علي الدباغباتت سيطرة طالبان بشكلها الجديد - الذي أنتجته جهود قطر والولايات المتحدة - على مفاتيح ومقاليد الحكم في أفغانستان مسألة وقت بعد ان قررت الإدارة الأمريكية انسحاب قواتها بعد عشرين سنة من الإستنزاف والصداع الدائم حيث خسرت اكثر من ٢٥٠٠ جندي وتكاليف مالية كبيرة. طالبان الجديدة والتي تم اعادة تشكيلها وانتاجها بقيادات مطاوعة تأخذ وتعطي وتتفاهم على دورِ أُنيط بها وهو محاربة داعش ومحاربة طالبان القديمة المتخاصمة، بخطط عسكرية أمريكية تمولها قطر الجاهزة دائما للدفع، بدلاً من الوجود الدائم للقوات الأمريكية وقوات حلف الناتو والتي لم تنهي وجود طالبان التي أنتجت وفرخت مجموعات متطرفة وهيأت حواضن دائمة لمجموعات الهنف والارهاب في منطقة الشرق الأوسط.

المهمة الجديدة لطالبان كانت نتاج إتفاق الدوحة وسنوات من إعادة انتاجها وبدأت عمليًا عند بداية انسحاب القوات الأمريكية ويتطلب منها إثبات قدراتها على الارض كجماعة مؤهلة للحكم وليس مجموعة مسلحة مناوئة للحكم تمهيدًا لصعودها لحكم أفغانستان، ومن المتوقع ان يُسهم عبد الله عبد الله بشراكة في الحكم معها ليكون أحد واجهاتها مع فريق يتقاسم السلطة مع طالبان الجديدة.

نهاية انسحاب القوات الأمريكية المعلن رسميًا سيكون ١١ سبتمبر القادم كنوع من تسويق انتصار وهمي للقوات الأمريكية التي اُستنزفت طيلة عشرون عاما في بلد عصي على الغزاة الأجانب عبر تاريخه الحافل بالحروب والتي لم ينجح اي غازٍ لها في السيطرة عليه والذي انتهى بتورط القوات السوڤيتية في مستنقع مُهلك تبعه مستنقع أعمق للقوات الأمريكية.

الولايات المتحدة هيأت تركيا (بدلًا من پاكستان غير المؤهلة ولا تمتلك قدرات مكافئة لتركيا) ليكون لها دورًا في الترتيبات الجديدة باعتبارها عضوا في الناتو ودولة صديقة لأفغانستان (على الرغم من ان طالبان تريد الاطمئنان ان وجود تركيا العسكري ليس وجودا ممثلًا لأمريكا او الناتو بل ان وجودها هو اتفاق بيني)، وبذات الوقت لا يخلق وجود قواتها في كابل أزمة كبيرة مع إيران التي يمكن ان تُربك الترتيبات الجديدة. إيران المتوجسة والقلقة من أي ترتيبات تجري في جوارها بدون مشاركتها لن تقف مكتوفة الأيدي في تغييبها أو ترتيب اوضاع معادية لها، فقد انتبهت لما كان يجري في الدوحة من إعادة تأهيلٍ لطالبان لذلك استدعت القيادات الجديدة لطالبان لطهران للتفاهم معها بضمانات وسلوك انعكس سريعا في تعامل طالبان الجديدة مع جماعة الهزارة الشيعية، ويعزي بعض المراقبين الهجوم الوحشي على مدرسة سيد الشهداء  للبنات في كابل بأنه رد من المجموعات المناوئة لطالبان الجديدة على دورها الجديد وتفاهمها مع إيران.

تركيا تعتبر وجودها في أفغانستان انتصارا ذو أبعاد مختلفة، فهي ستحقق - حسب الترتيبات القطرية الأمريكية- سلامًا ولو شكليًا بعد أربعون سنة من العنف في ذلك البلد وستسوق ذلك اسلاميا بما يخدم ايديولوجيا أردوغان الإسلامية، وفي احلامه كلاعبٍ عسكري بعد النجاح الذي تحقق لأذربيجان في ناغورنو كاراباخ، وقبلها في سوريا ودورها الفاعل، وستسوقه اورپيا كعضو مهم في الناتو يحتاجها وقت الشدة والحاجة ورأس حربة لا يتوفر بديلا لها في أعضاء الحلف في ملفات محددة بعد ان جنحت دول الناتو صوب اليونان في خلافها مع تركيا شرق المتوسط، وامريكيا بأنها دائما جاهزة لتحقيق ترتيبات تنقذ الغياب القادم لأمريكا في المنطقة التي تتهيأ لمواجهة النمو المتعاظم للصين. كل هذه الأبعاد لها أثمانها التي تطلبها تركيا وتريد تحقيق أعظم فائدة منها على الرغم من كل المخاطر المحدقة بالوجود العسكري التركي في كابل.

سيناريوهات امريكا وخططها في المنطقة لم يكتب لها اي نجاح عندما تتفرد في تنفيذها وتستخدم سطوتها وقوتها العسكرية، لكن هذه المرة إتكلت على قطر التي اثبتت قدرات ناجحة في مقاربة ملفات معقدة في المنطقة حيث تنتهج دبلوماسية دفتر الشيكات الجاهز دائماً.

 

د. علي الدباغ

 

عادل رضاالمرحوم السيد محمد حسين فضل الله، يتميز عن باقي علماء الدين الاخرين انه كان يستطيع إيصال المعلومة الى الناس.. كل الناس، وكان يتميز بتقديم اسلام حركي ينطبق على الواقع الذي نعيشه، بعيدا عن الخيال والأوهام والامنيات، ونحن بطبيعة الحال بحاجة الى امثاله من "علماء الدين" او المتخصصين فيه، الذين يتكلمون عن الواقع الملموس، فهذا هو ما يهم "الناس" لتطوير أنفسهم ومجتمعهم ومؤسسات الدولة التي يعيشون فيها، لكي يكون الإسلام "كائن" يعيش بينهم في السياسة والاقتصاد والمجتمع والعلاقات الشخصية.

كان المرحوم فضل يتميز انه يمثل الإسلام الحركي وكان يربط الآيات القرأنية بالحاضر الحالي، وكان يستطيع الوصول الى جميع طبقات المجتمع كذلك يستطيع الحوار مع الأشخاص المتخصصين وكذلك مع الناس البسطاء وهذه ميزة مفقودة عند الاخرين من العلماء او المتخصصين بالدين، الذين يعيشون في أبراج عاجية بعيدين عن الارتباط مع الناس ومشكلاتهم وحياتهم، ويقدمون خطاب طلاسمي لا يفهمه احد ولا يستوعبه كائن حتى "الجن" اذا صح التعبير، وهؤلاء يعتمدون الخطاب الغامض الغير مفهوم ويعتمدون على تقسيم المجتمع الى "خاصة" أي هؤلاء من يقدمون الخطاب الطلاسمي السحري الغير مفهوم، و"العامة" أي الناس العادية !؟ الذين يتم توصيفهم بالجهل وبالحاجة الى "التقليد" بعيدا عن التفكير!؟ وهذا لأعطاء انطباع بتميز مزيف يعيشه هؤلاء "المعممين الطلاسميون" وهم بذلك يعيشون نفس الدور للكهنوت المسيحي ك "طبقة لرجال الدين" وهي حالة غير إسلامية لمن يقرأ نصوص القران الكريم ويعيشها حركة في الواقع.

ذكري رحيل المرحوم السيد محمد حسين فضل الله ليست ذكرى اجتماعية ل "انسان" بل هي تذكرة ل "خط" يريد ان يعيش الإسلام في كل الواقع السياسي والاجتماعي والتربوي والاقتصادي من خلال ادوات الواقع نفسه ضمن الالتزام الديني بحركية القران الكريم التطبيقية في ذات الانسان وامتدادها في المجتمع ومؤسسات الدولة وكذلك لكي تكون "الحاكمية" للقران الكريم نفسه على كل الواقع لكي يتأسلم الواقع السياسي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي قرأنيا إذا صح التعبير في خط الصراط المستقيم.

الرجل قدم تجربة فكرية عميقة وتطبيقية لأقصى مدى وقدرة كان يمتلكها الى اخر لحظة من حياته وهنا كان تكليفه الشرعي ضمن واقعه ونحن هنا نعيش معه الخط الاسلامي الشرعي المرتبط بالقران الكريم كأساس للهداية والفلاح الانساني، وهذا هو ما كان يريد الرجل في حياته وما كان يسعى إليه.

ماذا حصل للحركة الإسلامية في مختلف انحاء العالم؟ وهو كان صاحب النظريات التغييرية القرأنية في كتبه التأسيسية إذا صح التعبير 

كتاب خطوات على طريق الاسلام وكتاب الحوار في القران وكتاب الحركة الاسلامية هموم وقضايا وكتابه الموسوعي الفريد من نوعه "من وحي القران" وباقي كتبه الرائعة في المضمون والهدف والرسالة، والتي تصل الى أكثر من سبعين كتابا، ما عدا العشرات من المحاضرات والندوات والمقابلات والخطب.

هذه النظريات التغييرية اين هي في الواقع العراقي والسوري والخليجي والتونسي والجزائري والمغربي؟ اين امتداداتها في الواقع الغير "عربي"؟

هذه اسئلة كثيرة تحتاج الى نقاشات طويلة وصفحات كثيرة ولكن قد نستطيع الاضاءة على الواقع الحركي الاسلامي اللبناني إذا صح التعبير من باب النظرة السريعة التي نربطها مع ذكرى رحيل الانسان "المؤسس" لهذه الحركة الإسلامية على أرض لبنان العزيز.

مشروع الفكري للسيد محمد حسين فضل الله، اصبح معلقا في الهواء اذا صح التعبير، حيث لم يعمل احد على الاستمرار به، ونخص بالذكر "الإسلاميين" والغير إسلاميين !؟، وحاليا وصل لبنان "الدولة" الى مرحلة سقوط الهيكل على رؤوس الجميع، كما كان يحذر المرحوم فضل الله، من حيث الفساد والمحسوبيات وغياب "التدين الأخلاقي" والتدين الحركي التطبيقي، وانفجار العامل الطائفي، وانشغال الإسلامي مع الغير إسلامي في الاستفادة الشخصية من "الدولة" ومؤسساتها، التي انهارت من واقع الفساد الشامل الذي يعيش معه الإسلاميين في فراش واحد !؟ ضمن منظومة "حكم" يتجمع فيها شلة مجرمين وقتلة مليشيات الحرب الاهلية اللبنانية المنتخبين ديمقراطيا من اغلبية "الناس"!؟، هذه كلها عوامل واسباب ستؤدى الى انهدام كامل الهيكل للدولة اللبنانية والحركة الإسلامية على الجميع، وهو للأسف الشديد ما هو جاري حاليا مع المجاعة الحاصلة غذائيا وازمة الوقود وانهيار العملة الوطنية والاستيلاء على الودائع الشخصية للناس في سابقة "سرقة دولة لشعبها !؟" لم تحدث في أي دولة في على الكرة الارضية ما عدا لبنان!؟.

ورأينا كيف أصبحت الأحزاب "مافيات" وعصابات تجميع لأوباش البشر وحثالاته ومواقع للمزاوجة بين الامن والتجارة وهذه مأساة الأحزاب العربية بكل تفرعاتها وتنوعاتها فالأسلامي سقط كما سقط القومي والماركسي اذا صح التعبير، ولعل ذلك منتوج ان الايمان الفكري "سطحي" بعيدا عن القاعدة الايمانية العميقة، او ان ذلك منتوج "طغيان" ثقافة المجتمع على الأفكار الدينية او القومية او الماركسية، فنجد على سبيل المثال عقلية البيك والعبيد في "جزء" من شعبنا العربي في القطر اللبناني والتي تحولت الى حالة أسوأ من عبادة الشخصية او تقديس القيادات الى مستويات مخزية من التضحية من "أجل سباط السيد!؟" أي من اجل حذاء "السيد" او "البيك". "

ان غياب التوجيه الفكري للحركة الإسلامية مع رحيل "المؤسس" السيد محمد حسين فضل الله، ادي الى سوء اداء وضياع نفس الحركة وسقوطها في السلبيات التي عاشها القوميون العرب او الانظمة الرسمية العربية وواضح ضرر غياب هذا التوجيه الفكري على مستوى سوء التعامل مع الناس وفشل الإدارة المؤسساتية ورداءة الخطاب السياسي الدعائي الفارغ الذي يتم تقديمه إعلاميا، وايضا "شبهات الفساد" الكبيرة التي تقال من هنا وهناك التي نتجت عن وجود الحركة الإسلامية في مفاصل الدولة اللبنانية والتي كان من المفروض ان يكون "ذلك الوجود للإسلاميين، وجود "تغيير" و"تطوير" وكذلك "وجود" صناعة حركة في خط التطبيق لصناعة نماذج اسلامية اقتصادية تربوية اجتماعية تنظيمية مشرفة تشجع الغير اسلامي اذا صح التعبير بأن ينضم للحركة او ان يبدوا الاعجاب بها وبما تقوم به.

