسات المالية الكبرى البالغ عددها 140 مؤسسة التي شملتها الدراسة التي أجراها بلومبرج قد استثمرت بالفعل 203 مليار دولار (166 مليار يورو) في الطاقة المتجددة هذا العام - مقابل 189 مليار دولار للمشاريع الأحفورية. يقول محللون إن ذلك قد يكون نقطة تحول. علما في عام 2021 تم الاستثمار في الطاقة المستدامة بقدر ما تم استثماره في الطاقة الأحفورية.

قال موتيت الخبير في المعهد الدولي للتنمية المستدامة: "المشكلة في البلدان الغنية والاقتصادات الناشئة ليست نقص الاستثمار في الطاقة، ولكن الاستثمار في الأنواع الخاطئة من الطاقة". "كلما كانت الإشارات أوضح من الحكومات والمؤسسات مثل الوكالة الدولية للطاقة، زاد تركيز المستثمرين على الطاقة المتجددة. وفقًا لبحث علمي حديث فإن التكاليف المطلوبة لهدف 1,5 درجة مئوية تتوافق تقريبًا مع المبلغ الذي يجب ألا نستثمره بعد الآن في الوقود الأحفوري ".

كما يتعين على المستثمرين المؤسسيين الهولنديين مثل صناديق التقاعد أن يحسبوا بنحو متزايد استثماراتهم في عالم النفط. إن ترك أو إلقاء نظرة انتقادية هو الآن سياسة صندوق الرعاية الصحية،  ثاني أكبر صندوق معاشات تقاعدية. ففي عام 2019 وحده باع الصندوق حصصًا في أكثر من 50 شركة نفط وغاز، بما في ذلك إكسون موبيل وغازبروم وبتروبراس. وقالت جوان كيليرمان رئيسة صندوق التقاعد: "نحن ندرك أن شل رائدة في هذا العالم". ومع ذلك ، "لا نعتقد أن استراتيجية شل تذهب بعيدًا بما فيه الكفاية".

لذلك صوت صندوق الرعاية الصحية (لأول مرة) لصالح حركة (أتبع هذا) وضد خطة التحول التي قدمتها شل لمساهميها للحصول على المشورة كأول مرة. حازت هذه الخطة على دعم ما يقرب من 90 في المائة من المساهمين. وفقًا لرئيس مجلس الإدارة هوليدي، هذا "دليل قاطع على الدعم" لإدارة شل.

كانت نتيجة التصويت الثاني دعم بنسبة 30 بالمائة لاقتراح حركة "اتبع هذا". من الناحية العملية، يتطلب هذا تقييدا سريعًا للانبعاثات، الأمر الذي من شأنه أن يغيّر من استراتيجية شل بشكل كبير. تقول الشركة نفسها إنها ستكون محايدة مناخياً بحلول عام 2050، لكنها ليست ملتزمة بخفض الانبعاثات السابقة. بعد الاجتماع، صرحت شل في بيان مكتوب بأنها "أحيطت علما" بنتائج كلا التصويتين. في غضون ستة أشهر، تهدف مجموعة شل إلى الوصول إلى "فهم كامل" لأسباب حصول حركة (أتبع هذا) على الكثير من الدعم. وسيتبع ذلك تقديم "تقرير رسمي للمستثمرين".

لا تزال الحكومات مترددة

على الرغم من مشكلة المناخ الملحة، فإن الحكومات المسؤولة في النهاية عن الحد من غازات الاحتباس الحراري، تتخلى عن الإجراءات الصارمة. وفقًا للبروفيسور ديتليف فان فورين من أوتريخت ، المنتسب أيضًا إلى وكالة التقييم البيئي الهولندية، يجب اتخاذ الإجراءات بسرعة للبقاء في حدود 1,5 درجة مئوية من الاحترار. وقال مؤخرًا في سيمنار (أتبع هذا): "مع انبعاثات سنوية تبلغ 43 جيجا طن من ثاني أكسيد الكربون عام 2019، يتبقى لدينا حوالي عشر سنوات"، لتحقيق الهدف.

السؤال ليس ما إذا كان ذلك ممكنًا من الناحية الفنية، كما يقول خبير المعهد الدولي للتنمية المستدامة ، موتيت. وفقا له، فإن سيناريوهات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ وتقرير الوكالة الدولية للطاقة الأخير يظهران أن ذلك ممكن. "السؤال هو ما إذا كان ذلك ممكنًا من الناحية السياسية. تظهر دول مثل الدنمارك وكوستاريكا وأيرلندا أن ذلك الأمر ممكن".

لكن العديد من الحكومات لا تزال مترددة في التعامل مع صناعة الوقود الأحفوري. وهذا يفسر أيضًا الدعاوى القضائية العديدة ضد شركات النفط: إذا لم تقم الحكومة بذلك، فسيقوم بها المواطن من خلال المحاكم. في قضية أورخندا، خلص القاضي إلى أن الدولة الهولندية لم تفعل ما يكفي لحماية مواطنيها من آثار تغيّر المناخ. في ألمانيا، قضت المحكمة الدستورية بأنه يجب على الحكومة بذل المزيد من الجهد للحفاظ على حياة البلاد للأجيال القادمة. وقالت المحكمة إن ألمانيا ستطلق كميات كبيرة من الغازات المسببة للاحتباس الحراري حتى عام 2030 بحيث أنه في الوقت التالي "ستتعرض تقريبا كل أنواع الحريات التي تحميها الحقوق الأساسية للخطر". كما أن شركات النفط تقف أو وقفت أمام المحاكم في النرويج وبلجيكا والولايات المتحدة. والأربعاء المقبل سيصدر الحكم في الدعوى القضائية التي رفعتها حركة الدفاع عن البيئة (في هولندا)** ضد شركة شل. (صدر الحكم من محكمة لاهاي في 26 مايس| أيار 2021 وطلب من شل أن تتخذ على الفور تدابير للحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون)*** إن من مطالبات الحركة البيئية أن تجعل مجموعة شل عملياتها التجارية تتماشى مع اتفاقيات باريس.

يجد لورباخ أنه من المدهش أن الحركة البيئية لم تعد وحيدة. من سيكون القوة الدافعة وراء تحول الطاقة؟ "يمكنك الآن رؤيتها قادمة من جميع الجهات. قبل عشرين عامًا، كان قطاع الطاقة شيئًا ينظمه بضع مئات من المهندسين الرجال". يلعب عالم المال الآن دورًا، والقضاء والنقابة أيضًا. و"يعمل اتحاد نقابات العمال في هولندا الآن على خطة مستقبلية خضراء لشركة تاتا ستيل Tata Steel. وأصبح المجتمع نفسه ذا أهمية متزايدة وذلك باشتراكه في النقاش بشأن المناخ ".

الحجة التي سمعناها كثيرًا بأننا ما زلنا بحاجة إلى النفط والغاز لعقود لاستمرار العالم لا تترك انطباعًا لدى لورباخ. "هذه هي رواية شركات الطاقة لدعم موقفها. يمكن أن تستمر التطورات بسرعة إذا زاد الدعم العام لها. الالتزام السياسي آخذ في الازدياد، ويتم تطوير التكنولوجيا... هذا هو بالضبط ما أظهرته وكالة الطاقة هذا الأسبوع ".

يوافق جريج موتيت ذلك. ويكتب: "مثل الأنظمة الطبيعية، تمتلك الأنظمة البشرية نقطة تحول". "أعتقد أن سيناريو الوكالة الدولية للطاقة الجديد سيجعل العالم أقرب خطوة إلى نقطة التحول المجتمعي، حيث لن يطرح أحد فكرة الاستثمار في الطاقة الأحفورية."

 

...................

* المترجم

** المترجم

*** المترجم

الترجمة عن: NRC Handelsblad 22-23 Mei 2021

 

ابراهيم أبراشغياب الوحدة والاستراتيجية الوطنية وخصوصا فيما يتعلق بالمقاومة والتسوية السياسية، واصطناع تعارض بين المقاومة والسلام أو بين من يقاوم ومن يمارس العمل السياسي والدبلوماسي، كل ذلك أدى لخطاب سياسي فلسطيني مأزوم ومتناقض مع بعضه بعضاً، وهو الأمر الذي يؤدي لإرباك المتلقي وعدم قدرته على الفهم الصحيح لما يجري فلسطينياً وما الذي يريده الفلسطينيون.

لن أخوض في تحليل مضمون الخطاب السياسي الرسمي والحزبي ولا بجدلية العلاقة بين المقاومة والتسوية السياسية _وقد كتبنا كثيرا حول الموضوع- بل سأقتصر على الخلل وأوجه التعارض بين موقف منظمة التحرير والرئيس أبو مازن  وموقف حركة حماس من خلال خطابهم السياسي الرسمي خلال الانتفاضة  المعاصرة وما تلاها، وأسباب هذا التعارض.

الخطاب السياسي للرئيس أبو مازن اتسم بالهدوء والواقعية والعقلانية بعيداً عن العواطف والشعارات وعَكَس قدراً أقل من الانفعال والتفاعل مع الأحداث، وهو أخذ هذا المنحى لأن الرئيس أبو مازن كما هو معروف عنه تاريخياً ليس قائدا جماهيرياً وشعبياً بل نخبوي وواقعي لا يُعير كثير اهتمام للجماهير وقدرتها على التغيير ولا يؤمن بالثورة المسلحة أو الانتفاضة أو أي عمل عنيف حتى في سياق الدفاع عن النفس، ويراهن على أن حل القضية الفلسطينية لن يكون إلا من خلال الحلول السلمية والعمل الدبلوماسي والعلاقات الرسمية مع الدول والمنظمات الدولية حتى وإن طال أمد هذه المراهنة، وأن العمل المسلح مجرد أداة وقد حقق هدفه في بداية انطلاق الثورة بإبراز الهوية الوطنية واستقلاليتها واعتراف العالم بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والاعتراف بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً .

هذا النمط من التفكير ينتج خطابا سياسيا وإن كان مقبولاً من الدول والمنتظم الدولي ونخب سياسية محلية ودولية، إلا أنه غير مقبول عند القطاعات الشعبية وحتى عند الجماهير عبر العالم وخصوصاً في حالة الاشتباك الساخن مع العدو ومبالغة إسرائيل في جرائمها وإرهابها كما حدث الشهر الماضي وخصوصاً على جبهة غزة، كما أنه خطاب لا يأخذ بعين الاعتبار ما احدثته الثورة او الانتفاضة الأخيرة على مستوى العالم ونظرته لإسرائيل وعلى المستوى الوطني حيث تبدت وحدة الشعب وعادت روح المقاومة والصمود.

كان من المطلوب أن يتضمن الخطاب الرسمي كما عبر عنه الرئيس إعادة النظر بهذا الرؤية أو النزعة السلموية وجعلها أكثر واقعية وعقلانية لو وظفت وحدة الشعب وحالة المقاومة الناشطة ضد الاحتلال وصمود وتضحيات غزة.

إن كان الخطاب السياسي للرئيس أبو مازن يبدو متعالياً عن الشعب ويفتقر للحماسة والتهييج فإن الخطاب السياسي لحركة حماس، كما تبدى خلال المواجهات المسلحة على جبهة غزة وما بعدها ومن خلال الخطاب الأخير لرئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية في قطر بداية الانتفاضة ، وخطاب السيد يحيى السنوار قائد حماس في غزة بعد وقف إطلاق النار، هذا الخطاب كان به بعض التعالي والبعد عن الواقع والمبالِغة في الشعاراتية والعاطفة والحماسة ولغة التهديد والوعيد لإسرائيل والمبالغة في مقدرات المقاومة المسلحة دون الإشارة إلى أفق ومآل استمرار المواجهات المسلحة على جبهة غزة فقط.

هذا الخطاب المقاوم حتى وإن كان يعبر عن الحق الفلسطيني المطلق في فلسطين ويتجاوب مع مشاعر جماهير أذلها الاحتلال والاستيطان ويعبر عن حالة غضب على تعثر وفشل نهج التسوية الأمريكية التي دشنها اتفاق أوسلو وغضب على عدم جدية العالم في مواجهة الكيان الصهيوني ونصرة عدالة القضية الفلسطينية، إلا أن المبالغة في الحديث عن النصر والقدرات العسكرية للمقاومة والندية مع إسرائيل، سيكون لكل ذلك نتائج سلبية على القضية الوطنية وقد يفهم من هذا التضخيم للقدرات وكأن اسرائيل هي المهددة بوجودها وأمنها وأن الفلسطينيين لا يريدون سلاما أو تسوية سياسية عادلة بل لا يحتاجون لدعم ومساعدة العالم .

غاب عن أصحاب هذا الخطاب أنه في زمن الثورة الرقمية والفضاءات المفتوحة فإن هذا الخطاب يتم مشاهدته وتوثيقه كخطاب رسمي لحركة حماس وكتعبير عن مواقفها ورؤيتها السياسية، وهو خطاب غير مقبول ومفهوم عند الدول والمنظمات الدولية بل أيضاً عند قطاع كبير من أصدقاء فلسطين عبر العالم ممن يتسمون بالعقلانية ويبحثون عن خطاب سياسي فلسطيني واقعي وعقلاني يواجه الخطاب الصهيوني الذي يزعم أن إسرائيل دولة سلام وأن الفلسطينيين إرهابيون يريدون تدمير إسرائيل!!.

نعلم أن هناك قنوات تواصل ومفاوضات مباشرة وغير مباشرة بين حركة حماس والولايات المتحدة والأوروبيين وإسرائيل، وفي هذه المفاوضات تستعمل حركة حماس لغة وخطابا مغايرا  للخطاب الموجه للجماهير كما تطرح اهدافا سياسية واقعية لا تختلف كثيرا عما يطرحه الرئيس أبو مازن ومنظمة التحرير. لو كانت حركة حماس اكثر صراخة مع الشعب وابتعدت عن الباطنية والتقية، ولو تحررت منظمة التحرير والرئيس من قيود نهج أوسلو وشبكة المصالح المرتبطة به، لو تم ذلك لكان من الممكن التوصل إلى رؤية واستراتيجية عمل تجمع بين المقاومة والبحث عن سلام عادل،

رؤية توظف المقاومة التي أبدعت في غزة وكل ربوع فلسطين حسب خصوصية كل منطقة مع التحول الاستراتيجي عبر العالم تجاه إسرائيل حيث انكشفت إسرائيل أخلاقياً وسياسياً، وهذا الانكشاف وحالة الغضب على إسرائيل دولياً أزعجها بما لا يقل عن إزعاج صواريخ المقاومة، توظيف كل ذلك لإنتاج خطاب سلام تسنده وحدة الشعب والمقاومة كما تبدت في الشهر الماضي، أو فلنقل خطاب مقاومة يؤكد على عدالة القضية والحق بالمقاومة وفي نفس الوقت يطلب السلام العادل وتحرير الشعب الفلسطيني من نير احتلال الدولة الكولونيالية الأكثر ارهابا وإجراما وعنصرية في العالم .

انتقاد أو تبيان أوجه الخلل في خطاب ونهج منظمة التحرير والرئيس أبو مازن لا يعني أن خطاب ونهج حركة حماس هو البديل والعودة لشعار (المقاومة بديل عن السلام)، وانتقاد أو تبيان أوجه الخلل في خطاب ونهج حركة حماس وفصائل المقاومة المسلحة في غزة لا يعني أن خطاب ونهج المنظمة والسلطة والرئيس هو البديل، المطلوب الالتقاء وسط الطريق حيث لا تعارض بين المقاومة والسعي للسلام، بل يمكن القول بأن مقاومة الشعب الفلسطيني من أجل الاستقلال تُضمر مشروع سلام لفلسطين والعالم . 

 

إبراهيم ابراش

 

 

عبد الحسين شعبانهل العروبة "هوّية" أم حركة قومية؟ هو سؤال غالباً ما يُحدث التباساً لدى المتلقّي، بل وفي بعض الأحيان لدى المعنيين، الذين لا يفرّقون بين العروبة والقومية. وإذا كانت اللغة والثقافة والتاريخ والعيش المشترك، الأساس في الهوّية، فإن القومية فعل سياسي له برنامج ذو شحنة أيديولوجية، ويزداد الأمر تكريساً حين تنشئ نظاماً سياسياً. وقد تكوّنت الحركة القومية العربية في نهاية القرن التاسع كرَدّ فعلٍ دفاعي عن الهوّية، ضد سياسات التتريك التي اتبعتها الدولة العثمانية، وفيما بعد وقفت ضد سياسات الاستعمار الغربي.

وبالعودة للتاريخ فإن العروبة ولغتها سبقت الإسلام، حسب المؤرخ عبد العزيز الدوري، وحين جاء الإسلام ترسّخت العروبة لأن لغة القرآن كانت عربية، ويذهب محمد عابد الجابري للقول بثنائية العروبة والإسلام، والعربي هو من يصبح عروبياً بنزوعه إلى الوحدة الثقافية، وبالعودة إلى التاريخ فالعرب العاربة أو العرب المستعربة يجمعهم اللسان. أما العروبة فهي امتداد حضاري تاريخي، ورابطة تتصل بالثقافة المشتركة من تبادل المعرفة والأدب والفن والعلم والتراث، وهي رابطة موضوعية لا يمكن إنكارها وليس لها بعداً أيديولوجياُ، أو أنها برسم السياسة.

ووجهة النظر هذه دعوة لاستنهاض العروبة الثقافية مقابل "العروبة العرقية"، أي المتعصّبة على الطريقة البسماركية، لعدم واقعيتها وتخلّفها، وأخذت تحلّ محلّها فكرة العروبة الجامعة والمنفتحة والمتجدّدة والإنسانية والحضارية، وتتقلّص الأفكار القومية المضادّة لها، حيث اكتسبت فكرة العروبة بُعداً واقعياً بعيداً عن الطوباويات المثالية. وبحسب الياس مرقص فالأمة لغة قومية (أساس الهوّية العربية)، وتاريخها هو تناضد طبقات.

