كريم المظفرأدراك السلطات البيلاروسية استحالة إقامة حوار بناء مع بروكسل في ظل الظروف الحالية، جعل أزمة العلاقات بين بيلاروسيا والاتحاد الأوروبي تأخذ تدريجياً منحا جديد، بقرار الحكومة البيلاروسية تغيير تكتيكاتها، واعتماد عدد من الأدوات التي ينبغي أن تجبر المسؤولين الأوروبيين على تغيير موقفهم من النظام السياسي القائم في مينسك، وأصبحت الهجرة غير الشرعية إحدى آليات إجبار الاتحاد الأوروبي على التسوية.

من المعروف أنه بعد الأزمة السياسية التي اجتاحت بيلاروسيا بشأن الانتخابات الرئاسية في أغسطس 2020، رفض الاتحاد الأوروبي الاعتراف بشرعية ألكسندر لوكاشينكو وانحاز إلى خصومه، وخلال مدة عام تقريبًا، فرضت بروكسل بشكل منهجي عقوبات على مينسك، والتي لم تكن تهم السلطات البيلاروسية لفترة طويلة، لأنها لم تؤثر على مجال التعاون الاقتصادي، ومع ذلك، فإن القيود القطاعية التي أُعلن عنها في 25 يونيو الماضي، بما في ذلك العقوبات المفروضة على تكرير النفط وإنتاج البوتاس، غيرت الوضع.

وعرف سلاح تسريح المهاجرين في ربوع الحدود الاوربية واستغلاله كورقة ضغط كبيرة على الاتحاد الأوربي خلال ازمته مع تركيا، والتي نتجت عن قبول الدول الاوربية مئات الالاف من المهاجرين الذين كانوا يتواجدون على الاراضي التركية، وعلى ما يبدو فانه تقرر في العاصمة البيلاروسية أنه إذا لم يتم اتخاذ إجراءات انتقامية، فسيكون من المستحيل وقف المزيد من الضغط على الجمهورية من قبل الغرب، ونتيجة لذلك، أعلنت مينسك بالفعل عن تطوير عقوبات مضادة، كتجميد مشاركتها في المبادرة الأوروبية "الشراكة الشرقية"، وكذلك تعليق التعاون مع الاتحاد الأوروبي بشأن قضية إعادة القبول، بالإضافة إلى ذلك، بدأت بيلاروسيا في تقليص وجودها الدبلوماسي في بعض الدول الأوروبية، ومطالبتهم بفعل الشيء نفسه .

وفي العاصمة البيلاروسية، لم يعودوا يخفون حقيقة أنهم اختاروا الهجرة غير الشرعية كسلاح للرد على السياسة غير الودية لدول الاتحاد الأوروبي، وقبل كل شيء ليتوانيا، وبالعودة إلى أواخر مايو، قال لوكاشينكا، متحدثًا إلى الاتحاد الأوروبي، "لقد أوقفنا المخدرات والمهاجرين - الآن سوف تأكلهم وتقبض عليهم بنفسك"، وفي 6 يوليو، أكد رئيس بيلاروسيا أنه لن يحول بيلاروسيا إلى "مستوطن للاجئين من أفغانستان وإيران والعراق وليبيا وسوريا وتونس" وإبقائهم في البلاد، وهم يذهبون "إلى مستنير، أوروبا الدافئة والمريحة "، وقال إن مينسك ستواصل التعامل مع التحديات الرئيسية على الحدود، ولكن فقط "بالقدر الضروري، يكون ذلك مفيدًا لبلدنا وممكنًا ماليًا"، وفي الوقت نفسه، ألقى باللوم كله على ما يحدث على عاتق الاتحاد الأوروبي، حيث أن الغرب هو الذي دمر اقتصادات الدول التي يأتي منها تدفق اللاجئين.

في الوقت نفسه، تبدو الحرب الدبلوماسية الجارية بين الاتحاد الأوروبي وبيلاروسيا وكأنها جانب غير مهم من الأزمة الحالية، ومن الناحية العملية لا يمكن أن تؤدي إلى أي عواقب وخيمة، ولم تتوقع مينسك أن مثل هذه الخطوات ستجبر الاتحاد الأوروبي على إعادة النظر في موقفه، وبالتالي قررت استخدام أدوات أكثر جدية، على وجه الخصوص، وعد الرئيس ألكسندر لوكاشينكو بالفعل بمنع مرور بعض البضائع الأوروبية عبر أراضي الجمهورية، وبذلك منع الرئيس البيلاروسي الصناعات الاوربية أولاً: من الدخول إلى السوق البيلاروسية، والثانية: عدم مرور هذه البضائع الاوربية عبر بيلاروسيا أيضًا، ودعاهم توريد منتجاتهم إلى الصين وروسيا عبر فنلندا، أو عبر أوكرانيا، هناك طرق جيدة، "دعهم يذهبون ويسلمون هناك ".

و في الواقع، فان بيلاروسيا هي واحدة من البؤر الاستيطانية على حدود الاتحاد الأوروبي، مما يقيد تدفق المخدرات والتهريب والمهاجرين الذين يسافرون إلى أراضي الاتحاد الأوروبي، ووافقت بروكسل على هذا لسنوات عديدة، ليس من قبيل المصادفة أنه خلال فترة الدفء في العلاقات البيلاروسية الأوروبية، خصص الاتحاد الأوروبي ملايين اليورو لتحسين حماية حدود بيلاروسيا مع دول البلطيق وبولندا، في المقابل، حاولت مينسك الحفاظ على وضعها كدولة تضمن النظام على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، ومع ذلك، غيرت أزمة عام 2020 موقف بيلاروسيا من هذه المشكلة.

وعلى خلفية رفض العمل في إطار اتفاقية إعادة القبول مع الاتحاد الأوروبي، تشير مثل هذه التصريحات من قبل السلطات البيلاروسية مباشرة إلى أن مشكلة الهجرة ستستخدم من قبلهم كأداة للضغط على الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى ذلك، من المعروف اليوم أن بيلاروسيا زادت الحركة الجوية بشكل كبير مع دول الشرق الأوسط وأفريقيا، وعلى سبيل المثال، إذا كانت هناك رحلة واحدة فقط في الأسبوع من بغداد إلى مينسك في عام 2020، فمنذ مايو من هذا العام، هناك 4 رحلات، وتصل الطائرات القادمة من اسطنبول إلى العاصمة البيلاروسية كل يوم، وليس من قبيل المصادفة أن يقول فيلنيوس إن غالبية المعتقلين على الحدود مع بيلاروسيا هم لاجئون من العراق، يقولون إنهم وصلوا إلى مينسك بتأشيرات سياحية وقرروا دخول الاتحاد الأوروبي بشكل غير قانون، وقال نائب وزير الشؤون الداخلية في ليتوانيا أرنولداس أبرامافيتشيوس، أنه بعد التحدث مع المهاجرين غير الشرعيين، اتضح أنهم كانوا في بيلاروسيا، ثم أُمروا في الساعة X بمغادرة أراضي بيلاروسيا، وأظهروا الطريق إلى ليتوانيا.

ويبدو ان مينسك أوقفت إجراءاتها لكبح تدفق المهاجرين غير الشرعيين إلى الاتحاد الأوروبي، ومنذ بداية الصيف، بدأ حرس الحدود البولنديون والليتوانيون بالإشارة يوميًا إلى أن عدد اللاجئين المحتجزين على حدودهم مع بيلاروسيا قد بدأ في الازدياد، وخلال الشهر الماضي، زاد تدفق المهاجرين بشكل كبير لدرجة أن ليتوانيا بدأت في التقاط 100-150 شخصًا يوميًا، على الرغم من أن عدد المهاجرين الذين تم القبض عليهم على الحدود بلغ 81 شخصًا طوال عام 2020 بأكمله، وانه حتى الآن، تم احتجاز أكثر من 1500 مهاجر غير شرعي رسميًا في ليتوانيا، وحتى تم بناء مخيم لهم، وعلى هذه الخلفية، اتهمت فيلنيوس مينسك ليس فقط بالتواطؤ على الحدود، ولكن أيضًا بحرب مختلطة يزعم أن لوكاشينكا يشنها ضد جمهورية ليتوانيا، وتبين أن السلطات الليتوانية غير مستعدة على الإطلاق لمثل هذا التطور في الأحداث وطلبت المساعدة من الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى ذلك، بدأ اليوم بالفعل بناء سياج على الحدود مع بيلاروسيا، وتم الاعتراف بالمشكلة أيضًا في بروكسل، حيث وعدوا بتمويل ليتوانيا واتهموا أيضًا مسؤول مينسك بمساعدة الهجرة غير الشرعية إلى أراضي الاتحاد الأوروبي.

ويلقى وزير خارجية بيلاروسيا فلاديمير ماكي باللوم على بروكسل فيما يحدث على الحدود، ووفقا له، فإن مينسك مجبرة على إعادة توجيه جزء من الأموال من تدابير لتجهيز وصيانة البنية التحتية الحدودية للتخفيف من العواقب المحتملة للعقوبات التي يفرضها الغرب، وأشار أيضا إلى أن سلطات الجمهورية لن تأخذ أموالا من الناس وتلقي بها في مشاريع غير ضرورية، في محاولة لحماية الغرب "بينما يتم اتخاذ العقوبات المناسبة ضدنا".

وتجبر السياسة الحالية لمينسك الرسمية العديد من المحللين على مقارنة الوضع الحالي بإجراءات السلطات التركية خلال السنوات القليلة الماضية، ففي خضم أزمة الهجرة في 2015-2016، قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، دون أن يختبئ، بابتزاز الاتحاد الأوروبي بمشكلة اللاجئين، الذين تحركوا بحرية عبر الأراضي التركية باتجاه الاتحاد الأوروبي، ثم تمكنت أنقرة من الحصول من بروكسل على عدد من التنازلات والتمويل والوعود بشأن قضية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ومع ذلك، في عام 2020، أعربت تركيا عن استيائها من تصرفات الأوروبيين وأعادت فتح حدودها تجاه الاتحاد الأوروبي للاجئين من سوريا ودول أخرى في الشرق الأوسط، وصحيح، للمرة الثانية، فشلت السلطات التركية في استخدام مشكلة المهاجرين على أكمل وجه، لأنه على خلفية القيود المرتبطة بوباء عدوى فيروس كورونا، أغلقت دول الاتحاد الأوروبي نفسها عن العالم الخارجي، مما جعل من الممكن تقليل عواقب تصرفات تركيا، يمكن توقع نتيجة مماثلة للأحداث في حالة بيلاروسيا.

ليتوانيا باتت محرجة جدا في مواجهة هذا التدفق من اللاجئين، واعتبرت أن التدفقات المنظمة للعبور غير القانوني للحدود للأجانب من بلدان ثالثة تُستخدم لزعزعة استقرار الوضع فيها، وتم الإعراب عن مخاوف من أن هذا العدوان الهجين يمكن أن يتطور ويستخدم ويصبح أساسًا لتهديدات جديدة في السياق من التدريبات العسكرية واسعة النطاق "الغربية، ما جعلها التحرك في جميع الطرق وكيف يصل المهاجرون بمساعدة بيلاروسيا من البلدان التي بدأوا منها رحلتهم، وكيفية وصولهم إلى ليتوانيا، ما دعا وزير الخارجية الليتوانية، غابريليوس لاندسبيرغيس، الى زيارة العراق لهذا الغرض، وكذلك دعوة تركيا إلى تقليص عدد الرحلات الجوية من اسطنبول إلى مينسك، حيث يستخدمها مهاجرون غير شرعيين وشدد على أنه إذا قطعت تركيا الرحلات الجوية إلى بيلاروسيا، فسيكون من الممكن البحث عن آليات تعويض لتغطية خسائر شركات الطيران

إن إجراءات مينسك (الإعلان في عام 2017 عن إمكانية دخول السياح بدون تأشيرة إلى البلاد السماح لمواطني 74 دولة بالقدوم إلى الجمهورية دون تأشيرة للتطعيم ضد فيروس كورونا) لفتح حدودها مع الغرب للمهاجرين غير الشرعيين تتعلق في الغالب فقط بليتوانيا وبولندا، وبالنسبة لبروكسل، يبدو دخول 100-200 لاجئ يوميًا إلى الاتحاد الأوروبي من بيلاروسيا غير مهم على خلفية التدفق القادم من الجنوب، وفي الوقت نفسه، يدرك المسؤولون الأوروبيون أنه ليس من الصعب إجبار ليتوانيا على إبقاء المهاجرين على أراضيها، وقد يصاب الاتحاد الأوروبي أخيرًا بخيبة أمل من قدرة مينسك على التفاوض واتهام السلطات البيلاروسية بمحاولة ابتزاز الإسلاميين ومساعدتهم، وسيؤدي هذا إلى تفاقم موقف القيادة البيلاروسية، وقد تفقد الجمهورية أخيرًا مكانة "جزيرة الاستقرار في أوروبا".

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

موسى فرج15 تموز وهو اليوم التالي للذكرى السنوية لثورة 14 تموز فاجأ السيد مقتدى الصدر الشعب العراقي بانسحابه من الانتخابات المقبلة وتبرؤه ممن يحسبون عليه في هذه الحكومة والحكومة المقبلة فكان وقع المفاجأة على الأوساط الشعبية قريب الشبه بثورة 14 تموز لكنها ثورة على الذات الأمر الذي جعل من نسبة كبيرة من تلك الأوساط غير مصدقة لما سمعت وهو أمر يعود لسببين:

الأول: تكرر قرارات الكر والفر للسيد مقتدى الصدر وكثرة القرارات والتراجع عنها التي بات الشارع العراقي يعرفها ويتعايش معها بنمطية وقلة اهتمام...

الثاني: ان السيد مقتدى في الأسابيع والأشهر الأخيرة أعاد الى الاستخدام مفردة "القحْ" وهي مفردة تتطابق مع مفردة "القًرصْ" عند الشيوعيين وكلاهما تعني: الصميمي والمبدئي والعنيد فذهب ظن البعض من أن السيد يريد اختبار من هم القحْ من أتباعه فيطيعونه في هذا كطاعتهم له في الأمور الأخرى وكشف من هم بياعين الكلام الذين يفتدونه عندما تتطابق قرارته مع طموحاتهم حتى ذهب الغلو عند بعضهم لأن يطلق عليه لقب "الله الزغير" وإن حبهم له "فطري" وطاعتهم له "من الله" لكنهم ينفضون عنه عندما تمس قراراته دنيويتهم...

ما هي أوجه النفع التي يجنيها أتباع السيد مقتدى الصدر من الالتفاف عليه؟

أولا: جانب عقائدي أخروي وجانب دنيوي، أما عن الجانب العقائدي الأخروي فأمر معروف ومفهوم لا ينكره أحد ولا يعترض عليه أحد ولكن الاعتراض كل الاعتراض على الجانب الدنيوي النفعي.

ثانياً: الجانب الدنيوي النفعي وهذا يكون في 3 مستويات:

الأول: السلطة والثروة وهو ما يختص به الفاسدون من شاغلي المناصب الحكومية والبرلمانية من المحسوبين على التيار الصدري وأمرهم واضح ومشخص ليس من قبل الشعب العراقي فحسب بل من قبل السيد مقتدى الصدر نفسه...

الثاني: الفساد وجني السحت من المال العام بفرض الكومشنات والاتاوات والاستيلاء على العقود والمناقصات بشكل مباشر أو غير مباشر وهذا يمارس من قبل فاسدين محسوبين على التيار الصدري وهو أمر معروف ايضاً من قبل الشعب العراقي ومن السيد مقتدى الصدر نفسه...

الثالث: نسبة كبيرة من اتباع السيد مقتدى الصدر لا هم شاغلين لمناصب ووظائف حكومية ولا هم من اصحاب العقود والمناقصات لكن هؤلاء يجنون منفعة معنوية من فرض سطوتهم على المجتمع الناجمة عن الكثرة والبأس... تماما مثل ذلك الشعور الذي يشعر به المنتمي للمكون الشيعي في العراق باعتباره من المكون الأكثر عديداً وبأساً من المكونات الأخرى فرغم الفاقة والحرمان والبطالة والبؤس والحرق أحياء وكل العذاب الذي يواجهه في حياته المعيشية فهو يقنع نفسه بتلك السطوة الخادعة والبائسة على ابناء جلدته من أبناء المكونات الأقل عدداً في ظل غياب الحكم القائم على المواطنة وتسيد نظام حكم المحاصصة والمكوناتية...

ما هي انعكاسات قرار السيد مقتدى الصدر الانسحاب من الانتخابات...؟

1- يفترض أن يتبع ذلك انسحاب كل أتباعه من الترشيح للانتخابات القادمة ومن يخالف ذلك يسقط عنه وصف وتكليف "القحْ" التي أطلقها السيد مقتدى الصدر وفي هذه الحالة فإن التعبير عن الطاعة والولاء من قبل اتباع التيار الصدري يتجلى ويكون بحذف المرشح منهم بالأحذية والجزم لسعيه للدنيوي الذي رفضه قائده اليوم بكل إباء وشمم...

2- السيد عمار الحكيم يحاول جاهداً بلوغ مكانة السيد مقتدى الصدر ويحاول تقليد أفعاله حتى بطلب الشهادة "كما حصل في الأسابيع القليلة الماضية" وهو أيضاً يتكئ على أرث عائلي عريق كما السيد مقتدى وفي هذه الحالة يتوجب عليه الاقتداء به والانسحاب من الانتخابات أيضاً بشخوص اتباعه ايضاً وإلا عد في مكانة أدنى وبوضع لا يحسد عليه وتتم مخاطبته من اليوم صعوداً من قبل العامه بطريقة "العين ما تعلا على الحاجب"...

3- السيد نوري المالكي الذي استعرض مرشحيه للانتخابات قبل أيام في مؤتمر رسمي وحفل اعلامي ضخم ليخوض بهم البحر ويحقق ما لم يحققه الأولون ضارباً عرض الحائط المبدأ الذي صممت عليه الانتخابات القادمة والمتمثل بالترشيح الفردي وما يتبع ذلك من ترويج فردي ودعاية فردية... قائمة المالكي اشبه ببريطانيا العجوز التي غربت عنها الشمس...وحظه وقائمته في الانتخابات لا يشكل خطورة تذكر ...

4- السيد هادي العامري والخزعلي ستكون حصتهما تشكيلات الحشد والفضل كل الفضل في ذلك يعود للعبادي الذي تصاغر أمامهم ولم يدمج أبناء الحشد بتشكيلات القوات المسلحة من جيش وشرطة تنفيذاً لتوجيهات المرجعية الدينية العليا للسيد السيستاني...

5- هذا في محافظات الوسط والجنوب أما في الغربية فنجم زعيم الفساد ابو مازن يزداد سطوعاً يوم بعد آخر وقد بنى مستقبله السياسي بجداره "قبل ايام شاهدت له فيديو وكان يزور أحد أبناء عشائر الحويجة يعاني من اصابة في عموده الفقري وعندما قالوا له: علاجه يكلف 4 دفاتر "يعني 40ألف دولار" قلب شفته لمرافقه وقال له: أنطوهم 5 دفاتر ...في حين ان زملاءه من ساسة الشيعة عندما يعودون مصاباً بالشافعات يدسون بجيبه ورقه ام الـ 25 ألف دينار...!

كلهم فاسدون ولكن فاسد الغربية يخرج والفاسد الشيعي قبيص وعكّه...

أما الحلبوسي فيبدو أن الحظ قد ضحك له أخيراً وفاز بما هو دنيوي وأخروي لكن صيحات شباب الأعظمية المنددة به قبل أيام قد يكتسح كل الأخروي الذي بناه ...

6 - لا تنحصر انعكاسات قرار السيد مقتدى الصدر من الانتخابات على ما ورد آنفاً ولكنه إن صدق في وعده وكان قراره نهائي وقطعي و"قحْ" سيعري كل اللاهثين على انتخابات مبكرة لا تحمل أملاً بالتغيير ولا تغني ولا تسمن وسترغمهم على تأجليها الى أجل غير مسمى لحين تهيئة الأرضية لانتخابات حقيقية تراعى فيها الشروط الدستورية وفي المقدمة منها منع الأطراف التي تملك أذرع مسلحة من المشاركة فيها والتقيد بالشروط القانونية وفي مقدمتها تطبيق قانون الأحزاب وشفافية المال السياسي والتقيد بالشروط القانونية للمرشح بأن لا يكون محكوماً ولو شمله قانون العفو وألا يكون متهتكاً سارقاً فاسداً يتبجح بفساده...

 

موسى فرج

 

في 14 تموز يوليو 1958، تم الإطاحة بالنظام الملكي العراقي، المرتبط ارتباطًا وثيقاً ببريطانيا العظمى والولايات المتحدة الأمريكية. تم تنظيم ذلك من قبل حركة "الضباط الأحرار" وعلى رأسهم الضابط العسكري الوطني عبد الكريم قاسم. لقد كانت ثورة تموز بكل المعايير ثورة وطنية وغير عادية، فمنذ الساعات القليلة الأولى على نجاحها خرج مئات الآلاف من العراقيين والقوى والأحزاب الوطنية للاحتفال بتأسيس الجمهورية ونهاية النظام الملكي.

حين يعرف المرء الظروف الاجتماعية، التي كانت الجماهير تعيشها آنذاك، ويدرك قسوة الهيمنة السياسية والاقتصادية للدول الإمبريالية، سيفهم عندئذ مدى الاستياء العام من النظام الملكي، الذي كان يسود المجتمع العراقي، والأسباب التي أدت إلى الثورة وحدوث بعض التجاوزات، التي لم تكن متوقعة، قام بها بعض العسكريين وما رافقها من ردود فعل عفوية للجماهير بحق بعض رموز العهد الملكي السابق.  

وعلى الرغم من تعرضها لضغوط اقليمية ودولية عديدة متنوعة الأساليب ومؤامرات، حاكتها بعض القوى الداخلية بهدف اجهاضها، ألا أن ثورة 14 تموز حققت خلال فترة قياسية لم تتجاوز 4 سنوات العديد من المنجزات الوطنية الهامة التي ستبقى خالدة في ذاكرة الشعب العراقي. فقد تم إجراء إصلاحات محلية بعيدة المدى شملت القانون رقم (80) لسنة 1961 "قانون تعيين مناطق الإستثمار لشركات النفط" واصدار مراسيم لغرض تشكيل الأحزاب السياسية والمنظمات المهنية وإطلاق حرية الصحافة. بينما جسدت المادة 3 من الدستور المؤقت: "العرب والأكراد شركاء في العراق"، خطوة تاريخية ولأول مرة اعترافا صريحاً بحقوق الأكراد ضمن الدولة العراقية. ووضعت كذلك أسس الدولة المدنية وحاولت إرساء العدالة الإجتماعية والمساواة وقامت بتحقيق الإصلاح الزراعي والاعتراف بحقوق العمال والفلاحين وقامت بتوزيع الأراضي ودور السكن على الفقراء وأصحاب الدخل المحدود وسعت من أجل المساواة القانونية للمرأة بسن " قانون الأحوال المدنية" وبذلت الجهود الكبيرة في قطاع التعليم والصحة والبناء والاعمار. وقد أولى قائدها الزعيم عبد الكريم قاسم اهتماما مميزا بالعلم العراقي والدستور والنشيد الوطني وشعار الجمهورية الأولى، المأخوذ من الشعار الأكدي المكون من الشمس الذهبية ذات الثمانية اشعاعات والنجم المثمن الأحمر الغامق، وفي داخل الدائرة توجد تشكيلة رائعة ترمز إلى مكونات الشعب العراقي من عرب وكرد وأقليات اخرى، أما المكونات الأخرى فقد رمزت للزراعة والصناعة ودجلة والفرات.

أورد احصاء عام 1956 بان نصف مساكن بغداد صرائف وأكواخ، فاتخذت الحكومة الجديدة سنة 1959 قراراً بإسكان أصحاب الصرائف، وأنشأت 911 داراً في مدينة الثورة شرق بغداد، ووضعت تصميما جديدا لمدينة بغداد تضمن شق 3 قنوات، اثنتان في الرصافة، وواحدة في الكرخ للحد من مخاطر الفيضانات، وفي أشهر معدودة أنجزت "قناة الجيش" لتكون ممرا مائيا صناعيا، وبمسار لا يؤثر على خطة استملاك أراض واسعة للمواطنين اصحاب الدخل المحدود والفقراء. فهي ليست قناة فحسب، بل مشروع إسكان كبير، فقد أنشئت على أحد جوانبها مدينة الثورة، شرق بغداد، التي ضمت آلاف العوائل التي كانت تسكن في مساكن عشوائية بين مياه آسنة، واتسع العمران وتمّ بناء أحياء سكنية جديدة على جانبي القناة  

وعلى جبهة السياسة الخارجية، تم خروج العراق من النظام النقدي الاسترليني البريطاني وإنسحابه عام 1959 من حلف بغداد العدواني الذي ضم المملكة المتحدة وتركيا وإيران وباكستان، وإقامة علاقات اقتصادية وسياسية متكافئة مع الدول وتصديرالموارد النفطية دون تدخلات خارجية.  

لماذا ندافع اذن عن ثورة تموز ومنجزتها؟ 

لقد كانت ثورة 14 تموز ـ يوليو 1958 ثورة تحرر وطني بإمتياز، حققت الكثير، مما كان الشعب العراقي يطمح اليه فقد حررت العراق من ربقة الاستعمار وتوابعه من الرجعيين والاقطاع، وواجهت الثورة ومنذ أندلاعها العديد من الضغوط والمؤامرات، حتى تم الاجهاز عليها في انقلاب 8 شباط الاسود 1963 الذي قاده حزب البعث وقوى اليمين والرجعية بمباركة القوى الاستعمارية الطامعة بخيرات بلادنا، ثم تمكن عبد السلام عارف من القيام بانقلاب عسكري في 18 نوفمبر 1963، عرض العراق أبان حكمه الى العديد من الازمات وأعاد طبقة الاقطاع والرجعيين الى الواجهة. وفي 17 تموز- يوليو 1968، استعاد حزب البعث السلطة وأصبح أحمد حسن البكر رئيسا للجمهورية ورئيسا لمجلس قيادة الثورة وبقي كذلك حتى استقالته مجبرا في 16 يوليو 1979، وحل محله الدكتاتور صدام حسين.

اتسم العراق بعد الاجهاز على الثورة الفتية في انقلاب 8 شباط 1963 بالصراعات السياسية والحروب العبثية والعنف والاضطهاد السياسي نتيجة سياسات الحكومات الدكتاتورية المتعاقبة، وحلت به حتى يومنا هذا كوارث ومصائب كبيرة. ففي ربيع عام 1969 اندلع القتال مرة أخرى بين القوات الحكومية والأكراد واستمر القتال حتى أبريل 1975. وفي ايلول ـ سبتمبر عام 1980، اندلعت الحرب العراقية ـ الإيرانية، التي خلّفت كوارثَ لم يشهدها العراق من قبل . وبقي الأمر كذلك حتى توقيع اتفاقية وقف اطلاق النار عام 1988.

ثم جاء قرار صدام حسين باحتلال الكويت، الذي كان وبالا على العراق، والمنطقة ككل. إذ قامت الولايات المتحدة الأمريكية والقوى المتحالفة معها بتدمير البنية التحتية للعراق وفرضت حصارا إستمر 12 سنة، أدى الى تخريب البنية الاجتماعية والإقتصادية وهجرة الآلاف من الكفاءات العلمية والمثقفة وإرجاع العراق عشرات السنين الى الوراء.

 وفي عام 2003 خططت الولايات المتحدة لغزو العراق تحت ذريعة إمتلاكه أسلحة الدمار الشامل لغرض السيطرة على منابع النفط وتغيير خريطة الشرق الأوسط لصالحها. وبعد الاحتلال تم تفكيك مؤسسات الدولة العراقية من جيش وشرطة وحرس حدود الخ. ثم وضع الحاكم الأمريكي بريمر أسس نظام المحاصصة الطائفي، الذي لازال قائماً حتى الآن، وألغى بهذا مبدأ المواطنة ليحل محله مبدأ الإنتماء الطائفي والأثني، وعمل على تدمير الإنتاج المحلي الزراعي والصناعي والحرفي وفتح أبواب الاستيراد غير المحدود وإلغاء الضرائب الجمركية والقضاء على منجزات الثورة وتعليق العمل بالعديد من القوانين الهامة التي تراعي حقوق المجتمع وكرامته، فيما أقدم من تقلد الحكم من العراقيين على إلغاء ما تبقى منها وتعويضها بقوانين جديدة تضمن مصالح "الطبقات الطائفية"، الشيعية والسنية والكردية، الحاكمة وتتعارض مع المصالح الوطنية والعامة للمواطنين.

ثورة 14 تموز ستبقى امامنا عبرة بكل دروسها الثمينة، وأهمها انها اعتمدت على الشعب العراقي بسائر قومياته، ومنه استمدت قوتها وثمرة نجاحها.. ان يوما مثل هذا اليوم لن ينسى، ويبقى حيا دائما في مسيرة شعبنا !