كان من المفروض ان يكون "تواجد" الحركة الإسلامية في داخل مواقع الدولة اللبنانية ليس "واقع" سيطرة وتحكم وانضمام لشبكات فساد من هنا وتثبيت ما هو سيء من هناك.

بل كان المفروض ان يكون واقع تغيير الى الأفضل، ولكن ما حدث هو انهم انضموا الى شلة مليشيات الحرب الاهلية اللبنانية ومجرميها الحاكمة، وأصبحت جزء من الشلة ومن المشاركين في "الحفلة" التي اسقطت الهيكل على الجميع.

تعود ذكري رحيل المرحوم السيد محمد حسين فضل الله والواقع العربي يصرخ من السقوط ويعيش فقدان لأي مشروع للتحرر وغياب الامل.

اين العرب؟ واين مشروعهم للتحرر؟ واين ستصل الحركة الإسلامية العالمية؟

ان النقاش مستمر وهذه اضاء لها وعنها في ذكرى رحيل الانسان المؤسس لهذه الحركة.

او أحد من ساهموا بقوة فيها.

رحم الله السيد محمد حسين فضل الله في ذكراه المتجددة، ونسأل الله العفو والعافية وحسن العاقبة ونحن نتحرك الى الموت لا محالة، وهذا قانون ألهى واقع على الجميع، ولن يبقى لنا الا العمل الصالح في خط التكليف الشرعي.

 

د.عادل رضا

كاتب كويتي في الشئون العربية والاسلامية

 

 

كاظم الموسوياحد عشر يوما من المقاومة الرادعة لعدوان ضروس قدمت مشهدا معبرا وصورة أخرى لواقع اخر للمنطقة العربية، ولحركة التحرر الوطني العربية، عموما، والفلسطيني خصوصا. فقد حصلت تطورات بارزة ومعلومة لها دلالاتها الحسية وتاثيرها على المسارات القائمة وعلى المشهد السياسي الراهن والقادم، مستفيدة من دروس التجارب السابقة ومن تطورات ميدانية مجربة، ومن طاقات وقدرات وخبر عملية ناجحة.

لأول مرة ترد فصائل فلسطينية بقوة نيران، أصابت العدو رغم فارق القوة التي يمتلكها، عدة وعتادا، ورغم الدعم الأمريكي والغربي المفتوح عموما له، اصابته اصابات مباشرة، وفرضت معادلات جديدة عليه وفي أساليب الصراع والمواجهة.معه، ودفعته للبحث عن مخارج وضغوط خارجية للهدنة اولا والعمل بطرقه في التآمر والخداع بعدها ثانيا، وتشغيل ادوات نائمة له في أكثر من ساحة أو مستوى أو مجال ثالثا، واعتبارها تحديات مصيرية له رابعا. وخامسا وربما سادسا وما بعدها أمور أخرى متشابكة ومشتركة في علاقتها بوقائع ما حصل بعد تلك الأيام.

وأمام هذه التطورات الجديدة، ومن بينها، أعادت الإدارة الأمريكية النظر بعلاقاتها وتحركت بسرعة لتكرار مواقفها الرئيسية ولإعادة الهيمنة والاستحواذ على سياساتها في المنطقة لمقابلة المتغيرات فيها. فاسرعت بارسال وزير الخارجية الأمريكي، انتوني بلينكن، رسميا وعلنيا، وهو لا يختلف عن رئيسه بدعم الكيان والتعبير عن صهيونيته رسميا، واعلن في فلسطين المحتلة: "طلب مني الرئيس بايدن الحضور إلى هنا لأربعة أسباب: لإظهار التزام الولايات المتحدة بأمن إسرائيل، والبدء في العمل من أجل استقرار أكبر، ودعم المساعدات الإنسانية وإعادة التأهيل العاجلة لغزة، ومواصلة البناء وعلاقاتنا مع الفلسطينيين والسلطة الفلسطينية". وأضاف بلينكن: "إن الدبلوماسية وراء الكواليس للرئيس بايدن الذي عمل عن كثب مع رئيس الوزراء ساعدت في التوصل إلى وقف لإطلاق النار. وخلف كل عدد من الضحايا هناك أسرة، وصديق، وأب، وابن. الحياة هي خسارة الجميع، سواء أكانوا إسرائيليين أم فلسطينيين". وهذه الاسباب ليست جديدة فهي اهداف ومهمات السياسات الإمبريالية الأمريكية في المنطقة، ولكن الظروف الجديدة تطلبت اعادتها والتأكيد على استراتيجيات التعامل والعلاقات في المنطقة والحفاظ على المصالح المشتركة أساسا.

هذا ما كشفه  الوزير الأمريكي في زيارته للمنطقة، خلال تصريحاته العلنية، ولم يخرج عنها في مباحثاته ولقاءاته المباشرة، ولا عن تناقضها في وصف الحالات والوقائع التي حصلت على الأرض والمفاجأة التي هزت الإدارات الرسمية في أكثر من عاصمة. وما يفضح ازدواجية الموقف الأمريكي هو استمراره في وصف المقاومة المشروعة بالعنف، والعبث، ويعكي الدفاع عن النفس، دون حرج، الى الكيان المدجج بالاسلحة، ويحرمه من الأبرياء الساكنين في بيوتهم وأعمالهم، مؤكدا " بالنسبة لبايدن، يعتبر هذا الالتزام شخصيا وكان أحد أقوى مؤيدي إسرائيل منذ 50 عامًا". كما ذكر أنه أجرى محادثات مفصلة حول احتياجات إسرائيل الأمنية وملء صواريخ القبة الحديدية الاعتراضية، وقضايا أخرى مشتركة أو متبادلة.

خلاصة القول، تفضح تصريحات المسؤول الأمريكي انحيازه الكامل للكيان الإستيطاني ومحاولة تشويه الكفاح الوطني التحرري لأبناء الشعب الفلسطيني،  لاسيما وقد أدرك حجم الانتفاضة الشعبية الفلسطينية وفشل سياسة الأسرلة الصهيونية، وصمود الشعب الفلسطيني في كل مدن وقرى فلسطين المحتلة، وكان وصفه له "بأعمال شغب" بين اليهود والعرب في فلسطين المحتلة فضيحة كاملة لنهج وإدارة منحازة مسبقا ومخططة لمشاركتها في العدوان والحرب، ولكنه لا يجد بدا من الإقرار: "نعتقد أن للإسرائيليين والفلسطينيين الحق في مناقشة السلام والأمن والتمتع بالديمقراطية والاحترام". حسب المفهوم الأمريكي والمشروع الصهيوني في فلسطين المحتلة. فكيف تصبح هذه السياسات وما هي مهمات الإدارة الأمريكية في التحكم في المنطقة؟!.

مع كل هذا الوضوح للمواقف الأمريكية، زادها هياجا واستعجالا للرد، اعتراف القيادات الفلسطينية الميدانية بالدور الإيراني الداعم لهذه القوة العسكرية التي مكنتها من التصدي ورد العدوان السافر وكسر غطرسة السلاح الصهيوني، باحدث صناعاته واخر مدياته. وهذا يعني في النهاية قوة وصدق الدعم الحقيقي وليس اللفظي أو بيانات المؤتمرات والاجتماعات المخادعة للقضية المركزية، كما تنشر في البيانات والتصريحات، بينما قدمت الصواريخ البالستية والكورنيت والطائرات المسيرة وهندسة الانفاق وبناء الخطط والوعي والتدريب والدعم المالي وغيره، مؤشرات قوة الرد  والقدرة في الصمود والصبر وتحمل نتائج العدوان وقسوته.

الشكر الفلسطيني الصريح للقيادة الإيرانية خصوصا والسورية وكل قوى محور المقاومة عموما لما قدمته من دعم متعدد الأشكال والأنواع وضع القوى الفلسطينية في موقع المواجهة والدفاع عن شعبها وارضها، وإعادة خطط الرعب التي كان العدو يمارسها إليه وإلى قواته العسكرية ومستوطنيه المستعمرين لفلسطين، وفضحت صور الفيديوهات والنقل المباشر عبر الفضائيات طبيعة العدو ووضعه النفسي والاجتماعي، وصولا إلى التفكير بصوت عال في الهجرة المعاكسة والهروب من "أرض الميعاد"!. وفرض الرد الفلسطيني على العدوان أن يصرح المسؤول الأمريكي في جولته في المنطقة: "إن التئام الجروح يتطلب قيادة من جميع الجهات والجيران وقادة المجتمع وغيرهم ".

تناقض المواقف الأمريكية يوازى بمواقف ناطقة بالعربية، وحتى من يحسبون أنفسهم من أصحاب القضية، معتبرين عدم إنكار الشرفاء من القيادات الميدانية الفلسطينية لدور إيران وكل من قدم الدعم والإسناد مبالغات أو له حسابات اخرى، الأمر  الذي ميز المواقف وفضح المتخادمين مع السياسات الإمبريالية ومزدوجي المعايير والانتماءات، حسب وعيهم وارتباطاتهم وتنكرهم للحقائق والوقائع الدامغة.

وهذا ليس بعيدا عن التناقض والازدواجية، وخاصة نشر التقرير السنوي الذي تصدره وزارة الخارجية، ويعبر عن مواقف للولايات المتحدة، حيث يفضح التناقضات والقيم التي تدعيها لفظيا وتمارس خلافها فعليا، لاسيما في المنطقة العربية.. ومن بينها تصريح  الوزير في 30  آذار/ مارس 2021 حول انتهاكات حقوق الإنسان المتزايدة حول العالم، وضرورة احترام الدول للمواثيق الدولية التي تعتبر قواعد عامة وعالمية، غايتها تحقيق الاستقرار والسلام والأمن. وتاكيده بشكل متكرر الى عدم استثناء أحد من المحاسبة، سواء كانوا حلفاء أو شركاء أو منافسين أو أعداء، ولكنه كما سبق الكلام ينكشف معدنه عند قضايا العرب العادلة.. ولعله فضح اكثر حين نوه بالتزام الرئيس الأمريكي جو بايدن بإعادة حقوق الإنسان إلى مركز السياسة الخارجية الأميركية، وأنه كوزير خارجية يأخذ ذلك على محمل الجد، وسيستعين بكل الأدوات الدبلوماسية للدفاع عن حقوق الإنسان، فهل هناك اكثر اختبارا لأقواله من العدوان والحرب على الشعب الفلسطيني؟!  وفضيحة ازدواجية المعايير في الممارسات الفعلية.. يشاركه فيها الكونغرس الأمريكي وما يصدره من قوانين وقرارات عقوبات مختلفة الاهداف وتدخلات في الشؤون الداخلية لبلدان ابتليت بهذه السياسات. وهو ما حاول فرضه على الفصائل الفلسطينية المقاومة للعدوان والرادعة لحربه على الشعب الفلسطيني والمطالبة برفع الحصار عن غزة ووقف الاستيطان والاحتلال وتهجير السكان واعتقال آلاف الأسرى، من مختلف الأجناس والاعمار، الأمر الذي يفضح بكامله كل الادعاءات الأمريكية بحقوق الإنسان وغيرها. ويرسم بوضوح معنى قوة الردع الفلسطينية ومصادرها الملتزمة بها والمضحية معها.

 

كاظم الموسوي

 

قصي الصافيبقلم: سبحات تونسل

ترجمة: قصي الصافي


 

الكاتبة سبحات تونسل عضو برلماني عن حزب الشعوب الديمقراطي (HDP)، قضت زهاء خمسة أعوام في السجن التركي بتهم ملفقة تتعلق بالإرهاب. تكتب من السجن عن استغلال الرئيس أردوغان للمحاكم في حملة قمع للمعارضة - وتؤكد أن القوى الكردية والديمقراطية لن تستسلم لنظامه أبدًا.