ووفقاً لهذا المنظور، فالعروبة رابطة وجدانية وشعورية وإنسانية جامعة وهي ليست ثابتة بمعنى سُكونية، بل متطوّرة وحركيّة، وهي ليست كاملة أو نهائية، بل هي متفاعلة مع محيطها في الإضافة والحذف والتطوير والتغيير، كونها حيوية ومعاصرة وراهنة ولا يمكنها أن تعزل نفسها عمّا يجري حولها وفي العالم أجمع.

وبهذا المعنى فالعروبة ليست سرمدية وتماميّة ومقفلة، مثل بركة راكدة، بل هي على العكس من ذلك أرخبيل مفتوح تتفاعل مع غيرها وتؤثر فيه وتتأثر به ارتباطاً بالتطورات الكونية، والأمر ينطبق على جميع الهوّيات. وهكذا فإن أمر اختلافها ليس مفتعلاً، وإنّما واقعي، يرتبط بالحداثة والمواطنة والحقوق الإنسانية،  التي هي نتاج تطور منذ أمرؤ القيس، مروراً بالمتنبي وابن خلدون وصولاً إلى جبران خليل جبران وطه حسين ومحمد مهدي الجواهري.

وفي الأندلس كان المعتمد بن عباد وابن طفيل وابن باجة وابن حزم وعباس بن فرناس رمزاً للعروبة في صعودها وانفتاحها على ما حولها، مثلما كانت في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين تأكيداً على خصوصيتها ووجودها الثقافي عبر جورج أنطونيوس وشكيب إرسلان ورشيد رضا وآل البستاني وأمين الريحاني وصولاً إلى ساطع الحُصَري، استمراراً للومضات الأولى لحركة الإصلاح وإرهاصات النهضة التي ابتدأت مع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ورفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي والشيخ محمد حسين النائيني، حيث ظل سؤال النهضة مطروحاً بركنَيه الأساسيين: الحرية والتنمية، والمطلوب هو إعادة اكتشاف عناصر القوة في العروبة وتجديدها وأنسنتها وتحصينها بالتنوّع وقبول الآخر والإقرار بالتعددية والحق في الاختلاف، وهو ما أخفقت الحركة القومية العربية من بلوغه في مرحلتها الأولى ما بعد الاستقلالات العربية.

ومنذ عصر النهضة حتى يومنا هذا، سادت تيارات فكرية وسياسية عديدة قومية وإسلامية ويسارية، صعوداً وهبوطاً، لكنها لم تستطع إنجاز مشروع يتمتع بأركان هوّية منفتحة ومتماسكة في الآن، ولعلّ ما يحسب لـ مركز دراسات الوحدة العربية ومؤسسه الراحل خير الدين حسيب لما له من عقلية رؤيويّة مستقبلية هو جمعه كوكبة لامعة من المثقفين والباحثين والمتخصصين العرب، لبلورة الخطوط العريضة لــ مشروع نهضوي عربي مستقبلي جديد، أساسه التحرّر السياسي في مواجهة الاستعمار، والتنمية المستقلة في مواجهة التبعية والتخلّف، والوحدة العربية في مواجهة التفتت، والديموقراطية في مواجهة الاستبداد، والعدالة الاجتماعية في مواجهة الاستغلال، والتجدّد الحضاري في مواجهة التغريب وتوظيف التراث إيجابياً.

ومن القضايا الحساسة التي تواجه العروبة موقفها من القوميات الأخرى والتنوع الثقافي في مجتمعاتنا، فخطاب التعصّب الذي حمل شفرة أيديولوجية قاد إلى التطرّف، وحين أصبح الأخير فعلاً وسلوكاً تحوّل إلى عنف، وحين ضرب عشوائياً صار إرهاباً، ومقابل التعصّب والاضطهاد، كان رد الفعل ضيق الأفق والانعزالية القومية. الأمر الذي يحتم الاعتراف بالآخر والإقرار بالشراكة بدلاً من الإقصاء والتهميش، وإعادة النظر بالموقف من المجموعات العرقية والدينية واللغوية على أساس المواطنة وليس العرق، وإلا سيكون الجاحظ وابن المقفع وابن سينا والفارابي وابن رشد وأبو نؤاس وقبل ذلك سيبويه ونفطويه وبشّار بن بُرد وصولاً إلى قامات معاصرة، خارج دائرة العروبة. فليس النسب والعصبية القبلية هي التي تقوم عليها العروبة وإنما اللغة والثقافة والتاريخ والعيش المشترك.

العروبة الحضارية هوّية ثقافية لغوية منفتحة على التنوّع والتفاعل والتجدّد ولذلك فهي مشروع لم ينجز بعد، حسب قسطنطين زريق، وانتاجه يحتاج إلى وعي جديد وحامل اجتماعي جديد يمثل روح الأمة.

 

عبد الحسين شعبان

 

 

صلاح حزامالعمل السياسي سواء أكان من خلال الانضمام الى حزب او حركة سياسية او كفرد مستقل، غير ممكن بدون وجود أطار فكري واضح ومُعلَن وبدون وجود برنامج عمل يستند الى ذلك الأطار الفكري كمرجعية للنشاط السياسي.

بدون الانتماء الى فكر معروف يتحول العمل السياسي الى نشاط يشبه عمل العصابات الإجرامية التي تهدف الى جني الأموال بمختلف الطرق والأساليب.

والّا بماذا يُفسِّر الشخص انتمائه لحزب او حركة سياسية؟ ان لم يكن ايماناً بفكر تلك الحركة فهو انتماء الى عصابة.

من ينتمي الى عصابة، لن يسأل عن موقف رئيس العصابة من الدين والدولة والنظام الاقتصادي والعلاقات الخارجية والمرأة والطفل وشبكات الأمان الاجتماعي ومكافحة الفقر الخ...

ينتمي الشخص الى العصابة لكي يدفعوا له المال فقط مقابل قيامه بأي عمل يُكلّف به !!!

كيف يمنح الناس أصواتهم للأشخاص والأحزاب دون فكر مُعلن يؤمنون به ؟؟

من المفروض أن الأشخاص ذوي الميول الاشتراكية او الرأسمالية او الدينية او القومية والقومية المتطرفة وانصار البيئة وانصار المرأة الخ ... يبحثون عمّن يمثلهم في الطيف السياسي الذي تتنافس مكوناته في الانتخابات ويدققون في برامج تلك الأحزاب والحركات والافراد، لكي يمنحوا أصواتهم لمن يتفقون معه.

بدون وجود وعي ونزعات محددة لدى الجمهور وبدون صورة وهوية واضحة لدى مكونات الطيف السياسي، لن يكون للعملية الانتخابية اي معنى..

افراد يؤمنون بمباديء وقيم وسياسات معينة ويبحثون عنها في الحركات والاحزاب المتنافسة، مقابل ذلك هناك حركات واحزاب تمتلك مثل تلك المباديء والقيم والبرامج وبشكل واضح ومعلن ( لا أقصد انها تمتلك شعارات صحفية وانشائية سطحية).

الانتخابات، فلسفياً، تشبه عملية الذهاب الى السوق للتسوق بحريّة (مع امتلاك المال اللازم)،حيث تكون السلع معروضة بوضوح والمشتري يتجول ويسأل ويدقق مع البائع قبل ان يقرر ماذا يشتري ..

في الانتخابات الحرة والحقيقية، يكون المشتري هو الناخب، والسلع المعروضة هي الجهات المتنافسة في الانتخابات التي تعرض مالديها بوضوح تماماً مثل عَرض السلع في السوق .. امتلاك الحق في التصويت هو مثل امتلاك المال عند الذهاب الى السوق .

مفوضية الانتخابات (او مايماثلها في الوظيفة) تلعب دور دائرة التقييس والسيطرة النوعية والتي تضمن للمشتري (الناخب) سلامة وصحة السلع المعروضة (الجهات السياسية المتنافسة)..

وهكذا نجد التماثل والتطابق تقريباً بين الديمقراطية الاقتصادية والديمقراطية السياسية .

التقيتُ في اكثر من مناسبة خارج العراق مع اشخاص كانوا سابقاً قادة في أحزاب سياسية مهمة في العراق .. كلهم يرفعون شعار الاشتراكية كهدف مركزي، لكني اكتشفت انهم لايعرفون عنها سوى كونها شعار وبعض الكلمات والجُمَل العاطفية السطحية مثل إنصاف الفقراء وماشابه .

لايعرفون ان كون الحزب اشتراكي يعني ان لديه موقف من عدد كبير من القضايا عليه التعامل معها اذا وصل للسلطة في مجال الاقتصاد والسياسة الخارجية والسياسة الاجتماعية والتشريع وحقوق النساء والاطفال والفئات المهمشة وواجبات الدولة وواجبات الناس الخ....

بهذا المعنى وبالرجوع الى تاريخ الحركات السياسية في العراق، كم حزباً كان لديه مثل هذا الفكر الواضح والعميق؟؟

كل ما اطلعت عليه كان حشواً انشائياً لاقيمة له .

تابعتُ قبل فترة سلسلة مقابلات مع شخص عراقي، قضى ١٦ عاماً في السجن ولم يلتقِ بعائلته لمدة ٢٠ سنة، حكم عليه بالاعدام ثم تم تخفيف الحكم الى المؤبد..

كان ينتمي الى حزب قومي وحُكم عليه في الثمانينيات ووضع في سجن ابي غريب..

ترك اطفاله صغاراً والتقاهم خارج العراق رجالاً..

سؤالي: من أجل اي مباديء وافكار عظيمة قدم هذا الرجل كل هذه التضحيات ؟؟

كل الاحزاب القومية كانت شعاراتها:

وحدة، حرية، اشتراكية

او

اشتراكية، حرية، وحدة

لخلق بعض الاختلاف !!

كلهم لم يقدموا شرحاً علمياً لاشتراكيتهم !! احدهم يقول انها اشتراكية عربية، والآخر يقول انها خاصة، والآخر يقول طريقنا خاص في بناء الاشتراكية، وآخر يربطها بالاسلام وبالامام علي والخليفة عمر الخ ...

لكنها كلها انشاء فارغ وعاطفي، وكلهم طبقوا رأسمالية الدولة ..

شعار الحرية، جعلوه رمزاً للقمع والاستبداد وسحق المجتمع ..

اما الوحدة، فان كل زعيم لحزب قومي كان يُنصّب نفسه زعيماً للعروبة من المحيط الى الخليج، دون تفويض او شرعية!! كل منهم مسك بوابة من بوابات الوطن العربي واعلن قيامه بالدفاع عنها (لا ادري لماذا تكون بوابات الوطن العربي مشرعة دائماً وتحتاج الى فارس يسحق شعبة دفاعاً عن تلك البوابة نيابة عن الأمة)!!!

 

د. صلاح حزام

 

 

كاظم حبيب[في ضوء اجتياح واحتلال المنطقة الخضراء!]

ابتداءً يمكن طرح السؤال الوارد في عنوان المقال بطريقة أخرى: هل العراق دولة كارتونية تحكمها الدولة العميقة وميليشياتها؟ وهل "الحشد الشعبي حصان طروادة" لإيران؟ هذه الأسئلة ذات معنى واح ويستوجب الإجابة عنها من كل مواطنة ومواطن في العراق وفي الخارج يدرك قيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان واستقلال الدولة وسيادتها الوطنية ويناضل من أجلها.

 "نشرت وسائل الإعلام العراقية بأن قوات من الحشد الشعبي مدججة بالسلاح الخفيف والمتوسط قد احتلت يوم أمس 26/05/2021 المنطقة الخضراء المحصنة، وتجمهرت قوات كبيرة منها أمام بناية مجلس الوزراء، وأعلنت استمرار احتلالها لها إلى حين تسليم المتهم بإرهاب 4 قاسم مصلح، قائد عمليات الحشد الشعبي في الأنبار، لذي اعتقل بقرار من القائد العام للقوات المسلحة بتهمة اغتيال الناشط المدني إيهاب الوزني، رئيس تنسيقيات الاحتجاجات في كربلاء، وقبل ذاك الأديب والناشط المدني الدكتور علاء المشذوب، وقبل عامين الناشط المدني فاهم الطائي وغيرها. وقد تم فك الحصار عن المنطقة الخضراء بعد تسليم رئيس الحكومة المعتقل قاسم مصلح إلى الحشد العشبي"! وقال رئيس مجلس الوزراء في اجتماع عاجل لمجلسه ما يلي:

 إن "العراق يمر بمرحلة حساسة، وهذه الحكومة تشكلت بهدف معالجة التحديات التي مر بها البلد نتيجة التراكمات الطويلة، وكادت ان تذهب بالوضع الى تدهور خطير"، مضيفاً أن "التحركات التي قامت بها مجموعات مسلحة في بغداد اليوم تعد انتهاكاً خطيراً، ليس فقط للنظام والقانون، بل وللدستور العراقي". (أنظر: مصطفى الكاظمي، التحركات المسلحة في بغداد اليوم انتهاك خطير"، السومرية في 27/05/2021). ولم يشر الكاظمي إلى الجهة التي قامت بالتحركات المسلحة، علماً بأنه يعرف جيداً بأنها قوات تابعة لقيادة وقوات الحشد الشعبي، وإنها قد تحركت بأمر من قائد الحشد الشعبي فالح فياض، الذي يُفترض أن يكون خاضعاً لقرارات القائد العام للقوات المسلحة العراقية ورئيس مجلس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، باعتبار الحشد الشعبي جزءاً من القوات التابعة للقائد العام للقوات المسلحة! وفي يوم لاحق اجتمعت الرئاسات الثلاث لتندد بما حصل ببغداد وتدعو إلى حصر السلاح بيد الدولة وفرض القانون والدستور العراقي على الجميع، وبضمنه الحشد الشعبي. لم يتأخر قائد كتاب حزب الله، الميليشيا الطائفية المسلحة العضوة في الحشد الشعبي عن التنديد بالكاظمي واتهامه بالعمالة للولايات المتحدة الأمريكية. والسؤال هو: كيف ستنفذ الرئاسات الثلاث ما ورد في بيانها المهم والأول من نوعه!!  

ماذا يعني كل ذلك في عراق اليوم؟

لقد وضع الباحث العلمي والخبير الأمني الشهيد هشام الهاشمي النقاط على الحروف حين أشار إلى طبيعة ودور الميليشيات الشيعية الولائية التي تشكل هيكل وقوام الحشد الشعبي. ومصطلح الميليشيات الولائية، يعني بدقة أن هذه الميليشيات تابعة مباشرة وموالية بالكامل قيادة وقواعد لإيران وليس للعراق أولاً، وأنها لا تأتمر بأوامر القائد العام للقوات المسلحة العراقية ولا لرئيس مجلس الوزراء بل للمرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي ومن ينوب عنه في العراق مباشرة ثانياً. هذه الحقيقة لا ينكرها أو يتنكر لها قادة الحشد الشعبي ابتداءً من المسؤول الأول فيها ومروراً ببقية قادتها والمسؤولين المباشرين عن الميليشيات الولائية وكوادرها المسلحة وانتهاءً بالقواعد الشيعية المسلحة، ومنها ميليشيات الشبك الشيعية المسلحة أيضاً. كما إن هذه التبعية المطلقة يعرفها القسم الأعظم من الشعب العراقي وتتأكد له يومياً وفي كل ساعة في العراق. وبالتالي فهي تعلن عن نفسها في أنها حصان إيران في العراق وأنها لإيران وعلى العراق وليس للعراق، وبالتالي فهض ضد الشعبين العراقي والإيراني. 

فالحشد الشعبي، الذي صدر بشأنه عن مجلس النواب قانوناً يخضع رسمياً للقائد العام للقوات المسلحة العراقية، هو حشد عراقي بالاسم وإيراني الفكر والإرادة والأهداف والمصالح. ولا يعبأ بأي قرار يصدر عن الرئاسات الثلاث (السلطة التنفيذية: رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس القضاء الأعلى)، بل يتنكر له ويمارس ما يطلب منه من قبل ممثل إيران في العراق المرتبط مباشرة بخامنئي وبقائد فيلق القدس الإيراني الذي حل محل الجنرال الإيراني المقتول قاسم سليماني.

"هيئة الحشد الشعبي" تكونت بقرار من المستبد بأمره نوري المالكي عام 2014، واقترن بعدها بفتوى "الجهاد الكفائي" التي أصدرها السيستاني. وكان ينبغي أن ينتهي مفعول هذه الفتوى بعد تحرير محافظة نينوى من عصابات داعش التي غزت العراق في فترة حكم نوري المالكي للعراق وبسبب سياساته الدونية والمهلكة للشعب العراقي، لاسيما الموجهة ضد أتباع الديانات والمذاهب وأهل السنة، وفي جوهرها ليست لصالح أتباع المذهب الشيعي قطعاً، بفتوى من السيستاني أيضاً بالنسبة للمؤمنين الذين التحقوا دفاعاً عن العراق. لم يفعل السيستاني ذلك، وبالتالي ترك الحشد الشعبي بميليشياته المسلحة والطائفية الولائية منها وعير الولاية، تكبر وتتقوى وتهيمن على السلطة السياسية وتهدده كل فترة بالسيطرة على الحكم واغتيال من يقف بوجهها، بمن فيهم رئيس الوزراء الحالي! إن مهمات الحشد الشعبي بميليشياته الولائية، التي تشكل 95% من قوام هذا الحشد غير الشعبي والمرتبطة عضوياً بالأحزاب الإسلامية السياسية الشيعية، تتخلص في النقاط التالية:

أولاً: الهيمنة الكاملة والفعلية على محافظات العراق في الوسط والجنوب وبغداد وتقاسم المحلات والأحياء في هذه المحافظات فيما بينها. وبالتالي ممارسة عمليات التهديد والابتزاز والاختطاف والاعتقال والتعذيب والقتل وفق ما يرد لها من أوامر. تنشيط المكاتب الاقتصادية التي تعمل في مختلف المجالات بما في ذلك ترويج والسيطرة على تجارة المخدرات وتجارة العهر النسوي والذكوري والتجارة بأعضاء الإنسان ومحلات الخمور والابتزاز المالي للتجار وأصحاب المحلات وغيرهم.