 

عصام الياسري

 

مصطفى محمد غريبكانت وما زالت موضوعة الموارد المائية في مقدمة اهتمام الشعوب والدول التي تدرك مدى أهميتها بالنسبة للحياة، واهميتها بالنسبة للأمن المائي المطلوب، وظهرت خلال السنين السابقة مخاطر حرب المياه كحقيقة ملموسة وبدأت تُفعل في الوقت الراهن في السياسة والعلاقات بين دول العالم والمنطقة وبخاصة الدول التي تشترك في مجال منابع ومصادر المياه للأنهر والجداول والينابيع والتجمعات المائية، هذه القضية ابتلت بها بعض الدول واستغلت من اجل الاستئثار والهيمنة والتسلط وفرض واقع جديد في السياسة الخارجية وتأثيراتها على شؤون الدول الداخلية التي أصبحت ضحية حرب المياه وتشعباتها وواقعها الجديد.

لقد سبق وأشرنا في أكثر من مقال بان الاستنتاجات والتنبؤات التي طرحت في أوائل القرن العشرين بدأت تتحقق في استغلال الموارد المائية لصالح طرف على حساب طرف آخر وصارت الهواجس مسلمات قيد التحقيق وبخاصة في مسألة العراق وجيرانه مع شديد الأسف (الاخوة الأعداء) تقريبا، ان هؤلاء الجيران على الرغم من العلاقات التاريخية والدبلوماسية والتعاون التجاري الكبير والواسع يعدون العدة بهدف خنق العراق مائياً لإخضاعه واستغلال موارده وموقعه الاستراتيجي وذلك..

1 ـ التدخل في شؤونه الداخلية والقرارات السياسية وإيجاد مواقع داخلية ممكن استغلالها لتصدير البضائع المنفلت كيفما اتفق واستغلال اراضيه وجعلها مسرحاً للصرعات المسلحة.

2 ـ الحصول على أكبر قدر من الأرباح من خلال صادرتهم التي تقدر بمليارات الدولارات واستغلال المياه للضغط وتمرير ما يمكن تمريره.

3 ـ العلاقات النفطية واستغلالها من خلال المساومات والتصدير وفوائده

4 ـ عدم احترام العلاقات التاريخية بين شعب العراق وشعوبهم المبنية على التفاهم والصداقة والتاريخ المشترك والعلاقات الاجتماعية

5 ـ لم يستجب لا حكومة طهران ولا حكام تركيا للمطالبات العراقية الرسمية وما قدمته الوفود العراقية حول الحقوق المائية والمنصوص عليها في المواثيق الدولية.

6 ـ التحجج بحجج واهية وقضايا بعيدة كل البعد عن مصالح العراق وبقي الشعب العراقي يدفع الثمن بينما يرى الجميع بوادر جفاف دجلة والفرات والانهار الباقية وخاصة في موسم الصيف

7ـ الهيمنة المفرطة على نهري دجلة والفرات من قبل تركيا بواسطة السدود الكبيرة، وما تقوم إيران من قطع مياه الزاب ونهر سيروان والكارون والكرخة. وأكثر من 45 نهر وجدول ومنابع للمياه.

8 ـ تتحمل الحكومات السابقة في تاريخ العراق المسؤولية ايضاً لأنها لم تضع برامج وخطط علمية لقراءة مستقبل المياه، ولم تتخذ إجراءات ملموسة في بناء السدود والتجمعات المائية، ولم تستفد من المياه التي كانت تهدر وتذهب للبحر بواسطة شط العرب

بسبب تردي الوضع المائي واستمرار تعنت الدولتين بمواقفهما المضرة هدد مهدي رشيد وزير الموارد المائية " الاحد 11 / 7 / 2021، باللجوء الى المجتمع الدولي في حال عدم التزام إيران بإطلاق حصة العراق المائية حسب المواثيق الدولية" واكد وزير الموارد المائية على انهم تحدثوا "مع أيران وتركيا للاتفاق على بروتوكول تقاسم المياه لكن لم نحصل على إجابة حتى الآن". ونقول بثقة لن تحصلوا على أي إجابة أو اتفاق او موقف إيجابي بسبب تعنت الدولتين، وحبس المياه الحاق الضررالذي من مخاطره توسع رقعة الجفاف للأراضي العراقية والاضرار التدميرية للمزارع والبساتين والحقول والمواشي وفي مقدمتهم طبعاً البشر ومصالح ملايين الفلاحين العراقيين.

بغض النظر عن أي شيء فالعراق يحتاج الى اتخاذ قرار "ردعي" يحفظ حقوق العراق المائية وأمنه المائي ومنها قضايا العلاقات الاقتصادية والنفطية واتخاذ تدابير وقائية تحفظ حقوق البلاد.

ان شن حرب المياه من قبل تركيا وإيران على العراق وشعبه منذ عقود وبطرق شيطانية منها بناء السدود على دجلة والفرات وتحويل مجاري الأنهار وغلق الجداول الذي تسبب بالتدريج الى اتلاف وتدمير أراضي واسعة من الاف الهكتارات الزراعية ليصل الامر الى كارثة نتائجها وخيمة بسبب نقص المياه وهبوط منسوب الانهر والتجاوز على حقوق البلاد المشروعة.

ان العديد من المحاولات من قبل العراق التي بذلها منذ عقود لم تفلح الى إيجاد حلول لهذه المشكلة، إلا ان قضية المياه أصبحت ورقة ضاغطة لتعميق الازمة واستغلالها من قبل تركيا وايران بهدف الحصول على تنازلات لصالحهما وظهر ذلك من خلال التحكم القسري بمياه دجلة والفرات من قبل تركيا والانهار والجداول من قبل ايران وعند العودة الى احتياجات العراق وكميات الاستهلاك فيحتاج العراق حسب المصادر الرسمية الى (53 ) مليار متر مكعب اما في المواسم التي يحتاجها في أوقات الجفاف فتقدر (44) مليار متر مكعب، وبسبب هذه الحرب التي تشن يتوقع الخبراء والعاملين في هذا المجال ان عام 2040 سيكون العراق بلا دجلة ولا الفرات ولا الأنهار الأخرى التي تنبع مياهها من ايران وبهذا سيحل الجفاف الموت البطيء للأراضي الزراعية ولملايين العراقيين ولن تجدي اية حلول للعودة الى اقل من نصف الطريق، من المسؤولية الوطنية عن حياة ملايين العراقيين المكتوين بنار المحاصصة والفساد والسرقات يجب على الحكومة العراقية ان تتحرك بشكل حازم تجاه هذه الدولتين الصديقتين المسلمتين!! " الله يجرم " ولا نعني بالموقف الحازم الذهاب للحرب التي نقدر مآسيها ونتائجها التدميرية ونحن نعرف وضع العراق "ورحم الله من عرف قدر نفسه" فالحرب تحتاج الى دعم الشعب بدون استثناء للدفاع عن كيان البلاد وثرواتها وكرامتها وفي المقدمة الدفاع عن حياة الناس، ولكن في العديد من القضايا المائية والحقوق بالموارد المائية فان خيار الحوار الجاد واللجوء للمحافل الدولية بما فيها المحاكم المختصة كونه الدواء السليم في الظروف الراهنة واننا نتجاوز قضية العنف ونعتبر الحل السلمي هو هدف ممكن في المرحلة الحالية ويحتوى هذا الهدف

أولاً: التوجه للمحافل الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة ومجلس الامن وحشد كل ما يمكن حشده في سبيل حقوق العراق بموارده المائية وحماية لأمنه المائي

ثانياً: الخطوة الأخرى المهمة هو العلاقات الاقتصادية وفي مقدمتها خلق وعي مرتفع بمقاطعة البضائع من كلا الدولتين الصديقتين إذا لم تحل إشكاليات حبس المياه عن العراق !! وتحجيم الواردات وتقليلها شيئاً فشيئاً

ثالثاً: الوقوف بحزم ضد القواعد والتواجد التركي في الأراضي العراقية ومنع إيران واجندتها التحجج بالطائفية واستغلال المزارات الدينية وغيرها من التدخل في شؤون العراق الداخلية.

رابعاً: هناك طرق وأساليب عديدة للدفاع عن وجود الشعب العراقي وعلى كيان العراقي الوطني والسعي لوقف الاستيلاء موارده المائية.

ان الجفاف المقصود الذي يطل برأسه لأغراض ضيقة يعتبر عبارة عن اعلان الحرب بطريقة باطنية على الشعب العراقي والتوجه العدواني لتجيف دجلة والفرات والانهار الأخرى من خلال بناء السدود التي تحجب حصة البلاد وهذه الأنهار ومصادرها هي شريان الحياة للملايين العراقيين.

ـ ما العمل ايها المتصارعون على الكراسي واموال العراق وأنتم تصرخون لإنهاء وجود القوات الامريكية (ونحن معكم) بدون أي إشارة للدول الأخرى وتدخلاتها !! لا بل الصمت على عدوانية عطش العراقيين وتدمير أراضيهم الزراعية ثم التحكم بالأمن المائي، لقد كشف برهم صالح رئيس الجمهورية وقال في كلمة ألقاها بمناسبة اليوم العالمي للبيئة، "من أن 54% من الأراضي الزراعية في البلاد معرّضة لخطر فقدانها زراعياً بسبب التملح، والتصحر يوثر في 39% من مساحة العراق" وتابع برهم صالح مؤكداً ان " بناء السدود على نهري دجلة والفرات أدى إلى نقص متزايد في المياه بات يُهدد إنتاجنا الزراعي وتوفير مياه الشرب وزحف اللسان الملحي نحو شط العرب، وقد يواجه البلد عجزاً يصل إلى 10.8 مليار متر مكعب من المياه سنوياً بحلول عام 2035". ومع احترامنا لبرهم صالح لم يشر الى جفاف انهار مثل سيروان وكارون والزاب والكرخة وحوالي (45) جدول ونهر قامت ايران ببناء السدود وتحويل مجاري البعض منها كما دأبت في ضخ مياه المبازل الملوثة في شط العرب والأراضي العراقية المجاورة للحدود، كان المفروض به كرئيس الجمهورية توجيه الدعوة الشديدة للكف عن حبس المياه وهو اضعف الايمان!.

ان الاحصائيات التي اشارت الى الواقع المأساوي الذي حل بالعراق والشعب العراقي ومن خلال وثائق مثبتة ان حوالي أكثر من (7) ملايين تضرر بسبب الجفاف مما دفعهم للنزوح الاضطراري عن مناطقهم وقد يكون الخطر المحدق في استمرار سياسة الاستيلاء على موارد المياه التي ستلحق اشد الاضرار في المستقبل وبخاصة عندما تتضاعف اعداد السكان بحلول عام 2050 الى حوالي (100) مليون بينما اشارت المصادر ان تعداد السكان في العراق في الوقت الحالي حوالي (40) مليون

على كل مسؤول وطني شريف أن يفكر بروحية وطنية في الكوارث والمصائب التي تلف البلاد وملايين الكادحين وأصحاب الدخل الضعيف والفقراء؟ نتمنى ان لا تغلق الضمائر قبل العيون؟ وينتهي العراق الى بلد بلا ماء حاله حال بلدان الجفاف بعد ان كان لملايين السنين يطلق عليه بلاد ما بين النهرين.

 

مصطفى محمد غريب

 

 

محمد العباسيلو أني أردت أن ألخص موضوع "الإرهاب" في جملة، أو ربما في كلمة واحدة فقط لقلت التالي مع نقطة تختم المقال: الواسطة!

أجل، أنها بالضبط كذلك.. عندما تكون "حاضنة" الظالم والقاتل والمغتصب دول عظمى تدّعي الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ثم تسكت عن قول الحق وتساند الجهة الباغية في جميع المحافل، وتترك تلك الجهات الجائرة تتوغل في غيها ومجازرها وطغيانها وكافة أشكال أعمالها المنافية للأخلاق الإنسانية السوية.. بل وتعتبر أمن تلك الكيانات الإرهابية جزء من أمنها وتمدها بالسلاح والأموال وكافة أشكال الدعم اللامحدود.. ربما تجعلنا نحن العرب بشكل عام نرى في السطور السابقة صورة الكيان الصهيوني كمثال نعايشه منذ سبعة عقود، وكذلك، ومن غير مواربة أو تردد، سنشير بأصابعنا نحو تلك "الواسطة" التي تساند وتحمي وتبقي على هذا الكيان "الفيروسي" و"السرطاني" ينخر في جسد الأمة العربية والإسلامية دون محاسبة ولا حتى توبيخ!

أكبر واسطة للدول الباغية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حتى اليوم هي الولايات المتحدة الأمريكية، وتليها المملكة المتحدة، وبحكم منطق القوة العسكرية أو الاقتصادية من جهة وتمتعها بحق النقض (الفيتو)، تأتي الدول الأخرى كالاتحاد السوفيتي والصين الشعبية وفرنسا.  ربما تفكك الاتحاد السوفيتي فيما بعد، ولكن لم تنقطع روسيا حتى اليوم عن لعب دورها المشبوه في الوقوف مع مصالحها بكل علانية دون أدنى اكتراث لمن يدفع الأثمان الغالية من الدماء والأرواح والأوطان.

جمهورية روسيا الاتحادية هي اليوم الواسطة الأولى للتغطية على الإرهاب الفارسي والمجازر المُرتكبة في "سوريا" بالذات، حسب التواجد الفعلي في موانئ "اللاذقية" و"حميميم" في غرب سوريا.. والطائرات الحربية الروسية قلبت موازين الحرب الأهلية لصالح رأس الإرهاب "بشار الأسد" بعد التقدم والتوسع المشهود في بدايات الأزمة السورية لقوى المعارضة.. وعندما احتاجت روسيا للتواجد على الأرض فتحت المجال أمام الحرس الثوري الإيراني بتجنيد العراقيين والأفغان والباكستانيين واللبنانيين وغيرهم للتوغل في سوريا عبر العراق من الشرق ولبنان من الغرب.. وبقية "الحكاية" لا نزال نعايشها حتى اليوم، وخطوط خارطة الاتفاق بين أمريكا وروسيا واضحة المعالم لتقاسم النفوذ وتقسيم المناطق لنيل المغانم ونهب الثروات.. فروسيا تقف مع "الجمهورية الإسلامية" تماشياً مع التفاهمات المتعلقة بسوق النفط والخطط المستقبلية لمد أنابيب الغاز والبترول عبر آسيا حتى الشواطئ الغربية لسوريا على البحر الأبيض المتوسط.. لذا، كحال وقوف أمريكا مع الكيان الصهيوني، تقف روسيا مع إيران وتعارض كل قرار يعترض أفعال إيران التخريبية والتهريبية (تهريب السلاح والمخدرات) وتأجيجها للعنصرية الطائفية في المنطقة العربية، ونشر نفوذها وفسادها في أفريقيا وأوروبا وحتى القارتين الأمريكيتين، الشمالية والجنوبية.

ولا تقل واسطة الصين عن أخواتها الأخرى، فالصين قد توغلت بالفعل في أغلب دول العالم بالمال.. ولا بد إذن من حماية هذه الأموال الطائلة التي تستثمرها الصين حول العالم، ويستدعى حماية مصالحها (التوسعية) استغلال ثقلها الاقتصادي لحماية الحكومات الفاسدة واللوبيات المهيمنة على اقتصاديات بعض تلك الدول بغض النظر عن ممارساتها الظالمة لشعوبها وفسادها ومدى الأضرار التي تتسبب فيها لمواردها الطبيعية ومنتجاتها الزراعية والطاقات المكنونة في أراضيها، بل وحتى التضحية بالطاقات البشرية وحرمانها من حقوقها في خيراتها والاستفادة من فرص العمل والكسب والمعيشة الكريمة.

وفيما مضى أقحم الاتحاد السوفيتي نفسه في أفغانستان دعماً للحكومة الأفغانية الصديقة والخانعة للسوفيت حينها، مما أدخل الجميع في حرب امتدت من أواخر السبعينات إلى أواخر الثمانينات.. ونال الثوار الأفغان دعماً من كثير من الدول المعادية للاتحاد السوفيتي، من أهمها الولايات المتحدة والصين وبعض الدول العربية والإسلامية التي فتحت لشبابها أبواب الجهاد بطلب و تشجيع من الدول الغربية.. ومن رحم هذا الدعم نشأت مجموعات جهادية عاثت في الأرض فساداً وارهاباً في عدة مناطق من العالم فيما بعد، بما فيها الدول العربية والإسلامية التي أمدتها بالمال والعتاد والمجاهدين.  من أخطر المجموعات الجهادية تلك كانت "القاعدة" التي أضاعت بوصلتها وجهتها، ومن بعدها ومنها خرجت الدولة الإسلامية "داعش".. والغريب جداً أن بدأت الكثير من الدلائل تتضح عن أشكال التعاون وتوفير الملاذ الآمن للحركتين من قبل الجمهورية الإيرانية الإسلامية التي استغلت هذه الجماعات لبث الشقاق في الدول الإسلامية و العربية المحيطة بها.. وهنالك أيضاً العديد من التصريحات الغربية التي تشير إلى أدوار مشتركة بين المخابرات الأمريكية والموساد الإسرائيلي في إعداد تلك الجماعات التخريبية في الوطن العربي لتعطي لنفسها فرص التواجد العسكري في المنطقة بحجة محاربة الإرهاب، وإشغال الحكومات والشعوب العربية وإضعافها اقتصادياً ومعنوياً لعقود متتالية.

هل لو بحثنا قليلاً وتعلمنا التفريق بين الغث والسمين، سنتحلى ولو ببعض الاحترام لهذه الأمم الظالمة؟  ربما لن نمقت المواطن الأمريكي البسيط لأنه هو الآخر ضحية لعملية غسيل للدماغ والضمير مستمرة بكل الوسائل المتاحة.. لكننا بالتأكيد سنتعلم كيف أن ساستهم وشركاتهم من أجل بيع السلاح ونهب الثروات يختلقون الحروب.. ويتسببون في مجازر وأهوال.. ولا يترددون في القضاء على شعوب بأكملها ليجنوا بعض المكاسب المادية.. وأفغانستان والعراق وسوريا وفيتنام وكوريا وكوبا ونيكاراغوا والسلفادور وغواتيمالا وبنما لخير دليل حديث وقديم على غيهم.. وحتى طائرتهم المدنية التي فجروها فوق لوكربي في 1988 لدليل يفضح سياستهم المقيتة التي أرادوها لكسب الرأي العام في أمريكا للهجوم على ليبيا "القذافي".. بل تكفينا مسألة الوقوف الفاضح مع الدولة العبرية والسكوت عن الجرائم ضد شعب فلسطين منذ أكثر من سبعين سنة.. ولا يزالون يتساءلون عن سبب كراهية شعوب العالم المُضطَهَدة لهم.. لا يزالون يتلاعبون بالأمم ويوسمون كل من يخالفهم ويقف في وجههم بنعوت الإرهاب وهم من صنعوا الجماعات الإرهابية لخدمة مصالحهم العوجاء.. ولا للحظة يراجعون أفعالهم وجرائمهم ومواقفهم اللاإنسانية حول العالم!!

أما بريطانيا التي كانت تستعمر أكثر من نصف العالم في فترة من الفترات، فهي الأخرى كانت تمارس نفس الممارسات الظالمة في حق كثير من دول العالم، ولم تترك أي من مستعمراتها السابقة دون ترك مناطق معلقة ظلت لسنوات بؤر للنزاعات بين الأمم.. كشمير مثلاً بين الهند وباكستان، وحتى جزر حوار بين البحرين وقطر، والصحراء الغربية بين المغرب والجزائر وموريتانيا، وكثير من نقاط وخطوط الحدود بين عمان والإمارات، والامارات والسعودية، وبين السعودية والكويت، ومناطق الأكراد المقسمة بين إيران والعراق وتركيا وسوريا.. وغيرها من مناطق الخلاف حول العالم، بما فيها تلك القريبة منها كتقسيم إيرلندا إلى دولتين وسيطرتها على هونغ كونغ حتى العام 1997 وسيطرتها المستمرة على جبل طارق وجزر فوكلاند في جنوب أمريكا الجنوبية.. بل هم البريطانيون من اغتصبوا شمال القارة الأمريكية واستراليا ونيوزيلندا من شعوبها الأصليين.. ولا يزال العلم البريطاني يرفرف على العديد من الجزر المنتشرة في المحيطات حول العالم.  ونفس التهم تنطبق على الدول الاستعمارية الأخرى مثل إسبانيا والبرتغال وهولندا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا وغيرها من هذه الدول الجائرة التي حكمت على أمم عديدة بالحديد والنار وأجبرتها على نبذ إرثها الحضاري ولغاتها وحتى أديانها.

ويتفق الكثير من المفكرين بأن الولايات المتحدة، كونها كانت مستعمرة بريطانية، لم تزل بشكل أو بآخر تأتمر بأمرهم وتنفذ خططهم في الخفاء والعلن.. فالبريطانيون هم من سلموا فلسطين للإرهاب الصهيوني في الأساس، وبعدها تركوا أمر الإبقاء على اللقيط الصهيوني بيد الأمريكيين كونهم باتوا أكبر قوة عسكرية في العالم، بالضبط كما فعل الفرنسيون حين تركوا فيتنام للأمريكيين، وكما ترك الأمريكيين العراق للإيرانيين ليعيثوا فيها فساداً وإضعافاً، وحتى الإيرانيون أنفسهم يمارسون ذات الخطط التدميرية عبر زرع ودعم الميليشيات الطائفية في العراق وسوريا ولبنان واليمن وغيرها لتأجيج الصراعات الداخلية وإشغالهم عن القضية الفلسطينية إلى الأبد.. بل وحتى مشكلة سد النهضة الأثيوبي نرى فيها الأصابع الإسرائيلية والروسية بشكل غير مباشر.. بل وحتى دولة جنوب السودان التي فصلوها عن السودان لا تزال تعيش في بؤس ومشاكل داخلية.. ولا تزال الخطط الغربية قائمة لتقسم السودان أكثر فأكثر، ومنطقة دارفور مقبلة على الانفصال هي الأخرى.. والخطط التقسيمية لا تزال مشتعلة لتقسيم ليبيا والعراق وسوريا وفصل المنطقة الشرقية في السعودية وربما حتى لمحو دولة الكويت من الخارطة!!

إنها نوايا استعمارية وتوسعية إرهابية لم تتوقف قط عن الممارسات المشبوهة للسيطرة على العالم ومصادر الخيرات والنفط عبر شتى الوسائل والخطط طويلة الأمد بعد أن أوهمت تلك الأمم بأنها حظيت بالاستقلال والحرية المزيفة!!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

نور الدين حنيفقديماً، تحدّث أفلاطون عن الكذب النبيل، وفولتير عن قيمة الكذب، ومكيافيلى رسم للتاريخ صورة الأمير الذي يكرس ثقافة الحيلة والخديعة والقوة لينتصر في المجال السياسي، وآخرون عديدون اعتقدوا ونظّروا لهذا الاعتقاد أن السياسة مجال كذب لا مجال أخلاق، وأن الفعل السياسي لا ينبغي أن يكون مجال عقل يضبط حركية الكائنات السياسية ويقودها إلى الخير والحق والجمال، بقدر ما هو مجال لتكريس قيم أخرى ترتبط أساسا بالمصلحة العامّة وبالنفعية.

عندما يتلبس السلوك أو الكلام لبوس الإيهام والخديعة والتضليل عن الحقيقة فهو الكذب لا مراء. وفي هذا السياق لا يُشترطُ أن يكون الكذب صريحاً موصوفا بالاسم ذاته حتى نسِمه بذلك مادام صاحبه يقبض على قضية الآخر داخل نية المخاتلة والنصب والتزوير: ونحن هنا لا ندين النية في ذاتها وفي إقامتها داخل الذهن، ولكننا ندين النية في تفعيلها وترجمتها إلى سلوك لا يقف عند حدود الافتراض، بل يتجاوزه إلى المسّ بالآخر في حقوقه. وفي هذا المنحى، يتجاوز التفكيرُ كلَّ الخطوط الحمراء التي توجب إدانة الكاذب، وقبل ذلك تجريم فعله مؤسسياً قبل أن يتم تجريمه أخلاقيا.

أما الكذب السياسي فهو لعمري أشد أنواع الكذب تجاوزا لهذه الخطوط الحمراء، لأنه يفِد إلينا من رحم السلطة التي من المفروض أن تكون بنية فوقية وتحتية منسجمة في ذاتها عبر تجلياتها الفعلية في واقع الناس، لأنها ترجمةٌ قانونية وتنفيذية لحقوقهم وواجباتهم. لكنها عندما تنجب مثل هذا الابن العاق الموسوم بالكذب السياسي، فإنها تفسح المجال أبواباً مُشرعة على احتمال الفساد وانتشاره وبالتالي على طغيانه حتى يتحول إلى أمر واقع ينتقل فيه الكذب من حالة التخفي إلى حالة الظهور المدعوم بشرعية الحضور.

وقد يبدو الأمر في أول تجلياته بسيطا على اعتبار أنه كذب أبيض لا يتجاوز في ضرره المساحة الذاتية، لكنه في عمق التحليل تغريضٌ يفتح المجالَ واسعاً لتكريس ثقافة التضليل في قمة ضررها لأنها تتسرب عبر شقوق تبريرية تمتطي صهوات المصلحة العامة، وبالتالي تصنع لذاتها مصداقية الحضور وبالتالي مصداقية التعاطي وفي آخر المطاف تتلبس لبوس البديل العصري الذي يرتفع بالكذب إلى الحظوة. هكذا يتحول المسار من فعل الإدانة لهذا السلوك إلى فعل الإشادة... والنتيجة الحتمية أنْ تتوارى خلف الضباب صيحات التجريم، وتعلو على السطح وتطفو قشرات سميكة من الوجود العضوي للكذب السياسي داخل رحم السلطة والمجتمع.

تعترف هذه المرحلة الناجحة في تحجيم الكذب السياسي وعملقته بفضل البنيات الفوقية المنافحة عن حضور هذا النوع من الكذب، عبر آليات الدفع به إلى قمّة انتشاره بشرعية متماسكة. ونقصد بذلك، خروج الثقافة العالمة إلى الذود عنه والكتابة والتشهير والإعلام فكراً وإبداعاً عبر المشّائين الذين تختلف أشكال صيحاتهم وأضربها، لكنها تتفق في غرابة مُغرِضة حول مبدأ واحد - إن جازت تسميته بالمبدأ - هو التسويغ المأجور، سواء تعلق الأجر بالحاجة المادية، أو تعلق بإشباع فكرة نزوعية تميل إلى ضرب فكرة أخرى مناقضة لها مصداقية التاريخ. وخير مثال لذلك ضرب فكرة الأخلاق لتمييع الحياة السياسية العامة كي تتقلص أدوار الدين والقيم في تشكيل المشهد، ولترك الحبل على الغارب كيْ تصول باقي التقليعات المُدّعية وتجول ما شاء لها الصول ، وما شاء لها الجولان.

تتبلور العلاقة بين الكذب السياسي وبين الثقافة العالمة بشكل كبير وسريع، عبر السيولة في التأليف لإذاعة مثل هذا الفكر المتلبّس وإشاعته... وتجتهد هذه الثقافة في صناعة الجهاز المفاهيمي الخاص بهذا المولود الواهم بالشرعية، في نظرها القاصر، بل إنها قد تربو على ذلك إلى بناء نظرية في التطبيل للكذب السياسي تطبيلا تبريريا لا تلمس العامّة من الناس فراغ تطبيله، وتلمس بدل ذلك، تعاليه وبهرجته وتعجيزه لفكرهم البسيط الموسوم بالثقة العمياء في المثقف، في تخريجاته الموصوفة في تمثلاتهم الشعبية بالقوة والتأثير. أما في حالٍ آخر يرتبط بقدرة هذه النظرية على مجادلة النقيض في الثقافة فحدّث ولا حرج، إذ تنبري إلى الخروج أشكال زئبقية من السفسطة المبنية على قوة الاستدلال والبرهنة حتى ليصاب المخاطب الذي لا يُعمل فكره عميقا، بالحيرة والشك في المعطيات التي بين يديه، وعوض أن يتشبث بطرحه القائم يستسلم لحالة من التسليم الانهزامي بالأمر الواقع، وفي أشدّ الحالات الموضوعية يخرج من الجدال، إرجاءً للفكرة حتى يستوي عنده الدليل والبرهان. خاصة وأنّ هذا المخاطب يرى في مجادلة هذه الثقافة المدافعة عن الكذب السياسي ثقافة قادرة على التحول من شكل الاِدّعاء إلى أشكال غريبة من القناعة، بمعنى أننا حين نجادل نقيضاً نعلمُ، ويعلم هو أيضا أنه على باطل، تسهل المحاورة ويسهل معها الإفحام... لكننا عندما نكتشف أن المسألة تتعلق عند المُحاور بقناعة جذرية، تصبح المسألة شديدة المفارقة، خاصة وأن الباطل عنده يتحول إلى حق، والنشاز إلى شرعية، والعبور إلى قرار يستحيل أن تقنع صاحب هذه الترسانة الفَقيهة بالنقيض، وبالعدول عمّا اكتسبه في سيرورته الفكرية البعيدة في مديات أهدافها وغاياتها وأجنداتها العملية الداخلة لا في سلوك عابر ومُغْرِض، وإنما في مشروع فكري كوني يمسخ مفاهيم الأخلاق والشرعية والعدالة والديمقراطية ويستبدلها بأشكال أخرى من الأخلاق العملية والشرعية الواقعية والعدالة الوضعية والديمقراطية المرنة وهلمّ جرا من أضرب التقليعات الرّنانة والمُقنعة في تمويهٍ غير بائن.