يشتد القمع من قبل نظام الرئيس رجب طيب أردوغان بتركيا ضد حزب الشعوب الديمقراطي الذي يقوده الأكراد. و قد وافقت المحكمة الدستورية يوم الاثنين، في أحدث محاولة لتصنيف الحزب كمنظمة إرهابية، وصادقت على لائحة اتهام لحل الحزب. في نيسان، حوكم أكثر من مائة من أعضائها في ما يسمى بقضية كوباني لدورهم في تنظيم احتجاجات في تركيا تضامناً مع مقاومة المدينة الكردية عام 2014 ضد هجمات داعش، وقد تعرضت تلك المظاهرات لهجمات عنيفة من قبل كل من قوات أمن الدولة والميليشيات الإسلامية، و يتواصل اليوم العنف ضد الأكراد وقوات المعارضة اليسارية . خلال الأسبوع الماضي اغتيل عضو حزب الشعوب الديمقراطي دنيز بويراز في هجوم على مكتب حزبه في مقاطعة إزمير. في الواقع، يشكّل قمع اليسار المؤيد للأكراد هدفاً أساسياً لمشروع أردوغان القومي، وليس الأمر بجديد. أودع صلاح الدين دميرطاش، القائد السابق لحزب الشعوب الديمقراطي، في السجن منذ عام 2016، على الرغم من مطالبة المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بالإفراج عنه. وفي آذار من هذا العام، أقام مدع عام بارز دعوى لحل الحزب وحظر 687 عضواً من قادته من أي مشاركة سياسية في المستقبل. وأحدى المستهدفات في هذه القضية هي سبحات تونسل، عضو البرلمان عن حزب الشعوب الديمقراطي والتي أودعت في السجن منذ ما يقرب من خمس سنوات بتهم إرهابية ملفقة. وقد كتبت هذا المقال من السجن عن نضال الشعب الكردي من أجل الحرية والديمقراطية واستخدام نظام أردوغان للقضاء التركي لقمع المعارضة.

***

المقال:

هل القانون ينصف حقا؟ من هم أولئك الذين يضعون القانون؟ وهل كل ما هو قانوني عادل بالضرورة؟ يمكننا أن نواصل طرح أسئلة كهذه. من أولئك الذين يحميهم القانون؟.

 تستثني قوانين النظام الرأسمالي -الذي يهيمن عليه الذكور- النساء من الحياة الاجتماعية والعامة وتفرض نظام العبودية، فقد وضع القانون لحماية رأس المال والنظام الأبوي والدولة. إنه يحرم العمال و المعوزين والنساء والمؤمنين و من جردوا من الحقوق والحريات. بالطبع، عبر التاريخ، كافح العمال الفقراء والنساء والجماعات الدينية هذه القوانين. وقد ساعد هذا الكفاح على ضمان الحقوق الفردية والجماعية و تشريع اللوائح والمواثيق الدولية. ومع ذلك، لم يتم حتى الآن وضع نظام قانوني حر ومتكافئ وديمقراطي. الدول القومية تناقض في كثير من الأحيان قوانينها الخاصة سعيًا وراء مصالحها. وهذا واضح في سياسات القهر والاضطهاد والعنف ضد الشعب الكردي في تركيا.

لقد لعب الأكراد الذين يعيشون في تركيا دورًا مميزاً في نشأة الجمهورية التركية. وتمت صياغة دستور عام 1921 في هذا السياق. ومع ذلك، تم تجاهل الطبيعة التعددية والتنوع الثقافي و الهوياتي و الطابع الديمقراطي لهذا الدستور، و تم بدلاً من ذلك وضع سياسات الإنكار والتدمير و الأحتواء. ولطالما تمرد الشعب الكردي ضد هذه السياسات.

 الأكراد أحد أقدم شعوب الشرق الأوسط، شطرت أراضيهم إلى شطرين بموجب معاهدة قصر شيرين بين العثمانيين والفرس عام 1639، ثم إلى أربعة أقسام بموجب معاهدة لوزان بعد الحرب العالمية الأولى. الأكراد، وهم أكبر الجماعات في المنطقة ممّن لا يتمتعون بالاعتراف بهم كشعب في العالم، كانوا على الدوام هدفاً لسياسات قمعية وقاسية من قبل العراق وإيران وسوريا وتركيا. بيد أن مصير الأكراد، الذين تحملوا العنف للمئتي عام الماضية، له أثر عميق على مستقبل الشعوب الأخرى التي تعيش في الشرق الأوسط. إن ما يحققه الأكراد في كفاحهم من أجل المساواة والحرية والسلام سيكون له بالمحصلة مردود إيجابي على الشعوب الأخرى في نضالها من أجل الحرية. ما كشفته ثورة روجآفا إن كل مكسب حققه الأكراد كان حافزاً للشعوب المضطهدة الأخرى في تطلعاتها للانعتاق والحرية. مرة أخرى، كان كفاح الأكراد الدؤوب - ضد منظمة داعش الإرهابية المناهضة للإنسان - مصدر إلهام للجميع. لا أروم بالطبع سرد هذه القصص بالكامل، ما أردت قوله هنا هو: أن النضال الكردي من أجل الحرية له أبعاد دولية وقومية، فليس من قبيل المصادفة أن العالم، وخاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لا يأبه بهذا الاضطهاد الذي يتعرض له الشعب الكردي - فتلك سياسة طويلة الأمد، ومع ذلك، يمكننا مواجهة هذه السياسات من خلال التنظيم - كما حصل في حركة التضامن الدولي الكبيرة التي تنامت حين تعرضت كوباني للهجوم في عام 2014. لنتذكر أن تلك المقاومة كانت بداية لهزيمة داعش. إلا أن تركيا الداعمة للجهاديين لم تكن لتتمنى هزيمة داعش. على الرغم من أنها حاولت الظهور بمظهر مناهض لداعش لكنها تظل داعمة لها على الدوام: علينا أن نرى في هذا السياق مقتل زعيم داعش أبو بكر البغدادي قرب حدود تركيا، والرواتب المخصصة لقوة شبه عسكرية من الجهاديين. في نهاية المطاف، سوف يستمر دعم تركيا لمنظمات مثل داعش و رديفاتها كما كانت من قبل.

إن قمع سياسيي حزب الشعوب الديمقراطي لدعوتهم إلى التضامن ضد هجمات داعش على كوباني في عام 2014 ؛ و استهدافهم كأنهم إرهابيين، انما هو شاهد آخر على دعم تركيا لداعش. في الأراضي التركية، التي يقطنها أكثر من عشرين مليون كردي، كان من الضروري أن يدعو القادة السياسيون إلى التضامن مع إخوانهم وأخواتهم على الجانب الآخر من الحدود ضد تنظيم همجي مثل داعش. كانت تلك أيضًا مسؤولية إنسانية لا يمكن للحزب ان لا يفعل شيئاً إزاءها، وعلى جميع الأطراف معارضة هجمات داعش. إن محاولة مقاضاة أولئك الناشطين تظهر مدى وحشية الدولة التركية رداً على النضال الكردي من أجل الحقوق والاعتراف بقضيتهم.

انتهت جولة الحوار بين عبد الله أوجلان، زعيم حركة الحرية الكردية السجين، وممثلي الدولة التركية من حكومة رجب طيب أردوغان عام 2015. وبعدها تعرض أوجلان لعزلة مطلقة. خلال هذه الفترة، تأسس نظام قمعي تجاوز بكل المقاييس ما كان عليه سابقاً في تاريخ الجمهورية التركية: تم إختطاف إرادة الشعب الكردي باعتقال رؤساء البلديات والنواب وعشرات الآلاف من السياسيين الأكراد، و تم إغلاق المؤسسات الكردية و تعيين أمناء لحكم البلديات. أدى النظام القمعي والقانون الكولونيالي في كردستان إلى القضاء على المعارضين للسلطة واحتجازهم واعتقالهم في الجزء الغربي من تركيا. باستخدام محاولة انقلاب 15 تموز 2016 كذريعة، حوّلت حكومة أردوغان هذه العملية إلى انقلاب كامل على المجتمع وقادته باتجاه تأسيس نظام ديني بورجوازي متحيز جنسيًا تحت اسم النظام الرئاسي. ليس خطأً وصف هذا الوضع بأنه "الجمهورية الثانية" - كما يقال غالباً دون تردد أو سخرية من قبل أنصار الحكومة. أردوغان نفسه قال: "سنضع دستورًا جديدًا" - بمعنى أن الجمهورية الثانية ستكمل بناء الجمهورية التركية، تحت سقف قمعي.

إن العقبة الوحيدة أمام الدولة التركية لإقامة هذا النظام القمعي هي الحركة السياسية الكردية وحزب الشعوب الديمقراطي - القوى الموحّدة للحرية والديمقراطية في تركيا. ضمن هذا السياق ومنذ عام 2015، كان الضغط على الأكراد وحزب الشعوب الديمقراطي مستمرًا لكونهم يشكلون عائقاً أمام بناء النظام الاستبدادي المخطط له. لذلك سقط القضاء تحت نير القوة ليضرب عرض الحائط القانون والمواثيق الدولية. حين يتعلق الأمر بالأكراد وأصدقائهم، يتم تفسير القانون التركي بطرق تعسفية. أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قرارها لصالح السكرتير السابق لحزب الشعوب الديمقراطي السجين صلاح الدين دميرتاش؛ واعتبرت حكم سجنه على أنه قمع للتعددية السياسية. ومع ذلك، لا يزال في السجن - بل صعّدت الدولة التركية اضطهادها للسياسيين المعارضين. تصريحات الرئيس أردوغان - "نحن لا نعترف بقرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان" - التزمت به المحاكم التركية كأمر، فقد أعلنت المحكمة الجنائية رقم 22 في أنقرة أنها لن تمتثل لقرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قبل بدء الإجراءات. هذا يدل على حجم تأثير الحكومة على القضاء.

 جرت المحاكمة المتعلقة بدعم سياسيي حزب الشعوب الديمقراطي لكوباني، والتي بدأت في أنقرة في 26 نيسان، في ظل تعليمات سابقة قدمتها الحكومة إلى نظام العدالة. لم يُسمح لمحامينا بالدخول: قيل لهم إن الباب مغلق. يبدو أن رئيس المحكمة قد تواطأ في هذه القضية سعياً منه للحصول على منصب سياسي في المستقبل. لقد تم الكشف عن أن قضية كوباني لم تكن سوى قضية انتقام، ومحاولة ألقاء حزب الشعوب الديمقراطي خارج حلبة الصراع السياسي من أجل الديمقراطية، ولا علاقة للأمر بكشف الحقيقة وخدمة العدالة. كان من الواضح أن النظام القضائي تم العبث به من قبل الدولة التركية، بتعليمات سياسية من الحكومة ومسؤولي المحاكم الحزبية والقضاة المعينين من قبل السياسيين.

حسنًا، ماذا سنفعل؟ سنقاوم بالطريقة التي قاومنا بها لمائة عام. سنواصل نضالنا من أجل الديمقراطية والبيئة وحرية المرأة وحقوق الإنسان والعدالة الديمقراطية والمساواة والسلام. في الوقت نفسه، سنواصل المقاومة والكفاح من أجل إرساء المبدأ الأساسي لحزب الشعوب الديمقراطي: الحياة الحرة.

في خضمٌ كفاحنا، نهيب بأصدقائنا، كل أولئك الذين يؤيدون المساواة والحرية والديمقراطية والسلام، لدعمنا وإبداء التضامن معنا.

 

 

 

كريم المظفرفي خضم الصراعات السياسية بين روسيا والولايا المتحدة الامريكية والاوربية، والاستفزازات الغربية تجاه موسكو، ومحاولات "شيطنة" الخطوات الروسية في كل الاتجاهات، " والتهويل "الغربي لما يسمى"بالخطر الروسي"، وخصوصا من قبل " طفيليات" الاتحاد الأوربي (دول أوربا الشرقية التي انضمت للاتحاد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي)، بات واضحا ضرورة التعرف على وجهة النظر الروسية في كل هذه الاحداث، وفضح سياسة المعايير المزدوجة التي ينتهجها الغرب وامريكا تجاه العديد من القضايا ليست المتعلقة بالعلاقة مع روسيا وحدها، بل أيضا القضايا الدولية المهمة، ومقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في صحيفة " كوميرسانت " اليوم الاثنين وضع العديد من النقاط على حروف الازمات المتولدة .