ثانياً: والأهم من ذلك ايضاً منع العراق من التوجه صوب التنمية الاقتصادية، الصناعية والزراعية وتوجيه الاستثمارات الحكومية والخاصة صوبهما بشكل خاص، ولاسيما في مجال الطاقة الكهربائية والغاز والصناعات البتروكيماوية والصناعات الزراعية، من أجل إبقاء العراق سوقاً محتكراً للسلع المنتجة في إيران. وتمارس تركيا دوراً مماثلاً أقل تأثيراً من دور إيران بهذا الصدد.

ثالثاً: مواجهة المظاهرات لقوى الانتفاضة التشرينية والنقابات بالعمل على تخريبها وقتل الناشطات والنشطاء المدنيين منهم أو تشريديهم بمطاردتهم. كسب المزيد العناصر العامل في أجهزة الأمن والشرطة والجيش والقضاء العراقي والجهاز الإداري الحكومي بأساليب مختلفة بما فيها "الجزرة والعصا" لصالح التعاون والتنيق مع الحشد الشعب وميليشياته. كل هذا يفترض أن يصب في تحطيم ما تبقى من الدولة المهمشة وهيبتها وإشاعة الفوضى وعدم الاستقرار وخدمة مصالح إيران الاقتصادية. 

رابعاً: التحكم الكامل بما يجري ويتخذ من قرارات في مجلس النواب، وتأمين الهيمنة على عمل "المفوضية المستقلة للانتخابات" وعلى الشارع العراقي بما يسمح للمال الفاسد والسلاح الميليشياوي السيطرة الفعلية على غالبية أصوات الناخبين الذين يمارسون التصويت بمختلف السبل المتوفرة لها. أي العمل على استيلاء الطغمة الحاكمة على أكثرية مقاعد مجلس النواب وبالتالي تشكيل الحكومة على وفق قاعدة المحاصصة الطائفية والحكم الطائفي.

خامساً: التصدي المستمر وبأساليب مختلفة سياسية وعسكرية للقوات الأمريكية والدولية الموجودة في العراق، بما فيها أطلاق الصواريخ على القواعد العسكرية العراقية حيث يوجد خبراء من القوات الأمريكية والدولية، رغم معرفتها بأن هذه القوات موجودة بقرار من الحكومة العراقية. وهي تعبر عن قرار ورغبة إيرانية بتقويض الأمن والاستقرار في العراق والسعي لإخراج ما تبقى من قوات اجنبية من العراق ليخلو الجو لأتباع إيران في البلاد.

سادساً: منع العراق بأقصى ما يمكن من إقامة علاقات سوية مع الدول العربية، لاسيما مع تلك الدول التي تقف بالضد من الوجود والنشاط الإيراني في العراق، أي العمل من أجل إبعاد العراق عن محيطه العربي قدر المستطاع وإعاقة تنفيذ ما يتم التوصل إليه من اتفاقيات مع تلك الدول.

نحن أمام إرادة أجنبية دخيلة تسير الدولة العميقة بحشدها الشعبي وميليشياته وتفرض هيمنتها على قرار السلطة التنفيذية من جهة، وتتصدى لإرادة الشعب العراقي وقواه الوطنية والمدنية الديمقراطية التي تريد الخلاص من الدور الإيراني وأيد دور أجنبي أخر في العراق، كما تريد الخلاص من أذناب هذا الدخيل الأجنبي المتمثل بالحشد الشعبي وبميليشياته الولائية وغيرها وتريد تأمين الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان لبنات وأبناء الشعب العراقي من جهة ثانية. إنه الصراع الذ يجب أن ينتهي لصالح الشعب والوطن رغم صعوباته وما يقترن به من تضحيات. ولكي ينتهي إلى النجاح لا بد من إقامة آليات تحقيق النصر وأدواته، وفي مقدمتها تحالف جميع القوى الراغبة والساعية للتغيير الجذري في البلاد ووضع برنامجها النضالي المكثف والواضح الذي أشرنا إليه في مقالات سابقة كثيرة. إن طوق النجاة من واقع العراق الراهن.   

 

  د. كاظم حبيب

 

 

كفاح محمودبين الأسئلة المثارة هنا واجوبتها المرة كمٌ هائل من الاحداث في حقبة زمنية تزيد قليلا على سبعين عاما، بين مجموعتين من دول العالم في منطقتين متباعدتين، لكنهما متقاربتين في التكوين الاجتماعي والارث الحضاري، هذه الاسئلة التي تبحث عن خلل بنيوي يتعلق بجملة من المرتكزات الأساسية في البناء والتركيبات التربوية والاجتماعية وربما العقائدية وما يلحق بها ممن عادات وسلوك متوارث، ناهيك عن التأويلات والتفسيرات لكثير من النصوص والعقائد والنظريات في مجتمع قبلي وأسري يرتبط عضوياً بالبداوة والزراعة وما يتعلق بهما من قوانين وضوابط وارتباطات، ولذلك ذهبنا إلى محاولة لمقاربة مجتمعات هي الأقرب في ظروف تكويناتها وطبيعة تركيباتها الاجتماعية والاقتصادية رغم ادراكنا لمرارة الأجوبة والفرق الشاسع في اسلوب التفكير والتطبيق، لكنه ومن باب استخراج مكنونات العلل للوصول الى نصف التشخيص على الأقل انطلقنا من عام 1949م حيث سجل التاريخ السياسي والاجتماعي للشعوب حدثاً مهماً في قارة آسيا، وهو انطلاق الثورة الصينية العارمة بقيادة الزعيم الشيوعي ماو تسي تونغ، والتي احدثت زلزالا اجتماعيا واقتصادية في سدس العالم على الأقل، ولم تمضِ إلا ثلاث سنوات بعدها حتى شهدت قارة أفريقيا حدثاً كبيراً قاده أحد الضباط الثوريين عام 1952م، في انقلاب عسكري ربما الأول من نوعه في المنطقة وفي واحدة من أقدم ممالك العالم ألا وهي مملكة مصر وارثة ممالك الفراعنة التي أسقطها الزعيم القومي جمال عبد الناصر، ورغم ان الفرق شاسع بين الحدث الأول الذي جاء افقيا وبين الحدث الثاني الذي استهدف رأس النظام عموديا، الا انه أي انقلاب مصر كان حدثا غير وجه الشرق الأوسط برمته، بل وجه أفريقيا وحركاتها التحررية فيما بعد، والمثير أنّ الحدثين الصيني والمصري يصنفان على يسار الحركة السياسية في العالم آنذاك، وهناك الكثير من التشابهات بين الدولتين والشعبين فيما يتعلق بالتاريخ والحضارة التي تمتد في كليهما إلى عدة آلاف من السنين، إضافةً إلى التشابه في نسبة الأمية والفقر العالية قياساً لكثافة السكان، مع انخفاض مريع لإنتاجية الفرد والمجتمع إبان قيام الثورتين، وما  حدث بعدهما بسنوات ليست طويلة إثر قيام الثورة العراقية في تموز 1958م والكثير من التشابهات بين هذه الدول وأنظمتها الاجتماعية المحافظة وما جرى فيها خلال عدة عقود من الزمن المزدحم بالإنجازات في بعضها والمتقهقر في بعضها الآخر.

لقد خاضت حكومات وشعوب تلك الدول حروباً وصراعات وانقسامات وانقلابات وثورات كثيرة متشابهة أحياناً ومختلفة إلى حدّ ما في أحيان أخرى، لكنها رغم ذلك وبعد ما يزيد على سبعين عاماً بقليل استطاعت أن تُحدث تغييراً نوعياً كبيراً في مسار تقدمها وشكل ومضمون حضارتها، وبالذات في الصين العظمى والصغرى في تايوان والأصغر في هونغ كونغ، وما حصل من تطور مذهل في كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا وسنغافورا، وإزاء ذلك علينا أن نتساءل عن الفروقات بينهم وما حصل خلال ذات الحقبة الزمنية من تقهقر مريع وحصاد هزيل في بلداننا، وكيف غدت دول مثل مصر والعراق وسوريا ومن ماثلهم من أنظمة ودول بقياسات زمنية واجتماعية وسياسية متقاربة قياساً إلى ما حدث في الصين الصغيرة منها والعظمى، وما نتج في كوريا وكثير من بلدان جنوب شرق آسيا التي لا تختلف كثيراً عن دولنا وشعوبنا.

أين مراكز القوة في المجموعة الأولى لكي تقدم هذا المنتج المذهل خلال هذه السنوات وتصل إلى ما هو عليه الآن من تقدم مبهر في كل من الصين وكوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة؟

وفي الطرف الآخر، أي في مجموعتنا هنا في الشرق الأوسط عموماً، وحصرياً في دول الحضارات القديمة مصر والعراق وسوريا، أين تكمن نقاط الضعف والخلل التي تسببت في هذا الانهيار والتقهقر والانكفاء؟

هل هو الفرق بين الثورة الحقيقة والانقلاب العسكري، أم انها تراكم هائل من الافكار والسلوك والتطبيق؟

الأسئلة كثيرة ومؤلمة لكنها مثيرة أيضاً رغم آلامها، فهي تبحث عن تحديد مكامن الخلل بجرأة وشفافية، وكما يقول الأطباء فإن التشخيص نصف العلاج، خاصة عند إجراء مقارنة بين الصين وكوريا الجنوبية وماليزيا وبقية هذه المجموعة مع مصر والعراق وسوريا التي تتشابه كثيراً في طبيعة المجتمعات وأوضاعها ونقطة الشروع فيها، وبذلك ربما ننجح في وضع خارطة طريق للأجيال القادمة لا تعتمد ذلك الكم الهائل من الموروث المربك والمعيق وما يلحقه من عادات وتقاليد ونظريات وتأويلات اجتماعية ودينية أثبتت فشلها على أرض الواقع، بل كانت السبب الرئيس لفشل كل أنظمتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ويبقى السؤال الأهم: هل ما يزال طلب العلم متاحا من رفاقنا أهل الصين، أم انه كفر والحاد!

 

كفاح محمود كريم

 

علاء اللاميولد الحشد الشعبي كعلاج طارئ واستثنائي لواحدة من كوارث نظام المحاصصة الطائفية والعرقية الذي جاء به الاحتلال الأميركي وليس علاجا نهائيا لهذا لمرض عضال فتاك والذي لا علاج له إلا بتغيير نظام الحكم: حدثت تلك الكارثة حين اجتاحت عصابات داعش ثلث الأراضي العراقي وانهار الجيش الذي شكله وسلحه ودربه الاحتلال الأميركي خلال أيام قليلة في كارثة لم يشهد العراق مثيلا لها في تاريخه القديم والحديث، فهبت جماهير المتطوعين العراقيين في الجنوب والوسط - قبل يوم أو أكثر من صدور فتوى المرجع السيستاني - للدفاع عن أنفسهم وبلادهم لقتال من هددهم بالذبح وهتك الأعراض وهدم أضرحتهم المقدسة والسبي وكل بذاءات وقذارات القرون الخوالي التي مرت بها جميع الأمم، ثم جاءت فتوى المرجع السيستاني لتزيد من زخم الهبة التطوعية الجماهيرية، فاستغلت أحزاب ومليشيات الفساد هذه الهبة الشعبية واندفعت معها وبها محاولةً جعلها حماية نظام حكمها الفاسد الملطخ بأشلاء ودماء ضحايا فشلها في صد الهجمات التفجيرية، وحولت انتصار المتطوعين الشعبين الى انتصار لنظامها وأحزابها ومليشياتها. وحين نجحت الهبَّة الشعبية التطوعية في مهمتها وقضت على التمرد التكفيري الداعشي، بادرت أحزاب ومليشيات الفساد والتبعية إلى استغلال الهبة وتحويل المتطوعين الى جيش بديل أو موازٍ لجيش الدولة، مستغلة أبشع استغلال فتوى المرجع السيستاني الذي دعا العراقيين القادرين على حمل السلاح إلى التطوع في القوات المسلحة الحكومية ولم يدعهم أبداً إلى تشكيل حشد أو جيش بديل، حيث ورد فيها حرفيا (ومن هنا فان المواطنين الذين يتمكنون من حمل السلاح ومقاتلة الارهابيين دفاعاً عن بلدهم وشعبهم ومقدساتهم عليهم التطوع للانخراط في القوات الأمنية/ الصورة1)، ثم تكرر هذا المعنى في توضيح صدر عن المرجع يؤكد فتواه المذكورة/الصورة2، وقال فيها (بسمه تعالى: قد أفتينا بوجوب الالتحاق بالقوات المسلحة وجوبا كفائيا، للدفاع عن الشعب العراقي وأرضه ومقدساته، وهذه الفتوى لا تزال نافذة، لاستمرار موجبها، بالرغم من بعض التقدم الذي أحرزه المقاتلون الأبطال في دحر الإرهابيين)، ولكنهم تمكنوا من تمرير أكذوبتهم هذه وتنفيذ خطتهم، ثم تم تحويل الحشد الشعبي إلى قوة عسكرية دستورية. حينها قال الناس لا بأس في ذلك مؤقتا، طالما أن العراق يفتقد لأي جسم عسكري وطني يعول عليه في الدفاع عن البلاد والناس، ولكن الحشد تحول لاحقا الى حشود، وإلى جانب الحشد الشعبي الدستوري هناك الفصائل المليشياوية خارجه وعلى مقربة منه وهي تعتبر نفسها منه وفيه، وهناك حشد العتبات الذي أعلن عن قيامه واستقلاله بشكل رسمي وعلني... وكما نرى فالأمور باتت معقدة وتنذر بالخطر الوشيك والصدام الدامي بين أطراف النظام المسلحة ولم تعد المعادلات كما كانت في بداية الهبة الشعبية لصد الاجتياح الداعشي. فأي حل ممكن في هذه الأحوال؟ أهو في حل الحشد الشعبي وتجريد العراقيين من آخر وسيلة للدفاع عن أنفسهم، أم دمجه بالجيش الأميركي ذي القيادات المخترقة أم في بقاء الحال على ماهو عليه من فساد وتشرذم وقتل وتبعية حتى يحدث الصدام الدموي المدمر المتوقع؟

*العراق يفتقد اليوم لأية قوة عسكرية حقيقية تدافع عنه وتصد الأطماع الأميركية والإسرائيلية المستمرة، والعراق ممنوع حتى من استيراد منظومات صواريخ دفاعية ودبابات وطائرات إلا بشروط ورقابة أميركية مذلة، والحشد الشعبي الدستوري تحول إلى حشدين ونصف كما قلنا، إن الخوف لا يأتي من قواعد الحشد الشعبي الدستوري أو العتباتي التي هبت لصد الاجتياح الداعشي، لأن هذه القواعد جاءت من عموم الشعب، وهم أقرب إليه، وحتى منحدراتهم الطبقية تأتي من الكادحين والفقراء في غالبيتهم الساحقة، ويندر جدا أن نجد بينهم أبناء الذوات والمسؤولين ومحدثي النعمة من البرجوازيين الجدد؛ إنما يأتي الخوف من القيادات الحشدية العليا الفاسدة، فهي سريعة العطب والتفسخ بالفساد والمال السحت والأمثلة كثيرة "إلا من رحم ربي" وتغلب انتماؤه لشعبه ووعيه الوطني على غريزته الطائفية والعشائرية ...إلخ.

إن المشكلة الأصلية ليست في الحشد الشعبي فقد كان هبة شعبية حققت هدفها بنجاح كما قلنا، ولكنها في نظام الحكم الطائفي العرقي التابع لأميركا وإيران ولا يمكن حل هذه المشكلة أو أية مشكلة بنيوية أخرى من مشاكل العراق الكبرى ببقاء هذا النظام! إنَّ الحل الوحيد والممكن هو بتغيير نظام حكم المكونات الطائفية والعرقية إلى نظام حكم المواطنة والمساواة وإلغاء اتفاقيات التبعية مع أميركا كاتفاقية الإطار الاستراتيجي وإعادة كتابة الدستور العراقي وقوانين الأحزاب والانتخابات من قبل خبراء دستوريين مستقلين تحت إشراف الشعب المباشر والشفاف.