أعتبر الكائن السياسي أمهر الكائنات في توظيف حقول الخطابة والجدل والبلاغة واستعمال أدواتها وآلياتها لدعم أطروحاته في التمويه والخديعة للتأثير في الجماهير وقلب مفاهيمها حول كثير من البديهيات المرسومة في أذهانها باعتبارِها معطيات غير قابلة للتعديل. ومنها معطى الواقع الذي يحوّله السياسي الكاذب في ذهنية المتلقي من حقيقة معيشة إلى استعارة مرنة قابلة للتأويل. بل وقابلة لكثير من التأويل المفتوح على مصاريع غير مشروطة.

و تبلغ مهارات السياسي الكاذب في أبرز تجلياتها وهي تحول الواقع من موضوع محايد في نظر العامّة إلى موضوع مسؤول عن وضعيات هذه العامّة المزرية، وبالتالي تنشأ الإدانة وتتنامى، وتعلو وتتدحرج سريعةَ الحركة وهي تكبر في سيرورتها المُغرِضة مثل كرة الثلج لتصبح إدانةً مشروعة. في هذه المرحلة بالذات تتطور، بموازاةٍ غريبة، نفسياتُ العامّة ويكبر فيها صوت الإدانة ويعلو على كل الأصوات، وتنشأ لديها حالاتٌ شديدة بالرغبة في محاسبة هذا الواقع. في هذه المرحلة يكون التأزيم موضوعياً لكنه يتحول بفعل تدخل السياسي الكاذب إلى تأزيمٍ ذاتيٍّ لا ينفع في اقتلاعه الحل المستقيم اللائذ بالقيم الإنسانية النبيلة التي يضعها هذا السياسي الكاذب موضع اتهامٍ ويزجّ بها في أقفاص الإدانة، على اعتبار أنها عمّرتْ كثيرا في التاريخ ولم تجلب للناس سعادة حقّة، ولم تقضِ على أشكال التقهقر في واقعهم، ولم تجلب لهم إلا تأخيراً لمشاريعهم الحياتية وتعطيلا.

هكذا، يعلو صوت العاطفة والاندفاع على صوت العقل والتحليل، لأن السياسي الكاذب يتدخل في وقت الذروة عندما يصاب العامّة باليأس، ولا يرون في الأفق إلا من يلوّح لهم بالانفراج داخل خطابات مُلمّعة تُحدِّث فيهم رغباتهم في تجاوز وضعيات القهر، حتّى ولو تعلّق الأمر بقشّة في خضم اليمّ. أما عن الصيحات الجادّة والعامرة بالحق فقد برّزها السياسي الكاذب على أنها مجرّد أوهام تاريخية وأساطير دينية أكل عليها الدهر وشرب، وبالتالي، يذهب السياسي مذهب النقر على صوت الحداثة العالمية لأنها في منظوره المُغرض أشد الخطابات إقناعاً بحكم التصاقها بتجارب دولية ناجحة على أرضية الواقع، ولا يحول بيننا وبينها إلا فارق بسيط هو السعي إلى استجلابها واستنباتها في بيئاتنا العطشى للديمقراطية وللعدالة الاجتماعية.

إن عملية التطويق للعقل (الثالث) انسجاما مع التصنيف الأيديولوجي للعالم إلى عالم متقدم وعالم ثالث، هي عملية ماكرة بذكاء نوعي. تُظهرُ الحقيقةَ في جزئها الخادم لأجندات هذا السياسي المسلّح إما بثقافة مهارية نوعية عالمة، أو بديماغوجية بديلة للثقافة العالمة تضرب على أوتار الشعبوية وتنقر على الوجدان الفردي والجمعي لإنسان هذا العالم الثالث. يمارس هذا التطويق قبضاً بيدٍ من حرير على أعناق المخاطبين بهذا الخطاب القائم على فعل التزيين المقنّع والبهرجة المُلَمَّعة والتسويف الجميل والوعد المعسول واللغة المنسابة... في إطار شبكة من أنماط المكر السياسي القادر على ردم المسافات بين الكائن والممكن. والقادر على بناء صرحٍ مارد من الحقيقة الذاتية بديلا عن الحقيقة الموضوعية. وهي حقيقة متعددة وغزيرة لأنها مرتبطة بتأويل العامّة لهذه الحقيقة، كل من زاوية حاجته وحجم هذه الحاجة. وهي في آخر المطاف حقيقة معسولة وواعدة، بغضّ النظر عن هشاشتها وانتهاء صلاحيتها بانتهاء مسلسل الانتخابات أو عمر الولايات الماسكة بزمام السلطة.

و الغريب في الأمر أن ذاكرة المواطن في العالم الثالث ذاكرة قصيرة، غالبا ما تنسى حجم الكذب الذي مورس عليها في تاريخ سابق، ولا تراه في تجربة جديدة من الكذب السياسي... أو أن هذا المواطن لا يستفيد من التاريخ، ويحب، في مازوشية غريبة، أنْ يُكْذَبَ عليه، أو أنه، يُشبهُ كما وردَ في لسان الثقافة الشعبية المغربية ذلكم (القط الذي يحبّ خنّاقَهُ).

و لأن المواطن كائن ينسى بسرعة فإنه لا يعاقب ساسته الذين يكذبون عليه. أولاً، لأنه كائن مسالم وبسيط وأحيانا يتحول من بسيط إلى غرّ... وثانياً، لأنه مواطن غالباً ما يزورُّ عن الانخراط في ثقافة المؤسسة، وبالتالي لا يرغب في المظلات المدنية والحكومية القاضية بحماية حقه في تجريم الكذابين وبدرجة قصوى، السياسيين منهم...

و لأن السياسي يعلم أن المواطن معجون بهذه الصيغة وفي هذه الصيغة فإنه يتمادى في كذبه، عالماً أن هناك تسيّبا كبيرا في تغييب المؤسسة القاضية بتجريم كذبه وإدانته ومعاقبته...

هكذا تنبني اللعبة، بتلقائية غريبة، أولُها تخطيط وصيرورتها الباقية انسياب... وهي لعبةٌ تنسج خيوطها في طمأنينة اجتماعية هادئة، وفي تؤدة غير قانونية أكثر غرابة. تدعمها ثقافة المسالمة وليس السلم. لأن هذا الأخير يطرح ذاته في عمق إبستيمولوجي قوي يراكم حول الموضوع قشرات سميكة من مرجعيات الحق ومعرفة الذود عن هذا الحق. أما المسالَمة فهي سلوك انهزامي تبنيه ثقافة نُكوصية تؤمنُ وتقول بشعار (دعه يمشي) أو بعبارة شعبية مغربية صميمة (سَلّكْ ؤُ عَدِّي).

إن السياسي الكاذب يعرف كيف يقرأ هذه المعطيات الاجتماعية الموسومة بالتلقائية وبالشعبوية وبالمسالمة وبغياب المؤسسة الحاضنة. ومن ثمّة يجد نفسه كائنا محظوظا بالقدرة على العوم في هذا الماء الهادئ كيفما شاء له العوم، تدعمه في ذلك مجاديف السلطة التي تطلق له الحبل على الغارب يمخر في عباب السياسة الكاذبة ما شاء له المخر. وهي السلطة التي أطلقت اليد السياسية تصنع المفاهيم والمصطلحات، وترسل الأمثال والمسكوكات الشعبية تسري في البيئات الاجتماعية كما تسْرِي النار في الهشيم، تكرس الحالةَ ذاتها وتدعمها دعما يسير بها في اتجاه التغول والترسيخ، في اتّجاهِ الشّرْعَنَة.

كما أنّ تغوّل ثقافة الكذب السياسي وترسيخها في أوصال المجتمعات أمر خطير لا ينبغي تجاوزه في التحليل. لأن المسألة تندمغ في معادلة غير قابلة للحلّ، ذاك أن هذا التغوّل يأخذ مسار الزمن ويتجذر عميقا في الوجدان وفي السلوك ثم في القناعات. والخطورة لا تتأتى من تغوّله وإنما من اكتسابه لأجنحة المصداقية والشرعية، وبدل أن يتخفى الكذب السياسي ويتوارى خجولا قبيح المنظر، ينبري إلى الظهور في تبجح مقيت وفي صلفٍ أمقت. والنتيجة أننا عوض أن نهدر طاقةً معقولة ونسبية في مكافحة الكذب في وضعه الموضوعي حيث كل المؤسسات تدينه وتشجبه وتضعه في قفص التهمة، نتحول بفعل فاعل إلى مكافحة الكذب في وضعيته الجديدة التي أصبح يمتلك فيها شرعية الحضور. وشتّان بين القضاء على ظاهرة مرفوضة أصلا ولا شرعية لها، وبين القضاء على ظاهرة تدعمها المؤسسة وتصون لها شرعيتها.

هو الهدر التاريخي إذن، يأخذ منا كثيرا من الطاقة، ويحولنا إلى خطاب سياسي مأزوم ومعتلّ ومرضي. لكن الأغرب فيه أنه حالةٌ عامّة تكتسح جميع المجتمعات الإنسانية وتتوغل في عمقها الوجودي وفي وجودها الأعمق. وتتحول من حالات مرَضية قابلة للعلاج إلى حالات قائمة تفرض سياقها الغاشم على هذه المجتمعات، حاملة في يدها اليمنى شعار المصلحة العامّة وفي اليسرى شعار الحداثة الفارضة أنساق حيوات جديدة وجديرة بالعيش داخل منظورات تسويغية تقول بقبول كل شيء مادام يصب في فلسفة النفع العام.

من هنا، فداحة هذا المحكي في حياتنا العامة، والذي نسايره في تجذره الهادم دون التفكير الواعي بضرورة مكافحة ظواهره وردّه وردعه وتصويب الشأن السياسي شأنا قيمياً ينتصر للأخلاق ولتداعيات الأخلاق بدل الازورار عنها في مسلسل تاريخي حداثي كاذب.

لهذا تكبر في السياسي المقولات الكاذبة وتتجذر، ومن ثمّة تُسوّغ له القول، ويتمكن من القول، ويقول في قناعة من أمره أنه لا مناص من الكذب. ويقولها وهو المشبع بالقيم والمنتصر لها دوما والذائد عنها حتماً. وهنا بالذات ندرك حجم المفارقة لدى السياسي وهو يصنع التناقض الغريب في شأنه وفي شأن العامّة من الناس باعتبارهم موضوع هذا الكذب. إذ لا وجود لهذا السياسي في غياب مادة الكذب، أي جمهور المكذوبِ عليهم... من ثمّة، فالسؤال الينبغي طرحه هنا هو: ما أشكال المفارقة في موضوع الكذب السياسي؟

هناك شقّان في هذا المنحى المفارق: الأول يتعلق بغرابة هذا الكائن السياسي الذي يكذب على الناس في شأنٍ عمومي يتصل بحياتهم الراهنة والاستقبالية. وهو كائن غريب ومرَضي لأنه هو أول من يدرك أنه كاذب، وبالتالي فهو يضرب عرض الحائط هذا الداخل الذي يمثل حالة الإشراق فيه، وهي الحالة النادرة التي لا يستثمرها السياسي ولا يقلّب لها وجها ولا يقبل منها توجيهاً... وبعبارة أوضح، هو لا يرغب في استثمارها لأنها تتحول بفعل تاريخ تغييبها إلى نداء مخنوق ينبغي الاحتراز منه. هذه الحالة من الإشراق موجودة عند كل كائن حي ويختلف حضورها قوة وضعفا من كائن إلى آخر بحسب حجم تغذيتها وتطعيمها أو بتجويعها وإفقارها. إن هذه الحالة الإشراقية عند السياسي الكاذب هي أفقر الحالات الموجودة في الكائنات الحية المتكلمة في خطابات المسؤولية.

هذه الإشراقة المغبونة والمتعرضة للقصف من ذات السياسي نفسه هي إشارة قوية إلى سيمياء المازوشية والسادية في نفس الآن، بما يُفدِح الأمر ويجعله مقروءاً في عمقه الباني والهادم، حسب موقع المعني بالأمر وزاوية نظره، وأقصد المواطن في كل تجلياته الثقافية المسؤولة.فالبناء وارد في حالة الثقافة الواعية، والهدم أيضا وارد في حالة اللاثقافة.

و الثاني، يتعلق بالطرف المخاطب الذي يوجه إليه السياسي الكاذب خطابه، في ثنائية غير مفهومة البتّة. وهي ثنائية أشرحها كالتالي:

في الطرف الأول من الثنائية يقبع المواطن حاملا صوتاً ثميناً ومستكينا إلى قدرِ سياسي يخص حياته الخاصة والعامة، لا يصنعه هو ولكن ينتدب إلى فعل ذلك شخصا آخر يظن في سذاجة سياسية أنه سيمثله خير تمثيل. في هذا المنعطف تنسج اللعبة السياسية خيوطها العنكبوتية الآسرة للضحايا العالقة والتي تتحول إلى كائنات مخدَّرة، وغير قادرة على الفكاك. إلا أن الفرق بين العناكب والسياسيين أن الأولى تتغذى بالضحايا العالقة ميّتةً، في حين أن السياسيين الكاذبين يتغذون بالضحايا أحياء يرزقون.

و في الطرف الثاني من الثنائية يقبع السياسي الكاذب مشهراً في وجه المشهد السياسي برنامجا حزبيا يتقطر إدهاشا وكأن من صاغه خبير بالأحلام العسلية والطموحات الأغزر عسلا. وفي هذه المحطة بالذات ينبثق الوهم سيداً للموقف، بحيث يتحول السياسي إلى كائن يصدّق البرنامج الذي كان قبل اليوم أكذوبةً صنعها في لحظة انفصام مشهودة... ويتحول هذا الصدق إلى حقيقة عندما يكتشف السياسي أن المواطن المخاطب بهذا الشأن صدّق البرنامج وهضم طُعمه. وفي هذا التصديق المتبادل يتعملق الكذب ويتبجح ويتحول إلى طالب حق وشرعية ومصداقية وحضور. تمثل هذه الحالة وضعا سيكوباتيا غريباً، يمكن تلخيصه في العبارة التالية: السياسي يصنع الكذبة ويصدّقها.

إذن، ما هي الآليات الكفيلة بدعم هذا التصديق الواهم والمتحول في سياق سحري إلى ما يشبه الحقيقة ؟

إن أحسن الإجابات في هذا المقام تأتينا من قراءة ذلك التراكم الحاصل في التجارب التاريخية قديما وحديثا، والتي أولتْ للكذب السياسي حظوة مشهودة ومقصودة وفق منظور ينتصر للسلب بدل الإيجاب. وهو أمر مفهوم في سياق ديني يقول بطبيعة الكائن البشري المائل إلى الشر بدل الخير، وإلى القبح بدل الجمال، وإلى الباطل بدل الحق (إنّا هَديْناهُ السّبيلَ إمّا شاكِراً وإمّا كفورا) سورة الإنسان، الآية 3... وهو السياق الذي يعلن فيه الإنسان أيضا عن طبيعة الخصومة المجبول عليها (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِن نّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مبِين) سورة يس، الآية 77 ، في سياق آخر أكثر دلالة على جبلّة الطمع (إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ) سورة ص، الآية 23

و يتبدّى لنا في غير تفسير، وإنما في استلهامٍ لقراءة الآية الأخيرة، نسقُ الطمع الدافع الأساسي لبناء الوعود المعسولة القائمة على بلاغة الخطاب، تمهيدا لحصادٍ غير مشروع وغير شرعي.

 

نورالدين حنيف - المغرب

 

كريم المظفرزيارة وزيرة الخارجية السودانية مريم الصادق المهدي، الى موسكو بعد نيويورك حيث نوقش الأسبوع الماضي مصير محطة Hidase الإثيوبية لتوليد الطاقة الكهرومائية، ولقاءها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، جاءت لتبديد المخاوف الروسية وقلقها من تنامي الخطاب التهديدي في أزمة سد النهضة، والتي ابدتها موسكو خلال جلسة مجلس الامن الدولي الأسبوع الماضي، ومطالبتها بالابتعاد عن لغة التهديد في معالجة الازمة، رغم ان موسكو أعربت أيضا عن تفهمها موقف السودان ومصر من ملء وتشغيل سد النهضة، الا انها تشدد على أن حل الخلاف لا يكون إلا عبر الدبلوماسية، خصوصا وان الدول الثلاث ترتبط بعلاقات وطيدة مع موسكو.

وتعلق الدول الثلاث (السودان ومصر واثيوبيا) الآمال الآن على روسيا مرة أخرى، وزيارة الوزيرة المهدي جاءت بعد زيارة قام بها وزير الخارجية الإثيوبي ديميكي ميكونين الى موسكو في نهاية شهر يونيو، والاتصالات الدائمة بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بوزير الخارجية المصري سامخ شكري، وعلى وجه الخصوص، زيارة الوزير لافروف شخصيا في أبريل الماضي الى القاهرة.

وفي موسكو ركزت المباحثات السودانية الروسية، والتي جرت في قصر الضيافة التابع لوزارة لخارجية الروسية، على ملفين أساسيين، احداهما تنشد  السودان من خلاله استمالة موقف موسكو الى جانبها في نزاعها مع اثيوبيا حول سد النهضة، وبه عبرت المهدي عن قناعتها بأن يمكن لروسيا بما لديها من علاقات طيبة مع إثيوبيا أن تسعى إلى إقناع الجانب الإثيوبي بتحكيم صوت العقل وتقديم تنازلات للوصول إلى اتفاق يضمن مصالح الدول الثلاث، وعدم الإضرار بالسودان، كما فعلت في الملء الأول" لخزان سد النهضة، في حين استبقت موسكو زيارة الوزيرة المهدي، وأعرب الممثل الدائم للاتحاد الروسي لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، عقب اجتماع مجلس الأمن عن استعداد موسكو للمساعدة في حل الخلاف حول السد، مشيرًا إلى أن الدول الثلاث صديقة لروسيا.

اما الملف الثاني فهو شائك بعض الشيء، الا وهو موضوع التصديق على اتفاقية إنشاء مركز لوجستي للبحرية الروسية وفي بورتسودان، والذي بدأت فكرته خلال زيارة  الرئيس السوداني المخلوع عمر حسن البشير الى موسكو  في 2017،  والموقع عليها في السودان يوم 23 يوليو 2019، وفي موسكو  في الأول من ديسمبر 2020، وصادقت الحكومة الروسية عليها في يونيو الماضي، رغم تعليق الحكومة السودانية بضغوط أمريكية، بحجة عدم وجود هيئة تشريعية في الدولة مخولة بالتصديق على هذه الوثيقة، وبحسب المراقبين، فما ان أعلنت السودان تعليق الاتفاقية، حتى وافقت الولايات المتحدة على رفع السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، ولا يمكن اعتبار ذلك مصادفة أم أن الأحداث ما زالت مرتبطة، في حين رفض البنتاغون او المسئولين الأمريكان من التعليق على الخطوة السودانية .

الوزيرة السودانية ورغم إعلانها بعد مباحثاتها مع الوزير سيرغي لافروف، باستعداد السلطات السودانية "لبدء عملية التصديق" على اتفاقية إنشاء المركز اللوجستي للبحرية الروسية في البلاد، إلا أنها ألمحت بشفافية إلى أن إنشاء القاعدة سيعتمد إلى حد كبير على حل إيجابي لعدد من القضايا الأخرى، التي تعتمد عليها الخرطوم على تفهم موسكو ودعمها، وهنا المقصود التفهم الروسي لموقف السودان في قضية سد النهضة.

ووفقا للوزيرة السودانية فإن المجلس التشريعي السوداني، سيأخذ أثناء إجراءات التصديق على الاتفاق مع موسكو بشأن إنشاء مركز للبحرية الروسية على البحر الأحمر، في الاعتبار ما إذا كانت هذه الخطوة سيكون لها تأثير إيجابي على العلاقات الثنائية وما إذا كانت ستفيد السودان، بحد ذاتها، إضافة إلى ذلك، ستؤخذ "الأهداف الاستراتيجية التي تسعى إليها روسيا والسودان" بعين الاعتبار.

التصريحات السودانية الجديدة ومنها تصريح رئيس أركان القوات المسلحة السودانية، محمد عثمان الحسين، واعلانه في مطلع يونيو / حزيران، حول مراجعة الاتفاقية التي وقعتها حكومتا السودان( السابقة) وروسيا، نافية تعليق الاتفاقية، وان الحديث لا يتعلق بإلغاء الاتفاقات، بل يتعلق بتعديلها المحتمل، بدافع أن الوثيقة تحتوي على بعض البنود التي قد تضر بالدولة، وكما قال  الحسين، في مقابلة مع قناة النيل الأزرق السودانية، فإن "المفاوضات جارية حالياً لمراجعة هذه الاتفاقية لمراعاة مصالح السودان والفوائد التي تعود على السودان الولاية،  وأشار إلى أن عددا من بنود الوثيقة "أضرت بالدولة".

وكما أوضحت المهدي، فانه تم التوقيع على الاتفاقية من قبل الحكومة السابقة، فيما يتعين على الوزراء الذين أدوا اليمين في فبراير من هذا العام الخضوع للآلية التشريعية الجديدة، وقالت دون الخوض في التفاصيل "ستتم مناقشة هذه الوثيقة في إطارها وفقا للإجراءات المتبعة"، كما نوقشت قضية القاعدة خلال الزيارة الأخيرة لوزير دفاع السودان ياسين إبراهيم ياسين إلى روسيا، وبعد هذه الرحلة، بدأت موسكو إجراءات التصديق، مما أدى على ما يبدو إلى إزالة أي شكوك حول مصير المعاهدة.

الاتفاق بين روسيا والسودان بشأن إنشاء نقطة لوجستية (MTO) للبحرية الروسية على أراضي الدولة العربية في أوائل ديسمبر 2020، لتكون مصممة لإجراء الإصلاحات وإعادة الإمداد وبقية أفراد طاقم السفن الحربية الروسية، ووفقًا للوثيقة، فإن السودان ينقل للاستخدام المجاني طوال مدة الاتفاقية الإقليم والعقار، بما في ذلك المنطقة الساحلية والمنطقة المائية مع منطقة جبهة الرسو (مواقف الطائرات العائمة)، في الوقت نفسه، يجب ألا يتجاوز الحد الأقصى لعدد الأفراد العسكريين والمدنيين في المركز اللوجستي 300 شخص - الزيادة ممكنة فقط بالاتفاق مع السودان.

وتم تصميم الاتفاقية لمدة 25 عامًا مع تجديد تلقائي لمدة عشر سنوات في حالة عدم قيام أي من الطرفين بإخطار الطرف الآخر كتابيًا عبر القنوات الدبلوماسية بنيتهما في إنهاء الاتفاقية قبل عام واحد على الأقل من انتهاء الفترة التالية، وقبل التوقيع، تمت الموافقة على مسودة الوثيقة التي قدمتها وزارة الدفاع في الاتحاد الروسي من قبل وزارة خارجية الاتحاد الروسي والمحكمة العليا ومكتب المدعي العام ولجنة التحقيق في الاتحاد الروسي وتم إعداده بشكل أولي مع الجانب السوداني، وتنص الاتفاقية على أن موقع المركز اللوجستي للبحرية الروسية في السودان يلبي أهداف الحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة، وهو موقع دفاعي بطبيعته وليس موجهًا ضد دول أخرى.

كما تم خلال زيارة مريم المهدي، مناقشة وزراء الخارجية العديد من النزاعات في القارة الأفريقية، بما في ذلك في ليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى، فضلا عن القضايا المتعلقة بتكثيف التعاون الاقتصادي الثنائي،  وتأمل الخرطوم في توقيع مذكرة مع موسكو تسمح بشطب الديون السودانية،  وقالت السيدة المهدي "سيكون لحل هذه القضية تأثير إيجابي على "مناقشاتنا في نادي باريس"، حيث  يجري السودانيون مفاوضات مماثلة في عواصم العالم الأخرى، وعلى وجه الخصوص، أعلنت باريس وبرلين بالفعل عن إلغاء الديون، كما أنهم مستعدون لمساعدة الخرطوم في تسوية ديونها لصندوق النقد الدولي، ووافق صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في نهاية شهر يونيو على تخفيض ديون السودان من 56 مليار دولار إلى 28 مليار دولار، وفي حالة استمرار الإصلاحات الاقتصادية بنجاح يمكن تخفيض المبلغ إلى 6 مليارات دولار.

وتأمل الخرطوم أيضا في جذب الاستثمار الأجنبي، وأصبح هذا ممكنا بفضل استبعاد السودان من القائمة الأمريكية للدول الداعمة للإرهاب، واتخذت الولايات المتحدة هذه الخطوة بعد الإطاحة بالرئيس عمر البشير في أبريل 2019، وتعهدات الخرطوم بإكمال انتقال السلطة من الجيش إلى المدنيين، وإشراك السودانيين في عملية تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

وتبني موسكو أيضا آمالا كبيرة على وجود مركز لوجستي على البحر الأحمر في السودان، لما له من أهمية كبيرة بالنسبة لروسيا، لأنه يوفر وصولاً مفتوحًا إلى المحيط ويسمح لها بالسيطرة ليس فقط على البحر الأحمر، ولكن أيضًا على ساحل العرب وشبه الجزيرة، وكذلك لضمان سلامة طرق النقل البحري الاستراتيجية لروسيا في مناطق مختلفة من المحيط العالمي، بالإضافة الى ان روسيا تعتزم الانخراط بجدية في لعبة السياسة الخارجية المعقدة التي تتكشف الآن في المحيطين الهندي والهادئ.

روسيا منتظرة في المنطقة، من وجهة نظر المراقبين، ليس فقط البلدان التي كانت في السابق في منطقة النفوذ السوفيتي، مثل موزمبيق ومدغشقر وسيشيل، ولكن أيضًا دول أخرى على ساحل شرق إفريقيا وجزر المحيط الهندي، في ظل ظروف التوسع الاقتصادي الصيني والهندي والأوروبي والأمريكي، فإن وجود لاعب آخر مهتم يمنحهم الفرصة لاتباع سياسة أكثر مرونة ومناورة، في مقابل تزويد الشركات الروسية بالعقود، والأسطول بقواعد ونقاط التوريد.

وكما هو فإن السودان تعيش الآن فترة انتقالية ستنتهي في نهاية عام 2023 في أحسن الأحوال، وستُجرى الانتخابات البرلمانية قبل عام 2024، ويصر السودان على أن الاتفاق مع روسيا لاغ وباطل بدون موافقة البرلمان، لكن الاتفاق على إنشاء القاعدة تم التوقيع عليه بالفعل في غياب هيئة تشريعية، مما يعني أن الطرفين لا يسعهما إلا التحدث عن هذه النقطة حتى في مرحلة صياغة الاتفاقية، وفي الخرطوم، ووفقًا لرئيس الأركان العامة، لا ترتبط مراجعة الاتفاقية مع موسكو بأي شكل من الأشكال بتحسين العلاقات مع واشنطن.

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

 

عبد الحسين صالح الطائيأحدثت ثورة 14 تموز نقلة نوعية في نظام الحكم، برز أثرها على كل مناحي الحياة السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية، واسهمت في إبراز الهوية الوطنية وبناء الشخصية العراقية التي توفرت لها البيئة المناسبة وأتاحت لها حرية الإنتماء للأحزاب والتعبير في الصحافة  وتفعيل المؤسسات الاعلامية والارتباط بمؤسسات المجتمع المدني.

شرعت الحكومة الفتية بزعامة عبدالكريم قاسم الكثير من الانجازات والقرارات والقوانين والتشريعات التي تخدم قطاعات المجتمع المختلفة، كقانون الإصلاح الزراعي رقم (30) في 30/09/1958، الذي أحدث نقلة كبيرة في تحجيم سلطة الاقطاع، وتحسين حياة الفلاح ونشر الثقافة بين الفلاحين وتطوير أساليب الزراعة. وقرار خروج العراق من حلف بغداد يوم 24/03/1959 يمثل أحد الأهداف الرئيسية للثورة ، وخروجه من الكتلة الاسترلينية التي أضرت بالاقتصاد العراقي في 23/06/1959. وقانون رقم (80) في نهاية 1961، ألغى الامتيازات وحدد مساحة الأرض للشركات الاحتكارية النفطية العاملة، أي تشمل فقط الحقول المستثمرة وسيطرة الدولة العراقية على باقي الأراضي غيرالمستثمرة من قبل الشركات النفطية التي تقدر بأكثر من (98) من مساحة العراق.