انتهت محادثة صريحة وبناءة بشكل عام في قمة الرئيسين فلاديمير بوتين وجورج بايدن في جنيف في 16 يونيو 2021 باتفاق لبدء حوار موضوعي حول الاستقرار الاستراتيجي - مع البيان الأهم بعدم جواز الحرب النووية، كتحقيق تفاهم حول استصواب المشاورات حول قضايا الأمن السيبراني، وأنشطة البعثات الدبلوماسية، ومصير مواطني روسيا والولايات المتحدة الذين يقضون عقوبتهم، وعدد من النزاعات الإقليمية، ويؤكد الوزير لافروف الى ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وأشار بوضوح، بما في ذلك علنًا، إلى أن النتيجة في جميع المجالات لا يمكن تحقيقها إلا من خلال إيجاد توازن مصالح مقبول من الطرفين بشكل صارم على أساس التكافؤ. لم تكن هناك اعتراضات في المحادثات، ومع ذلك، فور اكتمالها تقريبًا، بدأ المسؤولون الأمريكيون، بمن فيهم المشاركون في اجتماع جنيف، في الإشارة بشكل قاطع إلى التوجيهات السابقة: يقولون، "أشرنا إلى موسكو، وحذرنا بوضوح، وحددنا المتطلبات"، علاوة على ذلك، بدأت كل هذه "التحذيرات" ترافقها تهديدات: إذا لم تقبل موسكو "خلال بضعة أشهر" "قواعد اللعبة" المنصوص عليها في جنيف، فإنها ستكون عرضة لضغوط جديدة، ومع ذلك، فإن موقف واشنطن المتشدد السابق، الذي تم التعبير عنه على الفور في نهاية المحادثات، له دلالة كبيرة، خاصة وأن العواصم الأوروبية، بعد أن استحوذت على مزاج "الأخ الأكبر"، بدأت على الفور في الغناء بنشاط وسعادة معها، وجوهر التصريحات: نحن مستعدون لتطبيع العلاقات مع موسكو، لكن يجب أولاً تغيير سلوكها.

الشعور هو كما يوضح الوزير لافروف أن الجوقة الداعمة للعازف المنفرد قد أعدت مسبقًا، وكان لهذا التحضير سلسلة من الأحداث الغربية على أعلى مستوى والتي حدثت مباشرة قبل المحادثات الروسية الأمريكية: قمم G7  في كورنوال البريطانية وحلف شمال الأطلسي في بروكسل، وكذلك لقاء بايدن مع رئيس مجلس أوروبا إس. ميشيل ورئيس المفوضية الأوروبية و. فون دير لاين، حيث تم إعداد هذه الاجتماعات بعناية بحيث لا يبقى أي شك: لقد أراد الغرب أن يكون واضحًا للجميع: إنه أكثر اتحادًا من أي وقت مضى ولن يفعل سوى ما يعتبره صحيحًا في الشؤون الدولية، ويفرض على الآخرين - فوق كل شيء روسيا و الصين – لاتباع المسار الذي حدده، تكرس وثائق كورنوال وبروكسل الترويج لمفهوم "النظام العالمي القائم على القواعد" في مقابل المبادئ العالمية للقانون الدولي، المنصوص عليها، قبل كل شيء، في ميثاق الأمم المتحدة، وبهذا يتجنب الغرب بعناية فك رموز "قواعده"، وكذلك الأسئلة حول سبب الحاجة إليها، إذا كان هناك الآلاف من صكوك القانون الدولي، التي وقع عليها الجميع والتي تحتوي على التزامات واضحة للدول وآليات شفافة للتحقق من تنفيذها.

إن "سحر" "القواعد" الغربية هو على وجه التحديد في غياب التفاصيل: بمجرد أن يتصرف شخص ما ضد إرادة الغرب، فإنه يعلن على الفور بلا أساس "كسر القواعد" (لن يقدم الحقائق) ويعلن "حقه" "لمعاقبة" المخالف "، أي أنه كلما كانت التفاصيل أقل تحديدًا، زاد عدد الأيدي غير المقيدة للتعسف - لصالح ردع المنافسين بأساليب لا ضمير لها، وفي روسيا، التسعينيات "المحطمة"، كان يطلق عليها "التصرف وفق المفاهيم".

أن سلسلة القمم لمجموعة السبع وحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وفقا للمشاركين فيها، كانت بمثابة علامة على عودة الولايات المتحدة إلى أوروبا واستعادة ترسيخ العالم القديم تحت جناح الإدارة الجديدة في واشنطن، وإن غالبية أعضاء الناتو والاتحاد الأوروبي لم يتلقوا مثل هذا التحول بارتياح فحسب، بل صاحبتهم أيضًا تعليقات حماسية كان الأساس الأيديولوجي لإعادة توحيد "الأسرة الغربية" هو إعلان القيم الليبرالية على أنها "نجمة مرشدة" لتطور البشرية، وأطلقت واشنطن وبروكسل، دون تواضع زائف، على نفسيهما "مرساة الديمقراطية والسلام والأمن" مقابل "الاستبداد بجميع أشكاله"، معلنين، على وجه الخصوص، عن نيتهم زيادة استخدام العقوبات لصالح "دعم الديمقراطية حول العالم"، والهدف هو تنفيذ الفكرة الأمريكية لعقد "قمة من أجل الديمقراطية" لهذا الغرض، ولا يخفى على أحد أن الغرب سيختار المشاركين في مثل هذه القمة بنفسه وسيحدد بنفسه المهام التي تواجههم، والتي قد يرغب القليل من المدعوين الذين تم اختيارهم خصيصًا في مناقشتها، يذكر أن الدول المانحة للديمقراطية سوف تأخذ على عاتقها "التزامات متزايدة" بشأن إنشاء "معايير ديمقراطية" على نطاق واسع وتطوير آلياتها الخاصة للسيطرة على هذه العمليات.

كما أنه من الضروري الانتباه إلى ما تمت الموافقة عليه "على هامش" قمة مجموعة السبع في 10 يونيو من هذا العام، بايدن وجونسون، "ميثاق أنجلو أمريكي أطلسي جديد"، والذي تم تقديمه كنسخة محدثة من الوثيقة التي وقعها ف.روزفلت و دبليو تشرشل في عام 1941 بنفس الاسم، والتي لعبت بعد ذلك دورًا مهمًا في البحث لخطوط النظام العالمي بعد الحرب، ومع ذلك، لم تقل واشنطن ولا لندن كلمة واحدة عن الحقيقة التاريخية الرئيسية: انضم الاتحاد السوفيتي وعدد من الحكومات الأوروبية في المنفى إلى الميثاق "الأولي" قبل 80 عامًا، وبفضله أصبح لاحقًا أحد الأسس البرامجية لمكافحة- ويعتبر تحالف هتلر أحد "النماذج الأولية" القانونية لميثاق الأمم المتحدة.

ويُنظر إلى ميثاق الأطلسي الجديد أيضًا كما يقول وزير الخارجية الروسي في مقاله، على أنه نوع من "نقطة البداية" لبناء نظام عالمي، ولكن وفقًا لـ "القواعد" الغربية حصريًا، إصداره مكلف أيديولوجيا بتعميق الفجوة بين "الديمقراطيات الليبرالية" وجميع الدول الأخرى، المصممة لإضفاء الشرعية على "النظام القائم على القواعد"، ولا يحتوي الميثاق الجديد على إشارات إلى الأمم المتحدة أو منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، مما يثبت بشكل صارم التزام الغرب الجماعي بالتزامات الناتو باعتباره "المركز الشرعي الوحيد لصنع القرار" (هكذا وصف الأمين العام السابق لحلف الناتو أ. أهمية حلف شمال الأطلسي في عام 2014)، ومن الواضح أن هذه الفلسفة تشكل أيضًا الأساس للتحضير "لقمة الديمقراطية" المذكورة.

لقد تم تحديد روسيا والصين كما يشير الوزير لافروف الى أنهما حاملتا الاستبداد كعقبة رئيسية أمام تنفيذ الدورة التي تم الإعلان عنها في قمم يونيو، بشكل عام، يتم تقديم مجموعتين من المطالبات - الخارجية والداخلية المشروطة من الخارج، تُكلف بكين بتعزيز مصالحها الاقتصادية بقوة مفرطة (مشروع "حزام واحد - طريق واحد")، وبناء قوتها العسكرية والتكنولوجية بشكل عام لزيادة نفوذها، وروسيا متهمة بـ "السياسة العدوانية" في عدد من المناطق، في الواقع، تتظاهر على هذا النحو بخط موسكو في معارضة النزعات المتطرفة والنازية الجديدة في سياسات الدول المجاورة، التي تقمع حقوق الروس، مثل الأقليات القومية الأخرى، واجتثاث اللغة والتعليم والثقافة الروسية، " كما أنني لا أحب حقيقة أن موسكو تدافع عن الدول التي أصبحت ضحية للمغامرات الغربية وتعرضت لهجوم من قبل الإرهاب الدولي مع التهديد بفقدان دولتها كما حدث في سوريا" كما يقول الوزير لافروف.

إن تكوين عالم متعدد الأقطاب حقيقة واقعة، وإن كانت هناك محاولات تجاهلها، الا انه يؤكد نفسه على أنه "المركز الشرعي الوحيد لصنع القرار"، لن تقرب من تسوية المشاكل غير المخترعة، ولكن الحقيقية، للتغلب عليها والتي تتطلب حوارًا يحترم الطرفين بمشاركة الدول الرائدة مع مراعاة مصالح جميع الأعضاء الآخرين في المجتمع الدولي، وهذا يفترض اعتمادًا غير مشروط على قواعد ومبادئ القانون الدولي المعترف بها عمومًا: احترام المساواة في السيادة بين الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والتسوية السلمية للنزاعات، والاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وانه لا يمكن للغرب التاريخي الجماعي، الذي سيطر على الجميع لمدة خمسمائة عام، أن يفشل في إدراك أن تلك الحقبة تغادر بشكل لا رجعة فيه، لكنه يرغب في الاحتفاظ بالمواقف المراوغة، وإبطاء العملية الموضوعية لتشكيل عالم متعدد المراكز بشكل مصطنع.

ان " النظام القائم على القواعد" كما يؤكد الوزير لافروف هو تجسيد للمعايير المزدوجة، فعندما يكون ذلك مفيدًا، يُعترف بحق الشعوب في تقرير المصير على أنه "القاعدة" المطلقة، ومن بينها جزر مالفيناس، على بعد 12 ألف كيلومتر من بريطانيا العظمى، والممتلكات الاستعمارية السابقة النائية التي لا ينوي أحد تحريرها في باريس ولندن على الرغم من العديد من قرارات الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية، وكذلك كوسوفو "المستقلة" في انتهاك لقرار مجلس الأمن الدولي، وعندما يتعارض مبدأ تقرير المصير مع المصالح الجيوسياسية للغرب - كما في حالة التعبير الحر عن إرادة سكان القرم لصالح مصير مشترك مع روسيا - فإنهم ينسون ذلك ويدينون بغضب الاختيار الحر للمواطنين، ومعاقبتهم بعقوبات.

ويتجلى مفهوم "القواعد" أيضًا في الهجوم ليس فقط على القانون الدولي، ولكن أيضًا على الطبيعة البشرية نفسها، في المدارس في عدد من الدول الغربية، يتم إقناع الأطفال كجزء من مناهجهم بأن يسوع المسيح كان ثنائي الجنس، ومحاولات السياسيين العقلاء لحماية الأطفال من الدعاية العدوانية للمثليين وثنائيي الجنس والمتحولين جنسيًا تصطدم بالاحتجاجات المتشددة في "أوروبا المستنيرة"، وهناك هجوم على أسس كل ديانات العالم، على الكود الجيني للحضارات الرئيسية على هذا الكوكب، وأخذت الولايات المتحدة زمام المبادرة في التدخل الحكومي المفتوح في شؤون الكنيسة، سعيًا بشكل علني إلى تقسيم الأرثوذكسية العالمية، التي يُنظر إلى قيمها على أنها عقبة روحية قوية أمام المفهوم الليبرالي للسماح غير المحدود.