 

علاء اللامي

 

 

غانم المحبوبيبعد قرائة الجزء الاول والثاني من هذا الموضوع والذي سبق لنا نشرها في "المثقف" ٢٠٢١، هناك من يسال، على عاتق مَن تقع مسؤلية الثورة التنويرية في العراق، والتي تناولناها في الجزء الثاني، وما نوع التحضر المنشود؟ اهيَ مسؤلية سياسيي العراق والسلطة القائمة ليتبنوا اصلاح المجتمع وبناء الدولة المتحضرة ام على الشعب الذي هو مصدر السلطة والتشريع في دولة العراق الديموقراطية؟ الاجابة الصحيحة على هذا السؤال المركزي وبما له علاقة خاصة بالعراق تكمن في ضرورة التفاعل الثنائي المتبادل من كلا الطرفين، الشعب والسلطة. ولنبدا بالشعب، ان سلسلة الدمار والتدهور في الدولة والمجتمع العراقي وفي جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعلمية بدات وبشكلها الحاد منذ اكثر من اربعين سنة وتحديدا بعد اندلاع الحرب العراقية الايرانية في ايلول ١٩٨٠ وليس كما يتصور الكثيرون بعد نيسان ٢٠٠٣. وكما اشرنا لهُ سابقا، هذا يعني ان هناك على الاقل جيلان من شعب العراق من شباب وكهول، واللذين من المفروض ان تقع على عاتقهم مسؤلية العمل والانتاج والقيادة، لم تتح لهم الفرص السليمة والملائمة للتعليم والتثقيف والاطلاع والعمل والانتاج والحصول على التجربة العملية والمهنية وعلى طول هذه الفترة القاسية ولحد الان. واذا اتفقنا ان قيادات الشعوب ومفكريها مصدرها الشعب فكيف يمكن لمثل هذا الشعب في الداخل العراقي ومنهم ٤٠٪ من الاميين ان ينتجوا القيادات الحكومية الرائدة؟ نعم، العراقيون فيهم الكثيرون ممن يستطيعوا ان يشاركوا في عملية التطور والتحضر وذلك بمساعدة ودعم الكوادر الرائدة، والتي يُناط لها مسؤلية مسيرة التطور، ولكن ومع الاسف يصعب تواجد هذه الكوادر الرائدة في الداخل العراقي الحالي. ان مثل هذا الاستنتاج المتشائم قد يثير السؤال، هل هذا يعني ان لا حلَ او سبيل لتطور العراق وتحضره؟ وحتى يكون الجواب بالنفي علينا اذن ان نبحث عن ما هو ايجابي في العراق والذي يساعدنا للوصول الى بَرِ التفائل بالخير. اقول، ان لم يكسب العراقيون ايَ مكسبا ايجابيا منذ ٢٠٠٣ ولحد الان، فان التغير الجذري الذي حصل في طبيعة الحكم من نظام دكتاتوري دموي يقوم على الانقلابات العسكرية التامرية الى نظام ديموقراطي تعددي يتم فيه تداول السلطة عن طريق الانتخابات الشعبية لهوَ اسلم وانجح السُبل للعراقيين نحو التحضر، لذلك يستحق ان يُعطى الاولوية في الحفاض على هذا النظام وسلامة مصداقيته. لا خيار للعراقيين ان كانوا شعبا او سلطة منتخبة الا في التعايش السلمي فيما بينهم والعمل الجاد في اصلاح ذات البين، في الوقت الذي يقوم فيه الشعب بالدعم الجاد للنُخب الكفوءة والنزيهة منه، وان كانت قليلة نسبيا، للوصول الى دائرة صُنعِ القرار بالطريقة الانتخابية السلمية المتحضرة وعلى مدى عدة دورات انتخابية وبما يتيح بهِ الزمن وان طال. في مقال له بعنوان "صناعة مرشح البديل السياسي" المنشور على صفحته الاليكترونية (mhalnajafi.org)، يقول الاستاذ محمد حسين النجفي "ان على الشباب الغاضب على الفساد والمحاصصة وانعدام الخدمات وفرص العمل، ... ان يَتْقِنوا لُعبةَ الانتخابات. ... وان يحولوا العمل في الوقت المناسب من التظاهر في الشوارع والساحات، الى ورشات عمل لصنع البديل النيابي كي يحل محل الفاسدين." بهذا الشكل، تتراكم الكفائات القيادية في مجلس الشعب ثم في السلطة التنفيذية مع الزمن وتقوم هي بدورها القيادي وبالاتجاه الاخر في توعية الشعب وهكذا يتم التفاعل الثنائي بين الشعب والسلطة كما اشرنا اعلاه. على العرب والعراقيين ان يدركوا ان التحضر ليس بسلعة تُستورَد من خارج الحدود ولا برج شاهق يُبنى بخبرات الغُرَباء عن الوطن مقابل مبالغ طائلة، لكنه ثمرة فكرية وعملية تُولَدُ من رحم الشعب والى الشعب بعد عناء وتضحيات.

اوضحنا وباختصار في الجزء الثاني الفرق بين التحضر والتمدن، ولمعرفة ما هو شكل التحضر المنشود والمناسب للعراق علينا ان نفهم هذا الموضوع بشيء من الاهتمام. العراق الحالي ومع الاسف لا يعتبر حتى من الدول المتمدنة حيث الامية والفقر وبدائية العيش هي الغالبة في حياة شريحة واسعة من الشعب. بينما نجد بعض الدول التي تتميز بمعالم التمدن وفي بعض الاحيان بشكله المفرط الغير مُبَرَر كما هو الحال في الدول العربية الخليجية، نجدها ايضا ومع الاسف ليست بدول متحضرة وحسب المقياس الموضح سابقا. من جهة اخرى، هناك الصنف الثالث من دول العالم المتحضرة والتي تنعم بطبيعة الحال بمعالم الحياة المتمدنة كالكثير من دول اوروبا الشرقية والاسيوية كسنغافور وكوريا وغيرها. هذه الدول وان كانت متحضرة لكنها ليست بالدرجة العالية جدا من التحضر ليمكنها ان ترتقي الى قمة الهرم من الصنف الرابع كدولٍ منتجةٍ للحضارة كاليابان ودول اوروبا الغربية وامريكا وربما استراليا وكندا. بناءا على ضروف العراق الحالية يجب ان يسعى العراقيون وبدون اضاعة للوقت والفرص المتاحة الى عملية التحضر مباشرة (الصنف الثاني)، وما حالة التمدن الا تغيير يتحقق تلقائيا من خلال السير على طريق التحضر. هذا الخيار ليس بالخيار السهل وبعكس ما حصل في بعض الدول الريعية المستهلِكة للحضارة نتيجة لامتلاكها المال فقط وذلك عن طريق "شراء" واستيراد معالم التمدن الجاهزة. العراق على العكس يمتلك مقومات التحضر وقادر ان يستعمل قدراته الطبيعية والاقتصادية والبشرية والتاريخية لاقامة حضارة متميزة كما حدث فيهِ في السابق ولكن مثل هذا الطريق صعب ويحتاج الى وقت وتضحيات واصرار من قبل الشعب وهذا هو ثمن التحضر.

 

د. غانم المحبوبي

 

محمد العباسيلقد طغت على أحداث العالم مؤخراً مقولة "Black Lives Matter" بمعنى أن "حياة أصحاب البشرة الداكنة تهمنا جميعاً".. كلنا نعلم الأسباب التي دفعت العالم لتبني هذه المقولة، وكيف أن العنصرية البغيضة لم تزل طاغية بالذات بين مجتمعات تتبجح من سنين بأنها ديموقراطية وتتمتع بالحريات وحقوق الأقليات إلى جانب ادعاءاتها بنبذها للعنصرية والتفرقة بسبب اللون أو الجنس أو الأصل.. فدول متقدمة مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، ودول عظمى مثل الصين وروسيا وغيرها لا تزال تمارس شتى أشكال الممارسات العنصرية وتنتشر فيها معاملات غير إنسانية تجاه الأقليات الإثنية أو الدينية أو العرقية.. فلو عدنا قليلاً إلى الرئيس الأمريكي "باراك أوباما" خلال الأيام الأولى لترشحه لرئاسة البيت الأبيض، سنتذكر كم التعليقات السلبية ضده شخصياً وضد حظوظه بالفوز برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، فقط لأنه من "الملونين" رغم كونه "نصف أسود" أو "من أصول أفريقية" ووالدته "بيضاء" مسيحية ربّت ولدها على ديانتها ومذهبها رغم أن أصل "باراك" من أب مسلم (ولو بالاسم فقط) من "كينيا".

وكلما دنت مواعيد الفرز النهائي لأصوات الناخبين وكلما شعرت وسائل الإعلام في أمريكا حينها بأن "باراك حسين أوباما" على وشك أن يصبح الرئيس القادم، كلما خفت التهكمات والسخرية والمسميات الدونية والعنصرية تجاه هذا القادم "الأسود" لقيادتهم من داخل البيت "الأبيض".. ولا يزالون في أمريكا يصنفون شعبهم إلى شعوب.. طبعاً، "الأبيض" هو لون السادة من أصول أوروبية (شمال-غربية)، بالذات من الجزر البريطانية ومن بعدهم من إيرلندا، وغيرهم من العناصر البيضاء والشقراء.. وجميعهم يتم تصنيفهم بلون واحد.. أما بقية "الشعوب" من الأمريكيين فلهم مسميات حسب لون البشرة أو العرق أو الدين.. أما التصنيف العام لكل من لا ينتمي لفئة البيض فهو وصفهم بالملونين.. ومنهم أصحاب البشرة السوداء والشعر الخشن والملامح الأفريقية ويصفونهم باللون "الأسود".. وبعد سنوات من الاحتجاجات باتوا يسمونهم بمسمى الأفارقة الأمريكيين أو الأمريكيين الأفارقة (African Americans).. وهنالك أيضاً أصحاب البشرة الداكنة والشعر الأسود الكثيف والملامح المسماة (Hispanic)، وهي صفة عامة يطلقونها على ذوي الأصول من "اسبانيا" وكافة مستعمراتها السابقة في "المكسيك وأمريكا الوسطى والجنوبية"، وأحيانا يسمونهم بمصطلح الأمريكيين اللاتينيين (Latin Americans).. والتصنيف اللوني لجميع هؤلاء هو اللون البني.. واللون البني يندرج أيضاً على أغلب القادمين من الشرق الأوسط وشبه القارة الهندية وشمال أفريقيا.. وصفة الآسيويين يشمل أغلب شعوب دول النصف الجنوبي من شرق آسيا.. ولونهم بالطبع هو أيضا بنياً.. أما شمال شرق آسيا، كالصين واليابان والكوريتين، فيصفونهم باللون الأصفر.. والغريب أن الشعوب الأصلية للقارتين الأمريكيتين يطلقون عليهم "الهنود الحمر"!

ويطلق الأمريكيون ألقاباً أو صفات أو تسميات من باب السخرية والتصغير والإهانة على أغلب "الملونين" وكثير منها عنصرية بحتة فيها إزدراء واستهزاء.. أما المسميات التي يطلقونها على ذوي الأصول المكسيكية وعلى كافة القادمين من أمريكا الجنوبية فهي كثيرة جداً، ومن أشهرها (Spic) و(Beaner) و(Cholo) و(Brownie) و(Tonk) و(Wetback).. وكل مسمى له معنى معين القصد منه السخرية ببعض الطبائع أو العادات أو التصرفات التي يستهجنونها.. فمثلاً كلمة (Beaner) تأتي من (Beans)، أي البقوليات وغيرها، بالذات الفول، حيث تعتبر البقوليات والعدس والذرة من أهم مكونات الوجبات لدى اللاتينيين، ولكن الشعب "الأبيض" يسخر من هذه الأنواع من الأطعمة ويتهم القادمين إلى أراضي الولايات المتحدة "بإطلاق الغازات" بسبب تناولهم الدائم للبقوليات.. هكذا نوع من السخرية يعكس مدى التعصب والعنصرية ضد شعوب وملل وأقوام كانوا يتمتعون بحضارات وتاريخ وإرث عظيم عبر حضارة "الإنكا" التي كانت تضاهي حضارة الفراعنة وبابل والصين، وغيرها من الحضارات القديمة.. بينما الساخرون من "البيض" الذين يعتبرون أنفسهم شعباً أكثر سمواً ورقياً فهم نشئوا في الأساس من الجحافل المنبوذة والمطرودة والمكروهة في أوطانهم الأصلية، والتي أجبرتهم دولهم على ركوب البحر والهجرة القسرية نحو المستعمرات الجديدة سواء في الأمريكيتين أو في أستراليا ونيوزيلندا، وغيرها من الأراضي المغتصبة حول العالم.   وحتى مصطلح الـ (Wetback)، أي (المبتل بالماء)، فيُقصد به العبور الغير شرعي لهؤلاء المهاجرين عبر المجاري المائية التي تفصل الولايات الجنوبية عن المكسيك.. وينسون أنهم كلهم مهاجرون وجميعهم أتوا من دول وقارات بعيدة واستوطنوا القارتين الأمريكيتين دون وجه حق وعلى حساب شعوبهما الأصلية أصحاب الحق !! 

ومسميات ذوي الأصول الأفريقية بشكل عام كثيرة جداً وتعكس سنوات الاستعباد والظلم في حق الأفارقة.. ومن أشهر التسميات العنصرية هي (Nigger) و(Nigro) و(Afro) و(Eggplant) و(Monkey) و(Ape) و(Coon). و(Boy) و(Bootlip).  وكمثال نجد هنا أن كلمة الـ Boy تُستخدم للدلالة على التصغير من شأن الشخص وتحقيره والتنزيل من قدره ومناداته بمصطلح قد يعني الخادم أو العامل البسيط، وربما أشبه بكلمة "ولد" أو "إصبيّ" التي ننادي بها الخدم وعاملي المقاهي في دول الخليج دون أن نعي لمعانيها الدونية.. والتسمية بمصطلح مثل Bootlip هو للسخرية من انتفاخ الشفاه لدي أغلب أصحاب الملامح الأفريقية.. ولكم أن تتخيلوا التشبيهات المهينة لذوي البشرة السوداء بمسميات مثل Monkey وApe (من فصائل القرود)، وكلمة الـ Eggplant أي الباذنجان (الأسود طبعاً). ولا يخفى عليكم أننا نحن العرب والمسلمين أيضاً نطلق على ذوي الأصول الإفريقية مسميات مهينة ولا نشعر بحكم تعودنا على سماعها بأنها قد تجرح المشاعر.. فنجد بيننا كلمات عديدة، ربما من أكثرها استخداماً وشيوعاً ونرددها دون وعي لقساوتها ومدى مهانتها للكرامة هي كلمة (العبد)، وكلنا نعلم مصدر هكذا تسمية.

ومن آسيا بشكل عام نجد مصطلحات مثل (Yellow) و(Chink) و(Dink) و(Coolie) و(Chee-chee) و(Paki) و(Flip).. والعشرات من التسميات التي يمكن البحث عنها في صفحات الويكيبيديا.. ولكل مسمى قصة وتعكس عنصرية ونظرة فوقية تتعلق باللون والعرق أو العادات أو حتى الطعام الأكثر شيوعاً بين فئة ما.

وحتى بين البيض أنفسهم أيضاً توجد مشاعر عنصرية بحسب الدين والمذهب واللغة والعرق.. فكثير من الإيرلنديين في القرن التاسع عشر عانوا من التفرقة إما لأنهم يتبعون المسيحية الكاثوليكية أو لكونهم آتون من بيئات ومجتمعات ريفية غير راقية مقارنة بالإنجليز، أصحاب القدم الأولى في القارة الأمريكية الشمالية.. وكذلك الأمر مع المهاجرين الإيطاليين والبولنديين والروس، ومن بعدهم العرب من أهل الشام وغيرهم بسبب مذاهبهم المسيحية المتنوعة أو بسبب أصولهم العرقية أو لكونهم من المسلمين أو البوذيين أو ممن يعبدون ويقدسون الأبقار أو أية أديان أخرى.

وربما كان الأسوأ حظا من بين الأوروبيين البيض في أوروبا وأمريكا هم اليهود.. فاليهود منذ بدء التاريخ كانوا يتعرضون لشتى أشكال التفرقة والكراهية بسبب هيمنتهم على مفاصل الحياة وولعهم بالمال وشغفهم بالذهب والتجارة بكل أشكالها، ومنها تجارة السخرة والعبودية والبغاء.. وكانوا يمتازون بصفات خبيثة مثل نكثهم الدائم للعهود والمواثيق ولإصرارهم على تكرار مقولة إنهم "شعب الله المختار".. فمنذ عصور اليونانيين والرومان حتى العصور الوسطى، إلى أوائل القرن الماضي، كانوا منبوذين في كافة دول أوروبا وأمريكا.. وأدبيات تلك الأزمنة تحتوي على كثير من الازدراء تجاه اليهود وتظهرهم بأبشع الصور وتصفهم بصفات الجشع والخبث والدهاء ومعدومي الثقة.. وربما تعكس مسرحية "تاجر البندقية" (The Merchant of Venice) للمؤلف الإنجليزي الأشهر "ويليام شكسبير" الصورة النمطية السلبية للمرابي اليهودي سيئ الصيت "شايلوك".

ومن أشهر التسميات العنصرية ضد اليهود كانت وربما لا تزال (Shylock) و(Yid) و(Kyke) و(Hymie) و(Jidan) و(Heeb) و(Smouch) و(Sheeny) و(Shyster) و(Zhyd).. وربما بتنا نعلم مصدر التشهير ضد اليهود بتسميتهم بـ (شايلوك Shylock) كما أسلفنا في الشرح أعلاه عن مسرحية "شكسبير"، غير أن البعض يعتبر أن مصطلح (Shyster) هو الأكثر إساءة من حيث المعنى.. فهذه التسمية تعني الشخص (في الغالب المحامي) المخادع والمنافق والكاذب وعديم الثقة، وجملة من الأوصاف السلبية مجتمعة في كلمة واحدة.. وقد شهد التاريخ أن هكذا أوصاف وأفكار عن اليهود في أوروبا دفع بالنازيين في ألمانيا إلى بغض العرق اليهودي ونبذهم ومحاولة إفنائهم من الوجود عبر المجازر والمحارق في الحرب العالمية الثانية !!