توجه العراق إلى تطوير المؤسسة العسكرية والأمنية بتنويع مصادر السلاح والانفتاح على الكتلة الشرقية وبالأخص الاتحاد السوفيتي بموجب اتفاقيات لتجهيز العراق بالاسلحة الحديثة. وبادرت الحكومة بتطوير مشاريع الاسكان وتوسيع الخدمات في مجالات شبكة  الكهرباء، والاهتمام بقطاع التعليم وذلك بتشييد الآلاف من المؤسسات التعليمية، وتوسعت بالقطاع الصحي بمختلف مناطق العراق في الأرياف والمدن.

نفذت الحكومة العديد من المشاريع التنموية، ورسمت الخطط الخمسية  التي تهدف إلى تنوع الاقتصاد ورفده بقيمة مادية مضافة من الصناعات التحويلية والصناعات الثقيلة والخفيفة لتوفير فرص عمل جديدة للقضاء على البطالة. وقد هيأت الدولة المراكز والمعاهد الفنية للتدريب والتطويرلتأهيل الطاقات الابداعية والارشادية في عموم العراق لتحويل البنية التحتية المتخلفة إلى بنى تحتية حديثة تواكب تطلعات ثورة 14 تموز والنهوض بالمجتمع العراقي في المجالات كافة. حيث تمكن الزعيم عبدالكريم من تحقيق أكثر من (85%) من أهدافه، مما أدى إلى تحقيق الرفاهية بنسبة عالية في أكثر أوجه النشاط الاقتصادي.

ناصب الرئيس المصري جمال عبدالناصر العداء لثورة 14 تموز، كان ناقماً على القيادة العسكرية العراقية، مد يد العون لكل من وجد فيه الإمكانية لمقارعة وتقويض الحكم في العراق حسب اعتراف الكثير من القيادات القومية. كان حلم عبدالناصر بضم العراق إلى دولته الكبرى لتحقيق الوحدة التي لم ترَ النور. ذكر طالب شبيب في حديثه عن الوحدة بين مصر والعراق، نقلاً عن كتاب علي كريم سعيد، عراق 8 شباط 1963: "كانت اذهاننا تضج بشعارات ومشاريع كبرى دون التفكير بآليات تحقيقها ورغم ذلك عقدنا العزم واندفعنا فاصطدمنا برجل مثل عبدالكريم قاسم الذي كان وطنياً ولا يخرج في أفكاره عن نطاق تصورنا فقضينا على بعضنا وخرجنا جميعاً خاسرين".

سقطت الوحدة بين مصر وسوريا يوم الخميس 28/09/1961 بعد أن استولى على مقاليد الحكم في دمشق ضباط من الجيش السوري بقيادة العقيد صبري العسلي وإعلان الانفصال عن مصر.

تعرضت ثورة تموز للتآمر على منجزاتها من ادعياء القومية العربية، وجرت محاولات عدائية كثيرة ضد مسيرة الثورة. اعلن التمرد والعصيان في الموصل بعد عقد مؤتمر انصار السلام يوم الجمعة 06/03/1959، كانت الأمور طبيعية وبعلم آمر اللواء الخامس العقيد الركن عبدالوهاب الشواف، ولكن مظاهرات معادية تم تدبيرها من البعثيين والقوميين والاقطاعيين وعملاء الشركات النفطية أدت إلى حالة من الفوضى والسلب والنهب ونشوب حرائق وتدمير سيارات.

تمت السيطرة على مدينة الموصل بقوات عسكرية يقودها المقدم اسماعيل هرمز آمر الفوج الثاني من اللواء الخامس، وتم اطلاق سراح المعتقلين من القوميين والمعادين لثورة تموز واعتقال العناصر الموالية للثورة وايداعها السجون، وإعتبار منظمة انصار السلام واجهة من واجهات الحزب الشيوعي العراقي، وإن عقد مؤتمرها في الموصل يُعد تحدياً لمشاعر القوميين وأنصارهم.

اعلن البيان الأول للتمرد من اذاعة في مقر قيادة العقيد الركن عبدالوهاب الشواف في معسكر الغزلاني القريب من مدينة الموصل. وتم الاتصال بالجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا) لطلب المساعدة في إعلان بيان التمرد والتدخل لنصرتهم، وبالفعل وصلت الطائرات إلى مطار الموصل، ولكن بسبب فشل التمرد تم الاتصال بالطيارين العرب وطلب منهم العودة إلى سوريا. وقد سيق المتهمون بمؤامرة الموصل إلى المحكمة العسكرية العليا الخاصة في بغداد (محكمة الشعب) برئاسة العقيد فاضل عباس المهداوي، وجهت لهم تهمة التآمر لقلب نظام الحكم والتعاون مع دولة أجنبية.  أصدرت المحكمة أحكام مختلفة بينها حكم الاعدام، تم إعدام (22) ضابطاً ومدني من مجموع (74) متهماً، ممن تآمروا وارتبطوا في حركة الموصل ومعهم أربعة من العهد الملكي.

كان الدور الرجعي في العراق والمنطقة العربية والاقليمية هو بث السموم الفكرية لتسميم الرأي العام وتأليب الناس للنيل من ثورة تموز من خلال مختلف وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمكتوبة في القاهرة ودمشق والرياض وطهران وتركيا ولندن وصوت امريكا والكويت وبيروت، أضف إلى ذلك دور الأحزاب الاسلامية المرتبطة بمصر وايران خوفاً من الخطر الشيوعي.

ذكر أمين سر القيادة القطرية لحزب البعث فؤاد الركابي بعد خروجه والوزراء القوميين من تشكلية الحكومة العراقية برئاسة عبدالكريم في شباط 1959 "فكرنا باغتيال عبدالكريم قاسم والاستيلاء على السلطة بالعراق بالتعاون مع حركة القوميين العرب". وتطوع لهذه المهمة مجموعة من شقاوات وعصابات بغداد ومن افراد عاطلين عن العمل اغروا بأموال خيالية ومناصب في حالة تنفيذ الاغتيال ونجاح الخطة، ومن هؤلاء صدام حسين.

وفي خطوة انسانية عفا الزعيم عبدالكريم عن المتآمرين بعد سنتين من إصدار الأحكام عليهم، ولكن هؤلاء المفرج عنهم ازدادوا تآمراً وخيانة، حيث استمر مسلسل التآمر حتى اغتالوا الثورة بانقلاب فاشي في الثامن من شباط 1963، بمؤامرة دبرتها المخابرات الأمريكية والبريطانية والمصرية والأردنية وايتام العهد الملكي.

كان عبدالسلام عارف على دراية بالانقلاب كوجه عسكري معروف على صعيد العراق لاشتراكه باذاعة بيانات ثورة 14 تموز من دار الاذاعة، وكانت القيادة المدنية لحزب البعث التي قادت التآمر مكونة من حازم جواد وهاني الفكيكي وطالب شبيب وحميد خلخال وعبدالستار الدوري وحمدي عبدالمجيد. تولت بعض القطاعات الصغيرة الاستيلاء على مرسلات الاذاعة في ابي غريب واذاعة بيان مضلل باغتيال الزعيم عبدالكريم بالقصف الجوي على وزارة الدفاع واحالة الضباط الآخرين من ذوي الرتب العالية على التقاعد.

لكن الزعيم ومن معه من الضباط على بينة وصدمة حقيقية من المتآمرين. صعدت الجماهير الشعبية من هجماتها على المتآمرين وهاجمها المتمردون بكافة أنواع الاسلحة مما أدى إلى استشهاد اعداد كبيرة، واستمرت المعركة مع المتآمرين ثلاثة أيام من بعد إعدام الزعيم عبدالكريم وطه الشيخ أحمد وفاضل عباس المهداوي وكنعان خليل حداد.

لا غرابة في نجاح مؤامرة الانقلاب واغتيال ثورة تموز في اليوم الأسود الثامن من شباط 1963، لأنهم مارسوا كل أساليب الخديعة، وحسب عضو القيادة القطرية هاني الفكيكي في كتابه أوكار الهزيمة أن البعثين تلقوا الدعم المادي والتدريب على السلاح من الجهات الأجنبية، أي تمت الخيانة الوطنية بالإستعانة بالأجانب والتآمر على الحكم الوطني وممارسة الدور الاجرامي بحق المواطنين العراقين.

تبقى ثورة 14 تموز رمزاً للوطنية العراقية، والمجد والخلود لكل الشهداء.

 

د. عبد الحسين الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في لندن

.....................

المراجع:

- عارف عبدالواحد المحمودي: اغتيال ثورة 14 تموز 1958 في العراق، مؤسسة ثائر العصامي، بغداد 2017.

- د. فائزة عباس المهداوي: هل انصفنا التاريخ، دار ومكتبة كلكامش للطباعة والنشر، بغداد 2020.

 

 

عامر صالحالخرافة في معناها العام تعني البعد عن الحقيقة، والخرافة هي اعتقاد أو فكرة لا تتفق مع الواقع الموضوعي بشرط أن يكون لهذا الاعتقاد استمرارية وله وظيفة في حياة من يؤمنون بها ويستخدموها في مواجهة بعض المواقف وفي حل بعض المشكلات الخاصة بهم في الحياة رغم عدم عثورهم على الحل الحقيقي والمنطقي الذي ينسجم مع طبيعة العقل في حل المشكلات.

والتفكير الخرافي يفتقد إلى العلية أو السببية العلمية" أي إن لكل ظاهرة اجتماعية أو طبيعية سبب واحد أو مجموعة أسباب ويمكن التحكم فيها عبر حصرها في دائرة أسبابها ثم فهمها فهما صحيحا وصولا إلى التحكم فيها "، ويبحث التفكير الخرافي عن تفسير للظواهر الطبيعية والاجتماعية خارج إطار أسبابها الحقيقة، وغالبا ما يبحث عن أسباب ماورائية ميتافيزيقية غيبية. وتنتشر الخرافة انتشارا واسعا كلما زادت ظروف الحياة صعوبة وكلما زادت الأخطار المختلفة من اقتصادية واجتماعية وأمنية التي تهدد جماعة ما دون العثور على الحلول الطبيعية والممكنة لذلك. وتنتشر الخرافة في أوساط اجتماعية مختلفة ذات ثقافة فرعية سواء كانت مهنية أو دينية أو طائفية في إطار المجتمع العام حيث يعم القلق والاضطراب وعدم الاستقرار وانعدام الحلول الواقعية.

لا اريد هنا استفزاز مشاعر الناس بمختلف معتقداتهم وطقوسهم الدينية والمذهبية وسلوكياتهم الأيمانية في دفع الاخطار المهددة لحياتهم جراء المخاطر المختلفة التي تحدق بوجودهم، من امراض مختلفة وأوبئة او توقعات بكوارث قادمة، ولكن ماهو مجافي لمكانة الانسان وحرمته هو اللجوء الى ما يعقد حياة الانسان ويضعها على حافة الاخطار الجدية جراء فهم مشوه للدين او المعتقد وممارسة طقوس تفضي الى تشديد قبضة الامراض والابئة وانتشارها على خلفية ممارسة طقوس تفضي الى انتشار الوباء كما هو في وباء كورونا، الذي سهل انتشاره وتمعقله وحتى تحوره الى اشكال مختلفة جراء الطعن بمكانة العلم والتشكيك بجدوى اللقاح وعدم اخذه، وحتى التشجيع على عدم اخذه في اعتقاد متخلف انه سبب الوباء.

وقد وصل الامر الى الاستعانة بأنصاف المراجع والفتاوى بل والاستعانة بعامة الناس من يمارسو الطقوس الدينية شكلا بدون مضمون الى الأخذ بوصفات شعبية وتعويذات وطقوس مختلفة للخلاص من الوباء، ولكن كانت نتائجها القريبة هو انتشار الوباء على اشده وتحوله الى كوارث يومية تؤدي بحياة الناس وتيتم الاطفال وتقتل النساء والرجال دون شفاعة من احد، فكانت الزيارات الدينية لمختلف المراقد والامكنة الدينية تأتي بنتائج عكسية حيث طبيعة الزيارات الحشدية تسهم بشكل فعال في انتشار وباء كورونا وتحوره الى اشكال خطيرة وسريعة الانتشار" رغم ان هناك بعض من المراجع الدينية تؤكد الأخذ بنصيحة الطبيب والجهات الصحية والحكومية المختصة وارشاداتها العامة بهذا الخصوص"، ولكن الخرافة شقت طريقها بهدوء وعمق الى مخيلة الناس لكي تغزز من استفحال الوباء وانتشاره وتكثر من الضحايا، ومن النماذج المتأصلة في تفكير الكثير من عامة الناس: ان الوباء قدر ألهي وعقاب رباني لما يقترفه الناس من مساوئ وموبقات في الدنيا ونسوا المعتقد السائد ان الله يحاسب في الآخرة على الافعال، وعندما كان الوباء محصورا في الصين كان عقابا للصين على سوء معاملتها للأقلية المسلمة كما يدعون، وعندما انتشر على اراضي المسلمين اختلف الامر واصبح عقابا ربانيا على الافعال وان الاوبئة اقدار من الرب والحكايات كثيرة ومعبئة بزخم انتشار الفكر الخرافي في عقول الناس.

اما علاج كورونا خرافيا فقد تنوعت اشكاله وابرزها رفض اللقاح لانه يقي من الاصابة، وقبل ان يتم اكتشاف اللقاح كان الجميع بأنتظاره، ونشر وعي مزيف بأن كل من اخذ اللقاح او معظمهم في العراق اصيبوا بكورونا، الى جانب الوصفات الشعبية بتناول بعض المأكولات بانتظام طقوسي وشرب بعض السوائل ايضا وقراءة التعويذات بانتطام وبترديد اشد وطأة من المعتاد كي يقف مناعة ضد الفيروس ولعل من الوصفات التي شاعت مؤخرا في العراق هو تناول خمسة حبات من التمر يوميا مع اكل نصف رمانة واضفاء قدسية على تلك الوصفة بأنها "وصفة من الصين وقد عالجت الوباء هناك بسرعة"، ولكن النتائج الميدانية في العراق تقول مزيدا من حبات التمر والرمان تقابلها ارتفاع نسبة الاصابة حيث انعدام العلاقة المنطقية بين هذا وذاك والحديث يطول.

استورد العراق اكثر من 16 مليون جرعة لقاح ضد كورونا ولم يبلغ عدد الملقحين لحد المليون ونصف في بلد يقترب او بلغ عدد سكانه 40 مليون نسمة وبقسمة بسيطة لو حصل كل عراقي جرعة واحدة لبلغ عدد الملقحين 16مليون واذا اخذ جرعتين فهناك 8 ملايين ملقح ويصل المجتمع بسرعة مقبولة الى ما يسمى " بمناعة القطيع ". وأرد هنا نموذجا لأحدى دول العالم وهي السويد" رغم ان المقاررنة فيها الكثير من الاجحاف بحق العراق لأن السويد احدى بلدان العالم المتقدم، ولكن العراق يمتلك موارد قد تجعله منافسا للكثير من دول العالم ان توفرت الظروف لذلك، حتى الآن، تلقى ما يقرب من 5.5 مليون من جميع السويديين جرعة واحدة على الأقل من لقاح كوفيد، وتلقى حوالي 3.5 مليون أيضًا جرعتهم الثانية (عدد السكان 10 ملايين)، ويقف المواطن في الطابور لتعاطي اللقاح بأنتظام وحسب الفئات العمرية والمهن ذات الخطورة.

لقد شيدت الحضارات الإنسانية المعاصرة بالاستناد إلى التراكم المعرفي العلمي في مختلف المجالات التي نشهدها اليوم، ولم تبني الخرافة أي عالم معاصر لأنها لا تستجيب منطقيا لحاجات الإنسان المتواصلة في العيش الكريم وفي البحث عن حلول لمشكلاته. وفي الوقت الذي تنحسر فيه الخرافة في المجتمعات المتقدمة انحسارا شديدا وتبقى في أطرها الفردية الضيقة، فأنها تشيع شيوعا مذهلا في المجتمعات المتخلفة وتهدد بناء المستقبل تهديدا لا ياستهان به، بل يستعان بها لبناء المستقبل وأي مستقبل يشيد بالخرافة. ويبدو إن الخرافة ستظل تضطلع بدورها الكبير في نفسية الأفراد والجماعات مهما تقدمت العلوم والمعارف وذلك للأسباب الآتية:

1ـ لأن سواد الناس ليس في وسعهم أن يتخلصوا من العقلية البدائية، فكل ما ينهكهم ويوهن أجسادهم ويقض مضاجعهم كالمرض والحزن والفقر والمصيبة وما إلى ذلك، لابد أن يدفعهم إليها طوعا أو أكراها.

2ـ لأن الإنسان يعاني من جوع نفسي، فهو يصعب عليه أن يعترف بجهله وعجزه. انه يؤثر الخداع الذي تشيعه الخرافة على الفراغ النفسي الذي لا يطاق والذي يشعره بالعدم.

3ـ لأن سواد الناس تلم بهم حاجة ملحة إلى المشاركة بالوجود. فهم لا يكفيهم أن يؤمنوا بالقيم أو أن يتقبلوها. أنهم يصبون إلى الاتصال بها.

وهكذا فالخرافة تشيع التوازن بين الإنسان وبيئته، وتنظم زمانه ومكانه، وتمد له في الوجود مدا، على تفاوت في الناس. ففي الوقت الذي يكون فيه تحكم الخرافة هامشيا في حياة الناس في المجتمعات المتقدمة، فأنها تشكل مفتاح الحل في مجتمعاتنا المتخلفة، بل هي العصا السحرية لكل صغيرة وكبيرة.

لقد شاهدنا في بداية انطلاق فيروس كوونا وبفعل محدودية المعارف عنه وقبل اكتشاف اللقاح ان الخرافة اخذت حيزا كبيرا في عقول الناس وفي مختلف مجتمعات العالم بغض النظر عن مستوى تطورها، بدا من رفض وجود هكذا فيروس واعتباره كذبة كبرى على الصعيد العالمي او انه فيروس صيني مصنع لمقاتلة امريكا او بالعكس انه فيروس امريكي لأعلان الحرب على الصين او انه جند الله لمحاربة الغرب الكافر وهكذا، وقد رافق ذلك رفض وتعنت من قبل الناس لوضع الكمامات ورفض فكرة التباعد الاجتماعي، ولكن ما ان انجلت حقيقة الفيروس والمعرفة به ثم اكتشاف لقاحات من عدة شركات عالمية له حتى بدأت النفوس تهدأ واخذ العقل يشق طريقه في ملاحقة الفيروس، وقد لعب هنا دور العلم ومكانته والثقافة العلمية المجتمعية الى جانب متانة المؤسسات الصحية دورا كبيرا ولكنه متفاوت على الصعيد العالمي استنادا الى مستويات التطور الاجتماعي وقد عبر الفيروس بوضوح عن صراع التخلف مع التقدم.

وللأنصاف فأن هناك في اقصى العالم المتقدم فسحة من الخرافة وبالمقابل هناك في العالم الآخر فسحة من التفكير العلمي والعقلانية ولكن الاختلاف في فسحات ذلك في حياة الناس اليومية ورقيها والتعويل على هذا وذاك في بناء المستقبل. ولكن الاخطر في ذلك هو شرعنة الخرافة وزجها في التفكير الديني حتى اصبح من الصعب الفصل بينهما بل اصبحت الخرافة دين والدين خرافة واصبحت الخرافة مقدسة الى درجة ان من يعترض عليها يعترض على الدين واصبحت الخرافة تستمد القوة والثبات من الدين.

في العراق الحال اسوء عن مما ننظر له حيث اختلط الدين في السياسة والخرافة وقد انتج ذلك خلال اكثر من 18 عاما نظاما محاصصتيا منتج للتطرف والخرافة ويسعى لتكريس الخرافة كسلوك تخدم بقائه واعادة انتاجه ولا نستغرب من فساد اداري ومالي استنزف موارد البلاد وانهيار للبنية التحتية والخدمية من صحة وتعليم وغيرها وانعدام ابسط مقومات الحياة الكريمة، ونشير هنا الى انهيار القطاع الصحي وضعف ادائه وعدم توفر ابسط المستلزمات حتى بدت مخاوف المواطن من اخذ اللقاح وعدم ذهابه الى مراكزه واضحة جدا وهي من اسباب العزوف عن التلقيح، وقد تحالف هذا الانهيار مع الخرافة لينتج اشكال خطرة من الاحجام في وقت وصلت فيه الاصابات في بعض الايام بحدود تسعة آلاف اصابة ويقترب مجموع الاصابات الكلية من المليون والنصف.

 

د. عامر صالح

 

 

عبد القهار الحجاريلا يوجد يسار يصرح أنه غير وحدوي، كل الأحزاب والتنظيمات اليسارية بالمغرب، بدء بالشيوعي المغربي والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، مرورا باليسار السبعيني السري ووصولا إلى صيغ التجميع الحالية يحضر خطاب الوحدة قويا في أدبياتها السياسية، مع أنها كلها عرفت وتعرف ظاهرة الانشقاق، كأن قدر هذا اليسار التشرذم والانشطار، والانحدار الدائم إلى المزيد من الضعف والانقسام، إنه فصام فكري وسياسي أن نرفع شعار الوحدة، ونحن نشهر معاول الهدم والانشقاق.

وشتان بين الشعار وتطبيق الشعار، فلا تقاس وحدوية أي توجه بمدى حضور شعار الوحدة في خطابه السياسي، بل بمدى تشبعه بثقافة الوحدة، فقد كانت الناصرية والبعثية والستالينية وحدوية الخطاب دموية الممارسة حد الفظاعة في آن معا، ولهذه التوجهات الشمولية في اليسار المغربي امتدادها وانعكاسها حتى لقد قيل " متى هطلت الأمطار عندهم رفع الرفاق عندنا مظلاتهم"، ذلك هو اليسار الذي لا يزال حبيس التقليدوية القائمة على الولاء والنقل والاتباع والقبلية والحلقية الضيقة.

إذا كانت الثقافة تظهر في النشاط الفكري والمعرفي والعلمي، وفي كل أنماط السلوك البشري وفي العادات والتقاليد والأعراف والنظم والقوانين ...فإن جوهرها يكمن في كيفية تمثل العالم وطريقة التفكير وفهم الأشياء واتخاذ الموقف منها.

أما الوحدة فتقوم على الجمع على أساس الحدود الدنيا والقواسم المشتركة وعلى قاعدة قبول الاختلاف والقدرة على العيش المشترك، ووحدة اليسار بهذا المهنى تنصب على تقليص مساحة التعارض، وتوسيع دوائر الالتقاء، ليصبح الاختلاف حافزا على الائتلاف عبر قبوله وتدبيره بالتنازلات واللين وتقوية المشترك، واستحضار المصلحة العامة في تحديد المواقف والسياسات والبرامج وتخطيط التحالفات، حتى يتحول الاختلاف إلى عامل قوة وخصب فكري ونظري باعتماد المراجعة والنقد والنقد الذاتي والابداع لا منطلقا للتقوقع والاتباع والتعصب الحلقي وهي المسلكيات الناسفة لكل مشروع يخضع للانفعال وتعوزه العقلانية.

ثقافة الوحدة تكون بهذا رؤية وموقفا واعيا بالشرط التاريخي للتقدم والحاجة إلى تجنيب اليسار المزيد من الإخفاقات والأخطاء القاتلة المفضية إلى التشرذم والانقسام، والحاجة إلى تغليب روح الجمع والائتلاف الضمانة الأساسية لقوة الصف التقدمي الديمقراطي، من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية ونقل المجتمع إلى طور الحداثة والتقدم، وبناء الدولة المدنية الحديثة القائمة على الحرية والديمقراطية والعيش الكريم للمواطنات والمواطنين.

وإذا كانت وحدة اليسار والصف الديمقراطي عامة موقفا واعيا، وثقافة أصيلة في التوجه السياسي لا مجرد شعار للاستهلاك السياسي، فإنها بذلك تكون قناعة مبدئية غير قابلة للتجزيء أو للكيل بمكيالين، لا تتأثر بحسابات اللحظة السياسية كالانتخابات مثلا، وإلا تغدو الوحدة مجردتكتيك سياسي لتحقيق مآرب حزبية أو ذاتية ضيقة، ولذلك تعطينا ثقافة الوحدة وعيا عميقا بأهميتها في المدى المنظور والبعيد، فتكون بذلك اختيارا استراتيجيا مرتبطا بأهداف بعيدة تنشد تحقيق تغيير عميق في المجتمع والدولة (دمقرطة الدولة ودمقرطة المجتمع)، ولا تقف عند السقف الانتخابي كما هو الحال في مشروع الفدرالية المتسرع للاندماج لأن أقصى ما يطمح إليه هو توسيع التمثيلية في المؤسسات.

إن وحدة اليسار يجب أن تكون محكومة بثقافة سياسية جديدة ذات آفاق مستقبلية، تتجاوز السقف الانتخابي نحو تهيييء أسس الانتقال الديمقراطي، وبذلك فإنها ترقى إلى أن تكون تفكيرا عقلانيا متفردا في الأداة الحزبية كيف تتحول إلى رافعة قوية تشيع الأمل وتبني المستقبل، كيف تتحول إلى مدرسة للديمقراطية تزخر بالاعتمال الفكري القائم على المبدأ لا على الماكيافيلية.

أما ذهنية الانشقاق فهي طريقة تفكير انفعالية حبيسة رؤية ضيقة غير عقلانية، ينزع أصحابها إلى التفرقة حتى وإن زعموا أنهم وحدويون، وبما أنها نزعة غير عقلانية فإنها لا تقبل النقد ويعوزها النقد الذاتي ولا تتعايش مع الاختلاف إذ لا تؤمن به في العمق، فتنزع إلى الانشقاق بحثا عن تربة نمطية هادئة غير قلقة لا يشوبها اختلاف ولا صراع، لأن الصراع عند ذوي النزعة الانشقاقية لا بد أن يحسم بالعنف: قذف وشتم واتهام... ثم انشقاق أو كما يسمونه "فك الارتباط"، ولا يعترفون بصراع الأفكار المثمر، وهذه طبيعة الإديولوجيات الشمولية، فهي صدامية استبدادية لا تستطيع التعايش وتطوير الذات التنظيمية والأداة الحزبية، لأنها لم تتمثل بعد ثقافة الديمقراطية تمثلا عميقا.

إن ذهنية الانشقاق لا تؤمن بالوحدة إلا كاختيار تكتيكي مرحلي، تمليه الحاجة الانتخابية، وليست قناعة مبدئية واختيارا استراتيجيا، وهذا ما يفسر عدم اكتراث أصحابها بالتأسبس الفكري والوضوح النظري للتحالف بصيغة الاندماج وهو أرقى صيغة للوحدة وأصعبها على الاطلاق، وهو ما يفسر أيضا استغلالهم للحق في التيارات من أجل السيطرة وفرض توجه واحد وإقصاء التيارات الأخرى، لأنهم لم يألفوا التعايش في إطار الاختلاف وتعودوا على الانشقاق في انتماءاتهم السابقة، وهو حال اليسار التقليدي  (الحركة الاتحادية) وقسم من اليسار الجديد (المستقلون).

فلا يمكن أن تجتمع في عقل واحد ثقافة الوحدة التي يستحيل بناؤها على الشمولية وذهنية الانشقاق التي لا تعترف بالتعايش في إطار الاختلاف، ولا ترفع شعار الوحدة إلا كاختيار مرحلي تكتيكي انتخابي، لا كقناعة مبدئية وتحالف استراتيجي، وليسأل المنشقون اليوم أنفسهم: ماذا حقق رفاقهم المنشقون من قبل؟ ماذا حقق أصحاب منصة أوطيل حسان؟ ماذا حققت الانشقاقات السابقة في اليسار منذ الاستقلال غير الانكسار والانتكاس والخيبة وتيئييس الجماهير.

 

عبد القهار الحجاري

 

 

كريم المظفرتصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في رده على احد أسئلة "الخط المباشر" مع المواطنين، بإنه يعتبر الروس والأوكرانيين شعبا واحد، أثارت ردود فعل غير مريحة من الرئيس الاوكراني فلاديمير زيلينسكي الذي قال، "أن الأمر ليس كذلك، ولكل من الشعبين طريقه الخاص، دعونا أخيرا نضع النقاط على الحروف، نحن بالتأكيد لسنا شعبا واحدا"، وهو ذاته القائل عندما تولى منصب الرئاسة "روسيا وأوكرانيا نحن فعلا شعبان شقيقان، ونحن من نفس اللون، لدينا نفس الدم، كلنا نفهم بعضنا البعض بغض النظر عن اللغة"، فما الذي تغيير، حتى يرجع الرئيس زيلينسكي بكلامه؟

الرئيس الروسي في مقاله خصص للوحدة التاريخية للروس والأوكرانيين، والذي جاءت فكرة إعداد مثل هذه المادة خلال الخط المباشر الذي اجري في 30 يونيو، وتم نُشر المقال على موقع الكرملين على الإنترنت باللغتين الروسية والأوكرانية في آن واحد، وعبر الرئيس الروسي عن قناعته، بأن الروس والأوكرانيون هم شعب واحد وكامل واحد، وحاول بوتين ان يضع في مقاله النقاط على الحروف، حول أسباب هذا التغيير في السياسة الأوكرانية تجاه روسيا، وشدد على انه قبل عام 2014 بوقت طويل، كانت واشنطن ودول الاتحاد الأوروبي تضغط بشكل منهجي على كييف لتقييد التعاون الاقتصادي مع موسكو، وهكذا كانت أوكرانيا تنجر إلى لعبة جيوسياسية خطيرة هدفها تحويلها إلى حاجز بين أوروبا وروسيا.