كما لوحظ بالفعل، فور المحادثات بين فلاديمير بوتين و بايدن في جنيف، سارع قادة الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي إلى الإدلاء بتصريحات تفيد بأن شيئًا لم يتغير في مقاربتهم تجاه روسيا، علاوة على ذلك، يقولون إنهم مستعدون لمزيد من التدهور في العلاقات مع موسكو، في الوقت نفسه، يتم تحديد سياسة الاتحاد الأوروبي بشكل متزايد من قبل أقلية عدوانية معادية للروس، وهو ما تم تأكيده بالكامل في قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل يومي 24 و 25 يونيو، حيث تمت مناقشة آفاق العلاقات مع روسيا، وتم دفن مبادرة انجيلا ميركل وماكرون لعقد لقاء مع بوتين حتى قبل ولادتها، ولاحظ المراقبون أن الولايات المتحدة، من خلال القمة الروسية الأمريكية في جنيف، أعطت نوعًا ما الضوء الأخضر لهذه المبادرة، لكن دول البلطيق والبولنديين أوقفوا ذلك، وكانت نتيجة المناقشات في بروكسل تعليمات من المفوضية الأوروبية وخدمة السياسة الخارجية الأوروبية لتطوير عقوبات جديدة ضد موسكو - حتى الآن دون الإشارة إلى أي "خطايا"، فقط للاحتفاظ بها، إذا رغبت في ذلك، سوف يأتون بشيء ما.

وعلى ما يبدو وكما أكد الوزير لافروف، ان الناتو لا يعتزم ولا الاتحاد الأوروبي تغيير سياساتهما لإخضاع مناطق أخرى من العالم، ويشارك حلف شمال الأطلسي بنشاط في تنفيذ استراتيجية "المحيطين الهندي والهادئ" الأمريكية (بهدف مفتوح هو احتواء الصين)، مما يقوض الدور المركزي لرابطة أمم جنوب شرق آسيا في الهيكل المفتوح لتعاون آسيا والمحيط الهادئ الذي تم بناؤه من أجل عقود، ويقوم الاتحاد الأوروبي بدوره بتطوير برامج من أجل "تطوير" المساحات الجيوسياسية المجاورة ودون استشارة الدول المدعوة بشكل خاص فيما يتعلق بمحتواها،وهذه هي بالضبط طبيعة الشراكة الشرقية وبرنامج آسيا الوسطى الذي أقرته بروكسل مؤخرًا، حيث تتعارض هذه الأساليب بشكل أساسي مع كيفية قيام جمعيات التكامل بمشاركة روسيا - رابطة الدول المستقلة، ومنظمة معاهدة الأمن الجماعي، والجماعة الاقتصادية الأوروبية الآسيوية، ومنظمة شنغهاي للتعاون - بتنفيذ الأعمال التجارية، والتي تطور العلاقات مع الشركاء الخارجيين حصريًا على أساس التكافؤ المتفق عليه بشكل متبادل.

وشدد وزير الخارجية الروسي في مقاله على إن الموقف المتغطرس تجاه الأعضاء الآخرين في المجتمع الدولي يترك الغرب في "الجانب الخطأ من التاريخ"، ولن تسمح البلدان الجادة التي تحترم نفسها أبدًا بالتحدث إلى نفسها على أساس الإنذارات النهائية وستسعى فقط إلى حوار متساوٍ للنظر في أي قضايا، أما بالنسبة لروسيا، فقد حان الوقت لنفهم: على أمل اللعب معنا بهدف واحد، تم رسم الخط أخيرًا، وكل نوبات العواصم الغربية حول استعدادها لتطبيع العلاقات مع موسكو إذا "تابت " وغيّرت سلوكها فقدت أي معنى، وحقيقة أن الكثيرين يواصلون تقديم مطالب أحادية الجانب" إلينا " عن طريق القصور الذاتي لا يفي بقدرتهم على التقييم بشكل كافٍ. ماذا يحدث.

ولطالما كان مسار التنمية المستقلة وحماية المصالح الوطنية - ولكن مع الاستعداد للتفاوض مع الشركاء الخارجيين على قدم المساواة - أساسًا لجميع الوثائق العقائدية للاتحاد الروسي في مجالات السياسة الخارجية والأمن القومي و دفاع، ومع ذلك، إذا حكمنا من خلال الإجراءات العملية للغرب في السنوات الأخيرة (بما في ذلك رد الفعل الهستيري على دفاع موسكو عن حقوق الروس بعد الانقلاب الدموي في أوكرانيا في عام 2014، بدعم من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي)، فإنهم على ما يبدو أنها اعتقدت أن كل هذا لم يكن خطيرًا للغاية: يقولون، لقد أعلنت روسيا مبادئها - ولا بأس، لا يزال من الضروري ممارسة الضغط على مصالح النخب، وزيادة العقوبات الشخصية والمالية وغيرها من العقوبات القطاعية - وسوف تستعيد موسكو رشدها، وتفهم ذلك دون "تغيير السلوك" (أي، دون إطاعة الغرب) سوف تواجه صعوبات أعمق في تطورها، وحتى عندما " قلنا بوضوح أننا ننظر إلى هذا الخط من الولايات المتحدة وأوروبا كحقيقة جديدة "، وبالتالي سنبني عملنا في الاقتصاد والمجالات الأخرى، انطلاقًا من عدم مقبولية الاعتماد على شركاء غير موثوقين، استمروا في الاعتقاد، أن موسكو "ستغير رأيها" في النهاية، ومن أجل تحقيق مكاسب مادية ستقدم التنازلات المطلوبة منها، وأشار الوزير الروسي الى ما قاله الرئيس فلاديمير بوتين مرارًا وتكرارًا: لم تكن ولن تكون هناك تنازلات أحادية الجانب في أواخر التسعينيات، إذا كنت ترغب في التعاون، فقم بإعادة أرباحك المفقودة وسمعتك التجارية - اجلس للاتفاق على خطوات تجاه بعضكما البعض بحثًا عن حلول وتسويات عادلة.

وركز الوزير الروسي على أهمية وبشكل أساسي أن يفهم الغرب أن مثل هذه النظرة للعالم متجذرة بقوة في أذهان الشعب الروسي وتعكس آراء الغالبية العظمى من المواطنين الروس، ان هؤلاء المعارضين "الذين لا يمكن التوفيق بينهم" للحكومة الروسية، والذين يراهن الغرب عليهم والذين يرون كل مشاكل روسيا في "معاداة الغرب"، ويطالبون بتنازلات أحادية الجانب من أجل رفع العقوبات والحصول على بعض الفوائد المادية الافتراضية، يمثلون جزءا هامشيًا تمامًا من المجتمع الروسي، وانهم يتعارضون مع الاستمرارية التاريخية للشعب، الذين اشتهروا دائمًا، وخاصة في الأوقات الصعبة، بنضجهم، وإحساسهم باحترام الذات والكرامة الوطنية، والقدرة على التفكير المستقل - مع الانفتاح على بقية العالم على أساس المساواة والمنفعة المتبادلة، وإن صفات الروس هذه هي التي أصبحت، بعد الارتباك والتذبذب في التسعينيات، أساس مفهوم السياسة الخارجية لروسيا في القرن الحادي والعشرين. إنهم يعرفون كيفية تقييم تصرفات قادتهم بأنفسهم، دون مطالبة من الخارج، وبغض النظر عن طموحات شخص ما وتهديداته، ستستمر روسيا في اتباع سياسة خارجية مستقلة وذات سيادة.

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

 

سليم مطرمن اجل نظرة شمولية لتاريخ العالم العربي!

لو عاينا تاريخ الحضارات الكبرى في العالم، لتبين ان من بين اهم شروطها: انها تشتمل على عدة مراكز حضارية في عدة بلدان متجاورة او متقاربة جغرافيا،(1) مثال:

ـ الحضارة الغربية الحالية، تشتمل على عدة مراكز، من اهمها: بريطانيا وفرنسا والمانيا، ثم اكبرها حاليا المركز الامريكي. ومهما اختلفت سياسيا وحتى تحاربت، فانها تبقى تتشارك بصنع هذه الحضارة الغربية المتداخلة.

ـ الحضارة اليونانية، كانت (اثينا) اولا، ثم انتقلت الى (المركز الروماني) الذي اسس (فرع الحضارة الرومانية)، ثم الى (المركز الشرقي في الاسكندرية المصرية) الذي اطلق عليه (الفرع الهلنستي).

- الحضارة العربية الاسلامية، اكبر مراكزها كان (العراق: بغداد والكوفة والبصرة)، ثم (الاندلس: وتمثل خصوصا بلدان المغرب). بالاضافة الى (مصر) ثم (خراسان: ايران افغانستان تركستان)، واخيرا (الهند: حضارة دلهي).

وهذا الفهم لموضوع: (الحيز الحضاري وتعدد المراكز) يستحق ان نطبقه لمعاينة(حضارات مصر والعراق والشام: سوريا الطبيعية). فهذه بمجموعها حسب اعتقادنا (مراكز متنوعة) لـ(حيز حضاري واحد)، نقترح تسميته ب(الحيز الحضاري الشرقي). وهنالك امور عديدة تدعم مثل هذا المفهوم، من اهمها:

1ـ التجاور الجغرافي بينها: مصر والشام والعراق. حيث لعبت (سوريا) بحكم توسطها بين المركزين، دورا اساسيا في التبادل الحضاري بينهما، وابتكار نتاجات حضارية معرفية مختلطة، مثل (الكتابة الالفبائية) التي هي مزاوجة بين النظامين الكتابيين العراقي والمصري. كذلك فيما بعد انبثاق(اليهودية)، ثم (المسيحية الفلسطينية الشامية) التي هي مزاوجة بين (الديانة الدنيوية وعبادة الخصب والنجوم العراقية) و(الديانة الاخروية ويوم الحساب المصرية)، ثم اخيرا (الاسلام) الذي هو حصيلة لما سبقه وهذا واضح في آيات القصص القرآني التي تدور كلها في منطقتنا.

2ـ هذه المراكز الحضارية الثلاثة، عاشت وازدهرت في نفس الحقبة التي دامت بكل متغيراتها وانقطاعاتها حوالي ثلاثة آلاف عام منذ اختراع الكتابة حوالي(بين 3400 ق.م ). لقد بقيت هذه (الحضارة الشرقية) وحدها دون أي منافس حضاري طيلة اكثر من الفي عام مهيمنة على شعوب الشرق الاوسط وعموم البحر المتوسط. وقد انتهت مع نهاية الدولتين العراقية والمصرية واحتلال المنطقة كلها، على يد الفرس الاخمينين، اواسط (500 ق.م ). ثم اعقبهم في القرن الرابع ق.م الاحتلال اليوناني (الالكسندر المقدوني: اواسط 300 ق.م). وقد ورثتها (الحضارة اليونانية ـ الرومانية).(2)

3ـ المشتركات الثقافية والكتابية واللغوية: فرغم اختلافه الظاهري (سامي ـ حامي). الا انه يشترك في اساس روحي ولغوي وعقلي: (الكتابة المسمارية واللغة السومرية ـ الاكدية ، وديانة الخصب والنجوم في العراق القديم، متطابقة مع كتابة ولغة الكنعانيين وعقيدتهم البعلية). اما بالنسبة لمصر فلها (كتابتها الصورية التي تشترك بنفس الاساس مع الصورية العراقية، ولغتها المصرية تشترك بنفس الاساس اللغوية ـ السامي ـ الحامي.  وعقيدتها الاخروية).(3)

*  *   *

ان هذه المفهوم الجديد الذي نطرحه عن (وحدة اولى حضارات العالم العربي)، ليس شكلانيا يهتم بالتسميات، بل غايته تأسيس مفهوم تاريخي ـ جغرافي لتاريخ العالم العربي، خارج (الفهم القومي العروبي) الذي كتب تاريخنا على اساس عرقي ضيق وعنصري يبدأ مع الفتح العربي الاسلامي. اما نحن فنعتبر (المرحلة العربية الاسلامية) تتمة طبيعية وتراكم تاريخي بدا مع (المرحلة الحضارية الشرقية) السابقة.

 

سليم مطر ـ جنيف

...............................

لمن يرغب معاينة الدراسة مع الصور التوضيحية، لياطلعا في موقعنا:

http://salim.mesopot.com/hide-feker/131

ان هذه الدراسة، هي جزء من كتابنا(تاريخ العراق) الذي في طور الصدور. وننشرها بمناسبة القمة المصرية العراقية الاردينة المعقودة حاليا في بغداد.