وقد عانى اليهود من كراهية المسيحيين لهم عبر التاريخ وذاقوا الكثير من سوء المعاملة والعنصرية حتى نجحت الصهيونية في ابتداع مفهوم "معاداة السامية" وبدأت توظفه لتحقيق مصالحها بعدما اتخذت القيادات الصهيونية من مصطلح معاداة السامية ذريعة لفصل الجماعات اليهودية عن المجتمعات المسيحية التي كانت تعيش بينها في أوروبا، وطورت على أساسها الفكرة القومية الموجهة لإنشاء ما يسمى الوطن القومي لليهود.. (وقد نشرت في هذا الشأن هنا مقالاً بعنوان: "حول معاداة السامية والجدل التاريخي بشأنها" 2017).

ومن الملفت أن أغلب المهاجرين من الأوروبيين "البيض" ممن كانوا يعلمون بكراهية من سبقوهم إلى الأراضي الأمريكية لهم كانوا يلجؤون إلى تغيير أسمائهم وألقابهم ليداروا بها أصولهم المنبوذة، كما كان يفعل جل اليهود منذ اللحظة الأولى لمغادرتهم السفن القادمة من القارة الأوروبية في مرافئ ولاية نيويورك، وقد نجح أغلبهم في الاندماج والانخراط في المجتمع الجديد بحكم ملامحهم المنتمية للعرق الأبيض.. وبالطبع لم يكن هذا الأمر مجدياً مع الأسيويين والأفارقة وكل من يندرجون تحت قائمة "الملونين" !!

والمشاعر العنصرية لا تزال قوية وحاضرة، ونسمع بشكل يومي تقريباً عن مقتل ذوي الأصول الأفريقية على أيدي رجال الشرطة بسبب سوء المعاملة والقسوة والعنف تجاههم.. ولا يزال الإعلام الأمريكي يتحدث عن "باراك أوباما" على أنه أول رئيس "أسود" أو من "الملونين" أو يلمحون بشكل مبطن بتلميحات عنصرية بسبب أسمه الأوسط "حسين".. وكذلك نجدهم عند الحديث عن نائبة الرئيس "جو بايدن"، "كامالا ديفي هاريس"، رغم أن "كامالا" مواطنة أمريكية، إلا أنها متعددة الأعراق، فوالدها جامايكي من أصول أفريقية، ووالدتها أسيوية هندية..  فبرغم كل ادعاءات الحريات والديموقراطية والحقوق والمساواة لا يزال الشعب الأمريكي ينظر إلى "كامالا" أنها امرأة وسوداء وأسيوية وجاميكية وهندية وابنة مهاجرين ملونين رغم أنها مولودة على الأراضي الأمريكية وترعرعت ودرست وعملت في حقول القانون والقضاء وأصبحت عضوة في مجلس الشيوخ عن ولاية كاليفورنيا، وهي متزوجة من أمريكي أبيض "دوغلاس إمهوف".. لكنهم لا يزالون في كل مناسبة يتكلمون عنها على أنها أول أمريكية من أصول أفريقية (أي سوداء)، وأول أمريكية من أصول هندية (أي آسيوية)، بل وأنها أول أمريكية (أي امرأة) تصل لموقعها الحالي كنائب لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية.. قد يبدو وكأنهم يتفاخرون بها، ولكن حقيقة الأمر وعبر الصفات المستخدمة كلما تحدثوا عنها تبين أن هذا الشعب لا يزال يعطي وزناً وقيمة وأهمية للون الإنسان وجنسه وجنسيته وعرقه وأصوله ودينه ومذهبه، ولم ينجحوا بعد رغم كل الادعاءات بالسمو فوق خطوط التفرقة والعنصرية!!

"أيُّها الناسُ إنَّ ربَّكمْ واحِدٌ.. ألا لا فضلَ لِعربِيٍّ على عجَمِيٍّ ولا لِعجَمِيٍّ على عربيٍّ.. ولا لأحمرَ على أسْودَ ولا لأسودَ على أحمرَ.. إلَّا بالتَّقوَى.. إنَّ أكرَمكمْ عند اللهِ أتْقاكُمْ".

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

 

الطيب بيت العلويثيمبيسا فاكود Thembisa Fakude باحث في مركز الجزيرة للدراسات وحاصل على درجة الماجستير في السياسة من جامعة ويتواترسراند في جوهانسبرغ. وهو الرئيس السابق لجمعية المراسلين الأجانب للجنوب الأفريقي، كتب مقاله هذا، المعنون بـ:

 Stop comparing Israel to Apartheid South Africa; it is worse

نشره بتاريخ 42 ماي من هذا العام، على الموقع المعروف

middleeastmonitor.com، نورد ترجمته الحرفية ثم سنحاول التعليق عليه واليكم النص المترجم:

« من الشائع في هذه الأيام، مقارنة العنصرية المؤسساتية الإسرائيلية واحتلالها لفلسطين بنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. إلى حد ما، هذه مقارنة معقولة حتى نقطة معينة. على الرغم من كل الفظائع والوحشية، فإن نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا لم يستخدم مطلقًا الطائرات المقاتلة والمدفعية لقصف الأشخاص المضطهدين الذين يعيشون في البلدات. لقد فعلت إسرائيل ذلك، ولا تزال. بحبيث أصبح الآن شبه روتيني، وبالتالي "مقبول" من المجتمع الدولي، مما يسمح لإسرائيل بالتصرف بحصانة مميزة وتشجيع على التمادي في ذلك، إنه حقيقة أمر غريب .

ووفقًا لوزيرالإسكان والأشغال العامة في غزة ناجي سرحان، دمرت إسرائيل 1800 وحدة سكنية بالكامل في هجومها الأخير على المدنيين في المنطقة المحاصرة، بما في ذلك خمسة مبانٍ شاهقة في وسط مدينة غزة، وهي منطقة مكتظة بالسكان. وتضرر ما يقرب من 17000 منزل آخر بشكل جزئي، كما تم تشريد أكثر من 120.000 فلسطيني قسراً من منازلهم !.

تم استهداف البنية التحتية المدنية عمدا من قبل إسرائيل.حيث تم تدميرما يزيد عن سبعين مبنى حكوميًا، بما في ذلك مقر الشرطة ومرافق الخدمة العامة الأخرى. تضررما لا يقل عن 66 مدرسة من جراء القصف الإسرائيلي ؛ ثلاثة مساجد دمرت بالكامل؛ كما تضرر 40 مسجدًا وكنيسة !.

لم يُحذّرالإسرائيليون سكان غزة من الضربات الوشيكة، تاركين المرضى وكبارالسن دون وقت لإخلاء منازلهم.

ذكرت صحيفة نيويورك تايمزأن غارة جوية إسرائيلية على مبنى سكني في دير البلح مساء الأربعاء الماضي قتلت زوجين وابنتهما البالغة من العمرعامين، وأصابت آخرين. كانت المرأة المقتولة حاملًا وكان زوجها مُعاقًا.ويتساءل المرؤ كيف شكل هؤلاء تهديدًا لدولة إسرائيل الأقوى عتادا من بين الدول الغربية الكبرى، و الحائزة على الأسلحة الفتاكة والنووية؟

حدث هذا التدمير للأرواح والممتلكات في غضون 11 يومًا فقط من القصف الإسرائيلي المكثف على المدنيين في قطاع غزة و لقد انتهوا - في الوقت الحالي بوقف إطلاق النار)عند كتابة هذه السطور-المترجم( الذي دخل حيز التنفيذ في الساعة 2 صباحًا يوم الجمعة الماضي .

يسعى معظم النشطاء والمعلقون الفلسطينيون تجنب قول أو فعل أي شيء يمكن أن يؤدي إلى اتهامات بمعاداة السامية العنصرية بكل أشكالها البغيضة من طرف الغرب، والفلسطينيون كانوا محقون في فعل ذلك. وبالرغم من ذلك، غالبًا ما يكون من الصعب العثور على المصطلحات الصحيحة لوصف وتعريف الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وبالرغم من ذلك فإن بعض نتائج هذا البحث عن معجم مناسب، سخيفة لدرجة أنها قد تؤدي إلى تعريض النضال الفلسطيني للتحرر من الاحتلال الإسرائيلي للخطروالتضييق من طرف الغربيين !!

لقد شاهدت مؤخرًا نقاشًا حول ما إذا كان من المناسب تسمية حكومة إسرائيل بـ "النظام". كان من المدهش عدد الأشخاص الكبير في اليسار الغربي السياسي الذين عارضوا استخدام هذا المصطلح. يعرّف أحد القواميس مصطلح "نظام" على أنه "حكومة، ولا سيما حكومة سلطوية". يبدو لي أن هذا ينطبق تمامًا على إسرائيل حيث يستهدف القادة السياسيون والعسكريون النساء والأطفال والمعاقين والمسنين بقنابلهم وصواريخهم. ليس مرة واحدة، ولا مرتين، بل عدة مرات على مدار 11 يومًا و 11 ليلة !!

إسرائيل كدولة ديمقراطية ذات نظام حكم شديد الوحشية. لاتتنكر لهمجيتها، فهي لا تُظهر ازدراءً صريحًا للقانون الدولي فحسب، بل إنها تتباهى بأنها تفرض أيضًا احتلالًا عسكريًا ديكتانوريا على الفلسطينيين وتستعرض قدراتها على ترهيبهم.) وكأنها تظهر مدي*حرفيتها، وأمانتها في تنفيذ *مأموريتها* التي أنيطت بها من *النخب السياسية الغربية* - المترجم).

تجمع هذه الدولة بين الفاشية والعنصرية اليميني الراديكالي، والفصل العنصري والتفوق العرقي في طريقة نظامها.

إني أتفهم تمامًا الأساس المنطقي وراء وصف إسرائيل كدولة فصل عنصري، حقًا. من المنطقي تمامًا بالنسبة لمعظم الناس مقارنة النظام الإسرائيلي بأسوأ ما كان موجودًا سياسيا في القرن الماضي في جنوب إفريقيا !

ومع ذلك، فإن مثل هذه المقارنة تقلل في الواقع من خطورة القسوة التي تواصل إسرائيل إلحاقها بالفلسطينيين، وهو أمرغير مسبوق في التاريخ . لذلك يجب على الأشخاص العقلاء في جميع أنحاء العالم البحث عن وصف آخرذي صلة بما يجري حاليا في فلسطين المحتلة. وذاك أمرفي غاية الأهمية،عندما يتم مناقشة القضية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حيث إن وجود حاجز حق النقض من قبل مؤيدي إسرائيل الذين الذين يرفضون طرح أسئلة* التمييز العنصري* في واشنطن وباريس ولندن . بمعنى أنه بالنسبة لهذه الدول فإن الحجج المطروحة من الدول المناهضة لإسرائيل لا تكفي. وبالتالي فإن قرارات مجلس الأمن تعتمد أكثر على من يدعمك ومما يمكنك إثباته--)بمعنى الدوران الأهبل في جدل سفسطائي و في حلقة مفرغة حول المصطلح في علوم المصطلحات الفلسفية والإجتماعية والسياسية بغية تذويب القضية الفلسطينية بكاملها مثل مصطلح الإرهاب-المترجم. !!(وفي الختام دائما، فإن المجلس يدعم بإستمرارإسرائيل.

لذلك قد تكون هناك خلافات حول ما إذا كانت إسرائيل هي نظام أم لا !. فإذا كانت نظاما، فإن التعريف اللائق بها،وبكل إختصارهو تعريف الفصل العنصري) – إلى أن نجد ربما مستقبلا مصطلحا بديلا في العلوم الإنسانية -المترجم).

إنتهي المقال !!!

الكاتب هو من جنوب إفريقيا وحسب سنه الحالي فهو قد عاني في طفولته وشبابه من الأبارتايد في بلده . غير أنه لا يرى أن مصطلحات مثل التمييز العنصري أو الفصل العنصري مفردات لا تفي كلية بما يعامل به الفلسطينيون في بلدهم، بل هي أكثرمن ذلك، بمعنى أكثر فظاظة وهمجية.

ومن هذا المنظور،فلن يجيبك أي يهودي علماني أو متدين،- لو حاورت كليهما- حول التأريخ الدقيق للصهيونية، وحول العوامل التي أدت إلى قيام *دولة إسرائيل*. وما هي المسارات التاريخية الروحية والسياسية لنشأة الصهيونية المخولة لتأسيس* الدولة العبرية* ! فستجد أن كلي الإثنين لن يعطياك تأريخا محددا أو تعريفا دقيقا لمصطلح الصهيونية التي عمرها فقط حوالي قرن. !?

الإثنان : اليهودي المتدين واللا ديني، سيتخبطان في السرد والتبرير بلا دليل تاريخي قاطع، أومسوغ إيديولوجي -سياسي مقنع، سوى إجترا الحنين إلى تل صهيون بأورشاليم كحلم مرضي،! رافق اليهود في شتاتهم منذ أكثر من ألفي عام. !

هرتزل المؤسس للصهيونية نفسه لا يعرف الإجابة، !! ولم يعط إي تفسير *عقلاني- أكاديمي* لمسوغات الصهيونية التي إستنبت الفكرة من الفراغ ! ودعمها بالترهات والأراجيف إلى إن أصبحت من المسلمات !، وبالتالي فلم يحاوره أويناقشه زمنها-للغرابة- أي مفكر غربي في أزمنة القرن التاسع عشر الذي كان *القرن الغربي* بإمتياز: وكان عصر الأنوارو الفلسفة والعقلانية،

- فإذا كانت الصهيونية السياسية فكرة عمرها أقل من قرن من الزمان، ومؤسسة على هلوسات جماعية لتقاليد شفوية، وحكاوى خرافية- لا سند لها سوي العهدين: القديم والجديد، رافقت اليهود طيلة رحلاتهم وإنتشارهم و وتواجدهم في مناطق من العالم، فكيف إذن يمكن للغرب *العقلاني: الأنواري التنويري، والتشكيكي الديكارتي، والتفلسفي الكانطي- الهيغلي * أن يفرض على العالم أطروحات الصهيونية الخرافية، كفكرة * *عقلانية- متجانسة*، وإن كان هذا الطرح في عمقه:*عقدي لاهوتي -خرافي*، مؤسس كله على طرح* صهيونية تيودور هرتزل.*؟

والإجابة هي أنه منذ البداية،كان في أوساط الأقليات اليهودية في أواخر القرن التاسع عشررأيان متعارضان عن اليهودية و الصهيونية،أحدهما )لاهوتي – عقدي خرافي(، والآخر محض )إيديولوجي- سياسي(، فاختارهرتزل أن يكون الطرح سياسيًا !.

كان هرتزل يهوديًا مندمجًا في مجتمعه الغربي، لا يعرف العبرية ولا الدين اليهودي ولا شيء عن التاريخ اليهودي-كما ذكر ذلك في مذكراته- !.وهنا تكمن عبقريته أويتجلى إستهبال النخب الغربية للبشرية،أوالتواطؤ الغربي السافر ضد الشعوب الآخري !

وبالنسبة لهرتزل، كان الأمر بسيطًاعبر عنه بكلمة مشهورة كاذبة تمامًا وهي: "مشكلة الصهيونية هي مشكلة وسائل النقل: هناك شعب بلا أرض وأرض بلا شعب. "لذلك كان علينا فقط أن نركب قوارب لنقل الناس إلى المنطقة وتم حل المشكلة! هكذا !!

نعم، لقد كان تدليسا عجيبا و تبسيطًا رائعًا وخدعة محبوكة وفكرة محكمة الصنعة والإبداع والديباجة، مثل عرض إشهار سلعة جديدة، لا تخاطب العقل بل تحرك فقط الحواس والغرائز المكبوتة. إنها عبقرية خبراء الإشهار والبروباغاندا الذين يجعلونك *تبلع* فكرة أن شرب مشروب ما أو تناول وجبة ما أو إستخدام آلة ما، تجلك تمشي على الماء أو تطير في السماء. !!

لو كان هرتزل قد استوعب المشكلة اليهودية بكل تعقيداتها، لما كتب عن *الدولة اليهودية* !.ولكنه بسبب جهله للعقيدة اليهودية وفقهها *التلمودي* وسيرة التوراة المزيفة،سمح لنفسه كجاهل ومحتال، بنشر الأكاذيب المزدوجة: أولاً، لم تكن فلسطين دولة بلا شعب، حيث يعيش فيها مئات الآلاف من عرب حضارات بلاد الرافدين والهلال الخصيب ؛ ثانياً، لم يكن اليهود شعباً بلا أرض، لأن اليهود المندمجين داخل فلسطين القديمة كانوا فرنسيين جيدين، أو ألماناً جيدين، أو إنجليزاً جيدين، إلخ. 

واليوم،فمهماحاول المرء التجرد والتنقيب في المعاجم الغربية لإيجاد مصطلح مناسب للصهيونية والكيان الصهيوني ما عدا أنها الدولة الإجرامية والرعب على الأرض:

إسرائيل هي كيان تم تشكيله على هرطقات سجع كهنة التوراة المزيفة وإستساغها *العقل الغربي– التنويري العلماني– الحداثي* بدون تساؤلات تشكيكات الديكارتية، أو تفلسفات الهيغلية-الكانطية

هي*دولة* دكتاتورية للإبادة الجماعية، إستقت معينها ونموذجها من الإبادة المقدسة للسكان الأصليين في القارة الأمريكية من طرف البيض البيوريتانيين من المهاجرين الأوروبيين إلى القارة الأمريكية .

هي *الدولة* الوحيدة المستعمِرة في التاريخ التي تستخدم التعذيب اليومي للمحتلين دون أي حقوق

معترف بها من الغرب * الديموقراطي- الإنسانوي * !!.