وأكد بوتين انه لا مكان لأوكرانيا ذات سيادة في مشروع "مناهضة روسيا"، وكذلك للقوى السياسية التي تحاول الدفاع عن استقلالها الحقيقي، ومع ذلك، شدد على أن روسيا لن تصبح أبدًا "مناهضة لأوكرانيا"، ووفقا للخبراء، فان المقالة يجب أن تجذب انتباه الأشخاص الأذكياء في الدولة المجاورة، الذين سيتفهمون أين تجذبهم القيادة الحالية، وبمجرد حدوث ذلك، سيصبح كل شيء في مكانه الصحيح في العلاقات بين الاثنين.

وكتب الرئيس بوتين " أود أن أؤكد على الفور أنني أرى الجدار الذي ظهر في السنوات الأخيرة بين روسيا وأوكرانيا، بين أجزاء من فضاء تاريخي وروحي واحد، على أنه محنة مشتركة كبيرة، كمأساة "، بهذه الكلمات خاطب الرئيس الروسي الشعب الاوكراني وقال "هذه، أولاً وقبل كل شيء، عواقب أخطائنا التي ارتكبناها في فترات مختلفة"، مشيرا الى انه بالإضافة إلى ذلك، فإن الوضع الحالي هو نتيجة العمل الهادف لتلك القوى التي سعت دائمًا إلى تقويض وحدة الشعبين، "الصيغة المستخدمة معروفة منذ الأزل: فرق تسد، ولا جديد" ومن هنا جاءت محاولات التلاعب بالمسألة القومية لإثارة الفتنة بين الناس، وشدد الرئيس على أنه المهمة العظمى –هي التقسيم، ثم اللعب على أجزاء من شعب واحد فيما بينهم.

ومع ذلك، عاد فلاديمير بوتين إلى الوضع الحالي للعلاقات الروسية الأوكرانية في الجزء الثاني من المقال وتذكر كيف تشكلت روسيا القديمة، التي كان ورثتها من الروس والأوكرانيين والبيلاروسيين، وتم توحيد القبائل السلافية وغيرها في منطقة شاسعة - من لادوجا ونوفغورود وبسكوف إلى كييف وتشرنيغوف - بلغة مشتركة وروابط اقتصادية وسلطة أمراء سلالة روريك، وبعد معمودية روس - أرثوذكسي آخر الإيمان، حدد الزعيم الروسي، ولم تنجح روس القديمة في تجنب إضعاف القوة المركزية، واشتد التشرذم بعد الغزو المدمر لباتو: حيث سقط شمال شرق روسيا في تبعية الحشد، وأدرجت الأراضي الروسية الجنوبية والغربية بشكل أساسي في دوقية ليتوانيا الكبرى، ومع ذلك، تم استبدال هذه الحقبة بفترة توحيد الأراضي الروسية، وأصبحت موسكو مركزًا لإعادة التوحيد.

وفي القرنين السادس عشر والسابع عشر، نمت حركة تحرير السكان الأرثوذكس في منطقة دنيبر، ويشير المقال الى إن نقطة التحول كانت أحداث عصر هيتمان بوهدان خميلنيتسكي، عندما حاول أنصاره الحصول على استقلال ذاتي من الكومنولث، "في رسالة إلى موسكو عام 1654، شكر بوجدان خميلنيتسكي القيصر أليكسي ميخائيلوفيتش على حقيقة أنه" كرم لقبول جيش زابوروجي بأكمله والعالم الأرثوذكسي الروسي بأكمله تحت الذراع القوية والعالية لقيصره "، قال فلاديمير بوتين: "في مناشدات لكل من الملك البولندي والقيصر الروسي، دعا القوزاق وعرّفوا أنفسهم بأنهم شعب أرثوذكسي روسي"

وبعد نهاية الحرب الروسية البولندية، أصبحت كييف وأراضي الضفة اليسرى لنهر دنيبر، بما في ذلك بولتافا وتشرنيغوف وزابوروجي جزءًا من الدولة الروسية، وشدد الرئيس على أنه تم لم شمل سكانها مع الجزء الرئيسي من الشعب الأرثوذكسي الروسي، وتم اعتماد اسم "روسيا الصغيرة" (روسيا الصغيرة) لهذه المنطقة نفسه، ثم تم استخدام "اسم أوكرانيا" في كثير من الأحيان بمعنى أن الكلمة الروسية القديمة "ضواحي" وجدت في المصادر المكتوبة منذ القرن الثاني عشر، عندما يتعلق الأمر بمناطق حدودية مختلفة، وأوضح الرئيس الروسي أن كلمة "أوكراني"، إذا حكمنا عليها أيضًا من خلال الوثائق الأرشيفية، كانت تعني في الأصل أفراد خدمة الحدود الذين كفلوا حماية الحدود الخارجية.

واعترف الرئيس فلاديمير بوتين في مقاله أنه على مدى قرون عديدة من التشرذم والحياة في دول مختلفة، ظهرت سمات لغوية إقليمية، علاوة على ذلك، تعززت بين النخبة البولندية وجزء من المثقفين الروس الصغار، وفقًا للرئيس، فكرة وجود شعب أوكراني منفصل عن الروس، "لم يكن هناك أساس تاريخي هنا ولا يمكن أن يكون هناك، لذلك استندت الاستنتاجات إلى مجموعة متنوعة من التخيلات "، وانه وبقدر ما يُزعم أن الأوكرانيين ليسوا سلافًا على الإطلاق، أو، على العكس من ذلك، أن الأوكرانيين سلاف حقيقيون، والروس، فإن "سكان موسكو" ليسوا كذلك".

وفي الوقت نفسه، يمكن اعتبار أوكرانيا الحديثة، وفقًا للرئيس بوتين، من بنات أفكار الحقبة السوفيتية بالكامل، لذلك، في عام 1922، عندما تم إنشاء اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، تم تنفيذ خطة لينين لتشكيل دولة اتحاد كاتحاد الجمهوريات المتساوية، وقدم دستور عام 1924 لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية الحق في الانسحاب الحر من الاتحاد، وهكذا، حسب قوله، فإن أخطر "قنبلة موقوتة" وضعت في أساس الدولة.

وفي عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، روج البلاشفة بنشاط لسياسة التوطين، التي نُفِّذت في جمهورية أوكرانيا الاشتراكية السوفياتية باعتبارها أوكرانية، ولعب السكان الأصليون بالتأكيد دورًا كبيرًا في تطوير وتعزيز الثقافة واللغة والهوية الأوكرانية، وفي الوقت نفسه، وتحت ستار محاربة ما يسمى بشوفينية القوة العظمى الروسية، فُرضت الأوكرنة غالبًا على أولئك الذين لا يعتبرون أنفسهم أوكرانيين، وكانت السياسة القومية السوفيتية - بدلاً من أمة روسية كبيرة، شعب ثلاثي يتكون من الروس العظام، والروس الصغار والبيلاروسيين - هي التي ضمنت على مستوى الدولة توفير ثلاثة شعوب سلافية منفصلة: الروسية والأوكرانية والبيلاروسية "، ومع ذلك، لم يدرك الاتحاد الروسي الحقائق الجيوسياسية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي فحسب، بل فعل الكثير لجعل أوكرانيا دولة مستقلة، وفي 1991-2013، فقط بسبب أسعار الغاز المنخفضة، أنقذت كييف أكثر من 82 مليار دولار لميزانيتها، واليوم "تتمسك" حرفياً بـ 1.5 مليار دولار من المدفوعات الروسية لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا.

واعرب الرئيس الروسي في مقاله عن اسفه في ان تجد أوكرانيا اليوم، بحكم سياستها، نفسها في وضع اقتصادي صعب، فوفقًا لصندوق النقد الدولي، في عام 2019، حتى قبل وباء الفيروس التاجي، كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي أقل من 4000 دولار، وهو أقل من ألبانيا ومولدوفا وكوسوفو غير المعترف بها، وبالتالي، فإن أوكرانيا هي الآن أفقر دولة في أوروبا، وتساءل "من هو المسؤول عن هذا؟ هل شعب أوكرانيا؟ بالطبع لا، وشكا فلاديمير بوتين من أن السلطات الأوكرانية هي التي أهدرت، وتركت إنجازات العديد من الأجيال تذهب سدى.

ووفقا له، قبل عام 2014 بوقت طويل، دفعت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي بشكل منهجي ومستمر أوكرانيا للحد من التعاون الاقتصادي مع روسيا، وقال الرئيس إن كييف دخلت في لعبة جيوسياسية خطيرة، هدفها تحويل أوكرانيا إلى حاجز بين أوروبا وروسيا، وفي هذه الحالة، تم أخذ الدور القيادي من قبل القوى الوطنية، وهذا ما تؤكده العديد من القوانين التي تهدف إلى قطع العلاقات مع الاتحاد الروسي، وقال فلاديمير بوتين: "الشيء الأكثر إثارة للاشمئزاز هو أن الروس في أوكرانيا مجبرون ليس فقط على التخلي عن جذورهم، من أجداد أجداد، ولكن أيضًا على الاعتقاد بأن روسيا هي عدوهم".

ومع ذلك، رفض ملايين الأوكرانيين المشروع "المناهض لروسيا"، وبحسب الرئيس بوتين ، بذل الاتحاد الروسي قصارى جهده لوقف حرب الأشقاء، وعلى وجه الخصوص، تم إبرام اتفاقيات مينسك، والتي تهدف إلى تسوية سلمية للصراع في دونباس، وأعرب بوتين عن ثقته في أن هذه الاتفاقيات لا بديل لها، وأشار الى انه وخلال المفاوضات الرسمية، وخاصة بعد "الانسحاب" من جانب الشركاء الغربيين، يعلن ممثلو أوكرانيا بشكل دوري "التزامهم الكامل" باتفاقيات مينسك، وهم في الواقع يسترشدون بموقفهم "غير المقبول".

إن المؤلفين الغربيين لمشروع "مناهضة روسيا" يعدلون النظام السياسي الأوكراني بحيث يتغير الرؤساء والنواب والوزراء، لكن الموقف من العداء مع موسكو لم يتغير، وفي الوقت نفسه، وكما جاء في المقال فهو متأكد من أنه لا مكان لأوكرانيا ذات السيادة في مشروع "مناهضة روسيا"، وكذلك للقوى السياسية التي تحاول الدفاع عن استقلالها الحقيقي، وان الرئيس بوتين مقتنع بأن أولئك الذين يكرهون روسيا فقط هم من يُعلن الآن أنهم وطنيون "صحيحون" لأوكرانيا، وان كل الحيل المرتبطة بالمشروع المناهض لروسيا واضحة لنا كما قال فلاديمير بوتين: "لن نسمح أبدًا باستخدام أراضينا التاريخية والأشخاص القريبين منا الذين يعيشون هناك ضد روسيا".

وبناءا على ما تقدم على ما يبدو أن العلاقات بين الاتحاد الروسي وأوكرانيا وصلت إلى نقطة يجب أن تفهم فيها كييف أخيرًا ما يتجهون نحوه وماذا يريدون، في رأي الروس ، يتم دفع الدولة المجاورة نحو المواجهة مع روسيا، لكن موسكو لا تريد ذلك، لأن الروس والأوكرانيين "عاشوا تحت سقف واحد لمئات السنين"، وفي رأيهم، لا تزال القوى السليمة في أوكرانيا، والتي "ببساطة ترهبها الأقلية المؤيدة للنازية"، ومع ذلك، فإن مقال فلاديمير بوتين يجب أن يجذب انتباه الأشخاص الأذكياء الذين سيفهمون في النهاية "أين تجذبهم القيادة الحالية للبلاد، برئاسة فلاديمير زيلينسكي".

كما ان المقال أكد أن روسيا منفتحة على الحوار مع أوكرانيا ومستعدة لمناقشة أصعب القضايا، ومع ذلك، ومن المهم أن تفهم موسكو أن كييف تدافع عن مصالحها الوطنية ولا تخدم الآخرين، وان الرئيس بوتين مقتنع بأن السيادة الحقيقية لأوكرانيا ممكنة على وجه التحديد بالشراكة مع روسيا، لان القرابة بين الشعبين تنتقل من جيل إلى جيل، و إنها في القلوب، في ذاكرة الناس الذين يعيشون في روسيا وأوكرانيا الحديثة، في روابط الدم التي توحد الملايين من عائلات الشعبين .

كما ان المقال لخص أن روسيا لم تكن ولن تكون "مناهضة لأوكرانيا"، وماذا يجب أن تكون أوكرانيا - الأمر متروك لمواطنيها لاتخاذ القرار، وان المقال بأكمله يستند إلى موقف محترم بشكل قاطع تجاه الشعب الأوكراني، وبمجرد أن يفهم الأوكرانيون ما يدخلون فيه، فإن كل شيء سوف يقع في مكانه، حيث لا توجد أسباب موضوعية لمواصلة المسار المعادي لروسيا.

 

بقلم: الدكتور كريم المظفر

 

 

محمد عمارة تقي الدين"لقد قتلتُ بصفةٍ شخصيةٍ عددًا كبيرًا من العرب، ولا توجد لديّ أدنى مشكلةٍ في ذلك"، تلك واحدة من مقولات رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد نفتالي بينيت بحق الفلسطينيين، وهي تأتي تعبيراً عن قناعات ترسخت لديه ولدي التيار الديني الصهيوني الذي ينتمي إليه، وأضحت تشكل الوجدان الجمعي لهذا التيار، فالعربي الجيد لديهم هو، دائماً وأبداً، العربي الميت.

يبلغ بينت من العمر تسعة وأربعين عاماً، وهو زعيم اليمين المتشدد في إسرائيل، كما أنه المليونير ورجل الأعمال السابق في مجال التكنولوجيا المتقدمة، لقد أدار عبر شركاته معركة دعائية عالمية لتلميع الكيان الصهيوني وتجميل صورته القبيحة في الإعلام الأجنبي ليبدو القاتل كما لو كان الضحية.

ولك أن تعلم أن بينيت هو أول زعيم حزب يميني ديني يتولى رئاسة الحكومة في تاريخ دولة الكيان الصهيوني، فهي إذن لحظة تاريخية فارقة لدى هذا التيار وقد طال انتظارها.

في العام 2012م  تولى بينت رئاسة حزب "البيت اليهودي" اليميني المتشدد، وهو الوريث الشرعي لحزب المفدال الديني، غير أنه في عام 2018م، أعاد بينت تسمية حزب البيت اليهودي باسم "يمينا" أي "إلى اليمين" .

هو رجل براجماتي مصلحي، مثله مثل التيار الديني الصهيوني الذي ينتمي إليه، إذ يعتبر كل علماني حماراً للمسيح بالمفهوم الديني والأداة التي يتحتم إمتطاؤها لتحقيق ما يتغياه دون وعي منها، تماماً كحمار المسيح الوارد ذكره بالعهد القديم والذي سيحمل المسيح اليهودي للقدس عند عودته دون وعي منه، أي من ذلك الحمار، فهو التسخير من دون إدراك.

بل إن علاقته بأستاذه نتنياهو أضحت مرهونة بتلك القناعة، يرى بعض الذين لا يعرفون طبيعة هذا التيار أن تنكُّره لأستاذه هو تحول دراماتيكي لدى بينيت الذي كان أحد المقربين من نتنياهو، فقد ساعده الأخير كثيراً، ولكنها في التحليل الأخير خاصية كامنة في هذا التيار الديني الصهيوني، فهي علاقات مؤقتة ومشروطة تحكمها المصلحة وحتى إشعار آخر، فأين تكون المصلحة ستجد الرجل وتياره بالضرورة، لقد تسبب ذلك النكران للجميل في هجوم أعضاء حزب الليكود على بينيت بدعوى أنه خانهم، كما هاجم نتنياهو نفسه بينيت، قائلاً، أي نتنياهو، إن " بينيت لا يتورع عن فعل أي شيء من أجل أن يكون رئيساً للوزراء"، وهو في ذلك الصادق وإن كان كذوباً.

والمفارقة أنه على الرغم من انتمائه للتيار الديني إلا أنه، أي بينيت، يقبل بمصافحة النساء، ولا يدين سلوك المثليين، فالمهم لديه هو إنفاذ إستراتيجية الصهيونية الدينية التي تتحرك بقدمين كبيرين هما: العنف والاستيطان، فهما مركز العقيدة لديهم وكل شيء بخلاف ذلك هي أمور على الهامش وليست من المتن في شيء.

لقد قبل بينيت الانضمام لحكومة يجري تصنيفها على أنها يسارية، فالغاية لديه تبرر الوسيلة، وهو ما تحقق له بالفعل، فها هو يتقلد أكبر منصب سياسي في دولة الكيان الصهيوني.

الحقيقة أن هذا التيار عبر ثغرة في النظام السياسي الإسرائيلي استطاع أن يمارس دوراً أكبر بكثير من حجمه، إذ تبقى الكتلة السياسية الأكثر حجماً بحاجة ماسة لتحالف الكتل الأصغر معها من أجل تشكيل الحكومة، فلك أن تعلم أن حزب (يمينا) الذي يتزعمه نفتالي بينيت، يمتلك سبعة مقاعد فقط في الكنيست، لكنه عبر البراجماتية السياسية منزوعة الأخلاق، أو قُل الانتهازية السياسية في حدها الأقصى تمكن من الحصول على المنصب.

بينيت مثله مثل حزبه يدّعي أن أرض فلسطين هي ملك لإسرائيل وحدها، وهو يؤيد بناء المستوطنات، إذ يرى أن المستوطنات ستخلق واقعاً يستحيل تغييره، من أجل ذلك تصدى لكل محاولات تجميد بناء مستوطنات جديدة، بل وكان قد شغل في السابق منصب رئيس مجلس الاستيطان في الأراضي المحتلة، بل وكان قد أعرب عن رفضه تنفيذ الجنود الإسرائيليين أوامر الحكومة في حال طلبت منهم إخلاء مستوطنات، وهو يعتمد في ذلك على وجود عدد كبير من المتدينين الصهاينة داخل الجيش.

إذ يتبنى الحزب الذي يتزعمه بينت ذات مبدأ حزب المفدال القديم " أرض إسرائيل لشعب إسرائيل حسب توراة إسرائيل"، لذا يدعو لاستمرار الاستيطان ويرفض أي محاولة للتنازل عن المستوطنات، كما يرفض محاكمة ضباط الجيش الصهيوني وجنوده على الجرائم التي ارتُكبت ضد الفلسطينيين.

ويدعو إلى ردود الفعل العسكرية دائماً لا السياسية في التعامل مع المقاومة الفلسطينية.

لقد كشفت صحيفة معارييف الصهيونية، أن نفتالي بينت هو المسئول الأول عن مجزرة قانا الأولي(مجزرة مقر اليونيفيل التابع للأمم المتحدة) عام 1996م، فقد كان وقتها يخدم في الجيش قائدًا لإحدى الوحدات القتالية، وقد تورط في ارتكاب تلك المجزرة والتي راح ضحيتها أكثر من مائة فرد لبناني أغلبهم من الأطفال والنساء، وجاء في التقرير الخاص بالمجزرة أن بينت تصرف من تلقاء نفسه مخالفًا أوامر قادته.

وفي عام 2013، صرّح بأنه "يجب قتل المحتجزين الفلسطينيين وليس إطلاق سراحهم"، كما ادعى أن الضفة الغربية ليست تحت الاحتلال لأنه "لم تكن هناك دولة فلسطينية هنا"،  ومن ثم فهو من أشد المعارضين لقيام دولة فلسطينية، وفي عام 2017م زعم بينيت أن "أحداً من الشعب اليهودي لا يمتلك الحق بالتنازل عن جزء من أرض إسرائيل، ومن ثم يستحيل إقامة دولة فلسطينية، فالأرض كلها ملك لإسرائيل".

ومن ثم يدعو نفتالي بينيت لضم الضفة الغربية إلى الكيان الصهيوني مؤكدًا أن " المفاوضات السياسية مع الفلسطينيين حول إنشاء دولة فلسطينية على حدود عام 67 م هو أمر من قبيل المستحيل، إذ أن من شأنه أن يضع دولة إسرائيل في خطر محدق، إذ ستخلق أكثر من غزة أضف إلى ذلك جذبها لملايين اللاجئين الفلسطينيين في أنحاء العالم،  وهو ما سيقود لكارثة ديموجرافية تشكل خطرًا على مستقبل الدولة اليهودية"، ومن الناحية الاقتصادية يؤكد نفتالي بينيت أن قيام الدولة الفلسطينية يعنى انهيار الاقتصاد الإسرائيلي، ويضيف: " لن نسمح بطرح موضوع الانسحاب من أي جزء في الضفة الغربية، العالم يحتقر الدولة التي تفرط في أرضها... الحديث عن دولة فلسطينية هو خطأ تاريخي والقدس الموحدة هي عاصمة دولة إسرائيل ولن تخضع للمفاوضات"، ومن ثم يؤكد نفتالي بينت أن حل الدولتين هو في غير صالح إسرائيل وبالتالي يتوجب رفضه، كما يدفع نحو إصدار القانون الأساس الذي من شأنه أن يعتبر إسرائيل دولة يهودية، وهو بالتالي ضد منح حقوق المواطنة للأقليات داخل الكيان الصهيوني بل وتبني سياسة من شأنها ردع أنشتطهم، فهم وفق قناعاته يشكلون طابورًا خامسًا لصالح الفلسطينيين داخل الكيان الصهيوني.

لقد صرّح بينيت أن الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين هو صراع غير قابل للحل، إذ قال: "محاولة إقامة دولة فلسطينية في بلادنا انتهت بلا رجعة... لن يكون هناك دولة فلسطينية داخل أرض إسرائيل، دولة فلسطين ستكون كارثة لأكثر من مائتي سنة، أريد أن يفهم العالم أن دولة فلسطينية تعني إلغاء دولة إسرائيل...إن أرض إسرائيل هي أرض شعب إسرائيل وفقط، يجب أن نقول لأنفسنا، ولكل العالم إن هذه أرضنا منذ ثلاثة آلاف عام، لم تكن هنا دولة فلسطينية أبداً، ولم نكن نحن مُحتلين، نحن السكان الأصليين هنا"، فها هو الرجل يردد ذات الوقاحات الصهيونية التي تم الترويج لها مع بداية المشروع الصهيوني.

كان بينت قد أسس حركة (إسرائيل لي (My Israel) التي ترفض أي عملية سلمية من شأنها منح الفلسطينيين دولة مستقلة، وتبذل هذه الحركة جهودًا كبيرة على شبكة المعلومات الدولية لتقديم رؤيتها للصهيونية والصراع العربي الإسرائيلي باعتبارها الحقيقة المطلقة ومن أجل ذلك أقامت ما يشبه التحالف مع المسئولين عن موسوعة ويكيبيديا الدولية بل ونظمت لهم مؤتمرًا ترويجياً في إسرائيل.

والرجل مثله مثل سائر زعامات التيار الديني الصهيوني لا يترك فرصة إلا ويعلن عن توجهاته العنصرية والتي من خلالها يكتسب المزيد من الأتباع في بيئة لا تنمو وتزدهر بها إلا أطروحات العنف والتطرف، في حين أن الأطروحات المعتدلة يكون مصيرها دائمًا الذبول والتلاشي في محيط هادر من الكراهية.

في مارس من العام 2015م اقتحم نفتالي المسجد الإبراهيمي تحت حراسة أمنية مكثفة مما أثار ردود فعل واسعة، وتنتشر عبر الانترنيت صورة لنفتالي بينت وهو يحمل سلاحًا، وهي الصورة التي علق عليها البعض بأنها دعوة للإسرائيليين لحمل السلاح.

وفيما يتعلق بالملف الإيراني يدعو بينت للانتقال من الدفاع والتصدي لأي هجوم إيراني محتمل من سوريا إلى الهجوم مباشرة على القوات الإيرانية هناك، بل وهدد بتحويل سوريا إلى "فيتنام" ضد القوات الإيرانية، في حال أصرت إيران على وجودها العسكري في سوريا، ومن ثم يقول بينت مخاطباً الإيرانيين:"عليكم أن تعلموا أن سوريا ستتحول إلى فيتنامكم، ستغرقون في دمائكم هناك حتى الموت".

 

لقد نجح نفتالي بينت في دفع نتنياهو وأعضاء الليكود بشكل أكبر باتجاه اليمين والتشدد، إذ تمثل الأحزاب الدينية الإسرائيلية واحدة من أهم محددات صنع القرار السياسي الإسرائيلي وبخاصة الأحزاب الدينية المحمولة على الرؤى والأطروحات الصهيونية، إذ تتفق جميعها على مبدأ عام، وهو الولاء للكيان الصهيوني عبر إلباسه حلة دينية مزركشة بالأيديولوجية الصهيونية التي لحمتها الاستيطان وسداها العنف.

ومن ثم فهي تجتمع على رؤية واحدة للصراع العربي الصهيوني وهي التمسك التام بكامل "أرض إسرائيل "بمفهومها التوراتي، وبالتالي الدعوة للتخلص من العرب الموجودين بها وإحلال يهود محلهم.

وهي رؤية استعمارية إحلالية يتلاشى معها أي أمل في تحقيق تسوية سلمية للصراع العربي الصهيوني، خاصة إذا ما علمنا أن تلك الأحزاب الدينية الصهيونية يتزايد نزوعها نحو التشدد وتبني المواقف الأكثر تطرفاً بمرور الوقت وذلك في ظل موقف عربي ودولي مُتراجع.

ولا تخلو الأخبار عن قيادات هذا التيار الديني الصهيوني الذي يتزعمه بينت من بعض الفضائح الجنسية، فها هو أحد النواب في الكنيست عن الحزب وهو ينون مجال (Yinon Magal) والذي كان عضوًا في الكنيست العشرين، إلا أنه استقال بعد تفجُّر فضيحة جنسية له في 2015م، إذ اتهمنه ثلاثة من النساء كن يعملن معه في موقع " وللا " الإخباري بالتحرش الجنسي بهن.

يرى بينت أن القدس بكاملها هي للصهاينة وفقط، لذا فقد كان من أشد المُرحِّبين بقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، مستشهدًا وبكل وقاحة على أحقية القدس لإسرائيل بأنها لم تُذكر في القرآن مطلقاً، يقول بينيت: "في نهاية المطاف، القدس هي عاصمة إسرائيل، هل تعرفون كم مرة ذكرت في القرآن الكريم؟ صفر".

والرجل بسبب مواقفه المتشددة تلك يحظى شعبية كبيرة داخل الكيان الصهيوني، ففي أغسطس 2017م وفي استطلاع للرأي داخل المجتمع الإسرائيلي أكد كثيرون أنه الخليفة المُحتمل لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، حال الإطاحة به من منصبه، وهو ما حدث بالفعل.

وفي التحليل الأخير، فالتيار الديني الذي يتزعمه بينت لا يجب أن ننتظر منه غير مزيد من العنف لو لم يتم ممارسة ضغوط حقيقية عليه، إذ وبمرور الوقت، وفي ظل بيئة مواتية، سنجده يتجه نحو التشدد وينزع نحو تبني أطروحات أكثر راديكالية وعنفًا.

والغاية لدية وكما سبق القول تبرر الوسيلة مهما بلغت درجة خستها وبشاعتها، فهو كائن ما بعد حداثي تجري في عروقه دماء صهيونية، فقد جمع الأرذلين، فلا قيم ولا وعود أو عهود يمكن الاحتفاظ بها، فكل شيء قابل للبيع ويخضع للمساومة.

لقد استوعب بينت الدرس جيداً، ذلك الدرس القائل: مزيد من التشدد يقود بالضرورة إلى مزيد من الأتباع ومن ثم الصعود في سلم السلطة، ومن ثم طعن في الظهر وذبح من الوريد أستاذه نتنياهو الذي كان قد تنكّر هو الآخر لمن كانوا قبله، فهي معركة القدور الفخارية التي يحطم بعضها بعضا، لكننا بوعينا الزائف اعتقدناها صُنعت من فُلاذ.

لقد امتطى بينت ظهر نتياهو وصولاً للمنصب الرفيع، ولما لا فنتنياهو هو حمار المسيح، وتياره المنتمي إليه شأنه شأن سائر التيارات الدينية الصهيونية في إسرائيل تنظر للعلمانيين باعتبارهم " حمار المسيح " الذي سيمتطيه المُخلِّص عند عودته لفلسطين، وعليه يتحتم استغلالهم قدر الإمكان حتى يتحقق حلم الاستيطان كاملاً ومن ثم عودة المخلص، في تلك اللحظة، لحظة العودة، سيصدر قرار الفصل النهائي لهؤلاء العلمانيين والتخلص التام منهم، فقد انتهي دورهم.