(1)عن ماهية الحضارة وما فرقها عن الثقافة، طالع دراستنا المفصلة المنشورة: (ماهي الحضارة.. وما فرقها عن الثقافة؟)

https://www.salim.mesopot.com/hide-feker/126

(2) الحضارات الاولى في الهند والصين وأمريكا اللاتينية لم تترك أية آثار كتابية واضحة مما يدل على محدودية درجتها المعرفية.  فان (كتابة السند في باكستان) عبارة عن نقوش تصويرية قليلة ومتفرقة على الاواني لم يثبت انها  كتابة. كذلك الكتابة الصينية القديمة فانها كانت نقوش متفرقة على العظام وصدف السلاحف.  نفس الحال بالنسبة لامريكا، فهناك نقش (كاسكاجال بلوك). بالاضافة الى نقوش عديدة متفرقة عثر عليها في مختلف بلدان العالم، لكنها لم ترق الى مستوى الكتابة والسجلات، بل هي محاولات اولية بدائية سابقة للكتابة.

لم تظهر الحضارات الكتابية خارج بلدان المشرق، إلاّ في الألف السابقة للميلاد: في الصين واليونان ، ثم الهند وغيرها، أي بعد حوالي ألفي عام من تواجدها في العراق والشام ومصر. (راجع تواريخ الحضارات في الصين والهند وكذلك مايا).مثل:

ـ Toute l’histoire du monde /Jean-Claude Barreau, Guillaume Bigot/Paris 2005

وللسهولة، يمكن مراجعة ويكيبيديا بالانكليزي: History of writing

 (3)هذا الجدول من كتاب(الاصول السومرية للحضارية المصرية: أ. وادل/ ص 36). نحن لا نتفق مع غالبية طروحات الكتاب، فهو يحتوي على معلومات معقولة مع افتراضات كثيرة غير معقولة.

ـ عن اسرة اللغات السامية ـ الحامية ، طالع مثلا:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%84%D8%BA%D8%A7%D8%AA_%D8%A3%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A9_%D8%A2%D8%B3%D9%8A%D9%88%D9%8A%D8%A9

 

 

 

كريم المظفرأصدار المجلس الأوروبي تعليماته للمفوضية الأوروبية بفرض عقوبات جديدة في حالة "أي أعمال خبيثة أخرى" من جانب روسيا، ربما تكون هذه هي المرة الأولى التي يطور فيها الاتحاد الأوروبي تدابير جديدة في وقت مبكر، حتى قبل أن يكون هناك سبب رسمي لتطبيقها، في موازاة ذلك، وهذا يعد فشلا لقادة الاتحاد الأوروبي مرة أخرى في تحديد موقفهم من العلاقات مع الاتحاد الروسي، واكتفوا بقرار سياسي بتمديد العقوبات الاقتصادية والتي فرضت في مارس 2016، في أعقاب الأزمة الأوكرانية وأحداث القرم، وافق الاتحاد الأوروبي على خمسة مبادئ أساسية لسياسة الاتحاد الأوروبي تجاه روسيا، تم تسميتهم مبادئ فريديريكا موغيريني - تكريما لرئيس الدبلوماسية الأوروبية آنذاك. هذا النهج تجاه الاتحاد الروسي في الاتحاد الأوروبي لا يزال ساريًا.

وأثار ما سربته صحيفة فايننشال تايمز من انباء، حيث كانت أول من نشر تقريرًا عن المبادرة الألمانية الفرنسية، بشأن دعوة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للقمة الاوربية، غضبت بعض دول الاتحاد الأوروبي من هذه الفكرة، علاوة على ذلك، ليس من الواضح ما الذي أغضب الشركاء أكثر - الفكرة نفسها أو حقيقة أنه تم اقتراحها قبل يوم واحد تقريبًا من المجلس الأوروبي، وبحسب بعض ممثلي المؤسسة الأوروبية، تحاول برلين وباريس سحب "البطانية" على أنفسهما، دون مراعاة رأي شركائهما، غير المستعدين لمثل هذا الاجتماع، ما تسبب هذا السؤال في انقسام بين البلدان الاوربية المجتمعة .

و" إذا كان بإمكان جو بايدن إجراء حوار مع فلاديمير بوتين، فلماذا لا يمكننا ذلك؟" - بكلمات بسيطة، كانت هذه هي رسالة ألمانيا وفرنسا، اللتين دعتا، عقب المحادثات الروسية الأمريكية في جنيف، شركائهما إلى دعوة الرئيس الروسي إلى قمة الاتحاد الأوروبي، وقيم الكرملين برده على هذه المبادرة حتى قبل أن تصبح معروفة رسميًا بشكل إيجابي وقال المتحدث باسم الكريملين ديميتري بيسكوف «بالطبع، نحن نراقب عن كثب القمة التي تفتتح اليوم في بروكسل وتقييمات هذا الحوار المحتمل الذي سيتم التعبير عنه من هناك."

لم تلب تقييمات توقعات الكرملين التي تم الإعراب عنها في المجلس الأوروبي التوقعات - فقد تحدث حوالي ثلث زعماء أوروبا البالغ عددهم 27 ضد الاجتماع مع فلاديمير بوتين، وتم تحديد الاتجاه من قبل رئيس وزراء هولندا مارك روته الذي أكد بانه "ليس لديه أي شيء ضد" المفاوضات مع رئيس الاتحاد الروسي لرؤساء المجلس الأوروبي والمفوضية الأوروبية تشارلز ميشيل وأورسولا فون دير لاين، لكنه هو نفسه لن يكون حاضرا في مثل هذا الاجتماع، علاوة على ذلك، تم اختيار الموضوع من قبل قادة ما يسمى (بطفيليات ) الاتحاد الأوربي وهي لاتفيا وليتوانيا وبولندا ورومانيا وبلجيكا، ويتم تحديد كل شيء بالإجماع - وبالتالي، حتى لا تنعقد القمة، يكفي تصويت واحد "ضد".

في الوقت نفسه، هناك من بين السياسيين الأوروبيين الذين يشاركون في مبادرة الحوار المباشر بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، وأشار السياسي الألماني ديتمار كيستر، وهو عضو في نفس لجنة البرلمان الأوروبي، إلى أن القمم المشتركة انتهت بعد عام 2014، ومع ذلك، حسب قوله، هذا ليس سببًا لرفض مثل هذه الاجتماعات إلى الأبد، وقال " نحن بحاجة إلى مفاوضات على مستوى العمل لإحراز تقدم في الحد من التسلح واستعادة الثقة "، في حين اعترفت رئيسة الوزراء الفنلندية سانا مارين بأن القادة سيستمرون في مناقشة هذه القضية، وإن المبادرة "ضرورية" لكن "الوقت لم يحن بعد".

ويرى المراقبون في نتائج القمة، هي بما أن الزعماء لم يتمكنوا من الاتفاق على موضوع القمة، فقد كان مطلوباً شيئاً من شأنه أن يعكس بشكل غير مؤلم روح الإجماع السائدة في الاتحاد الأوروبي، واتضح أن الحل بسيط وسريع ويمكن التنبؤ به – هو مسألة العقوبات، و في البيان الختامي، الذي نشره المجلس الأوروبي في 25 يونيو، أوعز القادة إلى المفوضية الأوروبية بوضع إجراءات جديدة للمستقبل فيما يتعلق بروسيا، بما في ذلك التدابير الاقتصادية، والتشديد على الحاجة إلى استجابة حازمة ومنسقة من الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه لأي إجراءات خبيثة وغير قانونية وتخريبية من جانب روسيا، مع الاستفادة الكاملة من جميع الأدوات المتاحة للاتحاد الأوروبي وضمان التنسيق مع الشركاء، ولتحقيق هذه الغاية، دعا المجلس الأوروبي أيضًا المفوضية والممثل الأعلى لتقديم خيارات لتدابير تقييدية إضافية، بما في ذلك العقوبات الاقتصادية.

ويعتزم الاتحاد الأوربي إجراء "حوار انتخابي" مع روسيا "حول القضايا التي تهم الاتحاد الأوروبي"، وفق المفهوم الجديد لـ "صد - كبح - إشراك"، حيث تم تقديم هذه الاستراتيجية إلى موسكو من قبل رئيس السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، في 16 يونيو، والموافقة عليها ليست عملية سريعة، ويجب مناقشة الوثيقة في المجلس الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي، وقال جاك ماديسون: "سيستغرق الأمر بالتأكيد بعض الوقت، لذا لن أجرؤ على تحديد الوقت المحدد الذي سيتم فيه نشر الوثيقة النهائية للعامة"، ووفقًا له، فإن استراتيجية الاتحاد الأوروبي الحالية - المبادئ التوجيهية الخمسة المعتمدة في عام 2016 - تتداخل إلى حد كبير مع الاقتراح الحالي.

وفي الوقت الذي تؤكد موسكو استعدادها لمواصلة الحوار المتكافئ مع الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك في المواضيع التي تم ذكرها في القمة الأوروبية والتي تهتم بها، لكن مثل هذا الحوار، رغم آمال بعض العواصم الأوروبية، لا يمكن إطلاقه بشروط مسبقة، لا سيما العقوبات الأحادية الجانب وغير الشرعية ضدها والتي، كما تعرفه بروكسل،" سيرد عليها بالمثل"، الا ان روسيا رأت أن نتائج القمة الأوروبية ببروكسل تدل على أن الاتحاد لا يزال يواجه صعوبات في وضع أي استراتيجية لتطوير علاقاته مع روسي، وأظهرت المناقشات في القمة الأوروبية أن موقف الاتحاد الأوروبي من علاقاته مع روسيا تحددها الدول المعادية لروسيا، وان الاتحاد الأوروبي لايزال في أسر مصالح تلك الدول، المتناقضة مع طموحات السكان الأوروبيين، ونتيجة لذلك لا يزال الاتحاد الأوروبي يواصل "السير بدائرة"، ويمدد مرة أخرى "مبادئ موغيريني" التي تمت الموافقة عليها عام 2016 والتي تربط مستقبل العلاقات الروسية الأوروبية بتنفيذ اتفاقيات مينسك، التي تعرقلها كييف (أوكرانيا) منذ سنوات.

من الواضح أن أي تغييرات في سياسة الاتحاد الأوروبي ستعكس التدهور المستمر للعلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي والموقف المشترك للدول الأوروبية بأن سياسة الاتحاد الروسي - الخارجية والداخلية - أصبحت، كما صرحوا هم أنفسهم، أكثر فأكثر غير قانونية واستفزازية وتدميرية، إذا كانت هناك تغييرات، في الاتجاه السلبي، ففي الداخل الاوربي، هناك تناقضات خطيرة للغاية بين أولئك الذين يتعاملون مع الموقف الأكثر تشددًا، وأولئك الذين يؤيدون المرونة، وأولئك الذين لا يهتمون على الإطلاق، ومن المستحيل اختزال كل هذا في موقف واحد، وبالتالي فإن جميع بيانات الاتحاد الأوروبي تستند إلى مزيج من النقد مع "نحن نفهم الأهمية" و "نسعى جاهدين من أجل"، لا حاجة اليقين، الجو العام معادٍ، لكن الدول الكبرى لا تريد أن تؤدي إلى صراع مباشر وصريح، ولا تستطيع فعل شيء لتغييره في اتجاه بناء، وبشكل عام، لا ترى السبب أيضًا.

وتحولت عقوبات الاتحاد الأوروبي الآن إلى وسيلة لتأكيد نفسها أمام الناخبين، بدلاً من التأثير الفعلي على شيء ما، وهم (الاتحاد الأوروبي)، أولاً وقبل كل شيء، يعملون مع ناخبيهم ويظهرون لهم أنهم يشغلون مناصب ثابتة - سواء فيما يتعلق ببيلاروسيا أو فيما يتعلق بروسيا، وفي الواقع من الواضح أن العقوبات هي مسألة فارغة، فأوروبا تحتاج مثلا إلى نورد ستريم 2، وسيتم إكماله عاجلاً أم آجلاً بغض النظر عن موقف الاتحاد الأوروبي تجاه الاتحاد الروسي أو بيلاروسيا، وإن القيود من وجهة نظر الرئيس الفرنسي ماكرون، ليست فعالة في حل المشكلات طويلة الأجل، وإن الطريق إلى الأمن الأوروبي يكمن من خلال الحوار، ويجب على الاتحاد الأوروبي أن يقدم سياسة فعالة تجاه روسيا، وهنا نستذكر المثل الشعبي الروسي الذي قاله الرئيس فلاديمير بوتين امام المستشارة الألمانية في منتدى سانت بطرسبورغ، والذي يحكي قصة عريس يخاطب عروسته " كل ما تفعليه ليلة الدخلة لن ينفعك .. لأنك في النهاية .... !!!!"