حتى كلمة نظام سياسي في القواميس، تشير إلى نوع من تنظيم السلطة في الدولة: بمعنى نظام ديمقراطي، أو ثيوقراطي،أو شيوعي استبدادي !، وفي حالة الكيان الصهيوني فسترهق نفسك في البحث عن المصطلح المناسب الذي لن تجده !

فإسرائيل كيان هلامي مطاطي غريب لا مفهوم له في العلوم السياسية، وليس بدولة بمفهوم الدولة المدنية الحديثة- !!

، فهونظام لا يعترف إلا بحقوق الإقلية اليهودية، وحتى المسيحية التي هي ديانة الغرب في مقصية والمسيحيون في فلسطين مضطهدون مثلهم مثل المسلمين: وتلك حالة خاصة جدًا في التاريخ كله وفي العلوم السياسية الحديثة. كما أنه من غيرالمفهوم أيضا للشعوب الغربية التي خرجت للتظاهر ضد هذا الكيان المحتل: التي تتساءل عن التساهل الدولي المفرط تجاه هذا الكيان، كأمر مبهم وغير مسبوق وشاذ وغريب في التاريخ أيضا. !!!???

 

د. الطيب بيتي

 

 

عبد الحسين شعبانأثارت أحداث حي الجرّاح في القدس وما أعقبها من اندلاع صراع مسلح أودى بحياة ما يزيد عن 280 شهيداً فلسطينيًا ونحو 1500 جريحاً الجدل القانوني والسياسي حول ما المقصود بالإرهاب الدولي، علماً بأن هذا الموضوع شغل العديد من المحافل والمؤتمرات الدولية وعلى مدى عقود من الزمان، والسبب ليس في صعوبة التوصّل إلى إيجاد تعريف من جانب الخبراء القانونيين والسياسيين والدبلوماسيين، بل يعود إلى اختلاف مصالح الدول والجهات والقوى وتعارض إيديولوجياتها.

وفي الكثير من الأحيان يختلط مفهوم "الإرهاب الدولي" بمفاهيم أخرى لاعتبارات سياسية وتبعاً للجهة المستفيدة منها، فالقوى المتنفّذة في العلاقات الدولية تحاول تكييف بعض قواعد القانون الدولي لصالحها، إلى درجة أنها تعتبر بعض حركات التحرّر الوطني التي تناضل من أجل حق شعوبها في تقرير المصير ونيل الاستقلال "قوى إرهابية"، متنكّرةً لمضمون المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة الخاصة بالدفاع عن النفس.

رصد الباحث أليكس شميد في كتابه "الإرهاب السياسي" وجود ما يزيد عن 100 تعريفاً "معتمداً" لمصطلح الإرهاب، وحسب المفكر الأميركي "نعوم تشومسكي" فالإرهاب يعني محاولة لإخضاع أو قسر السكان المدنيين أو حكومة ما عن طريق الاغتيال أو الخطف أو أعمال العنف بهدف تحقيق أغراض سياسية، سواء كان الإرهاب فرديّاً أم تمارسه مجموعات أم دولة، وهو الإرهاب الأكثر خطورة.

ولأن تعريف الإرهاب مهمّاً لجهة التأطير القانوني، فإن الدول الكبرى والنافذة لا تريد الوصول إلى تعريف جامع مانع كما يُقال، لأن ذلك يحول دون استخداماتها لأشكال مختلفة من العنف قد ترتقي إلى الإرهاب، ولهذا السبب فهي تسعى إلى إبقاء التعريف عائماً وغير محدد، مع العلم أنّ مضمونه وجوهره ينطبق على توصيفه.

وقد عبّر المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد عن رفضه التلميحات التي تريد ربط الإسلام بالإرهاب، بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 الإرهابية الإجرامية، وهو أمر يحتاج إلى فهم عقلانيّ للموقف من العنف في جميع الأديان والأمم والبلدان واستخداماته السياسية... فليس دمغ الآخر بالشيطانية سبباً كافياً للكشف عن جذور الإرهاب وفي عزل الإرهابيين أو ردعهم أو إبطال عملهم.

وعلى الرغم من غياب تعريف للإرهاب، وتمييزه عن أعمال العنف "المشروعة" المنسجمة مع قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فإن قواعد القانون الإنساني الدولي تحظر معظم الأفعال المرتكبة في النزاعات المسلحة المتّسمة بسمة الإرهاب. ولا بدّ من التمييز بين المدنيين والمحاربين، مثلما ينبغي حماية الأعيان المدنية وتفريقها عن الأهداف العسكرية، وكذلك حظر الهجمات المتعمّدة أو المباشرة أو العشوائية، إضافة إلى استخدام "الدروع البشرية" وأخذ الرهائن، حيث تنصّ المادة 33 من اتفاقيات جنيف الرابعة لعام 1949 على حظر العقوبات الجماعية وجميع تدابير التهديد أو الإرهاب، وتحظر المادة 4 من البروتوكول الإضافي الأعمال العدوانية، وذلك بهدف حماية الأفراد والسكان المدنيين من العقوبات الجماعية، كما يحظر بروتوكولا جنيف الأول والثاني لعام 1977: أعمال العنف أو التهديد الرامية أساساً إلى بثّ الذعر بين السكان المدنيين، مثل القتل والقنص وشنّ الهجمات وغيرها.

ومع أنّ هناك نقصاً في القواعد القانونية فيما يتعلّق بأوقات السلم إلّا أنّ هذه الأعمال تخضع للقوانين الوطنية مثلما تخضع لقواعد القانون الدولي، وخصوصاً للشرعة الدولية لحقوق الإنسان بغضّ النظر عن دوافع مرتكبيها، وبإمكان الدول اتخاذ تدابير عديدة لمنع أو قمع الأعمال الإرهابية عن طريق الجهد الإستخباري وتعاون الشرطة والقضاء وتسليم المجرمين والعقوبات الجنائية والتدقيقات المالية وتجميد الأصول والضغوط الدبلوماسية والاقتصادية فيما يتعلّق بالدول المتّهمة بمعاونة الإرهابيين المشتبه بهم.

ومثلما أثار مصطلح الإرهاب الدولي جدلاً واسعاً، فإنّ الحرب العالمية عليه زادت من حدّة الاختلاف بشأنه، والمقصود بذلك وصف عدد من التدابير والإجراءات الهادفة إلى مواجهة العمليات الإرهابية ومنعها. والاستشكال يقوم على التفريق بين المصطلح البلاغي والإعلامي والمعنى القانوني والدلالي بشأن النزاع العالمي المسلّح، خصوصاً وأنّ الإرهاب ظاهرة ولا يمكن شنّ حرب ضدّ ظاهرة، وهي حرب ضدّ طرف غير محددّ الهُويّة في نزاع مسلّح، ولذلك فالحرب العالمية على الإرهاب تثير تشوّشاً والتباساً وقد يمكن توظيفها سياسياً، والأدقّ بتقديري، الحديث عن مكافحة الإرهاب بأشكاله المتعددة وأسبابه المختلفة، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية والإثنية وغيرها، بما فيها الإحتلال والإلحاق والضم.

وإذا كانت أدبيّات الأمم المتحدة بشأن الإرهاب لم تعالج النقص في التعريف، الذي بقيَ ضبابيّاَ، فإن مهمة مكافحة الإرهاب وملاحقة الإرهابيين أصبحت أكثر تعقيداً بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر، وخصوصاً بعد النشاط المحموم الذي قامت به تنظيمات القاعدة وداعش وأخواتهما، التي زادت المسألة التباساً، ففي حين تركّز بعض القوى السائدة على الإرهاب الفردي وأعمال الانتهاك التي تقوم بها مجاميع إرهابية، فإنها تغض النظر عن إرهاب حكومات أو دول، مثلما حصل في الحرب على غزّة التي دامت أحد عشر يوماً.

 

عبد الحسين شعبان

 

ابراهيم أبراشأسئلة تتبادر إلى ذهن الكثيرين وهم يشاهدون المجازر البشعة التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين في قطاع غزة، فبالإضافة إلى الاحتلال والحصار تعرض القطاع لأربع موجات من العدوان العسكري الهمجي: 2009/2008، 2012، 2014، و2021. قما قصة قطاع غزة؟ وأين يكمن سر الحقد والعداء الصهيوني لقطاع غزة وسر صموده ومقاومته؟ ولماذا تستهدف إسرائيل غزة بالخراب والدمار أكثر من المناطق الفلسطينية الأخرى؟ وما الذي يتم تخطيطه لقطاع غزة؟.

لغزة سر وقصة تمتد لأكثر من ثلاثة آلاف عام .

استهلال للموضوع نشير إلى أن مدينة غزة أكبر مدن القطاع الذي تبلغ مساحته 365 كيلومتر مربع أي ما نسبته 1,33  %فقط من مساحة فلسطين. وأكبر مدن فلسطين من حيث الكثافة السكانية، وجاء اسم (قطاع غزة) نسبة إلى مدينة غزة، وهناك مدن وقرى أصغر حجماً وأقل سكاناً بالإضافة إلى 8 مخيمات للاجئين، إلا أنه في قطاع غزة من الصعب الفصل بين المدينة والقرية والمخيم حيث انصهر الجميع في بوتقة الهوية الوطنية الفلسطينية الجامعة التي يشاركهم فيها حوالي 14 مليون فلسطيني.

    بالرغم من أن كل مدن وقرى وربوع فلسطين متساوية من حيث الانتماء والمشاركة في النضال الوطني إلا أن منطقتين استقطبتا الاهتمام المحلي والدولي أكثر من غيرهما وكل منهما تميزت بقرمزيتها وخصوصيتها التاريخية والنضالية: مدينة القدس بما لها من رمزية دينية ولكونها عاصمة دولة فلسطين، كما تزعم إسرائيل إنها عاصمتها الأبدية، وقطاع غزة لرمزيته الوطنية ولما شهده من أحداث وحالات عدوان لم تشهد مثيلاً لها بقية مناطق فلسطين. كان الموقف مما يجري في هاتين المنطقتين بمثابة ترمومتر يؤشر على سخونة الأحداث أو هدوئها، كما كان الموقف العربي والدولي مما يجري في هاتين المنطقتين يُقاس عليه للحكم على مسار القضية الفلسطينية بشكل عام .

تعتبر مدينة غزة ثاني أكبر مدن فلسطين بعد مدينة القدس حيث تُذكر غزة في أقدم الوثائق التاريخية الفرعونية التي تعود لأكثر من ثلاثة آلاف عام ، ولا ينفصل صمود غزة وتاريخها النضالي المعاصر عن تاريخها القديم في مواجهة الغزو العبراني الأول، حيث جاء في أحد الكتب الدينية اليهودية وهو (سفر الملوك الأول) الذي يعود لعهد سليمان كما يزعم الصهاينة : إن حدود مملكة اليهود تنتهي عند حدود مدينة غزة التي لم تدخل أبداً ضمن مملكة اليهود، وظلت بعد ذلك ملكاً للفلسطينيين (الملوك الأول 4 : 24) ومنذ ذلك التاريخ وغزة ملعونة عند اليهود.

لن نخوض كثيراً في النص أعلاه، ولكن مع افتراض صحته فهو يؤكد على لسان اليهود أنفسهم على حقيقتين: الأولى أنه عندما جاء العبرانيون إلى فلسطين وجدوا فيها الشعب الفلسطيني وهذا يفند كل مزاعمهم بعدم وجود شعب يسمى الشعب الفلسطيني، والثانية أن لغزة تاريخ نضالي يمتد من العصور القديمة ولم يتوقف.

غزة تلك المنطقة الصغيرة من جنوب فلسطين والفقيرة بمواردها الطبيعية وشبه الصحراوية، لم تتميز فقط من خلال تاريخها ودورها النضالي بعد الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 – كانت آنذاك تحت الحكم الإداري المصري -  بل كان دورها النضالي قبل الاحتلال لا يقل أهمية عن دورها بعد الاحتلال. فقطاع غزة حافظ على الهوية الفلسطينية بعد النكبة وفي سنوات التيه والضياع بعد أن فرضت إسرائيل جنسيتها وقوانينها على فلسطينيي الخط الأخضر، ومنح الأردن جنسيته وقوانينه لفلسطينيي الضفتين، فيما كان فلسطينيو الشتات يعيشون أوضاعاً صعبة .

خلال سنوات التيه والضياع استمر فلسطينيو القطاع في حمل راية الهوية الوطنية والحفاظ على الشخصية الوطنية، وخصوصاً أنه بعد حرب 1948 تغيرت التركيبة الجغرافية والسكانية، حيث رسمت اتفاقية الهدنة – اتفاقية رودس 1949 بين مصر وإسرائيل -  الحدود الحالية لقطاع غزة. قطاع غزة الذي كان تعداده حوالي (80000) ثمانين ألف استقبل مع حرب 48 حوالي (200000) مائتي ألف من لاجئي النكبة، مما غير من تركيبته الديمغرافية والسسيولوجية، وأصبح ثلاثة أرباع القطاع اليوم من اللاجئين الذين كانت الغربة وحياة اللجوء دافعاً قوياً عندهم لرفض واقع اللجوء وإصرارهم على النضال من أجل العودة لأراضيهم التي هُجروا منها عنوة، ولاجئو القطاع جسدوا وعبروا عن خصوصية كل قرية ومدينة فلسطينية بملابسها ولهجاتها ومأكولاتها وتجاربها النضالية وذاكرتها التاريخية .

في قطاع غزة تشكلت أولى خلايا المقاومة الوطنية منذ خمسينيات القرن الماضي وأبناء القطاع رفدوا الثورة الفلسطينية عندما كانت القيادة في الخارج بخيرة القيادات والمقاتلين ، ومن قطاع غزة انطلقت شعلة الانتفاضة الأولى  1987 ، وقطاع غزة احتضن اللبنات الأولى لمؤسسات السلطة الوطنية التي كان يؤمَل منها تجسيد حلم الدولة ولو في إطار تسوية مشكوك بنجاحها، فكان المطار ومقر الرئاسة (المنتدى) ومقرات وزارية والمجلس التشريعي والبدء بمشروع ميناء غزة، بالإضافة إلى الممثليات الأجنبية ومشاريع تنموية واعدة الخ، كما انطلقت منها الانتفاضة الثانية 2000.

إن كانت غزة بالنسبة إلى الفلسطينيين تمثل جنوب فلسطين أو منطقة من فلسطين يحبونها كما يحبون فلسطين، فإنها بالنسبة لأهل غزة تمثل مسقط الرأس أو الوطن الصغير وخصوصاً بالنسبة لمن لم ير أية منطقة أخرى من فلسطين. ولكن وطن الذاكرة أو وطن مسقط الرأس مجرد إثبات مكان مولد أو ذكريات جميلة عن مرحلة الطفولة والمراهقة، إنه حب اضافي لفلسطين الوطن الكبير، كما هو الحال لحب ابن الخليل لمدينته وحب ابن القدس لمدينته وابن يافا لمدينته الخ.

لكن لا يمكن لمسقط الرأس أن يشكل وطناً ودولة، ولا يمكن لأي منطقة تتميز بدور أو بخصوصية  نضالية أن تشكل دولة أو كياناً خاصاً، فلكل مدينة في فلسطين تاريخها النضالي وبطولاتها المُشرفة، ومقابر شهداء فلسطين في الأردن وسوريا ولبنان والضفة الغربية لا تميز بين شهداء مدينة ومدينة ، فالشهداء قضوا في سبيل الله والوطن وليس دفاعاً عن مدينة بعينها، وزنازين الاحتلال لا تميز بين معتقل من غزة وآخر من الضفة .

صمود وتضحيات أهل غزة ومقاومتهم للاحتلال وللحصار ولكل الموجات الأربعة للعدوان يعبر ويعكس صمود ونضال كل الشعب الفلسطيني . كل الشعب الفلسطيني تصدى للعدوان وعانى من العدوان . دافع وضحى في هذه الحرب أبناء غزة الأصليون، أحفاد شعب غزة الذي واجه الغزو العبري قبل ثلاثة آلاف عام قاتلوا ودافعوا عن مدينتهم في : الشجاعية، التفاح، بيت حانون، بيت لاهيا، جباليا، خانيونس، ورفح . دافع وضحى في غزة أبناء وأحفاد أهالي:  يافا، حيفا، اللد، الرملة، المجدل، الجورة، حمامه، زرنوقه، عاقر ، دير سنيد، دمرة، سمسم، هربيا، بيت جرجا، السبع، صفد، يبنا، بيت دراس، المغار ، الفالوجا، صرفند، النعاني، المسمية، بيت طيما، الخ ، أبناء وأحفاد الجيل الذي تم تشريده من أرضه ويريدون الانتقام من عدو لم يكتفِ بتهجيرهم من مدنهم وقراهم بل يلاحقهم حتى في أماكن اللجوء، ويرفض حق عودتهم لأراضيهم، وحقهم في دولة مستقلة، ولو على جزء من أرض فلسطين.

لأن غزة كل هذا الماضي والحاضر، ولأن غزة أيضا الواجهة البحرية الوحيدة للدولة الفلسطينية في حالة قيامها ، ووجود نفط وغاز في مياهها، ولأن في غزة فصائل مقاومة مسلحة طورت قدراتها الصاروخية لتضع كل مدن فلسطيني المحتلة في مرمى نيرانها، ولأن غزة تأبى أن تنفصل عن الكل الفلسطيني ولبت نداء الواجب عندما استنجد بها أهلنا في القدس، ولأن الكيان الصهيوني يخطط لفصل غزة عن بقية أراضي الدولة الفلسطينية، ولأن هذا الكيان يريد لغزة ومشاكلها أن تبعد الأنظار عن ساحة المعركة الرئيسية في الضفة والقدس... لكل ذلك يحقد عليها العدو الصهيوني ويستهدفها بموجات متعاقبة كل بضعة سنين حتى يدمر كل ما تم بنائه والأهم بالنسبة له تدمير صمود وكرامة وأنفة أهل غزة.