ومع ذلك كله ورغم ما يتشح به المشهد من سوداوية ممتزجة ببقع من الدماء، أكثرها دماء الفلسطينيين الزكية، فالأمل لا يزال قائماً.

فطبقاً لاستراتيجية (التمدد والانكماش) التي كثيراً ما حدّثنا عنها العلامة الراحل الدكتور إبراهيم البحراوي رائد الدراسات الإسرائيلية والتي طرحناها في أكثر من دراسة، ليس لدى بينت(مثله مثل التيار المُنتمي إليه) مواقف مبدئية ثابتة، بل ستتغير بتغير كل من الموقف الداخلي والعربي والدولي، أي أنه في حال مارست تلك الأطراف ضغطاً حقيقياً على الكيان الصهيوني تُشعِره بتهديد وجودي ستنكمش أطماع هذا التيار وصولاً للقبول بدولة فلسطينية، وفي حالة تراخي تلك المواقف أو انحيازها لإسرائيل ستتمدد أطماعه لتلتهم المنطقة كلها، تلك هي خاصية التمدد والانكماش التي علينا أن ندرك آلية عملها جيداً ومن ثم التحرك وفق مقتضياتها.

 

دكتور محمد عمارة تقي الدين

 

 

 

علاء اللامي* أما في لبنان مثلا، حيث "تخضع كل طائفة لقانون أحوال شخصية (15 قانوناً)، ترفض المحكمة الجعفرية رفع سن حضانة الأم المطلقة لأطفالها (عامين للذكر و7 للأنثى) وهو الحد الأدنى -الملزم - في لبنان على مستوى الطوائف"، ويستند المشرع الجعفري اللبناني هنا - كما يظهر - الى آية الرضاعة التي تقول (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ، لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ، وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا، لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ...  البقرة- 233)، ولكن هذا التخريج القضائي للآية القرآنية لا يفرق بين الحضانة والرضاعة التي هي جزء من كل، وهو يأخذ بالجزء الأول من الآية ويقفز على الجزء الآخر منها والذي يقوم على قاعدة عدم المضارة (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ).

* في لبنان ذاته، كانت النساء من الطائفة الشيعية وغيرها يتطلعن إلى النموذج العراقي ويقارنَّ الوضع في لبنان به، وبعضهن يحتج بأن المرجعية للمحاكم الجعفرية في لبنان مركزها العراق، أجازت الحضانة لأكثر من عامين ولم ترفض مادة الحضانة 57 التي تصل بالحضانة للأم إلى 15 عاما. ويبدو أن الحال ستنقلب الآن في العراق الذي لم يعد يقدم المثال الحسن في التقدم والتطور الحضاري بسبب هيمنة أحزاب ومليشيات الفساد وتشكيل نظام حكم المكونات الطائفية والعرقية بعد الاحتلال.

أما لدى الطوائف المسيحية الكاثوليكية بلبنان فيصل حد عمر الطفل المحضون من قبل الأم الى سنتين للجنسين ولكنه حدٌّ غير ملزم للأم. فالقضاة الكاثوليك يتّخذون قرار الحضانة وفقًا لمصلحة الطفل الفضلى، فلا شيء يجبر الأم على تسليم طفلها أو طفلتها إلى الأب بعد فترة السنتين. وعدم الإلزام خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكنها خطوة محدودة وغير كافية وبديلها يكون في قانون لبناني جديد غير طائفي للأحوال الشخصية لدولة مواطنة لا دولة طوائف كما هي الحال في لبنان اليوم ومنذ قيامه.

2636 لبنان

* وفي لبنان أيضا، نجد أن الفقهاء مختلفون في مقاربة المسألة داخل الطائفة الشيعية، إذْ كان للمرجع الراحل محمد حسين فضل الله رأي مختلف حول سنّ الحضانة، وأفتى بأنّ الأم أحقّ بحضانة الولد، "ذكراً كان أو أنثى، إلى عمر سبع سنين، إلا إذا كانت الأم أقدر على حضانة الولد من الأب، لعدم قدرته على القيام بمسؤولياته، فإنه يعود إلى الأم". ويمضي المفتي أحمد طالب الذي يتبع مرجعية فضل الله أبعد من ذلك في خطوة تقدمية تقارب مفهوم الحضانة المشتركة وأولية مصلحة الطفل فيقول: "إنّ باب الاجتهاد مفتوح عند الشيعة، وهناك آراء متعدّدة، وحتى أنّ بعض الاجتهادات تقول بوجوب الحضانة حتى سن البلوغ". ويضيف المفتي قائلا: "إن موضوع الحضانة بات مسألة أمن اجتماعي، وما نراه من مظالم ناتج عن التصلّب الفقهي في التطليق، وعن عدم وجود لجان مختصة لدى المحاكم الجعفرية لتحديث القوانين، والأمثل هو التوجه نحو مبدأ الحضانة المشتركة وفقًا لمصلحة الطفل، وذلك لا يتناقض مع الشرع لناحية حماية الطفل من الضرر". 

وحتى في إيران التي تتبنى نظام ولاية الفقيه، حدثت تعديلات توحي بأنها إيجابية حيث نجد مقاربة واعدة في المادة 1169 من القانون المدني الإيراني التي تنص على "الأولوية في الحضانة للأم حتى سن السابعة" أي إنهم يأخذون بفتوى السيستاني هنا أيضا" ولكنهم يزيدون عليها خطوة متقدمة رغم أنها فضفاضة وغير مدعومة بآليات ملموسة وواضحة تقول " إذا حصل الاختلاف بين الوالدين في الحضانة، فالمحكمة تبت فيمن له الحق بالحضانة وفقا لتشخيصها لمصلحة الطفل"، والحاجة ماسة هنا لسنِّ مواد قانونية يُحْكَم بموجبها لا أن تترك القضايا لمزاج القاضي في دولة دينية.

وبمناسبة ما يقال عن تحديد ساعات قليلة في الشهر يرى فيها الأب ابنه فهذا أكثر من إجحاف بحقه بل هو يتجاوز الإجحاف ليكون عقابا لا مبرر له للأب، وبالمناسبة فالمحاكم السويسرية مثلا - حيث القضاء في هذا البلد منحاز تماما للمرأة الأم والزوجة التي يتعاظم دورها في قيادة الدولة والمجتمع - تضمن حقوقا كبيرة للأب في التواصل مع الأبناء إذا كانوا في حضانة الأم، وهم مطلقا في حضانة الأم التي تكون بعد الطلاق صاحبة المنزل الزوجي بعد أن يخرج الزوج الطليق منه بحكم القانون. حيث تنص أحكام الطلاق التي تصدر عن المحاكم السويسرية على مادة نمطية هي الثالثة عادة بين مواد الحكم بالطلاق في جميع الحالات تقول: 

(3-يحتفظ السيد "..." /الأب الطليق، بحق واسع في زيارة ابنه، وهذا الحق سيمارس، ما لم يتفق الوالدان على خلاف ذلك، بمعدل عطلة نهاية أسبوع واحدة من إثنين، ونصف العطل المدرسية).

وهذا يعني أن الأب من حقه أن يزور أو يستقبل ابنه في مقر إقامته من مساء الجمعة أو صباح السبت إلى مساء الأحد كل أسبوعين، إضافة إلى نصف أيام العطل المدرسية، فإذا كانت أسبوعين يبقى في عهدة الأب أسبوعا وإذا كانت شهرين في العطلة الصيفية يبقى في عهدة أبيه شهرا كاملا.

خلاصة القول في صدد البديل المطموح إليه في بلادنا أعتقد أن حضانة الطفل ينبغي تكون للأصلح والأقدر وبشكل توافقي بين الأم والأب وتحت إشراف الدولة وقضائها، والأم بصفتها هذه ولأسباب بيولوجية واجتماعية وإنسانية وثقافية تحوز الكثير مما يجعلها الأصلح والأكفأ، ولكن هذا التعميم قد لا ينطبق على جميع النساء، فهناك حالات استثنائية لأسباب شتى قد لا يستطعن القيام بأعباء الحضانة وهذا الاستثناء تقرره المحاكم والجهات الطبية والنفسية في حال وجد ما يبرر اعتباره استثناء، ولا ينبغي أن تكون هذه الصفة الأمومية دافعا للإجحاف بحقوق الأب في حضانة ابنه والإشراف عليها أو نقيضا لهذه الحقوق واستبدادا ضده ليحل في مراكز متأخرة في حضانة أبنائه، وهذا المبدأ مأخوذ به اليوم في الدول والمجتمعات المعاصرة شرقا وغربا وبشكل مضطرد مع منح دور أكبر للإشراف الاجتماعي والطب النفسي وتحت رقابة القضاء.

 

علاء اللامي

.....................

* الصورة: تظاهرة سنة 2017 لنساء لبنانيات "مسلمات شيعيات" ورجال يساندونهن ضد قضاء طائفتهن الذي يرفض إعطاء الحضانة للأمهات لأكثر من الفترة القصيرة المسموح بها.

 

 

علي الدباغوضحنا في الحلقة الأولى خفايا اتفاق الدوحة بين طالبان الجديدة والولايات المتحدة والذي بموجبه أعطى الضوء الأخضر وعدم الممانعة لطالبان لتتقدم للسيطرة على الحكم في افغانستان بمشاركة وجوه شكلية من القوى الأخرى مقابل أن تتولى طالبان منع ومحاربة أي تواجد أو حواضن لخلايا وتنظيمات معادية للولايات المتحدة على الأراضي الأفغانية.

التقطت طالبان هذه الرخصة ولم تنتظر لأي مواعيد وجداول زمنية حددها اتفاق الدوحة للسيطرة على ما يمكن من الأرض حيث تتميز بخفة حركتها وبطشها وسرعة فائقة للتحرك مقارنة بالقوات الحكومية الأفغانية التي تهرب أمامها تاركة لها عتادها وعدتها مثلما حدث من هروب للقوات العراقية عند دخول داعش للموصل عام 2014.

إدارة الرئيس بايدن لم تراجع اتفاق ادارة ترامب مع طالبان ولم تعدل فيه شئ يذكر غير تحديد موعد 11 سبتمبر القادم لإعلان إكتمال الإنسحاب الأمريكي بعد فشل متواصل في سلسلة فشل تدخل القوات العسكرية الأمريكية في كل تأريخ تدخلاتها في البر الآسيوي، حيث خسرت أكثر من 2000 جندي و20 الف جريح بالإضافة الى التكاليف المالية الكبيرة على مدى عشرون عاماً، هاجس إدارة بايدن هو الإنسحاب ولتغرق أفغانستان في فوضى خلاقة مادام الغرق بعيدا عنها، بل هو المطلوب لإشغال روسيا وايران ولاحقا الصين وغربها الإسلامي بتداعيات الفوضى التي ستنشأ ويمكن حينها إستخدام وإحتواء ما يمكن إستخدامه وإحتواءه من مخلفات تلك الوضى ونواتجها من قوى وجماعات ضد أي أعداء حاليين أو محتملين في آسيا.

روسيا وإيران يدركان تماماً مخاطر الفوضى ويتوجسوا من طالبان الجديدة واتفاقاتها مع الولايات المتحدة، وبدورها طالبان فإنها أكدت للمسؤولين الإيرانيين على هامش ملتقى الحوار الذي جمعهم مع حكومة ألرئيس أشرف غني في طهران إنها لن تدخل في خصومة مع النظام في إيران ولم يتضمن اتفاقها مع الولايات المتحدة أي دور لها في مشاكسة إيران، بدورها إيران تسعى من خلال علاقاتها بترتيب انتقال أقل عنفا لمعادلة حكم جديدة تكون فيها طالبان فاعلا أقوى في مساعي حوار ثنائي بين طالبان وحكومة كابل، لكن طالبان في وضع جيد ولا تعطيها المفاوضات مكاسب كالتي تحصل عليها في تقدمها السريع والسهل لإمساك أراضي جديدة في طريقها لكابل.

تبقى روسيا والصين  اللذان لا يملكان نفس التأثير الايراني وعلاقاتها الداخلية في أفغانستان يستشعران مخاطر وجود نظام أصولي متطرف للحكم على حدودهما حيث تمتلك روسيا أكبر قاعدة عسكرية في طاجيكستان الفقيرة المجاورة لأفغانستان، وكذلك يمكن أن يُحفز تنامي شعورا دينياً لدى الأقليات المسلمة خصوصا في الصين حيث لا يزال المشروع الأمريكي في تحريك مشاعر الإيغور في شينجيان واحداً من خطط أمريكا والغرب لإرباك وإشغال الصينيين في أزمة داخلية تتولى جزء منها تركيا في تبني وإيواء وتهيأة بعض الأفراد من الإيغور على أراضيها، والتي أُنيط بها دوراً مهما في الوضع الجديد القادم في إفغانستان يبدأ بحماية مطار كابل ومفتوح على التوسع والإمتداد حيث إنها الأقدر والأكفأ بالمقارنة مع باكستان التي لم تلبي مطالب الأمريكان في مواجهة طالبان ولا تعتبرها عدوة لها.

يبقى السؤال الأهم هو تطورات الوضع مستقبلاً في أفغانستان ومدى إلتزام طالبان بعهودها وهل ستقتنع بحصر نفسها في حدود أفغانستان الفقيرة المعزولة ذات الموارد المعدومة وتبقى إمارة إسلامية صغيرة ويتربع على عرشها أمير المؤمنين، حيث يمكن أن يعيد بعض التاريخ نفسه، ولا توجد ثوابت والكل متحرك والإتفاقات والتعهدات يمكن أن تبقى حبراً على ورق يضمها الأرشيف في الدوحة وواشنطن.

الإمارة الإسلامية تحتاج لأموال، وموارد أفغانستان لا تكفي لتمويل الأيديولوجيا الأصولية ولا توجد تعهدات من أموال البترودولار لحد الآن ويبقى البحث عن التمويل قائماً وحاضراً مادامت هناك بندقية باليد تغذيها أيديولوجيا القتال.

 

د. علي الدباغ

 

 

علاء اللاميتجري منذ أيام جدالات صاخبة وعدائية في الإعلام المرئي والمقروء ومواقع التواصل الاجتماعي حول مشروع تعديل المادة 57 من قانون الأحوال الشخصية لسنة 1959 المعدل. ومن الواضح أن تسييس وأدلجة شتى المواضيع القانونية والاجتماعية والثقافية، بات أمرا مألوفا في عراق دولة المكونات والمحاصصة الطائفية منذ عدة سنوات، وهو يلحق أفدح الضرر بالقضايا المختلف عليها لأنه يخرجها من طابعها الحقيقي ويحولها الى مادة للصراع الأيديولوجي الحزبوي بين إسلاميين طائفيين ثأريين وعلمانيين قشريين اشتركوا كلهم في إقامة وشرعنة وخدمة هذا النظام الممزِّق للمجتمع والدولة؛ وهذا الصراع والاستقطاب الأيديولوجي، وبهذا الشكل العدائي، يلحق ضررا أكبر بالمعنيين بهذه المادة وهم الأطفال قبل غيرهم، وأستثني طبعا بعض الأصوات الرصينة التي أفلتت من هذه الثنائية الصراعية الجوفاء وقدمت أو حاولت تقديم أفكار ناضجة وبناءة ونقدية تجاري روح العصر.

* سأحاول في هذا النص مقاربة هذا الموضوع بطريقة مختلفة قليلا، وأكثر شفافية وتوازنا، وسأبدأ بقراءة المادة 57 كما هي في نسختها النافذة الآن، ثم نطلع على نص التعديل المقترح عليها، ثم نستخلص الفروق الحقيقية بين الصيغتين النافذة والمقترحة، ثم لنلق نظرة على موضوع حضانة الأطفال في العالم وفي دول عربية قريبة، وكيف تطورت معالجة هذه القضية من ثنائية صراعية إلى حالة بناء بديل جديد لها يقوم على مقاولات من نوع " الحضانة للأصلح" و "مصلحة وحقوق الطفل هي الأولى"، وأنهي النص بتقديم وجهة نظري الخاصة لمقاربة البديل الأكثر إنصافا وتقدمية.

* فالمؤيدون للتعديل بحجة الدفاع عن الأب المُطَلِّق - والذي لا شك في أن المادة تنطوي على إجحاف بحقه خصوصا في قصر مدة تواصله مع أطفاله والتي لا تتجاوز في المعتاد الساعتين في الشهر كما قيل - ينطلقون أحيانا وفي غالبيتهم من منطلقات سياسية ثأرية تنظر الى هذه المادة كمادة سنتها حكومة ثورة 14 تموز 1958 التي ناصبتها الأوساط الإقطاعية والمرجعية الموالية العداء، وعدَّلها اكثر لمصلحة المرأة الحكم البعثي الصدامي، ولما كانوا يريدون اجتثاث كل شيء كان موجودا في العراق قبل قيام حكم المحاصصة الطائفية والعرقية التابع للأجنبي حتى لو كان قد شُرِّعَ في السنوات الأولى للثورة الجمهورية 14 تموز 1958. إنَّ هذه النظرة المتشنجة التي يأخذ بها المتحزبون للأحزاب الإسلامية الشيعية هي نظرة سلبية وضارة جدا لأنها لا تفرق بين الدولة العراقية ومنجزها التراكمي منذ قيامها في سنة 1921 وحتى الآن والنظام الحاكم في عهد صدام حسين، وتحاول إحلال قوانين مستمدة من فهمها الخاص والمستمد من فكرها الديني المذهبي محل القوانين القديمة.

* لقد بلغت ذروة هذه المحاولة في مشروعهم لاستبدال قانون الأحوال الشخصية العراقي كله بقانون أحوال طائفي أطلقوا عليه اسما يكشف جوهره وهو "قانون الأحوال الشخصية الجعفري 124 لسنة 2019"، ولكن هذا المشروع تم تأجيله أو سحبه من التداول ولم يتمكنوا من تمريره حينها. وقبلها، وبعد أشهر على الاحتلال الأميركي للعراق سنة 2003، استغل رئيس حزب "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية" كما كان يسمى آنذاك عبد العزيز الحكيم منصبه كرئيس تناوبي لمجلس الحكم الذي شكلته سلطات الاحتلال الأميركي، وأصدر امرا مرتجلا وفرديا بإلغاء قانون الأحوال المدنية لسنة 1957، ولكن سلطات الاحتلال ألغت قرار الحكيم بل وأجبرته على أن يغير اسم حزبه لاحقا فخضع لأوامر الاحتلال وأبطل قراره بالإلغاء، وغير اسم حزبه إلى "المجلس الأعلى الإسلامي"! ويبدو أن هذا التعديل يجري في السياق ذاته، سياق تطييف قانون الأحوال الشخصية بطريقة متدرجة بعد فشل تلك المحاولات والاقتراب به من صيغة قانون الأحوال الجعفري المطبق في لبنان والذي يحرم الأم من حق حضانة طفلها، وفي حين كان قانون الأحوال الشخصية العراقي بنسخته مصدر أمل وإلهام للنساء العربيات وخاصة في لبنان، خاصة وأن مرجعية المحاكم الجعفرية في لبنان مركزها العراق، فإن التعديلات التي يحاول الساسة الإسلاميون الشيعة العراقيون إدخالها على القانون تشكل ردة اجتماعية وحضارية على ما هو نافذ اليوم.

* على المقلب الآخر، يقف المعارضون لهذه التعديلات بضراوة، بحجة الدفاع عن المرأة الأم - والتي ينطوي التعديل على إجحاف بحقوقها كأم وامرأة أيضا ويحاول سلبها أو تقييد حقها في حضانة أطفالها في حال زواجها بعد طلاقها أو جعل الحضانة لسبع سنوات فقط -  فهؤلاء المدافعون لا يقلّون أدلجة وتسييسا في نظرتهم وموقفهم للموضوع عن خصومهم الإسلاميين الشيعة وهم في دفاعهم الأعمى عن المادة يستندون الى فهم متخلف لنسخة بائسة من علمانية قشرية لا تأخذ بها حتى الدول التي تعتمد العلمانية منهجا رسميا لها في ميدان الحوال الشخصية بل طورت مفاهيم وصيغ جديدة أكثر إنسانية وتقدما وإنصافا للطرفين الأم والأب وإعطاء الأولوية لمصلحة وحقوق الطفل نفسه قبل غيره، وهؤلاء العلمانيون القشريون بهذه المواقف يحشرون أنفسهم في منطق رد الفعل الأيديولوجي بدلا من تقديم بديل إيجابي متطور وأكثر تقدمية من تلك المادة ومن التعديل المقترح عليها يستفيد من آخر التطورات القانونية والتربوية والاجتماعية العلم نفسية في هذا الباب.

سنلقي نظرة الآن على الفقرات ذات الصلة الأهم في النص النافذ الآن من هذه المادة 57 من القانون عدد 188 الصادر عام 1959:

"1 - الأم أحق بحضانة الولد وتربيته، حال قيام الزوجية. وبعد الفرقة، ما لم يتضرر المحضون من ذلك.

2 - يشترط ان تكون الحاضنة بالغة عاقلة أمينة قادرة على تربية المحضون وصيانته، ولا تسقط حضانة الأم المطلقة بزواجها. وتقرر المحكمة في هذه الحالة أحقية الأم والأب في الحضانة في ضوء مصلحة المحضون.

4 - للأب النظر في شؤون المحضون وتربيته وتعليمه، حتى يتم العاشرة من العمر. وللمحكمة أن تأذن بتمديد حضانة الصغير، حتى إكماله الخامسة عشرة، إذا ثبت لها بعد الرجوع إلى اللجان المختصة الطبية منها والشعبية، أن مصلحة الصغير تقضي بذلك، على أن لا يبيت إلا عند حاضنته.

5 - إذا أتم المحضون الخامسة عشرة من العمر، يكون له حق الاختيار في الإقامة مع من يشاء من أبويه، أو أحد أقاربه لحين إكماله الثامنة عشرة من العمر، إذا آنست المحكمة منه الرشد في هذا الاختيار.

7 - في حالة فقدان أم الصغير أحد شروط الحضانة أو وفاتها، تنتقل الحضانة إلى الأب، إلا إذا اقتضت مصلحة الصغير خلاف ذلك. وعندها تنتقل الحضانة إلى من تختاره المحكمة، مراعية بذلك مصلحة الصغير.

8 - إذا لم يوجد من هو أهل للحضانة من الأبوين، تودع المحكمة المحضون بيد حاضنة أو حاضن أمين، كما يجوز لها أن تودعه إلى دور الحضانة المعدة من قبل الدولة عند وجودها.

9 - أ- إذا فقد أبو الصغير أحد شروط الحضانة فيبقى الصغير لدى أمه ما دامت محتفظة بشروط الحضانة، دون أن يكون لأقاربه من النساء أو الرجال حق منازعتها لحين بلوغه سن الرشد.

ب- إذا مات أبو الصغير فيبقى الصغير لدى أمه وإن تزوجت بأجنبي عنه من العراقيين بشرط:

1 - أن تكون الأم محتفظة ببقية شروط الحضانة.

2 - أن تقتنع المحكمة بعدم تضرر الصغير من بقائه مع الأم.

3 - أن يتعهد زوج الأم حال عقد الزواج برعاية الصغير وعدم الإضرار به.

ج- إذا أخل زوج الأم بالتعهد المنصوص عليه في "3" من البند "ب" فيكون ذلك سبباً لطلب التفريق من قبل الزوجة.

إن هذه المادة النافذة معدلة، وليس بحوزتنا المادة الأصلية لعهد ثورة 14 تموز، حيث يقول الهامش 19 إن الصيغة القديمة منها لسنة 1959 قد ألغيت و(حل محلها النص الحالي بموجب القانون رقم 21 لسنة 1978/قانون التعديل الثاني، وألغيت الفقرة 9 منها وحل محلها النص الحالي بموجب القانون رقم 65 لسنة 1986/قانون التعديل الحادي عشر. وعدلت الفقرة 2 منها بالقانون رقم 106 لسنة 1978/قانون التعديل الثالث عشر". وهذه الصيغة مجحفة بحقوق الأب في اشتراطها عدم مبيت ابنه في مقر إقامته، ولكن هذه جزئية صغيرة ويمكن تعديلها بسهولة ولكن المادة تلوِّح بمبدأ المشاركة في الحضانة تلويحا غامضا في فقرة (وتقرر المحكمة في هذه الحالة أحقية الأم والأب في الحضانة في ضوء مصلحة المحضون) وأرجح أن يكون المقصود بعبارة "هذه الحالة" حالة زواج الأم الحاضنة من رجل آخر، والمطلوب التقدم خطوة أكبر على هذا الطريق وجعل حالة المشاركة والتوافق على الحضانة بإشراف القضاء حالة عامة وليست استثناء خاصا بالأمهات الحاضنات المتزوجات. كما أن حضانة الأم في هذه المادة ليس مطلقة ولا هي غير مشروطة كما يقول المناهضون للمادة، بل هي مشروطة بإشراف الأب على شؤون ابنه المحضون وتربيته وتعليمه حتى يتم العاشرة من العمر، وبموافقة القضاء واقتناعه بانعدام الإضرار بالطفل من العيش في كنف زوج الأم، وكذلك بتعهد من هذا الأخير برعاية المحضون وعدم الإضرار به.

أما النص الكامل للمادة الجديدة المقترحة فليس متوفرا في الإعلام ولكن الفقرات التي نُشرت منه يفيد الآتي:

* ينص على أن "الأم أحق بحضانة الولد وتربيته حال قيام الزوجية والفرقة حتى يتم السابعة من عمره ما لم يتضرر المحضون من ذلك". حيث أضيفت عبارة جديدة تفيد تحديد فترة الحضانة للأم بسبع سنوات من عمر الطفل وتكون مشروطة، وتقول العبارة "حتى يتم السابعة من عمره" بعد أن كانت تصل الى خمسة عشر عاما كما يفهم من منطوق الفقرة الخامسة والتي تقول "إذا أتم المحضون الخامسة عشرة من العمر، يكون له حق الاختيار في الإقامة مع من يشاء من أبويه".

وهذا التحديد لفترة الحضانة بسبع سنوات هو تطبيق لفتوى المرجع السيستاني التي تقضي بأن "للمرأة الحق في حضانة طفلها لغاية عمر سبع سنوات (الحضانة الأحوط وجوباً)"، هو تحديد مجحف بحق المرأة قياسا لحقها الذي ضمنته المادة النافذة اليوم، ويزداد إجحافه حين تتزوج الأم إذْ يسقط حقها في الحضانة تلقائيا وكأن المشرع يريد مصادرة حق الأم في أن تعيش حياتها كسائر النساء وتتزوج وتنجب من جديد، وهذا اعتداء صارخ على حقوق المرأة كأم وكإنسانة.

* كما تعطي المادة المقترحة، في حال أتم الطفل المحضون السابعة من عمره، وكان أبوه متوفى أو مفقوداً أو فقد أحد شروط الحضانة، الحق إلى "الجد الصحيح"، ثم إلى أمه ما دامت محتفظة بشروط الحضانة، ومنها أهليتها على المستويين المادي والعقلي وعدم زواجها مرة أخرى، من دون أن يكون لأقاربها من النساء أو الرجال حق منازعتها فيه لحين بلوغ الولد أو البنت سن الرشد. وهذا يعني أن المادة تحصر حق الحضانة بالأب بعد سن السابعة ثم تحيل هذا الحق إلى الجد في حال وفاة الأب ثم إلى الأم إذا لم تكن قد تزوجت وهذا يعني أن الحاضن الأول ينتقل الى إلى الأب ثم إلى الجد ثم إلى الأم، ولا يوجد قانون كهذا في العالم يجعل الأم هي الحاضن الثالث.

* نلاحظ في شرط عدم الزواج للأم الحاضنة انحيازا فاضحا إلى الأب لأنه لا يضع الشرط نفسه عليه لنيل حضانة الأبناء، وكأن المشرع ينظر الى الآباء كملائكة لا يقصرون أو يخطأون بحق الأبناء أما الأم فهي مدانة سلفا أو على الأقل مشكوك فيها دائما لأنها امرأة وهذه نظرة ذكورية رجعية متخلفة! إن "ترتيب الأب في الحضانة في ثماني دول عربية في المركز الثاني كما هي الحال في العراق، سوريا، تونس، الجزائر، المغرب، الإمارات، قطر وسلطنة عمان" ولكنها في مصر متأخرة كثيرا وتحديدا "إلى الرتبة السادسة عشر بعد كل نساء العائلتين من جهة الأم ومن جهة الأب، ثم يأتي بعدهم جميعا ترتيب الأب في حضانة أبنائه الذين من صلبه" كما قال العميد محمد صلاح المتحدث الإعلامي باسم "جبهة أرامل مصر" من الرجال للصحافة.

في الجزء الثاني من المقالة نواصل الحديث عن التجارب القانونية لموضع الحضانة في لبنان وإيران وسويسرا ودول أوروبية وعربية أخرى ونختم بطرح وجهة نظرنا الشخصية.