 

بقلم الدكتور كريم المظفر

 

 

قصي الصافيبقلم: إليف ساريكان

ترجمة: قصي الصافي


 في هجومها الأخير على الأكراد، استهدفت تركيا أردوغان المدنيين واللاجئين على طول الحدود العراقية، انها حملة وحشية للقضاء على بذرة الديمقراطية وحق تقرير المصير في كردستان.

في 24 نيسان 2021، حيث تصادف الذكرى السنوية لبدء الإبادة الجماعية للأرمن، شنت الدولة التركية هجوما عسكريا في الأراضي العراقية ضد القوات الكردية. ومنذ أكثر من شهر يتواصل القصف الجوي ضد أهداف مدنية.   ويستمر استهداف القرى الحدودية، إلى جانب مخيم مخمور للاجئين والذي يأوي آلاف اللاجئين الأكراد الذين كانوا قد فروا من حملة تدمير القرى التي شنتها الدولة التركية في شمال كردستان خلال التسعينيات. منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان أكثر من 10000 مواطن في مخمور ينظمون أنفسهم ذاتياً وبشكل ديمقراطي، فكان لمجالسهم السبق في ممارسة الكونفدرالية الديمقراطية - المعروفة عالمياً في روجافا (منطقة تتمتع بالحكم الذاتي في شمال شرق سوريا) - وهو نظام يقوم على مبادئ الديمقراطية المباشرة وحماية البيئة وتحرير المرأة. كل امرأة في المخيم هي جزء من المجالس النسائيه المنظمة بشكل مستقل وتشارك المرأة بنشاط حثيث في ترميم مجتمع  مزقته الحرب وطاله الكثير من الدمار. ترى الدولة التركية في هذه التجربه إرهاباً، وتشاطرها بذلك حكومات أخرى كالولايات المتحدة وبريطانيا.

 يقوم الجيش التركي في نفس الوقت بتدمير منظم للبيئة، قصف وقطع الغابات في جنوب كردستان، مهاجمة البنية  التحتية للمياه في روجآفا، ووضع العوائق في مجرى تدفق المياه الى شمال سوريا عبر نهري دجلة والفرات، الأمر الذي حرم الملايين من الناس من مصدر ثابت  للمياه. إن هذا الهجوم استمرار لسياسة الدولة التركية المستمرة في الغزو والاحتلال والتوسع غير الشرعي في كردستان. الحقيقة أن هذه الحملة هي السلسله الأحدث من بين العديد من الهجمات التي قتلت الآلاف وشردت مئات الآلاف في السنوات الأخيرة. شهدنا جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها الدولة التركية في مدينة عفرين عام 2018، وفي سيري كانيه عام 2019. والآن يتم استخدام ذات الأساليب في جنوب كردستان.

تكتيكات الدولة التركية باتت الآن معروفة : التعذيب، الأسلحة الكيماوية، قصف المستشفيات وشبكات المياه، وممارسة الاغتصاب كسلاح حرب. تم توثيق هذه الأعمال ونشرت على نطاق واسع في غزوات عفرين وسيري كانيه (رأس العين)، وقد سجلت عفرين أعلى معدلات خطف واغتصاب وتعذيب للنساء في المنطقة بعد احتلالها.

تخطط الدولة التركية لبناء قواعد عسكرية في الزاب وماتينا وأفاسين ضمن المناطق ذات الأغلبية الكردية العراقية. في عام 2019، أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أن تركيا تنوي أن تفرض بالقوة العسكرية منطقة حدودية على أطرافها الجنوبية، وتستبدل السكان الأكراد باللاجئين السوريين -  انها تقوم أساساً بعمليات تطهير عرقي ضد الأكراد في المنطقة.

بات جلياً من تصريحات وممارسات الحكومة التركية أن الهدف من هذه الحملة العسكرية هو إعادة الحدود المنصوص عليها في الميثاق الوطني في نهاية الإمبراطورية العثمانية، والتي بموجبها سيتم ضم مناطق من العراق وسوريا، فقد أعلن أردوغان أن الحدود المخصصة لتركيا بعد الحرب العالمية الأولى (التي تركت ملايين الأكراد دون  جنسية ) كانت بمثابة تسوية خطيرة لتركيا، ويجب حلها. من الصعب معرفة فيما إذا كان هذا التصريح من نوع الفكاهة أم المأساة .

تشير التطورات في الأيام الأخيرة أن تركيا تسعى لأثارة الاحتراب بين الأكراد من خلال تصعيد التوترات بين حركة حرية المجتمع الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، الحزب الحاكم في إقليم كردستان العراق. في الأسبوع الماضي لم يسمح الحزب الديمقراطي الكردستاني لوفد سلام من أوروبا بالدخول إلى العراق، وتمت اعادتهم إلى أوروبا. وفي غضون ذلك، منعت الشرطة في ألمانيا وفدًا آخر من سبعة عشر سياسيًا وناشطًا من السفر سويةً الى هناك، وكانت هذه الوفود تنوي استطلاع الوضع وتقديم تقارير مباشرة من الأرض.

 إلى جانب الاشتباكات العسكرية الأخيرة بين حركة حرية المجتمع  الكردستاني وقوات البشمركة التابعة لحكومة إقليم كردستان  والتي تعدّ تطورات مقلقة للغاية، ستواصل الدولة التركية عنفها وتطهيرها العرقي في جميع مناطق كردستان ما لم يكن هناك رد مناسب وجاد من المجتمع الدولي. هدف الدولة التركية محو الثقافة الكردية وإبادة الشعب الكردي وسحق أي محاولات من قبل الأكراد لتقرير المصير.

ما هو مستهدف ليس الأكراد فقط، بل أي محاولة لبناء مجتمع سلمي وديمقراطي في المنطقة بالتكاتف مع الجماعات العرقية والدينية مثل الأيزيديين والعرب والسريان والآشوريين والتركمان. مثلما تعرضت هذه المحاولات للهجوم في سوريا منذ سنوات، كذلك يتم استهدافها الآن في العراق. ما تعتبره الدولة التركية تهديدًا وجوديًا كبيرًا هو تحقيق الأفكار السياسية لعبد الله أوجلان، الرجل الذي لا يزال مسجونًا في جزيرة آمرلي، وقد عزل من قبل الدولة التركية لأكثر من عقدين. إن وأد أي فرصة للسلام والديمقراطية في الشرق الأوسط هو الطموح السياسي الأكبر للدولة التركية.

 يجب على كل من يؤمن بعالم عادل، أن يدين هذا الغزو وأن يتخذ موقفاً من أجل الحرية والعدالة. إن حرية عبد الله أوجلان أمر بالغ الأهمية للتوصل إلى حل سلمي في كردستان والمنطقة.

 

................

* عن موقع رابطة الاشتراكيين الديمقراطيين \ اميركا

 

 

غانم المحبوبيفي الجزء الأول من هذا الموضوع تطرقنا إلى أسباب وكيفية نشوء الحشد الشعبي ثم ظمهِ الى القوات الأمنية العراقية ثم ما تلاه من ظاهرة تشكيل المجاميع المسلحة المتعددة تحت غطاء الحشد الشعبي وإستمرارها في العمل المسلح خارج أوامر وحدود الدولة. ما يُعرف عن هذه المجاميع أنها ذات صبغة دينية عقائدية لكنها تعمل بأجندات وإهتمامات سياسية أمنية بحتة وذات ولاء واضح وصريح إلى مبدأ ولاية الفقيه تحت إمامة المرشد الأعلى الإيراني.

فلهؤلاء الداعمين لجهة أو لأخرى من هذه الميليشيات المسلحة، ولا أعني بذلك الحشد الشعبي، أقول لو قبلنا إدعائكم بأنكم تريدون الدفاع عن المواطن المُستضعف وتحرير العراق من تواجد وتصرفات القوات الأجنبية (الغازية) الغير شرعية وإرجاع سيادة الدولة فهذا الهدف لا بأس فيه على الإطلاق. ولكن ما هو مؤكد للجميع هو أن أي مجموعة منكم لا تمثل إلا فئة قليلة جداً من التعددية الكبيرة في العراق، فكيف تُبررون أعمالكم المُتفردة والغير مدعومة من قبل الحكومة المنتخبة أو بأي قانون أو تشريع من قبل مجلس نواب الشعب أوالدستور؟ إن قرار البرلمان العراقي بإخراج القوات الأجنبية هو مَنوط إلى السلطة التنفيذية وليس لأي جهة أخرى. ثمَ كيف يتم إرجاع سيادة الدولة وأنتم تُقوضون إرادتها وشرعيتها بمثل هذه الاعمال المسلحة؟ وإن كُنتم مُحقين في أهدافكم هذه هل تعطون الحق لغيركم بتشكيل مجاميع مسلحة أخرى لتعمل ضدكم؟ وكيف يصبح إذاً العراق لو حصل مثل هذا؟ ألِلفوضى والحرب الأهلية ما تسعون؟ إن مبدأ حصر السلاح بيد الدولة هو مبدأ أمني حضاري يجب التمسك فيه والدفاع عنه وخصوصاً في دولة تعددية ديموقراطية كالعراق. من جهة أخرى، إن مثل هذه التساؤلات يمكن أن توجه أيضاً الى أولاءك اللذين يُعادون هذه المجاميع المسلحة، وأقول ومع الأسف "يُعادون" جداً وليس يختلفون معهم بالرأي. فلو إستثنينا مَن يقوم فعلاً بعمل إجرامي، كيف يحق لكم أن تتهموا وتجرموا فئات من الشعب بمجرد انهم يختلفون معكم بالرأي أو الفكر أو العقيدة؟ نعم أنهم عراقيون يؤمنون بمبدأ ديني مُعين ويتمسكون بالولاء له ويرغبون بالتقارب مع إيران. ولنكن أكثر وضوحاً ونقول، يحق للمواطن العراقي ان يفهم منكم لماذا يكون التقارب والتعاون وحتى الولاء لأمريكا أو أي جهة أخرى بعيدة كانت أو قريبة للعراق مقبولاً ومرحباً بهِ عندكم وبعض ألأحيان مُستَوجَباً كإحدى ضرورات الإنفتاح وتقبل العالم الآخر، لكنه إن كان تقارباً مع الجارة إيران يتحول حينها الى تبعية للأجنبي، مرفوض بل ومحرم بإعتباره خيانة للوطن؟ إيران أيها السادة وكذلك أمريكا أو أي دولة أخرى لها ما لها وعليها ما عليها وما يجب أن يهمَ العراقيين مِن جراء التعاون مع هذه الدول هو ما يصب في مصلحة العراق من إستقرار وإزدهار فقط. أني لأستغرب مِن مَن يُمَثلون الثقافة والفكر التقدمي والوعي السياسي أنهم يتقبلون الفكر والسياسات القادمة للعراق من أي جهة من بقاع الأرض إن كانت الإمبريالية العنيفة أواليسارية الشيوعية، والإلحادية المنفلتة أوالدينية المحافظة و القومية المتعصبة، والعلمانية والتعددية الديموقراطية وغيرها، لكنهم يجرمون من يؤمن بفكرة ولاية الفقيه لا لشيء سوى لسمتها الدينية وعلاقتها بإيران! ما الفرق إذن بين مَن يُجرمَ هذه المجاميع الولائية (من الناحية الفكرية فقط) وبين مَن جَرَمَ وأعدمَ الرعيل الاول لمنتسبي حزب الدعوة الاسلامية كالعلامة محمد باقر الصدر وقيادات الحزب الشيوعي كفهد وسلام, لا لأفكارهم الدينية أو اليسارية الإشتراكية فقط بل لولائهم لإيران أو الإتحاد السوفيتي آنذاك؟

والأهم من ذلك، ليس كافياً للعراقيين الإطلاع على مسببات وملابسات مشكلة كبيرة وحساسة كهذه وألتي تعيق الأمن والتطور المجتمعي مالم تُقدمَ لها الحلول السليمة لتجوازها والقابلة للتطبيق فعلاً ظمن واقع العراق الحالي. بإختصار شديد وكمبدءٍ عام في النزاع السياسي والأمني والعسكري، لا سلام بدون وقف لإطلاق النار ولا أمان بدون نزعٍ للسلاح ولا إستقرار وإزدهار بدون دولة ذات سيادة وقوة. وبناءاً على هذا المبدأ، جميع معالم القوة والنفوذ والتسلح خارج مؤسسات الدولة العراقية يجب أن تزول، ولكن السؤال المركزي هو كيف يتم ذلك؟ وللتأكيد مرة ثانية، إن التمادي في إستمرارية مثل هذه الميليشيات الغير قانونية والمُقَوِضة لسيادة الدولة هو مرفوض كما هو مرفوض أيضاً العداء المتطرف لها وتجريمها لان كلا الحالتين تتقاطعان مع مبادىء التعايش السلمي وحل الخلاف بالطرق الحوارية المتحضرة لا بالقوة والعنف وإلغاء الآخر المخالف.