 إلا أن غزة  ستبقى عصية على الانكسار والخضوع، وستستمر غزة حاضنة الوطنية الفلسطينية وجزء من الدولة الفلسطينية التي ستقوم لا محالة. إذا ما تم نزع غزة من سياقها الوطني البشري والجغرافي، كما تسعى إسرائيل وأطراف أخرى، ستفقد كينونتها وتميزها وسر صمودها ومقاومتها . حمى الله فلسطين وكل الفلسطينيين وحمى غزة من الإجرام الصهيوني ومن كل أصحاب الأجندات الخارجية الذين يسعون لنزع غزة من سياقها الوطني وإقامة كيان مسخ فيها.

 

إبراهيم أبراش

 

 

مهدي الصافيالعراق وايران

عالم المتناقضات في البلاد العربية او الاسلامية يفتح للناس متاهات شعبية متعددة، تأخذه فيها واليها وهج مظاهر الصور والشعارات الحقيقية او المصطنعة، فتغيب عنهم ماهية الدوافع والنوايا المنتظرة من هذا السحر المركب، الذي قد يجر مشاعر وعقول البسطاء احيانا الى التهلكة او التيه، وهي من اكثر الاشياء او القضايا او المعتقدات او الافكار غموضا على وجه الارض (السياسة والدين)، مناطق معتمة وفي الافرع البعيدة انوار الهية او طبيعية ناصعة، خلق الانسان والحياة بين هذه العوالم، وترك يصارع الطوفان بعقله وعلمه، هناك حقائق نسبية، واكاذيب مطلقة...

السياسة، والدين، والمذاهب، والاثنيات، والايديولوجيات المستوردة، ونظريات الحكم والتراث، دخلت في طاحونة التجارب، فلم تنتج غير المعاناة والتخلف والتوقف عن اللحاق بالركب الحضاري العالمي، فمع شغف العيش، وصعوبات الحياة، وعدم وجود استقرار او ازدهار اقتصادي ملموس، هبط المستوى التربوي او التعليمي في معظم البلدان العربية، وازداد الفقر، وتكدست البطالة فوق ارصفة الاسواق الشعبية، وانتشرت العشوائيات مع تزايد نسبة السكان، لاوجود للبرامج والخطط التنموية، انما زيادة في الفشل والفساد المالي والاداري ونهب للمال العام وعمليات غسيل الاموال، وهجرة العقول والكفاءات، الخ.

اختيار النموذج العراقي الايراني لشرح او توضيح ظاهرة المثلث المقدس، ليس لان بقية النماذج في المنطقة هي مثالية او تمتلك شيء من المقبولية، على العكس تماما هي تجارب سياسية فاشلة لاتستحق الوقوف عندها (الخليج العربي-دول شمال افريقيا العربي)، ولكن في هاتين الدولتين امتزجت بشكل وثيق وكبير العلاقية بين السياسة والدين، بتجربة ديمقراطية بدائية مشوهة، ولهذا هي تجربة جديرة بالتحليل والمناقشة والاستنتاج..

ان تجربة الثورة الاسلامية في ايران عام 1979، وتجربة حزب البعث عام1968-1979، كانت فيها لعبة المظاهر والدوافع والنوايا (المثلث المقدس للدين والوطن) في قمة اداءها وعطاءها الفني

 (الخدعة الكبرى، نقصد بالفني هو ان الانسان عندما يطرح نظرية او فكر او مفهوم معين يتفنن في صناعة رؤية مثالية ظاهرية احيانا وليست واقعية، توحي للجمهور انها ذات مصداقية وشفافية عالية، حيث يمكن استنتاج الدوافع والنوايا من العنونان الادعاء الاولي لها).....

ايران عمدت الى ضخ ثقافة المدينة الفاضلة، ومقدمات نظرية دولة العدل الالهي (عودة او ظهور الامام المهدي)،

والبعث العراقي ينشر ثقافة القومية الوطنية (القطرية)غير المؤمنة فعليا بشعارات الوحدة الاندماجية، على غرارماحصل في التجربة المصرية السورية الفاشلة، وهو من اكثر الانظمة الذي استعمل عبارة الخونة والعملاء المتأمرين او اعداء الوطن (الطابور الخامس)، بينما في الحقيقة كانوا يبحثون عن سبل السيطرة الحديدية على الدولة والشعب، والامساك بالسلطة بأية وسيلة ممكنة،

دماء في الشوارع والسجون (وتصفيات للمعارضين او من يشك بأنهم قد يشكلون تهديدا لبداية العهد الصدامي الجديد)، وتقديم انفسهم على انهم ضد مايسمى بالرجعية والتخلف، وبداية انطلاق عهد الحرية والازدهار والتنمية العامة في البلاد (بعد اعلان تأميم النفط عام 1972)، الخ.

بعد انتصار الثورة في ايران سرعان ما اكتشفت شريحة واسعة من الشعب ان ولاية الفقيه كارثة (تحديدا مع بداية الحرب 1980)، وبدأت تتصاعد اصوات المعارضة (حتى بين اوساط الحوزة والمراجع الايرانية الدينية)،

فهو نظام استبدادي لكنه ديني (نظام سلطة الفرد الواحد)، ولكن السؤال يطرح هنا عن هذا الاكتشاف المتأخر لهذه الورطة، هو هل ان الشعب او النخب كانت تعي خطورة المعايير التي تضبط اضلاع المثلث المقدس (ولاية الفقيه، السياسة، الدين)، وهل كانت اضلاع المثلث العقلي العلمي المنطقي (المظاهر الدوافع النوايا، المظاهر: اي الشكل او النموذج العام للنظام السياسي في الدولة كتطبيق الديمقراطية، الدوافع: سلطة الفرد او ولاية الفقيه وحدودها او الشورى ، النوايا: اقصاء وتهميش الاخرين او الانفتاح والتواصل والعمل معهم) غائبة او مفقودة من قبلها، مما دفع الناس الى السير خلف التصويت الشعبي على اختيار هذا الشكل او النموذج من نظام الحكم،

ليس لانه نظام الحكم المطلق لولي الفقيه، بل لان المظاهر والامنيات والدوافع المعلنة قد لاتتطابق مع الحقائق والنوايا على ارض الواقع...

هذا الامر تماما حصل مع صعود صدام الى السلطة عبرالرئيس البكر، حيث تغاضى قيادات واعضاء الحزب عن تلك الظاهرة القروية العشائرية الجديدة، اذ كان اغلب هؤلاء غارقين في النرجسية الوطنية الفارغة، حتى ظهرت لهم مجزرة قاعة الخلد

 (اغلبهم يذكر انه استدعي للمؤتمر دون ان يعرف عنه شيئا)،

ثم توالت المجازر والحروب والمغامرات الحمقاء والكوارث، بينما كان الشعب (وحتى الشعوب العربية) مبهورة بصورة قائد الضرورة صاحب مسرحية حمل منجل الحصاد ومسحاة الزراعة والبناء، الذي يدخل بيوت الفقراء والاحياء الشعبية، ويقوم بتوزيع الالعاب والهدايا والاجهزة الكهربائية

 (كان جهاز التلفاز بالاسود والابيض عند غالبية ابناء المدن، بينما ظهرصدام عبر الاعلام وهو يوزع اجهزة التلفاز الملونة في القرى)، وبعض المواد الغذائية، وفتح الوكالات العامة والجمعيات في جميع المحافظات (وكانت بالفعل المواد والاجهزة المستوردة على درجة عالية من الجودة)،

في المقابل كانت ماكنة الموت تطحن السياسيين والمفكرين والمثقفين والمبدعين، المعارضين لهذا الاسلوب الهمجي في ادارة الدولة، ولكن شتان بين الصور المصطنعة المضخمة في الشارع عن اهداف هذا العهد الجديد، والمعارضة التي لاتملك غير المفاهيم والكلمات والتحليلات والامنيات المستحيلة، حتى اصبح من الصعب جدا ان تنتقد ذلك النظام او ان تقنع الناس بوحشيته وفساده، فالنوايا الصادقة (لماذا نسبيا :لان الاطراف الاخرى ايضا لديها مظاهر ودوافع ونوايا خاصة، قد تصطدم بطبقات سياسية واجتماعية معينة لو كتب لها ان تحكم البلاد، والبعض يقال ان تجربة الحكم في العراق بعد 2003 نموذج لايختلف عن النماذج الفاشلة السابقة) والادوات العلمية او الاخلاقية لايمكنها ان تسعف مجتمعات القطيع لانتشالهم من اوحال الدكتاتورية...

الشعب الايراني الذي اخذته الحرب مع العراق (وشعارات تصدير الثورة، والعزلة الدولية) بعيدا عن ماكان يرغب ويطمح اليه، بدأت تتزعزع ثقته بجدوى بقاء هكذا نظام سياسي ديني جامد، يحاسب الرجل على نصف كم قميصه، والمرأة على خصلات الشعر القليلة الخارجة من مقدمة حجابها، وهو الشعب الهادئ المحب للتجارة والمال والاعمال والفن والابداع،

فظهرت المعارضة من قمة هرم السلطة، ولكنها جوبهت اما بالاعدام او العزل والابعاد والاقامة الجبرية كما في حالة الشيخ المنتظري (او في قضية بني صدر او مهدي الهاشمي)...

هذا الموضوع المطروح للبحث لايراد منه تشخيص الاخفاقات او النجاحات النسبية في كلتا التجربتين، او يذهب لشرح علاقة الدين بالسياسة او الدولة، وان تظهر في طياته بعض الاشارات، وهي اراء ووجهات نظر شخصية، الا ان الاساس فيه هو التذكير بأن المظاهر العامة او الخاصة لاي حدث او فكر او نهج او تجربة سياسية مطروحة لابد ان ينظر للدوافع والنوايا التي تقف خلفها، بشكل واسلوب وعقلية مجردة منفصلة عنها، حتى يتم التوصل او الاقتراب من القناعة التامة الصحيحة المبنية على اسس وقواعد علمية وعقلية سليمة، حتى يتسنى للناس اتخاذ القرار والخيار او الاتجاه الصائب..

لقد كانت تجربة الحشد الشعبي في العراق بعد فتوى الجهاد الكفائي ناجحة بكل المقاييس والاعتبارات الدينية والوطنية، وادت دورها وواجباتها على اكمل وجه، بعد ان سحق داعش وانهى دولة الخلافة في الموصل، بمساعدة الجيش والقوات الامنية والشعبية الاخرى، وتمنى الكثيرين من الشيعة تحديدا ان يصبح نواة لبناء مؤسسة عسكرية دستورية وطنية رصينة،

قريبة من فكرة الحرس الثوري الايراني الذي كان في مقدمة القوات المقاتلة في الحرب العراقية الايرانية، لكن الطامة والكارثة الكبرى ان هذه التشكيلات الجهادية تصعد فيها اثناء الانشغال بصورة ومظاهر الحرب قيادات انتهازية نفعية (بعضهم يستثمر راية النصر لصناعة صورة اسطورية عن دوره في تلك المعارك)، ترى نفسها بعد استتباب الامن، والاحتفال بالنصر، انها فوق الدولة والشعب والدستور،

ولكن مجرد بقاء هذا التشكيل يحمل اسم الحشد الشعبي يعني انه خارج اطار المؤسسة العسكرية والامنية الدستورية (الاسم وصفته ليس له مادة دستورية، بل يبقى تشكيل شعبي طارئ)، وهذا الامر ينطبق على الحرس الثوري الايراني وقياداته (او مايسمى بالحرس القديم)، الذي لم تعد هناك حاجة لوجوده بعد انتهاء الحرب (1980-1988)، وبالاخص مع الادعاء بأن نظام الدولة ديمقراطي دستوري، خاضع لارادة الشعب واصوات الناخبين، اذا مالحاجة او الضرورة من وجود حرس للثورة ؟

مما تقدم يمكننا تحديد مايمكن ان تفعله المظاهر (الشكل والاطار العام الظاهري للمفاهيم او الافكار او الشعارات او الاعتبارات المصطنعة) الخارجية، فالعمامة واللحية او الزي الديني (والوجه النوراني كما يطلق عليه) لايمكنها ان تكون تعطي صكا للايمان او الثقة المطلقة لصاحبها، او التوسع في الاعتقاد بمفهوم عصمة الاءئمة عند الشيعة (او الصحابة العدول عند السلفية الوهابية فيكون امير الجماعة الارهابية اقرب لهم او ممثل شرعي عنهم)، فينتج البناء الثقافي الفوقي للقناعة الشعبية، عبر استحضار الصور النمطية الشائعة عن العصمة والقداسة واضفاءها او منحها لمن ينطق او يتكلم بأسمهم من المراجع ورجال الدين، وما اكثر الذين يرددون عبارة المقدس والتقديس هذه الايام!

ان علم تحليل الدوافع والنيات لابد ان يتم بناءه بطريقة حساسة ودقيقة وفق الاليات والاسس العلمية والعقلية كما ذكرنا، ولهذا يمكننا ايجاز ذلك في عدة نقاط وفق الامثلة التي تم تناولها اعلاه بشكل مختصر جدا، منها مايلي:

اولا: لا يجوز بناء قناعة تامة وفق الرؤيا الانية للحدث، او اعطاء وابداء الرأي الاخير في القضايا والامور السياسية - الدينية الحساسة دون التثبت والتحقق من النتائج المرجوة منها (تشريع قانون في البرلمان للحشد خطأ كارثي تعاني منه الدولة الان بعد طرد داعش، كان الاولى ان يتم دمجه بالجيش والقوات الامنية بعد انتهاء الحرب، وهكذا ينطبق الامر على الحرس الثوري الايراني)

ثانيا: المثاليات الفكرية والايديولوجيات والنظريات السياسية لاتمتلك قداسة مطلقة امام النقد او الاعتراض (بعد اكثر من اربعة عشر قرن يصر المسلمون على ان الخلافة الراشدة بعد وفاة النبي محمد ص، والدولة الاموية والعباسية والفتوحات الاسلامية حتى العثمانية

هي امثلة ونماذج مثالية صالحة للتطبيق في كل زمان ومكان، بينما هي سبب كوارث العرب والمسلمين، واحد اهم عقابات اللحاق بالركب الحضاري الانساني العالمي)

ثالثا: مسألة تحليل واكتشاف الدوافع والنوايا الصادقة او الكاذبة ليست عملية هينة يمكن لاي شخص ان يبدي رأيه فيها، هي كما قلنا من اختصاص اهل الفكر والثقافة وبناة الوعي، اصحاب التحليل

 والاستنتاج العلمي المبني على معطيات ومقدمات واضحة لايمكن للمظاهر او اية اساليب تضليلية صارخة ان تحجبها عنهم، تختلف عن مايسمى الظاهر والباطن في التحليلات الدينية للمؤمن، انما هي استنتاجات علمية عقلية مسبقة يراد منها الحد من المخاطر والاخطاء والكوارث المحتملة، وفق حسابات رياضية علمية تكون نسبة الخطأ فيها قليلة وغير مؤثرة...

رابعا: السياسة والدين هي من العوامل الرئيسية لنهضة الامم وتطورها، سواء كانت عبر نظرية الفصل او الدمج بينهما، ابعاد القداسة عنها يفتح العقول والاذهان لرؤية الدوافع والنوايا الشخصية للانظمة والحكام والقادة السياسيين او رجال الدين، وبأن يبتعد الناس عن الطرق الفجة والعقيمة في بناء القناعات المنحرفة عن جادة الصواب..

الاندفاع وعفوية او سطحية التفكير والادراك قد لاتكشف لك الدوافع والنوايا الخبيثة المستترة خلف المظاهر الخداعة، التي يمكن ان تجر اقدامك او رقبتك ومن وراءك ابناءك واهلك وشعبك الى التهلكة او مقاصل التصفيات الجسدية....

فالعالم لايمكن ان يدار بالفطرة والنوايا السليمة، انما بما يراه الانسان علميا وعقليا ويحذر منه او يتقي شره، وبمايصلح ان يكون طريقا سليما للنجاة والحياة الامنة المزدهرة المستقرة،

لا ان تقاد الشعوب والامم كالقطيع خلف الصور والخطابات الاعلامية الجوفاء، كما سار او حشر لا اراديا في زاوية جائحة كورونا ولواحقها وتوابعها....

 

مهدي الصافي

 

محمود محمد عليحذرت الخارجية المصرية إثيوبيا من مخاطر كبيرة تتعرض لها دولتا المصب (مصر والسودان) خاصة في فترة الجفاف والجفاف الممتد حال مضي أديس أبابا في ملء وتشغيل سد النهضة قبل التوصل إلي اتفاق قانوني ملزم، معتبرا أن تصرفها غير مسؤول ويعد مخالفاً لأحكام اتفاق إعلان المبادئ الموقع بين الدول الثلاث في مارس من عام 2015م .

وزير الخارجية الإثيوبي جدد التأكيد علي أن الملء الثاني للسد سيتم في موعده خلال موسم الأمطار في يوليو المقبل، مضيفاً أن مصر والسودان تمارسان ضغوطاً علي بلاده غير تدويل وتسيس بالمسائل الفنية المشروعة.