 

علاء اللامي

 

 

موسى فرجتعتبر المعلقات السبع من أفضل ما بلغنا عن حقبة الجاهلية وهي الحقبة التي توصف بها حال العرب قبل الإسلام.. والمعلقات هي:

1- قِفَا نَبْكِ - لأمرؤ القيس.

2- لخولة أطلال - لطرفة بن العبد.

3- آذَنَتْنَـا بِبَيْنِهِـا أَسْـمَــاءُ - للحارث بن حلزة.

4- أَمِنْ أُمِّ أَوْفَى دِمْنَـةٌ لَمْ تَكَلَّـمِ - لزهير بن أبي سُلمى.

5- أَلَا هُبِّي بِصَحْنِكِ فَٱصْبَحِينَـا - لعمرو بن كلثوم.

6- هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ مِنْ مُتَرَدَّمِ - لعنترة بن شداد.

7- عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا - للبيد بن ربيعة.

وقد كانت بحق مصدر مهم للوقوف على القيم المجتمعية وأحوال الناس في تلك الحقبة، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإننا في العراق بعد عام 2003 قد "ابتلينا بقوم يرون إن الله لم يهد سواهم" على حد قول ابن سينا هؤلاء من ابناء جلدتنا ونعرفهم جيداً فهم أبناء الأغنياء والموسرين من طبقة الاقطاعيين وشيوخ العشائر التي كانت تتسيد المشهد السياسي في العراق أبان الحقبة الملكية وتشكل الحاضنة الأساسية لحكومة نوري سعيد لكنها بعد 14تموز 1958 انقسمت الى فئتين:

1- الرعاع منهم انغمسوا في تنظيمات البعث واجادوا في لعب دورهم بكل خسة بقمع الشعب العراقي والاعتداء على كرامته ومقدراته بعد إن قيض لهم الإجهاز على 14 تموز وقادتها  ...

2- أبناء الأغنياء والموسرين وهؤلاء رافقوا آباءهم في هجرتهم الى بلاد الإنكليز وعادوا بقطار أمريكي في عام 2003 ليتسيدوا المشهد من جديد قلنا لعل وعسى أن تكون نشأتهم في بلد أوربي واندماجهم ضمن تلك المجتمعات قد غيرت من نظرتهم للحياة وباتوا يحترمون الشعب العراقي لكنهم جاءوا معبأين بروح التعالي والانتقام تحت لافتة "كل من لم يغادر العراق إما بعثي أو وكيل أمن لصدام" فأحدثوا الفرقة بين العراقيين وبات عراقيو الداخل ينظرون بتوجس لإخوانهم المغتربين...

ولكن وبمرور المدة ولم ننتظر طويلاً حتى بان معدنهم الرديء وأغرقوا العراق بالفساد والتجهيل والفوضى، مع ذلك فإنهم ما فتئوا يمجدون بالحقبة الملكية وزمن نوري سعيد الجميل...!

قلنا لهم أنتم ابناء تلك الطبقة من رجالات تلك الحقبة وتفضلوا هذه أفعالكم ماثلة للعيان وما دامت الثمرة تدل على الشجرة والبعرة تدل على البعير فاثبتوا العكس لكنهم ما زالوا في غيهم سادرون، وبعد يومين أو ثلاثة تحل الذكرى السنوية لـ 14تموز وهم منذ أسابيع يشحذون خناجرهم للنيل منها أنا هنا لست بمعرض الدفاع عنها ولكن يهمني الوقوف على ما يزعمونه من زمن جميل لحقبة أباءهم الملكية...ولأن العرب خصوصاً المسلمين منهم لا يتخذون من المكتشفات الإثارية دليلاً للوقوف على قيم وطبائع وسلوك الأقوام انما يعتمدون على ما هو مروي أو مكتوب ولأنهم اتخذوا من المعلقات السبع دليلاً للوقوف على قيم العرب السائدة قبل ظهور الاسلام من كرم وشجاعة وإيثار ونجدة الضيف والمستجير فقد عمدت الى نفس الأدوات المعلقات التي افرزتها الحقبة الملكية لتقييم السلوك السياسي لتلك الحقبة، وطبعاً مع الكثرة من الشعراء في بلاد ما بين النهرين ولكن حسماً للجدل فإني سأختار معلقات فطاحل الشعراء لتلك الحقبة وليس المغمورين منهم فاخترت من لا يختلف بشأنهم أثنان من حيث المكانة والفطحلة والدراية بأحوال العراق قبل 14تموز 1958وما تلاها لا لتقييم الحقبة الملكية فقط بل الحقب اللاحقة  أيضاً...فلنبدأ على بركة الله...

أولاً: الحقبة الملكية:

1- لنبدأ بالرصافي...ماذا قال عن حقبة ما قبل 14تموز 1958...؟ تعالوا معي:

أنـا بـالحـكـومـة والسـيـاسـة أعرف

أأُلام فـــي تـــفــنــيــدهــا وأعــنَّف

سـأقـول فـيـهـا مـا أقـول ولم أخـف

مــن أن يــقــولوا شــاعــر مــتـطـرِّف

هــذي حــكــومــتــنـا وكـل شُـمـوخـهـا

كَــذِب وكــل صــنــيــعــهــا مــتــكــلَّف

غُــشَّتــ مــظــاهــرهــا ومُـوِّه وجـهـهـا

فــجــمــيــع مـا فـيـهـا بـهـارج زُيَّف

وجــهــان فــيــهــا بــاطــن مــتـسـتِّر

للأجـــنـــبـــيّ وظـــاهـــر مـــتــكــشِّف

والبــاطــن المـسـتـور فـيـه تـحـكّـم

والظــاهــر المــكـشـوف فـيـه تـصـلُّف

عَــــلَم ودســــتـــور ومـــجـــلس أمـــة

كــل عــن المـعـنـى الصـحـيـح مـحـرف

أســمــاء ليـس لنـا سـوى ألفـاظـهـا

أمــا مــعــانــيــهـا فـليـسـت تـعـرف

مَــن يــقــرأ الدســتـور يـعـلمْ أنـه

وَفـــقـــاً لصــكّ الانــتــداب مــصــنَّف

مـن يـنـظـرِ العَـلم المـرفـوف يـلقَه

فـي عـزّ غـيـر بـنـي البـلاد يـرفرف

مــن يــأتِ مــجــلســنــا يــصـدّق أنـه

لمُــراد غــيــر النــاخــبــيـن مـؤلَّف

مــن يــأتِ مُــطّــرَد الوزارة يُـلفِهـا

بــقــيــود أهـل الاسـتـشـارة تـرسـف

أفـهـكـذا تـبـقـى الحـكـومـة عـندنا

كـــلمـــاً تـــمـــوَّه للورى وتُــزخــرَف

كــثــرت دوائرهــا وقــلّ فَــعــالهــا

كــالطــبــل يـكـبُـر وهـو خـال أجـوف

كــم ســاءنـا مـنـهـا ومـن وزرائهـا

عــمــل بـمـنـفـعـة المـواطـن مُـجـحِـف

تــشــكــو البــلاد ســيـاسـة مـاليـة

تــجــتــاح أمــوال البــلاد وتُـتـلف

تُـجـبـى ضـرائبـهـا الثـقـال وإنـمـا

فــي غــيـر مـصـلحـة الرعـيّـة تُـصـرف

حــكــمــت مُــشـدِّدة عـليـنـا حـكـمـهـا

أمــا عــلى الدخــلاء فــهــي تـخـفِّف

يــا قــوم خَــلُّوا الفــاشـيـة إنـهـا

فــي الســائسـيـن فـظـاظـة وتـعـجـرُف

للإنــكَــليــز مــطــامــع بــبـلادكـم

لا تـنـتـهـي إلاّ بـأن تـتـبـلشـفُـوا

بــالله يــا وزراءنــا مــا بـالكـم

إن نــحـن جـادلنـاكـم لم تُـنـصِـفـوا

وكــــأنّ واحـــدكـــم لفَـــرط غـــروره

ثــمِــل تَــمـيـل بـجـانـبَـيْه القـرقَـف

أفـتـقـنـعـون مـن الحـكـومة باسمها

ويـفـوتـكـم فـي الأمـر أن تتصرّفوا

هــذي كــراســيّ الوزارة تــحــتــكــم

كــادت لفــرط حــيــائهــا تــتــقــصَّف

أنـتـم عـليـهـا والأجـانـب فـوقـكـم

كــلّ بــســلطــتــه عــليــكــم مُــشــرِف

أيُـــعَـــدّ فــخــراً للوزيــر جــلوســه

فَــرِحــاً عــلى الكــرسـيّ وهـو مُـكـتَّف

إن دام هــذا فــي البــلاد فــإنــه

بــدوامــه لســيــوفــنــا مُــســتـرعِـف

لا بــدّ مــن يــوم يــطــول عــليـكـم

فـيـه الحـسـاب كـمـا يـطـول المَوْقف

فــهُـنـالِكـم لم يُـغـنِ شـيـئاً عـنـكـم

لُسُـــنٌ تـــقـــول ولا عـــيــون تــذرف

الشـعـب فـي جـزع فـلا تـسـتـبعـدوا

يــومـاً تـثـور بـه الجـيـوش وتـزحـف

وإذا دعا داعي البلاد إلى الوغى

أتـــظـــنّ أن هــنــاك مَــن يــتــخــلَّف

أيــذِلّ قــوم نــاهــضــون وعــنــدهــم

شــرف يــعــزّز جــانــبَــيــه لمُــرهــف

كــم مــن نــواصٍ للعــدى ســنــجُـزّهـا

ولحــىً بـأيـدي الثـائريـن سـتـنـتـف

2- ونعرج على الشبيبي...القائل:

قالوا استقلت في البلاد حكومة

فعجبت إن قالوا ولم يتأكدوا

أحكومة والاستشارة ربها

وحكومة فيها المشاور يعبد

المستشار هو الذي شرب الطلا

فعلام يا هذا الوزير تعربد...؟

اليوم نقول:

الفاسد الحزبي هو الذي نهب الموازنة ...

فعلام يا هذا الوزير تعربد...؟

3- الملا عبود الكرخي...أمامكم استطلاعات السوشيال ميديا وسووا استطلاع يشمل 1000 عراقي اذا مو أكثر من 900 منهم يعرفوه لملا عبود تسقط معلقته وتستبعد من معايير التقيم ... لنتفحص معلقته في احوال الرعية يومذاك:

هم هاي دنيا وتنكضي وحساب أكو تاليها

والله لكسر المجرشه وألعن أبو راعيها...

ذَبيت روحي عالجرش وأدري الجرش ياذيها

ساعة وأكسر المجرشة وألـعن أبو راعـيها.

ساعة واكسر المجرشة وألـعن أبـو السـواها

إشـجم سـفينة بالبحر يمشي ابعكسها اهـواها

ساعة واكسر المجرشة واكصد أبو الحملة علي

واطلب مرادي وانتحب بلجي هـمومي تـنجلي

نار البـكلبي اسـعرت يهل المروّة وتـصطلي

ما شفـت واحد ينتخي من اهل الرحم يـطفيها.

ساعة واكسر المجرشة وألعن أبو اليـجرش بعد

حظي يهل ودّي نـزل والجايـفه حظها صـعد

سلّمت أمري واسكتـت للي وعدني ابهالـوعـد

نصبر على الدنيه غصب لـلـّحـد وانـباريـها.

ساعة واكسر المجرشة واكطع من الدنيا الأمل

للجرش ما أرجـع بعد إلا بابره يخـش جمل

كل يوم ناصبلي عزه اسـتادي النغل مال الثوَل

عقلي انذهل جسمي نحل روحي السـكم لافـيها.

ساعة واكسر المجرشة واصعد برجلي للفلك

واوصل السـابع سما وبيـدي ألزمه للملَك

الله ما يقبل هالبـشع لرويـحتي سـابـيها

ثانياً: حكومة القوميين بعد شباط 1963:

من منكم يختلف بشأن الجواهري "شاعر العرب الأكبر" ...مازال الموقع شاغر  رغم رحيله عنه منذ ثلاثة عقود ونيف لم يجرؤ شاعر لاحتلاله... انظروا ماذا قال بشأن هذه الحقبة...

نامي جياعَ الشَّعْبِ نامي … حَرَسَتْكِ آلِهة الطَّعامِ

نامي فإنْ لم تشبَعِي … مِنْ يَقْظةٍ فمِنَ المنامِ

نامي على زُبَدِ الوعود … يُدَافُ في عَسَل الكلامِ

نامي تَزُرْكِ عرائسُ الأحلامِ … في جُنْحِ الظلامِ

تَتَنَوَّري قُرْصَ الرغيفِ … كَدَوْرةِ البدرِ التمامِ

وَتَرَيْ زرائِبَكِ الفِساحَ … مُبَلَّطَاتٍ بالرُّخَامِ

نامي تَصِحّي نِعْمَ نَوْمُ … المرءِ في الكُرَبِ الجِسَامِ

نامي على حُمَةِ القَنَا … نامي على حَدِّ الحُسَام

نامي إلى يَوْمِ النشورِ … ويومَ يُؤْذَنُ بالقِيَامِ

نامي على المستنقعاتِ … تَمُوجُ باللُّجَج الطَّوامِي

زَخَّارة بشذا الأقَاحِ … يَمدُّهُ نَفْحُ الخُزَامِ

نامي على نَغَمِ البَعُوضِ … كأنَّهُ سَجْعُ الحَمَامِ

نامي على هذي الطبيعةِ … لم تُحَلَّ به “ميامي “

نامي فقد أضفى “العَرَاءُ” … عليكِ أثوابَ الغرامِ

نامي على حُلُمِ الحواصدِ … عارياتٍ للحِزَامِ

متراقِصَاتٍ والسِّيَاط … تَجِدُّ عَزْفَاً ﺑﭑرْتِزَامِ

وتغازلي والنَّاعِمَات … الزاحفاتِ من الهوامِ

نامي على مَهْدِ الأذى … وتوسَّدِي خَدَّ الرَّغَامِ

وﭐستفرِشِي صُمَّ الحَصَى … وَتَلَحَّفي ظُلَلَ الغَمَامِ

نامي فقد أنهى ” مُجِيعُ … الشَّعْبِ ” أيَّامَ الصِّيَامِ

نامي فقد غنَّى ” إلهُ … الحَرْبِ” ألْحَانَ السَّلامِ

نامي جِيَاعَ الشَّعْبِ نامي … الفَجْرُ آذَنَ ﺑﭑنْصِرامِ

والشمسُ لنْ تُؤذيكِ بَعْدُ … بما تَوَهَّج من ضِرَامِ

والنورُ لَنْ “يُعْمِي” جُفوناً … قد جُبِلْنَ على الظلامِ

نامي كعهدِكِ بالكَرَى … وبلُطْفِهِ من عَهْدِ “حَامِ”

نامي.. غَدٌ يسقيكِ من … عَسَلٍ وخَمْرٍ ألْفَ جَامِ

أجرَ الذليلِ وبردَ أفئدةٍ … إلى العليا ظَوَامِي

نامي وسيري في منامِكِ … ما استطعتِ إلى الأمامِ

نامي على تلك العِظَاتِ … الغُرِّ من ذاك الإمامِ

يُوصِيكِ أن لا تطعمي … من مالِ رَبِّكِ في حُطَامِ

يُوصِيكِ أنْ تَدَعي المباهِجَ … واللذائذَ لِلئامِ

وتُعَوِّضِي عن كلِّ ذلكَ … بالسجودِ وبالقيامِ

نامي على الخُطَبِ الطِّوَالِ … من الغطارفةِ العِظَامِ

نامي يُسَاقَطْ رِزْقُكِ الموع … ودُ فوقَكِ ﺑﭑنتظامِ

نامي على تلكَ المباهجِ … لم تَدَعْ سَهْمَاً لِرَامِي

لم تُبْقِ من “نُقلٍ” يسرُّكِ … لم تَجِئْهُ .. ومن إدَامِ

بَنَتِ البيوتَ وَفَجَّرَتْ … جُرْدَ الصحارى والموامي

نامي تَطُفْ حُورُ الجِنَانِ … عليكِ منها بالمُدَامِ

نامي على البَرَصِ المُبَيَّضِ … من سوادِكِ والجُذَامِ

نامي فكَفُّ اللهِ تغسلُ … عنكِ أدرانَ السَّقَامِ

نامي فحِرْزُ المؤمنينَ … يَذُبُّ عنكِ على الدَّوَامِ

نامي فما الدُّنيا سوى “جس … رٍ” على نَكَدٍ مُقَامِ

نامي ولا تتجادلي … القولُ ما قالتْ “حَذَامِ”

نامي على المجدِ القديمِ … وفوقَ كومٍ من عِظَامِ‏

تيهي بأشباهِ العصامِيّينَ … منكِ على “عِصَامِ”

الرافعينَ الهَامَ من جُثَثٍ … فَرَشْتِ لَهُمْ وهَامِ

والواحمينَ ومن دمائِكِ … يرتوي شَرَهُ الوِحَامِ

نامي فنومُكِ خَيْرُ ما … حَمَلَ المُؤَرِّخُ من وِسَامِ

نامي جياعَ الشعبِ نامي … بُرِّئْتِ من عَيْبٍ وذَامِ

نامي فإنَّ الوحدةَ العصماءَ … تطلُبُ أنْ تنامي

نامي جِيَاعَ الشَّعْبِ نامي … النومُ مِن نِعَمِ السلام

تتوحَّدُ الأحزابُ فيه … ويُتَّقَى خَطَرُ الصِدامِ

تَهْدَا الجموعُ بهِ وتَستغني … الصُّفوفُ عَنِ ﭐنقسامِ

إنَّ الحماقةَ أنْ تَشُقِّي … بالنُهوضِ عصا الوئامِ

والطَّيْشُ أن لا تَلْجَئِي … مِن حاكِمِيكِ إلى احتكامِ

النفسُ كالفَرَسِ الجَمُوحِ … وعَقْلُها مثلُ اللجامِ

نامي فإنَّ صلاحَ أمرٍ … فاسدٍ في أن تنامي

والعُرْوَةُ الوثقى إذا استيقَظْ … تِ تُؤذِنُ بانفصام

نامي وإلا فالصُّفوفُ … تَؤُول منكِ إلى ﭐنقِسامِ

نامي فنومُكِ فِتْنَة … إيقاظُها شرُّ الأثامِ

هل غيرُ أنْ تَتَيَقَّظِي … فتُعَاوِدِي كَرَّ الخِصامِ

نامي جياعَ الشعبِ نامي … لا تقطعي رِزْقَ الأنامِ

لا تقطعي رزقَ المُتَاجِرِ ، … والمُهَنْدِسِ ، والمُحَامِي

نامي تُرِيحِي الحاكمينَ … من ﭐشتباكٍ والتحَامِ

نامي تُوَقَّ بكِ الصَّحَافَةُ … من شُكُوكٍ واتِّهَامِ

يَحْمَدْ لكِ القانونُ صُنْعَ … مُطَاوِعٍ سَلِسِ الخُطَامِ

خَلِّ “الهُمَامَ” بنومِكِ … يَتَّقِي شَرَّ الهُمَامِ

وتَجَنَّبِي الشُّبُهَاتِ في … وَعْيٍ سَيُوصَمُ ﺑﭑجْتِرَامِ

نامي فجِلْدُكِ لا يُطِيقُ … إذا صَحَا وَقْعَ السِّهَامِ

نامي وخَلِّي الناهضينَ … لوحدِهِمْ هَدَفَ الرَّوَامِي

نامي وخَلِّي اللائمينَ … فما يُضِيرُكِ أن تُلامِي

نامي فجدرانُ السُّجُونِ … تَعِجُّ بالموتِ الزُّؤَامِ

ولأنتِ أحوجُ بعدَ أتعابِ … الرُّضُوخِ إلى جِمَامِ

نامي يُرَحْ بمنامِكِ “الزُّعَمَ … اءُ” من داءِ عُقَام

نامي فحقُّكِ لن يَضِيعَ … ولستِ غُفْلاً كالسَّوَامِ

إن “الرُّعَاةَ” الساهرينَ … سيمنعونَكِ أنْ تُضَامِ

نامي على جَوْرٍ كما … حُمِلَ الرَّضِيعُ على الفِطَامِ

وَقَعي على البلوى كما … وَقَعَ “الحُسامُ” على الحُسامِ

نامي على جَيْشٍ مِنَ … الآلامِ محتشدٍ لُهَامِ

أعطي القيادةَ للقضاءِ … وحَكِّمِيهِ في الزِّمَامِ

واستسلمي للحادثاتِ … المشفقاتِ على النِّيَامِ

إنَّ التيقظَ لو علمتِ … طليعةُ الموتِ الزؤامِ

والوَعْيُ سَيْفٌ يُبْتَلَى … يومَ التَّقَارُعِ ﺑﭑنْثِلامِ

نامي شَذَاةَ الطُّهْرِ نامي … يا دُرَّةً بينَ الرُّكَامِ

يا نبتةَ البلوى ويا … ورداً ترعرعَ في ﭐهتضامِ

يا حُرَّةً لم تَدْرِ ما … معنى ﭐضطغانٍ وانتقامِ

يا شُعْلَةَ النُّورِ التي … تُعْشِي العُيُونَ بلا اضطرامِ

سُبحانَ رَبِّكِ صُورةً … تزهو على الصُّوَرِ الوِسَامِ

إذْ تَخْتَفِينَ بلا اهتمامٍ … أو تُسْفِرينَ بلا لِثَامِ

إذْ تَحْمِلِينَ الشرَّ صابرةً … مِنَ الهُوجِ الطَّغامِ

بُوركْتِ من “شَفْعٍ ” فإنْ … نزلَ البلاءُ فمن “تُؤَامِ”

كم تصمُدِينَ على العِتَابِ … وتَسْخَرينَ من الملامِ

سُبحانَ ربِّكِ صورةً … هي والخطوبُ على انسجامِ

نامي جياعَ الشعبِ نامي … النومُ أَرْعَى للذِّمَامِ

والنومُ أَدْعَى للنُزُولِ … على السَّكِينَةِ والنِّظَامِ

نامي فإنَّكِ في الشَّدائدِ … تَخْلُصِينَ من الزِّحَامِ

نامي جياعَ الشَّعْبِ لا … تُعْنَيْ بِسَقْطٍ من كلامي

نامي فما كانَ القَصِيدُ … سوى خُرَيْزٍ في نظامِ

نامي فقد حُبَّ العَمَاءُ … عَنِ المساوىء والتَّعَامِي

نامي فبئسَ مَطَامِعُ الواعِي … نَ من سَيْفٍ كَهَامِ

نامي: إليكِ تحيّتِي … وعليكِ، نائمةً سلامي

نامي جياعَ الشَّعْبِ نامي … حَرَسَتْكِ آلهةُ الطعامِ

ما الذي اختلف...؟ البعوض نفسه وخط الفقر المدقع تضاعف في ارتفاعه والعظات هي هي وزاد عليها كهرباء ماكو...

ثالثاً: حكومة البعث...

تفضلوا:

سل مضجعيك يا ابن الزنا أأنت العراقي أم أنــــــــا...؟

يا غادرا إن رمت تسألنـــي أجيبك من أنــــــــــــــــــــا

فأنا العربي سيف عزمــــه لا ما أنثنــــــــــــــــــــــــى

وأنا الإباء وأنا العـــــــراق وسهله والمنحنــــــــــــــــى

وأنا البيان وأنا البديــــــــع به ترونق ضادنـــــــــــــــا

أدب رفيع غزا الدنــــــــــا عطر يفوح كنخلنــــــــــــــا

وأنا الوفاء وأنا المكـــــارم عرسها لي ديدنــــــــــــــــا

وأنا أنا قحطان منــــــــــي والعراق كما لنــــــــــــــــا

أنا باسق رواه دجلــــــــــة والشموخ له أنحنــــــــــــى

من أنت حتى تدعــــــــــي وصلا فليلانا لنــــــــــــــــا

أو أنت قاتل نخلتــــــي ذلا بمسموم القنـــــــــــــــــــــا

أو أنت هاتك حرمــــــــــة الشجر الكريم المجتنــــــى

أو أنت من خان العهـــــود لكي يدنسها الخنــــــــــــى

لولاك يا أبــــــــــن الخيس ما حل الخراب بارضنــــا

لولاك ما ذبحوا الولـــــــود من الوريد بروضنــــــــــا

لولاك ما عبث الطغاة بأرضنا وبعرضنــــــــــــا

أنا ... من أنا ... سل دجلة سل نخيل بلادنـــــــــــــــا

أنا .. من أنا .. سل أرضنا تدري وتعلم من أنــــــــــا

أنا إن مت فــــــــــالأرض واحدة هنا او ها هنـــــــــا

واذا سكنــــــــــت الأرض تربتها ستمنحني الهنـــــــا

أو عرفت يا أبن الطينــــة السوداء يا أبـــــــن الشينا

أنا وخيمتــــــــــــــــــــــي علم يؤطر درسنـــــــــــا

علم يحيي كل مــــــــــــــا قد مات فـــــــي وجداننا

سل مضجعيك يا ابن الزنا أأنت العراقي أم أنــــــــا...؟

رابعاً: حقبة المحاصصة والفساد:

وهذه لا تحتاج معلقات ولا شعراء فـ التشوفه العين ما ينحمد ....

 

موسى فرج

 

 

هاشم نعمةعن: NRC Handelsblad 18 Mei 2021

ترجمة: د. هاشم نعمة


لم يعد التطرف اليميني،على عكس الماضي، يؤدي إلى العزلة الاجتماعية. إذ باتت أفكاره لها صدى في السياسة، بحسب طالبة الدكتوراه نيكي ستركنبورخ.

يُسأل الناشط اليميني المتطرف هانز عما سيغيره في هولندا إذا وصل إلى السلطة. "إذا اضطررت إلى تطبيق كل آرائي العرقية، هاها فسيكون ذلك حقًا حمام دم كامل." تتنهد صديقته وهي تهز رأسها من على الأريكة، "لا أعتقد أنك ستكون قائدًا محبوبًا أيضًا."

إنه مشهد من الكتاب الجديد للصحفية السابقة ستركنبورخ، المعنون "لكن لا يمكنك قول ذلك". تصف فيه أن أشخاصًا مثل هانز انتهى بهم الأمر إلى عزلة اجتماعية قبل 25 عامًا. يُظهر البحث العلمي أن أعضاء الأحزاب اليمينية المتطرفة والراديكالية السابقة مثل مركز الديمقراطيين وحزب المركز 86 (تأسس هذا الحزب عام 1986 وحُل عام 1998)(1)غالبًا ما فقدوا وظائفهم وزوجاتهم، ولم يبق لهم سوى القليل من الأصدقاء.

وتشير ستركنبورخ، التي ستدافع عن درجة الدكتوراه عن اليمين الراديكالي والمتطرف في هولندا يوم الأربعاء، إلى أن هذا الأمر بات مختلفا في الوقت الحاضر. كان هانز في الماضي عضوًا في مجموعات النازيين الجدد مثل اتحاد الشعب الهولندي والدم والشرف. اليوم، هو ناشط مستقل يشارك في جميع أنواع الاحتجاجات اليمينية المتطرفة. في إحدى المرات، حاول هو وأصدقاؤه منع حافلة مجموعة عمل إلغاء بيت الأسود (هي مجموعة عمل هولندية تسعى لإلغاء ما تعتبره تفسيرا عنصريا خلال احتفالات بابا نويل السنوية بعيد الميلاد)(2). بعد بضعة أسابيع، شارك في مظاهرة مناهضة للفاشية وذلك لإثارة الشغب.

لم نتوقع منك ذلك

يحكي هانز في الكتاب أن مديره في العمل شاهده في إحدى المظاهرات في التلفزيون، لكن هذا لم يسبب له أي مشاكل. "أوه، لم نكن نتوقع منك ذلك". وبحسب ستركنبورخ، فإن هذا ينطبق على معظم عشرات النشطاء الذين تحدثت إليهم. وهي تقول: "إن بيئتهم تشجعهم بدلاً من أن تثبط عزيمتهم". ستركنبورخ هي نائب رئيس قسم التحليل في المنسق الوطني للأمن ومكافحة الإرهاب. وهي ترى من خلال احتجاجات كورونا، أن هناك دليلا إضافيا على ادعائها بأن المتطرفين اليمينيين مقبولون على نطاق واسع اليوم؛ هناك، يسير المواطنون المحترمون بشكل أخوي إلى جانب أعضاء في مجموعات يمينية متطرفة مختلفة وهم يصرخون "نحن هولندا".

المتظاهرون المناهضون لكورونا

تقول ستركنبورخ: "كان ذلك غير وارد في التسعينيات". تشير إلى مقتل ماريان فاتسترا في عام 1999 في كولوم في مقاطعة فريسلاند. إذ سعى مركز الديمقراطيين والحزب الوطني الجديد إلى الانضمام إلى السكان الذين كانوا يبحثون عن الجاني في مركز لطالبي اللجوء. هؤلاء الناس لم يكونوا سعداء على الإطلاق بذلك؛ لأنه لا أحد يريد أن يُحسب على هذه الجماعات.

وبحسب ستركنبورخ، لا يزال عدد الناشطين اليمينيين المتطرفين في هولندا لا يزيد عن 250. لكن التصريحات المتطرفة من قبل السياسيين، وفقًا للباحثة، أخرجتهم من عزلتهم. لا يتردد صدى أفكارهم فقط مع الأحزاب اليمينية المتطرفة مثل حزب الحرية ومنتدى الديمقراطية، ولكن أيضًا مع أكبر حزب حكومي هو حزب الشعب من أجل الحرية والديمقراطية. (هو حزب رئيس الوزراء الحالي مارك روته الذي هو في هذا المنصب منذ عشر سنوات، وحصل حزبه في الانتخابات البرلمانية الأخيرة في آذار| مارس 2021 على أكبر عدد من المقاعد لكن ذلك لا يؤهله لتشكيل الحكومة بمفرده إلا ضمن إتلاف يضم أحزاب أخرى)(3).

في مجلس النواب، تمت مناقشة العلاقة المزعومة بين الشعوب ونسبة الذكاء، ويبدو أن الوزير ستيف بلوك (وزير الخارجية السابق)(4) اشار في اجتماع خاص إلى أن الشعوب المختلفة لا يمكنها العيش معًا، وقد طرح رئيس حزب الشعب من أجل الحرية والديمقراطية السابق كلاس دايكهوف، خططًا لمعاقبة الأشخاص في الأحياء التي تعاني من مشاكل بشكل أكثر صرامة.

في عملها الجديد في المنسق الوطني للأمن ومكافحة الإرهاب، قالت ستركنبورخ إنها ستبقى بمعزل عن التحليلات السياسية بشأن اليمين المتطرف. إذ أن مبدأ البحث العلمي هو أنك لا تؤذي من تتحدث معه. لذلك أنا لا أقول "شكرًا لك على إخباري بكل شيء عن اليمين المتطرف والراديكالي وبعد ذلك سأعمل لصالح الحكومة".

 

.........................

1- المترجم

2- المترجم

3- المترجم

4- المترجم

 

 

علاء اللاميإن التجربة التعددية القائمة على العيش المشترك والسماحة في الأندلس القديمة، التي يفاخر بها بعض من جيل المثقفين الأندلسيين المعاصرين وبين علماء إناسة "إنثروبولوجيون" ومؤرخون، الذين توقفنا في مناسبة سابقة عند أسماء بعضهم (الأخبار عدد 29 تشرين الأول -2020)، تذكرنا مباشرة بتجربة الحضارة العربية الإسلامية الأم في المشرق العربي وخصوصا في العهد العباسي وعاصمته الزاهرة بغداد. فهذه البداية الحضارية، وخصوصا في طورها العباسي الأول، تأسست أصلا على التعددية والتنوع، وشارك في بناء حضارتها ممثلون فاعلون من عدة قوميات وأديان إلى جانب العرب المسلمين، فمساهمة العلماء الفرس والترك، والأذريين والهنود وعموم الآسيويين والمسيحيين العرب واليهود المزراحيم والأفارقة البربر وغير البربر، وبلغة الثقافة عهد ذاك أي العربية إلى جانب الأعمال المترجمة للإغريق والرومان والهنود هي مساهمة فعالة وتأسيسية.  

هل فتح العرب المسلمون الأندلس فعلا؟

وبالعودة لما قاله دعاة استعادة الهوية الأندلسية "القديمة الجديدة" المعاصرون، نتوقف عند ما ذكره إيمانيويلو غونزالس فيرين، وهو مؤرخ وباحث في فقه اللغة العربية، ومفاده أن الأندلس، بعد ما عُرف بحروب الاسترداد الشمالية، خضعت لعملية صناعة ذاكرة جمعية على نطاق واسع. ونفهم من السياق أنه يقصد عملية صناعة ذاكرة جمعية غير موضوعية ومنحازة ضد الهوية الأندلسية. فهو يؤكد (أن تاريخ مملكة ليون واستورياس، وتاريخ مملكة قشتالة كوريثة كُتِبَ، كما كُتِبَ التاريخ الاستعماري للأندلس في خدمة مشروع معين هو المشروع القومي الكاثوليكي، وهذا منطقي فقط في قلب شبه الجزيرة الإيبيرية، ولكنه لا ينطبق على الأندلس، ولا على أميركا اللاتينية- الناطقة بالإسبانية).

ويذهب فيرين إلى أن: "الحديث عن الاحتلال العربي لشبه الجزيرية الإيبيرية أمر مصطنع، ومجرد حكاية عُدَّتْ كتاريخ حقيقي لتبرير سقوط الحكم القوطي، ويصبح ضرورة ملحة عندما يرتبط بالفترة اللاحقة لفترة الاستعادة "حروب الاسترداد". إنَّ المحور الأساس في جوهر الفكرة القومية الكاثوليكية في إسبانيا هو أن الشر يأتي دائما من الخارج، والآخرون هم الذين جاؤوا من الخارج لتعكير صفو شبه الجزيرة الإيبيرية. وللحفاظ على تلك الصورة الخادعة لا بد من الحفاظ على خرافة الاحتلال العربي، ولكن الحقيقة مختلفة عما أخبرونا به".

من الطبيعي أننا لا يمكن أن نتفق مع فيرين في كل ما ذهب إليه، فحقائق التاريخ أكثر صلابة وثقلا مما يتصور البعض، ولا يمكن نفي الفتح العسكري العربي الإسلامي لشبه الجزيرة الإيبيرية أو ما يسميه "الاحتلال العربي". ربما تكون هناك شيء من الحقيقة، في وصف وتقديم هذا الفتح من قبل من سماهم "القوميين الكاثوليك" آنذاك على أنه "شر قادم من الخارج"، ولكن الفتح العسكري بحد ذاته حدث تاريخي حقيقي موثق جيدا تأريخيا كما سنوضح بعد قليل.

يقول فيرين في معرض تفنيده للحدث العربي، إن (تاريخ فتح العرب لشبه الجزيرة الإيبيرية كتب بعد مائة وخمسين سنة من 711م، وهناك رواية عربية وأخرى لاتينية للأمر، وهي مجرد حكايات تاريخية عربية ولاتينية وليست مصدرا موثوقا للتاريخ. هناك عملات واختام ونقوش، لكن لا توجد وثيقة يعتد بها تقول كان هناك غزو عربي، بل كان هناك تعريب، ثورة ثقافية ودينية وسياسية جاءت من الشرق إلى الغرب. وإذا درس تاريخ الأندلس بترتيب وروية فلن يمكن القول حينها أن العرب غزوا الأندلس)[1].

الرد على تشكيكات فيرين:

ويمكننا القول إنَّ اعتراضات فيرين هنا على واقعة الغزو العربي، والتصغير من شأن ما وجد من توثيقات وسجلات تاريخية وصفها بالحكايات وإهماله للعملات والنقوش والأختام رغم اعترافه بوجودها أمر لا يعتد بها علميا. وحتى مقولة "الثورة الثقافية والتعريب القادم من الشرق" يمكن وضعها في السياق التاريخي لما بعد حدث الفتح الحربي دون أن تتغير الصورة كثيرا، إذ أنَّ الفرادة لم تكن في حدث الفتح الحربي بحذ ذاته، بل في ما تمخض عنه من قيام تجربة في البناء والتكون الحضاري الإنساني المثقفي الجديد والذي لا عهد للقارة الأوروبية الجرداء حضاريا آنذاك به.

هذا أولا، وثانيا فالرقم الذي يؤرخ به فيرين لأول الكتابات التأريخية العربية واللاتينية الموثقة لفتح الأندلس وهو مائة وخمسون عاما غير صحيح تماما، ولدينا "تأرخات" ووثائق تاريخية أبكر من هذا التاريخ بكثير، ومنها كتاب أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكم. وهو مؤرخ مصري ولد في القرن الثاني للهجرة وبالتحديد سنة 187 أي بعد ثمانين عاما من سنة 107 التي اكتمل بها الفتح العربي الإسلامي للأندلس. وقد أفرد بن عبد الحكم فصلا خاصا هو الخامس ذكر فيه كيفية وتفاصيل الفتح العربي لشمال إفريقية والأندلس والنوبة.

والأهم من هذا الدليل التأريخي، هو أن لدينا وثائق مهمة عن مجريات الفتح ومنها وثيقة الصلح المؤرخة في سنة 94 هـ والتي استسلم بموجبها حاكم إحدى المقاطعات القوطية لجيوش المسلمين بقيادة عبد العزيز بن مُوسى بن نُصير. والحاكم المقصود هو (نبيلٌ قوطيّ عرفهُ المُسلمين باسم "تُدمير" ويُلفظ في لُغته الأُم "ثيوديمير". وكان ثيوديمير يعيشُ شبهَ مستقلٍ في تلك المنطقة مُنذ أيَّام لُذريق "رودريك"، الذي قيل بأنَّهُ استخلفهُ على الأندلُس قُبيل اندلاع معركة وادي لكة. ويرد في هذه الوثيقة (كتابٌ من عبدُ العزيز بن مُوسى بن نُصير لِتُدمير بن عبدوس أنَّهُ نزل على الصُلح، وأنَّ لهُ عهد الله وذمَّة نبيِّه "ص" ألَّا يُقدَّم لهُ ولا لِأحدٍ من أصحابه ولا يُؤخَّر، ولا يُنزع من مُلكه، وأنَّهُم لا يُقتلون ولا يُسبون ولا يُفرَّق بينهم وبين أولادهم ولا نسائهم، ولا يُكرهوا على دينهم ولا تُحرق كنائسهم ولا يُنزع من كنائسهم ما يُعبد. وأنَّهُ صالح على سبع مدائن: أوريولة وبلتنة ولقنت ومولُه وبلَّانة ولورقة وألُه، لا يُؤوي لنا آبقاً ولا يُؤوي لنا عدُوّاً ولا يُخيفُ لنا آمناً ولا يكتُمُ خبر عدوٍّ علمه)[2].

وقد حدث الاتفاق على هذه الوثيقة بعد معارك عنيفة كبرى من أهمها معركة "لكة" الدامية سنة 92 هـ، وكانت هذه الاتفاقية التي عقدت بعدها بأقل من عامين نتيجة لها بشكل من الأشكال. والتزم العرب بهذه المعاهدة رغم أنها انطوت يومها على خدعة حربية من قبل ثيوديمير، ولكن العرب المسلمين التزموا بما عاهدوا القوطي عليه. أما مصير ملك الأندلس القوطي لذريق الذي هزمه العرب المسلمون فقد بقي مجهولا لفترة طويلة، حتى كشفت إحدى المخطوطات القوطيَّة العائدة إلى القرن التاسع الميلاديّ عنه وورد فيها (أنَّهُ عُثر في قرية "إقطانية" (الكائنة في الپُرتُغال المُعاصرة) على شاهد قبرٍ نُقش عليه عبارة "هُنا يرقُد لُذريق، ملك القوط" (باللاتينية: Hic requiescit Rodericus, rex Gothorum)[3].

إنَّ ما يختصر تفاصيل وجهة نظر هؤلاء المثقفين الأندلسيين المعاصرين بصدد الموقف مما يسمى "حروب الاسترداد" يمكن ان نجده في ما قالته إحدى تلميذات عالمة الإنثروبولوجيا أنخيلس كاستيانو في هذا الوثائقي صراحة: "نحن نتحدث دوما عن الاستعادة "حرب الاسترداد" ولم تكن هناك استعادة بل كانت غزوا قام به المسيحيون من الشمال للأندلس".

أما غونزالس فيرين، سالف الذكر، فيوضح هذه الفكرة مزيدا من التوضيح بقوله" "إن فكرة الاستعادة "الاسترداد"، قيلت لتبرير غزو بعض ممالك الشمال للجنوب الأندلسي وتدمير أيقونة ثقافية هي الأندلس التي كانت مثالا للتسامح الديني وتعايش الأديان الثلاثة في ثقافة واحدة".

حرب مشاريع سياسية أم حرب قومية دينية؟

ولكن فيرين يختلف في طرحه التاريخي عن بعض زملائه المؤرخين و"الإنثروبولوجيين "فهو يرى في حروب الاسترداد حربا بين شمال وجنوب، لكل منهما مشروعه، وليس غزوا مسيحيا لجنوب غير مسيحي،  فيقول: "ثمة شيء ولد مع احتلال إشبيلية عام 1248م. إذا نظرنا إلى احتلال فرناندو الثالث كاحتلال إسباني، فسنفهم ماذا كان يحدث في الجنوب وهو مشروع سياسي لمملكة قشتالة وملكها فرناندو، وإذا بدأنا بتوصيفه كاحتلال مسيحي فسيكون ذلك تفسيرا أيديولوجيا، فكيف يكون غزوا مسيحيا وستون بالمائة من جنود فرناندو من المسلمين، وكان الحليف الأساسي لفرناندو هو ابن الأحمر ولي عهد مملكة غرناطة المسلم،  وكانوا يغزون تلك الأراضي في الجنوب لغايات سياسية ولم يكونوا يطردون المسلمين لأنهم مسلمون"[4]. والواضح أن الأرقام التي يذكرها فيرين تحتاج إلى تمحيص وتدقيق، وخصوصا زعمه القائل إن 60% من جنود فرناندو كانوا من المسلمين.

والواقع التأريخي يقول لنا شيئا آخر مختلفا: إن ابن الأحمر حاكم غرناطة، كان قد عقد صلحا أقرب إلى الاستسلام مع فرنادنو الثالث في ظروف شديدة التعقيد. فقد كان فرناندو الثالث ملك قشتالة يرى في ابن الأحمر بعد هزيمة ووفاة ابن هود حاكم قرطبة، زعيمَ الأندلسِ الحقيقي والخصم الذي يجب تحطيمه. وكان ابن الأحمر يحاول توطيد مملكته الناشئة في غرناطة، ويشعر بخطر دائم من الإسبان، ولكنه انتهى بأن ضمن عدم سقوط حكمه مؤقتا، مقابل أن يضحى باستقلاله، بل وأصبح دمية بأيدي الإسبان، فشاركهم في محاصرة اشبيلية وهو يقود العرب المسلمين، وهو ما سار على منواله حكام وأمراء أندلسيون آخرون غير ابن الأحمر لاحقا فتحالفوا مع فرناندو القوي مخافة سقوط ممالكهم، وقاتلوا ضد بني قومهم 1236! فهل قرأ فيرين هذه الأحداث والتحالفات بين أمراء عرب مسلمين تحالفوا مع فرناندو واستسلموا له بفعل منطق الغلبة والقوة، فاعتبر فيرين أنهم أصبحوا جزءا من قوات الشمال الإسباني؟ وهل يعقل أن هؤلاء الحلفاء شكلوا ستين بالمائة من قوات فرناندو الثالث، ولم يحاولوا أن يوحدوا قواهم ويقفوا بوجهه ويهزموه؟ أعتقد أن من الصعب جدا الأخذ بهذا المنطق، والموافقة على هذه الاستنتاجات المؤسسة عليه والتي يخرج بها فيرين.

خلاصة القول، هي أن هذا الفيلم التلفزيوني الوثائقي "ثلاثية الأندلس - حكاية الشاطئين" نجح الى حد بعيد في عرض واقع حال البحث الذي يقوم به المثقفون الأندلسيون وفي طليعتهم العلماء المتخصصون عن وفي الهوية الأندلسية اليوم وبطريقة جريئة تتحصن بالعلوم الحديثة وأساليبها.

 

*علاء اللامي - كاتب عراقي

...........................

* رابط الجزء الأول من المقالة:

https://al-akhbar.com/Opinion/295762/%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%AF%D9%84%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%85-%D9%83%D9%85%D8%A7-%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%87%D8%A7-%D9%85%D8%AB%D9%82-%D9%81%D9%88%D9%87

المراجع:

1-الوثائقي التلفزيوني «ثلاثية الأندلس: حكاية الشاطئين»:

رابط الجزء الأول:

https://www.youtube.com/watch?v=EgTHuEwtLA8

رابط الجزء الثاني:

https://www.youtube.com/watch?v=bAdy6TgYLlA

2- ابن قُتيبة الدينوري، أبو مُحمَّد عبدُ الله بن عبدُ المجيد بن مُسلم; تحقيق: مُحمَّد محمود الرافعي (1322هـ - 1904م). الإمامة والسياسة، الجُزء الأوَّل (الطبعة الأولى). القاهرة - مصر: مطبعة النيل. صفحة 136.

3-Thompson, E. A. (1969). The Goths in Spain. Oxford: Clarendon Press. page 250. ISBN 0-19-814271-4.

4-الوثائقي التلفزيوني «ثلاثية الأندلس: حكاية الشاطئين» – مصدر سابق.

ثائقي التلفزيوني «ثلاثية الأندلس: حكاية الشاطئين» – مصدر سابق.

 

 

عبد الحسين شعبانمنذ أواسط العام 2019 يتدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي اللبناني على نحو مريع، وإذا ما استمر الحال على ما هو عليه فستكون النتيجة الحتميّة لمثل هذا الانحدار هي الارتطام بالقاع، حيث كان سعر صرف الدولار الواحد رسميّاً يساوي 1500 ليرة لبنانية، ووصل اليوم إلى 18 ألف ليرة. ومن يدري فقد يستمر الارتفاع الجنوني لسعر صرف الدولار، فتصبح العملة اللبنانية بلا قيمة في ظل أزمة اقتصادية خانقة أوصلت ما يزيد على 50% من اللبنانيين إلى حافّة الفقر، وكل ذلك يجري دون أن يرّف جفن للمسؤولين والمتحكّمين في مصير البلد. فهل سيسقط هذا البلد الجميل- الذي تغنّى به الشعراء والفنانون والأدباء والكتاب والعشاق والحالمون والمجانين- في الهاوية أم ثمة من سيبحث عن حبل نجاة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟

الأزمة تكبر والشق يتّسع، فالكهرباء تطلّ على الناس كهلال العيد، والمازوت والبنزين والمحروقات حديث الجميع، حيث الطوابير أمام محطات الوقود لأكثر من كيلومترين، وأحياناً يتم الانتظار على أمل الحصول على بضعة ليترات، لكن دون جدوى، والمخالفات والحوادث المرورية في ذروتها، حيث يستمر عدم تشغيل الإشارات الضوئية بحجة الاقتصاد في الكهرباء، والأوساخ تملأ الشوارع، ودوائر البلدية تكاد تكون عاجزة، لأن أجر العاملين انخفض إلى درجة غير معقولة، بحيث أصبح من يتسلّم راتباً شهرياً بحدود 800 ألف ليرة، لا يساوي أكثر من 50 دولاراً لشهر كامل، وإذا ما عرفنا الارتفاع الصاروخي لأسعار المواد الغذائية وجميع السلع والبضائع، فهذا يعني أن سُبل العيش أصبحت ضيقة، بل تكاد تكون مستحيلة، وطريق الحصول على لقمة عيش شريفة عسير وغير سالك.

وإذا ما رُفع الدعم الحكومي عن بعض السلع والبضائع، فإن الأسعار ستحلّق بطريقة "سوبرمانية"، وهي الآن بعيدة عن الواقع المَعِيشْ، وخصوصاً في مجاليّ الأدوية والأغذية بتآكل رواتب الموظفين جرّاء التضخّم في الأسعار، وباستمرار الفرق بين السعر الخاص للصرف(3900) للدولار والسعر الحقيقي غير الثابت والمتصاعد.

ويقول خبراء مطلّعون إن المصارف هي المستفيد الأول من هذا الفارق، إضافة إلى كبار التجار، فالمعاملات مع مصرف لبنان المركزي تتم على السعر الرسميّ بما فيها رساميلها وشراؤها للدولار وتسديد القروض المتوّجبة عليها والتلاعب بحسابات المودعين بالدولار. وإذا ما تم إقرار البطاقة التمويلية التي يُتوّقع أن يُقرها مجلس النواب فإن الأسعار سترتفع على نحو غير مسبوق، الأمر الذي سيؤدي إلى إلحاق أفدح الأضرار بالناس وحقوقهم ومستقبلهم.

وإذا كان هناك من يعتقد أن العلاج هو بتثبيت سعر الصرف الذي يمكن أن يخفف من غلواء الأزمة، فالأمر أعمق وأعقد من ذلك، لأنه يتعلّق بالإصلاح الشامل، السياسي والاقتصادي والقانوني والتربوي وبنظام الحكم والانتخابات، وكل ما يتعلّق بالرسوم والضرائب، حيث لا توجد خطة حكوميّة، ناهيك عن عدم وجود حكومة أصلاً تستطيع اتخاذ قرارات جريئة بكسب ثقة المجتمع الدولي واسترداد مكانة لبنان المالية والمصرفية.

إن استمرار الحال على ما هو عليه يعني التوّغل في المجهول، لاسيّما في غياب إرادة سياسيّة موّحدة، وهذه للأسف الشديد ما تزال مُعطلة وغائبة وتتجاذبها أهواء ومصالح شتى: إقليميّة ودوليّة، طائفيّة وحزبيّة، في ظل استشراء الفساد المالي والإداري ونظام المحاصصة والتستّر على الأتباع والمريدين، طالما أن النظام يقوم على "الزبائنية" السياسيّة المرتكزة على المغانم والامتيازات.

ومع استمرار خطر جائحة "كورونا" وترديّ الحالة المعيشية وغياب خطة للإصلاح، تلوح في الأفق مخاطر تفكك وتفتت وسيناريوهات أقلها مُخيفاً بشأن مستقبل لبنان، خصوصاً بتعويم سلطة الدولة وازدياد حدة التوتر المجتمعي وارتفاع منسوب الجريمة المُنظمة وعمليات التهريب والاتجار بالبشر ومظاهر التعصّب والتطرّف وحالات العنف والإرهاب المنظّم وغير المنظم، حيث هوجم العديد من المصارف وخرّبت واجهاتها كما حصل مؤخراً مع البنك اللبناني- السويسري، مما أُضطر المصارف لإغلاق أبوابها احتجاجاً على ذلك.

وتستمر التظاهرات والاحتجاجات وقطع الطرقات وإحراق الدواليب إلى درجة أن بيروت تبدو خارجة لتوّها من الحرب، وما يزال مشهد انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس الفائت 2020، يقضّ مضاجع الجميع وهو شاهد على ما وصل إليه سوء الإدارة والفساد وغياب الشفافية والانغلاق السياسي حدّ الاستعصاء.

الفساد هو الوجه الآخر للإرهاب، وهما وجهان لعملة واحدة، وإن لم تتم معالجة أسبابه وجذوره، فإن الارتطام الكبير سيحصل -لا سمح الله-، وعندها سوف لا يكون أحدٌ بمأمن من الكارثة، ومثل هذه النتيجة عرفها اللبنانيون بعد حرب طاحنة استمرت 15 عاماً، انتهت باتفاق الطائف العام 1989. فهل سيقرأ السياسيون والمتنّفذون الدرس الجديد أم سيتركون الحبل على الغارب؟، و"لاتَ ساعة مندم".

ولا بد من القول إن هذه الرؤية مهما بدت متشائمة إلا أنها ليست يائسة، وبقدر تقديمها صورة واقعية دون تجنٍ أو مبالغة، فهي في الوقت نفسه تقطر ألماً على هذا البلد العربي الفريد الذي يتمتع بحيوية ونشاط وإبداع لا حدود له، ومثلما كان واحة حرّية لا بد أن يستمر ليصبح مشروع ازدهار، وهي مسؤولية جسيمة.

 

عبد الحسين شعبان

 

 

كفاح محمودواحدة من أهم وأخطر ما يواجه مجتمعاتنا وهي في خضم عمليات تغيير اجتماعي وسياسي هي تلك المنظومة من السلوكيات والثقافات المتوارثة عبر أجيال وحقب زمنية ليست قصيرة، ابتداءً من الأسرة وسلطة الأب أو ولي الأمر، وانتهاءً بالقائد الضرورة مروراً بكل من تسلط على عباد الله وإن كان عددهم اثنان فقط، لكي يمارس فيها نرجسيته وتفرده. فإذا كانت البداوة مرحلة من مراحل تطور مجتمعاتنا وما زالت كثير من سلوكياتها تتمركز في مفاصلنا التربوية والاجتماعية، مضافاً إليها إكسسوارات قروية وقبلية كرست تفرد الشيخ و الأغا، الذي تطور تدريجياً كمفهوم للتسلط والأحادية في من يتولى إدارة أي مؤسسة أو حركة أو حزب في حياتنا، حيث تتجلى اليوم في الكثير من سلوكيات أولئك الذين يحملون شعارات الديمقراطية خاصةً في مرحلة ما سمي بالربيع العربي الذي صبغ بلدان البداوة السياسية بألوان الدماء والدموع منذ سنوات على أنقاض أنظمة أوحت لنا جميعاً، أن دكتاتورياتها أفضل بكثير من ديمقراطية البداوة الجديدة، تلك الدكتاتوريات التي أنتجت مشروع داعش مختصرة كل أفكار وتوجهات من أرادوا بناء دولة الوحدة العربية أو الإسلامية وصهر وإذابة كل ما هو خارج مفهومي الانتماء لغير العرب أو الإسلام في بوتقة هذا المشروع، وعودة سريعة لمكامن نشوء وبلورة الدكتاتورية اجتماعياً وتربوياً وتطورها سياسياً ندرك دقة ومصداقية ما يقوله علماء النفس في إحدى نظرياتهم حول عالم الطفل الذي يرى نفسه مركزاً للمجتمع الذي يدور حوله، بل وفي خدمته وتحت تصرفه، وبوجود بيئة تساعد على نمو هذا الشعور وتعملقه ودلال أسرته يتحول هذا الكائن المدلل تدريجياً إلى دكتاتور لا شريك له في هذا العالم، ابتداءً من تحوله إلى رب أسرة ينتج سريرته ويكاثرها في أبنائه أو بناته، أو مدير دائرة يُشعر معيته بأنه فيلسوف عصره وأن استبداله سيوقف حياة وتطور تلك الدائرة، ولك أن تقيس أخي القارئ كلامنا هذا على مديرك العادي وصولاً إلى من يتولى إدارة المنكوبين من العباد، فيصبح رئيساً عظيماً وضرورة أو حتمية تاريخية، يتطلب من بقية الكائنات الدوران حول كوكبه الدري.

إن تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية وقبله القاعدة ومجمل الحركات العنصرية والدينية والمذهبية وخاصة داعش، ليست طارئة أو وليدة الربيع البائس، بل هي نتاج ثقافة وسلوك متراكم من مئات السنين، وخبطة معقدة من الثقافة الدينية البدائية والسطحية والسلوك البدوي وعقلية القرية وبنائها الاجتماعي والتربوي، وهي بالتالي الحلقة الأخيرة في سلسة الأحزاب العنصرية القومية أو الدينية التي تطمح لبناء دولة ايديولوجية، أساسها العرق العنصري أو الدين المتطرف والمتشدد، وما يتبعه من مذاهب وطوائف، ببناء فكري متعصب أحادي التفكير، لا يقبل الآخر إلا عبداً مطيعاً أو ملحاً مذاباً في بوتقته الفاهية، وعلى ضوء ذلك ولأن دورة تربية مجتمع بأكمله من الطفولة حتى النضج تستدعي زمناً ليس قصيراً، بل حقبة طويلة لسبب بسيط هو أن المربي ذاته هو الذي أنتج هذه السلوكيات، ولأن الكثير الكثير يؤمن بأن مجتمعاتنا لا تتحمل هذا النمط من النظم الاجتماعية والسياسية، وهي سعيدة جداً بوجود الفارس والرمز، بسبب تراكمات هائلة من العادات والتقاليد والتركيب النفسي والاجتماعي والتربية الدينية الأحادية الاتجاه. عليه وجب البحث عن حلول وخيارات أخرى غير هذه النظم أو أن يتحول الجميع إلى دكتاتوريين لكي لا يُتهم أحد بأنه قد تفرّد بالآخرين!؟

وحتى يتحقق ذلك الهدف وحماية لأجيالنا القادمة من ظهور دكتاتوريات متوحشة تبتلعهم علينا أن نبدأ من السنوات الأولى لحياة الطفل في تهيئة بيئة صالحة لنمو كائن ديمقراطي لا يعتبر أن المجتمع كله خلق من أجله، بل يؤمن بأنه خلق من أجل المجتمع، وتعديل تلك المشاعر والسلوكيات الغرائزية وفق أسس تقلب المعادلة، فيتحول من كوكب تدور حوله كل الكواكب، إلى نجم يدور هو حول كوكب اسمه المجتمع، ويشعر بأنه جزء من عالم وعليه خدمته لإثبات انتمائه له دونما شعور بالفردية الطاغية، ومن هنا تبدأ حكايتنا حيث يستمر هذا الطفل باعتبار كل العالم يعمل لأجل تنفيذ رغباته أو العكس، فإذا جمعنا طفلنا المدلل واعتبرناه في جمعه يمثل مجتمعاتنا الشرقية، ندرك ونكتشف حقيقة اللبنات الأولى في بناء الديمقراطية أو الدكتاتورية.

 

كفاح محمود كريم