يأتي ذلك في خضم مناورات عسكرية مشتركة بين القوات المصرية والسودانية من السادس والعشرين إلي الحادي والثلاثين من الشهر الحالي، وذلك بالتزامن مع حشد للقوات الإثيوبية في مواقع عدة علي الحدود مع السودان .. فإلي أين يمضي الخلاف بشركاء النيل؟.. وما هي الرسائل التي تحملها المناورات والحشود العسكرية ؟

بالطبع أن مصر ومعها السودان لديهم تخوف من أن يتم تهديد أمنهم المائي، خاصة في ظل التصعيد القائم حالياً من إثيوبيا، وعدم التزامها بالقانون الدولي، وبمحاولات الدول الكبرى، في الوساطة لحل الأزمة، وتوقيع اتفاق ملزم بين الدول الثلاث، يضمن لإثيوبيا حقها في التنمية، وأيضاً يحفظ حقوق دولتي المصب من مياه نهر النيل .

بيد أن الوضع متأزم جداً وذلك لأن إثيوبيا لا تتعاطي مع الدول الأخرى ولا حتي مع النداءات الدولية، وقد اتضح ذلك في اليومين الماضيين، حين أصدرت واشنطن في بيانها بأنها تطالب الدول الثلاث في العودة للمفاوضات، علي أساس إعلان المبادئ التي تلتزم به إثيوبيا من البداية، وأيضا علي مخرجات أو بيان الاتحاد الإفريقي في يوليو الذي طال إثيوبيا مع دولتي المصب بعقد اتفاق ملزم، ومن ثم فإن مناورات "حماة النيل" تؤكد بأن هناك رسائل شديدة اللهجة، ربما تكون عسكرية من مصر إلي الجاني الإثيوبي بأنه لن يتم  المساس بحصة مصر المائية، وأن هناك حلول أخري وخيارات متعددة أمام القاهرة، وليس فقط الخيار التفاوضي والدبلوماسي، خاصة بعد مرور عشر سنوات علي مسار تفاوضي مع إثيوبيا لم يثمن ولن يغني من جوع ، بل بالعكس كانت إثيوبيا تماطل ولم تلتزم بأحد بنود إعلان المبادئ الخاصة بالتعاون والاتفاق علي الملء الأول للسد . والآن تؤكد إثيوبيا بأنها قادمة في الملء الثاني، مما يعرض الأمن املائي لمصر في خطر شديد للجانب السوداني، ومن هنا أن مصر بدأت تدرس خياراتها الأخرى من أجل حفظ أمنها المائي.

والسؤال الآن: إلي أن تمضي هذه الأزمة في ظل ما يمكن الاصطلاح عليه، ربما بحوار الطرشان ؟

وهنا نفول عقد من الزمن والأزمة ما زالت تراوح مكانه أزمة سد النهضة، برغم كل المبادرات، والمساعي، والجهود الإفريقية، والأمريكية، والأوربية، حيث إن هذه الأزمة وصلت إلي أفق مسدود دون أدني شك، وهي أمام ثلاثة سيناريوهات افتراضية:

السيناريو الأول: هو سيناريو سياسي- دبلوماسي، قائم علي دبلوماسية الترغيب، والدبلوماسية الأخوية الناعمة من أجل الوصول إلي حل ما، أو تأخير عملية الملء الثاني، أو عملية بنسب أقل من أجل التوصل إلي اتفاق قانوني ملزم .

السيناريو الثاني: هو السيناريو القانوني – الدولي عبر اللجوء إلي القانون الدولي المتبع في النزاعات المائية، أو إلي محكمة العدل الدولية، أو إلي لجنة دولية تقدم تقريرها من أجل الوصول، إلي إدارة تشاركية ثلاثية، مع احترام حصص مصر والسودان التاريخية .

السيناريو الثالث: وهو سناريو افتراضي، حيث تُقرع له طبول الحرب، وهو سيناريو عسكري، إذ يتم فيه ضرب السد سواء بشكل جزئي أو بشكل كلي حسب التكتيكات والاستراتيجيات التي تخطط لها دولتي المصب.

ولدينا السؤال مهم  وهو: ما هي البدائل أمام القاهرة والخرطوم إذا استثنيا الخيار العسكري؟

من المعروف أن إدارة أبي أحمد تستخدم ملف سد النهضة من أجل معارك سياسية في الداخل، ومن المعروف عن مصر أنها ليست لديها حروب أهلية داخلية، ولا النظام المصري متهم بإبادة عرقية كما يحدث في إقليم" تيجراى" .

مصر استنفذت كل الطرق من أجل الوصول إلي تعاون مثمر يفيد كل دول حوض النيل من سد النهضة، ولكن إثيوبيا مصرة من البداية علي تسييس الملف باعتباره أنه أداة تستطيع من خلالها إدارة أبي أحمد أن تبحث من خلالها عن مجدها المفقود؛ بمعني أن تسيطر علي القرن الإفريقي ودول حوض النيل، من خلال فرض السيطرة السياسية والهيمنة علي دولتي المصب، وعلي دول حوض النيل، وهذا في حقيقة الأمر لا يمكن أن يتم قبوله من مصر تحديداً، ومن ثم فمن المعتقد أن الجاني الإثيوبي يقرأ الداخل المصري فراءة خاطئة، وعليه أن يعيد حساباته، لأن الداخل المصري مع الدولة في أي قرار تتخذه، ولكن الأهم هو الحفاظ علي حصته المائية.

وهنا نعود  إلي سؤالنا حول الخيارات غير العسكرية التي يمكن أن تلجأ إليها كل من مصر والسودان، حيث وجدنا الدولة المصرية قد أيدت مقترح السودان في وساطة دولية من خلال أربع جهات: الاتحاد الأوربي، والولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الإفريقي، والأمم المتحدة، وكل هذا تحت رعاية الاتحاد الإفريقي الذي تتمسك به إثيوبيا والتي تسيطر عليه  سياسياً، وتعلم أن أدواته غير ملزمة لأي طرف من الأطراف، وبالتالي فإن حل الأزمة في يد أثيوبيا التي عليها أن تدرك أن مصر التي أقرت بهزيمتها العسكرية أمام إسرائيل كسبت المعركة السياسية مما مكنها من امتلاك القدرة وانتصرت فى حرب أكتوبر 1973، وأن مصر عندما أقرت بأحقيتها ببناء السد اعتبرتها هي انتصاراً على الأرض لكنها كما إسرائيل خسرت المعركة السياسية أمام العالم ومع امتلاك القدرة العسكرية المصرية فخسارة أثيوبيا لسد النهضة أصبحت تلوح فى الآفق لا يملك التحكم فى توقف ساعتها الرملية إلا أثيوبيا ذاتها

ومن ثم لم يبقي إلا الخيار العسكري ، وهنا نضطر إلي اللجوء إلي سؤال مهم وضروري وهو: هل تستطيع مصر أن تضرب سد النهضة ! أم ستشعل حربا لا طائل منها؟!

وهنا في الميزان العسكري الجيش المصري أقوى من الجيش الأثيوبي تدريبا وتسليحا، لكن مصر قابلها في بداية الأزمة عاملين جعلا من اللجوء للمفاوضات طريقا اضطراريا ليعطي فاصلا زمنيا تحتاجه مصر لترتيب أوضاعها:

أما العامل الأول: هو أن أثيوبيا دولة حبيسه جغرافيا، لا تستطيع مصر أن تشتبك معها مباشرة، أو أن تقوم بقصف سد النهضة إلا إذا تدخل طرف ثاني مساند لها، وهو طرف لن يخرج عن إريتريا التى تردد في بعض الأيام أن مصر تريد قاعدة عسكرية بها، والطرف السوداني وهو الأحق والأقرب جغرافيا وله مصالح في ضرب السد ولكن نظام ” البشير ” كان مراوغا، حتى سقط وجاء النظام الانتقالي بقيادة ” البرهان ” وتلاقت المصالح وأصبح هناك موطئ قدم بجوار السد تنطلق منه العمليات العسكرية

والعامل الثانى: وهو تساؤل عريض، هل تمتلك مصر القدرات العسكرية والتكنولوجية لضرب السد؟، وهو تساؤل أجابت عنه مصر عبر السنوات الماضية، بعقد صفقات تسليح نوعيه أضافت لها نوعيه من الأسلحة جعلت ذراعها أطول، مثل صفقات طائرات الرافال، والميج 29، والسوخوى 35، وتلك طائرات ذات مدى كبير وتحمل ذخائر ذات طبيعة خاصه مثل الصاروخ ” سكالب ” الخاص بضرب التحصينات والسدود، وغيرها من الأسلحة التي إن نقلت إلى جوار السد ستحدث فارقا هائلا، ما كان ليكون لولا التغير النوعي لطبيعة التسليح المصري، أو لربما احتاج الفارق لشكل مختلف من السلاح .

ويبقي سؤال أخير وهو: هل تحسبت القاهرة لسيناريوهات ما بعد انطلاق العمليات العسكرية؟

بعد انطلاق العمليات العسكرية من المؤكد أن الوقوف عند التداعيات وحصر الخسائر بين أطراف الصراع فقط هو ضرب من المستحيل، حيث تحتل منطقة القرن الإفريقي مكانه خاصه فى الاستراتيجيات العسكرية للدول الكبرى، وهو ما ينذر بتدخل دولي ربما يتحول لحرب بين الدول الكبرى خاصة وأن أمريكا مثلا لا تريد للنفوذ الصيني في شرق افريقيا أن يتمدد، وكذلك بالنسبة للنفوذ الروسي،المنطقة تحمل بين جنباتها أكثر من قاعدة عسكرية لدول متعددة، أمريكا وبريطانيا وفرنسا والصين وإسرائيل والإمارات، وبالتالي مع اندلاع الحرب ستتقاطع المصالح ويصبح أمن المنطقة كلها في خطر وخاصة أمن الخليج الهش بطبيعته، ناهيك عن الصراع الداخلي فى دول القرن الأفريقي والتي مرشحه لاندلاع حروب أهليه تنتظر فقط الظروف المناسبة، فوق هذا وذاك سيصبح ضرب سد النهضة سابقة عالمية خطيرة وستدشن أولى الحروب على المياه، وستعطى الذريعة لأكثر من أربعون دوله بين بعضها البعض مشاكل على المياه لتسوية نزاعاتها على الحقوق المائية عن طريق الحرب .

 

أ.د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

................

1- ياسر رافع: مصر والطريق للحرب على ضفاف النيل.. هل هناك تلكؤ من الحكومة؟ مقال منشور بصحيفة رأي اليوم.

2- قناة روسيا: مناورات مصرية سودانية .. تحذير لإثيوبيا؟.. يوتيوب..

 

 

تعتبرانتخابات العاشر من تشرين الاول الفادم الموعودة الجولة الخامسة من  الانتخابات منذ احتلال 2003 حيث جرت الجولة الاولى عام 2006 والمعروف ان مقاطعة اخر انتخابات عام 2018 كانت ينسبة تتجاوز 80% واثبت التحقيقات اللاحقة انها كانت انتخابات مزورة بامتياز وكان ذلك سبب هاما في اندلاع انتفاضة تشرين  الشبابية 2019 لاحقا والسؤال الذي يتم تداوله على نطاق واسع خلال الفترة الاخيرة من قبل شباب الانتفاضة وكذلك من قبل القوى المدنية والديمقراطية التي تطمح لاقامة نظام مدني ديمقراطي حر هو هل نشارك ام نقاطع الانتخابات القادمة ان اجريت بعد اربعة اشهر من الان.

لقد كانت احدى المطالب الرئيسية لانتفاضة تشرين اجراء انتخابات مبكرة الى جانب سلسلة مطالب عادلة اخرى منها اسقاط حكومة الجزار عادل عبد المهدي واضيف اليها مطلب اساسي اخر بعد استشهاد المئات من ابطال الانتفاضة وهو محاكمة القتلة المسئولين عن سفك دماء المئات من الشهداء وجرح الالاف من شباب الانتفاضة ونجحت الانتفاضة في اقالة تلك الحكومة لياتي رئيس الوزراء الجديد من نفس الاصطبل الطائفي وباتفاق الكتل الفاسدة الفاسدة محاولا تسويق نفسه بوعود زائفة كاذبة وبمؤهلات هزيلة وامكانات ضعيفة ولكن قدرة عجيبة على الكذب والضحك على الذقون .

لقد عولت الانتفاضة على اجراء التغيير سلميا عبر انتخابات قريبة على ان تكون نزيهة وعادلة وتوفر الفرصة للجماهير لتعبر عن ارادتها الحقيقية وتحقق التغيير المنشود والتخلص من اكثر الفئات الرثة الفاسدة ان لم يكن جميعها ولكننا نجد اليوم وبعد مرور السنة والنصف على الانتفاضة تمكن القوى والاحزاب المتحكمة بالسلطة من تفصيل الانتخابات القادمة وفق مقاساتها حيث نجحوا في صياغة قانون انتخابات جديد ودوائر انتخابية تضمن مواصلة سيطرتهم وتم تشكيل مفوضية انتخابات غير مستقلة تتمكن من التلاعب بالنتائج كما جرى في المرات السابقة واستمرت العصابات المسلحة والسلاح المنفلت في اغتيال النشطاء في وضح النهار دون اية اجراءات امنية لردعها او اعتقالها اوملاحقتها وادى ذلك الى ان ترفع مظاهرات الخامس والعشرين من ايار الحالي الى شعار من قتلني؟ كما توصل الكثير من المنتفضين الى قناعة راسخة بان المطلوب ليس اصلاح هذه المنظومة الحاكمة بل تغييرها كليا وبشكل سلمي لكن السؤال هل ان التغيير السلمي يعني عبر سناديق الانتخاب فقط ام ينبغي اللجوء لاساليب سلمية اخرى كالعصيان المدني مثلا؟

لقد اصبح واضحا بان الانتخابات القادمة سوف لن تختلف عن الانتخابات السابقة بل انها قد تكون ابشع في التزوير نظرا لاحتدام الصراع كما ان الحكومة لم توفر لحد الان اية مستلزمات حقيقية لاجراء انتحابات نزيهة فلم يتم نزع سلاح المليشيات ولم تنجح في ايقاف مسلسل الاغتيالات او تقديم القتلة للعدالة او منع استخدام المال المسروق في الانتخابات ولم تبقى اية ثقة بوعود الحكومة من قبل جماهير الشعب ويبدو وجود نسية عالية مصممة على مقاطعة انتخابات لا يرجى منها تحقيق اي تغيير.

ان مقاطعة الانتخابات ان تم الاتفاق عليه بين  قوى تشرين والفوى المدنبة والديمقراطية والشخصيات الوطنية والتقدمية ومنظمات المجتمع المدنيي ينبغي ان تستفيد من المقاطعة السلبية التي جرت عام 2018 لتكون المقاطعة هذه المرة مدروسة ومنظمة وهادفة اي انها مقاطعة نشيطة فاعلة بهدف فضح عدم توفر مستلزمات انتخابات ديمقراطية نزيهة اي ان المقاطعة ليست هدفا بحد ذاتها بل وسيلة في فضح انتخابات مزورة لاتمثل ارادة الشعب وتحت تهديد السلاح وكذلك فضح الحكومة المتواطئة مع الاحزاب الطائفية والقومية المصممة على تزوير ارادة الشعب واعادة تشكيل برلمان مسخ بيعد عن تمثيل ارادة الشعب والامل ان يتم تنسيق كامل بين القوى المدنية والديمقراطية لتحديد موقف موحد يهدف لتوعية الجماهير في فضح تزوير ارادتهم واهمية التصدي لذلك وكذلك فضح هذه العملية الهزيلة التي تتكرر كل اربعة سنوات للراي العالمي المحلي والاقليمي والعالمي واهمية استخدام منصات التواصل الاجتماعي منذ الان في فضح النوايا الشريرة للفئات الحاكمة وتصميمها على اعادة تدوير شخوصها حفاضا على مصالحها دون الالتفات لمعاناة الناس وعذاباتهم وغياب حتى الخدمات الضرورية عنهم في الصحة والتعليم والكهرباء والسكن تلك التي توفر ابسط مستلزمات العيش الكريم اضافة الى ارتفاع نسب البطالة والفقر وانتشار الجريمة المنظمة والمخدرات وتخريب قطاعات الانتاج الصناعي والزراعي.

ان من المهم ان يكون هناك تنسيق واتفاق حول عملية المقاطعة لتشمل كل ارجاء العراق وجميع محافظاته لتكون فعالة في كشف زيف ادعاءات الفئات الحاكمة ومحاولتها باضفاء شرعية زائفة على حكمها الاستبدادي عبر عملية الانتخابات المشوهة البعيدة عن تمثيل ارادة الشعب والتي لا تؤمن بالتداول السلمي للسلطة بل هي طائفية شوفينينة مرتهنة بارادة الدول الاجنبية وتنفذ الاجندات المالية الاجنبية المناهضة لتقدم البلد وترهن مستقبل الاجيال القادمة بقروض مجحفة وبعيدة كل البعد عن تمثيل مصلحة العراق او تحقيق رخائه وامنه واستقراره رغم ان الخلاص من هذه الزمر الحاكمة ليس بالامر الهين بل سيتحقق عبر مخاض عسير مليء بالتضحيات من قبل الشعب المبتلى بحكم عفن طائفي جائر

 اهدر ونهب مليارات الدولارات من موارد النفط وحول العراق الى بلد مستهلك يستنزف ايراداته النفطية ويستورد حتى مياه الشرب وفرط بسيادته واستقلال ارادته وطالما ليس من المتوقع ان تكون الانتخابات نزيهة وشفافة فان قرارالمقاطعة الفعالة بهدف نزع الشرعية عن هذا الحكم البغيض قد يكون طريقا تسلكه القوى الوطنية ان وجدته يحقق هدف انتزاع الشرعية عن حكم المحاصصة الطائفي الذي فقد مبررات وجوده منذ فترة طويلة .

 

د. محمد الموسوي