هناك من يعتقد إن الحل السلمي الأسلم لهذه المشكلة هو بيد المرجعية الدينية الرشيدة لما لهذه الميليشيات من صبغة دينية وما تدعيه من إنها جزءاً من الحشد الشعبي، والذي انبثق تلبية لفتوى المرجعية كم سبق أعلاه. هذا الرأي وإن يبدو صائباً وسهل التطبيق لكنه قد يؤدي إلى عواقب وخيمة وسابقة غير مرغوب بها، أهمها هو حشر الإرادة الدينية في أمر سياسي أمني هو من أولى مهام الدولة وليس رجال الدين. الجميع يعلم إن هذه الميليشيات تعمل بأجندات سياسية وإن صَبَغَت نفسها بصبغة الدين، وكل مَن يؤمن بالمواطنة الحقة يدعو إلى عزل الدين عن السياسة، فكيف نطلب إذن من الدين أن يتدخل في السياسة ومن أوسع أبوابها؟ وهل فشلت فعلاً جميع السبل الأخرى بيد الدولة لنضع المرجعية الدينية الراشدة في صدام وتحدي مباشر مع فئات من الشعب المُعتقِدة بالإسلام السياسي؟ في هذا الصدد، يجب التذكير إن فتوى المرجعية الأولى جائت ظمن المهام الدينية الشرعية والتي دعت المسلمين القادرين أن يجاهدوا في سبيل الله لحماية الدين والوطن بما فيه من الأهل والمال وتحت إمرة الدولة والمتمثلة بالجيش والشرطة، ولم تكن في يوم من الأيام داعية لتشكيل مجاميع مسلحة منفلتة لا تأتمر بأوامر الدولة. المرجعية الراشدة تنئى بنفسها عن مثل هذه التيارات المتطرفة ولم تأمر بتشكيل مثل هذه المجاميع فلماذا نطالبها بفتوى ثانية لحلها. ولنفترض حدثَ مثل هذا، من يتحمل مسؤلية الحالة الكارثية الناتجة عندما ترفض هذه الميليشيات أن تطيع رأي المرجعية وتقوض موقعها الموقر عند اغلبية العراقيين؟ وهذا الإحتمال ليس بعيداً بل هو واقع الحال الآن حيث سبق للإمام الأكبر السيد السيستاني وأن دعى بوجوب حصر السلاح بيد الدولة لعدة مرات ولم يُستجَب له. وأخيراً، يبقى السؤال المركزي والمهم في أذهان المواطن البسيط ذي المخاوف والريبة من الآخر: هل أن وضع العراق الحالي يسنح بحل هذه المجاميع المسلحة؟ أي هل لدينا تلك الدولة القوية والسيادة الكاملة وألتي تستطيع أن تُنجزَ هذا العمل لوحدها وتُطَمئنَ الشعب من عدم حدوث كارثة أخرى مشابهة لداعش أو سبايكر تستهدف الشعب ومقدساته؟

في رأي الخاص، إن الإجابة هيَ بالطبع لا. لذلك وختاماً، أطالب الحكومة العراقية المُنتخبة أن تعي جيداً لدورها القيادي المسؤول وتأخذ زمام الأمور بيدها لحل مثل هذه المآزق السياسية المهمة بالطرق الرسمية والدبلوماسية وكمنهج سياسي إستراتيجي. ان القيادة الحكيمة والمطلوبة للعراق هي التي تُؤَمِنُ الفوزَ في سباقات السياسة والدبلوماسية الدولية لصالح الوطن وأهله، ومن لم يمتلك مثل هذه المؤهلات والإرادة والجُرأة لا يصلح ان يكون في صدارة الدولة. كذلك لا يُخفى أن إيران مقصودة بعداء شديد وغير مُبرر من قبل دول إمبريالية لا تخفي عدائها حتى للعراق كإسرائيل وأمريكا. من جهة أخرى، إن دولة قوية ذات كفاءات سياسية ودبلوماسية وعلمية كإيران يَشهد لها الجميع في حُسنِ إدارة سياساتها الخارجية للحفاض على أمنها القومي، سوف لن تسمح أبداً أن يصبح ما يزيد على ألف كيلومتر من حدودها الغربية مع العراق وبوابتها على حلفائها من العرب وموانئ البحر الأبيض المتوسط أن يصبح طريقاً سهلاً لدمارها وتحت نفوذ أعدائها من الأمريكيين أو الإسرائيليين أو غيرهم. مع وضع هذه الحقائق نُصب اعيُنِنا، لا يختلف اثنان إن هذه الميليشيات هي من فئات الشعب العراقي لكنها ذات الولاء العقائدي الديني لولاية الفقيه الإيرانية، مما جعل العراق ضحية بين كماشتين وعليهِ أن يتخذ موقفاً تأريخياً جريئاً لصالح إحدى الكماشتين وان يخرج من سياسة التذبذب وألا قرار الفاشلة. وبكل صراحة واختصار أقول، إن امام العراق الآن أحسن الفرص ليلعب دورَهُ السياسي والدبلوماسي بشكل صحيح ومُجدي في الوقت الذي تعاني إيران من وضعها الذي لا تُحسد عليه من حصار وعقوبات وتهديد. وتزامناً مع مجيء الرئيس الإيراني الجديد وسعيهِ لتحقيق مكسباً سياسياً يبدأ به ولايته الرئاسية وذلك بتحسين وتقوية علاقات إيران الخارجية مع دول الجوار مما يُتيح للعراق أن يدخل، ومن مركز القوة، في حوار إستراتيجي جاد وجريء مع الجارة إيران يتم خلاله تحديد السياسة الخارجية للعراق وبشكل واضح باختيارها حليفاً حقيقياً وفعالاً من النواحي السياسية والأمنية والإقتصادية والسياحية والثقافية وغيرها. من بنود هذا التحالف، تتكفل إيران حل هذه الميليشيات وعدم التدخل في شؤون العراق الداخلية، ويتم ذلك وبكل بساطة عن طريق توجيهات أو فتوى من المرشد الأعلى الإيراني. في المقابل، يتعهد العراق بتطمين إيران على سلامة وأمن حدودها وعدم السماح لاعدائها بتشكيل خطر عليها عن طريق الأراضي العراقية. وبهذا الشكل تتحقق مصالح الدولتين والشعبين الجارين في نفس الوقت. العراق دولة كبيرة لها من معالم القوة والثراء والتراث والنفوذ ما لإيران بل يزيد على ذلك في نواحي متعددة. وكمثال لا للحصر يتمتع العراق بمركزه الديني المقدس للأغلبية الساحقة للشعب الإيراني وذلك لاحتوائه على أضرحة ومشاهد مقدسة لسبعة من أصل إثني عشر من أئمة الشيعة المعصومين عدا الآخرين من أهل البيت والصالحين.  

 

الدكتور غانم المحبوبي

 

 

 

كاظم الموسويبلد النفط والرافدين يشكو الفقر والجوع والفقدان والحرمان والفساد وما شاء الله من هذه المصطلحات والمفاهيم التي يمكن إضافتها، عناوين المشهد السياسي الراهن، الذي يخجل حتى وصفه. وهذه العناوين بالتأكيد لها دلالتها وتثير الأسئلة التي قد يستغرب المتابع لها وعن اجوبتها الرسمية. والارقام والإحصاءات التي تصدرها الجهات الرسمية الحكومية تلفت الإنتباه إليها اولا وتدين السلطات التي تتحكم بالبلاد والعباد في بلد كالعراق، ثانيا، لا سيما تتنافس عليه دول الاستعمار الإمبريالية في احتلاله والهيمنة على ثرواته وخيراته وترسم له سيناريوات حاضره ومستقبله، وتهدد في أغلبها حياته وتاريخه وشعبه وموقعه في المنطقة والوطن العربي الذي يشكل جناحا رئيسيا له. وبالتالي فإن ما اعلن شكل إدانة لكل من له علاقة بهذه الشؤون، حكما ونفوذا وصمتا مريبا، يؤشر عن مديات تحمل المسؤولية والروح الوطنية والدور السياسي والاشتباك الوظيفي بين التبعية والتخادم أو الاستقلال والسيادة الوطنية.

اذ تنقل وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام المباشر في برامج الواقع والحوارات الساخنة صورا كارثية وفواجع مأساوية عن وقائع الحياة اليومية للأغلبية  من الشعب.  وهي صورة لا يمكن أن تبرر ولا يمكن الصمت عليها ايضا. وليس آخرها ما صرحت به وزارة التخطيط (19 نيسان/ ابريل 2021) بأن مؤشرات الفقر وفق ارتفاع الأسعار الحالية وصلت إلى ما بين 26 الى 27 بالمئة، مشيرة الى أنها أنهت إعداد خطة الاصلاح والتعافي التي سيكون عمرها سنتين وتعمل على 3 مسارات. (مَن سبّب إرتفاع الاسعار؟، ولماذا؟، حتى في هذه النسب!).

وقال المتحدث باسم الوزارة عبد الزهرة الهنداوي، في حديث لجريدة ”الصباح” العراقية شبه الرسمية: إنه “بعد رفع سعر صرف الدولار فإن مؤشر التضخم ارتفع بنسبة 4.9 الى 5 بالمئة، بينما ارتفعت مؤشرات الفقر الأولية بنسبة 26 الى 27 بالمئة”، مبيناً أنه “في حال ورود مستجدات ومؤشرات جديدة فستعلنها الوزارة في ما بعد”.  وهو هنا يقدم أرقاما متغايرة عما سبقها للعام الماضي مثلا، مع استمرار الأزمات واستفحالها.

واضح ان السياسات المتبعة فاقمت معدلات الأوضاع الاقتصادية المتردية والصحية الخطيرة، والتي تدهورت نحو الأسوأ. وحتى الزعم بوضع خطط اصلاح للتعافي فإنها في الواقع لن تتحقق ولم تعالج أية مشكلة توجهت لها، بل العكس منها هو الذي يحصل في البلاد، وباعتراف المسؤولين أو اللجان البرلمانية أو المستشارين الذين يعملون عليها. والإقرار بأن الأزمات التي عصفت بالبلاد وما نجم عنها من رفع نسبة الفقر والتضخم والانكماش الاقتصادي والتوسع في التفاوت الطبقي والاجتماعي ، فضلا عن التدهور العام في أغلب الأزمات المتنوعة من قبيل الفساد المتفشي، والنزوح والمخيمات والسجون والاعتقالات وغيرها من الأمور التي ظهرت الى السطح  تأزم المشهد السياسي وتصبغ صورته بخلاف الادعات والمزاعم اللفظية.

حول خطة وضعتها وزارة التخطيط، "سيكون عمرها سنتين من 2021 الى عام 2023، وتعمل على 3 مسارات، الأول المسار الاقتصادي الذي يتضمن تحسين مستوى الاقتصاد ودعم القطاع الخاص، والثاني المسار الاجتماعي الذي يتضمن دعم مستوى الخدمات في مجال الصحة والتعليم وعودة النازحين وتمكين المرأة، أما المسار الثالث فهو المحور المكاني الذي يتضمن معالجة الفجوات التنموية الموجودة في المحافظات”. وكانت وزارة التخطيط، قد أعلنت في الـ 16 من آذار/ مارس الماضي، انخفاض نسبة الفقر في البلاد إلى 25 بالمئة من مجموع السكان، بعد أن كانت 31.7 بالمئة عام 2020. وهذا اقرار من الوزارة  بالفشل في مواجهة التحديات  والمتفاقمة في الاوضاع عموما.

ومع كل ذلك فهذا كلام مكرر، كل مرة ينشر أو يعلق عليه، تصريحا أو نشرا مباشرا، منذ عام 2003  وهي كما تبدو من متابعة للأوضاع اليومية للمواطنين تكشف تناقضا صارخا، بين ما أعلنته الجهات الرسمية ووقائع الأحوال، حتى من جهات رسمية اخرى، كوزارة المالية وما تقوم به من إجراءات انفتاح اقتصادي وقرارات ليبرالية متوحشة فاضحة لدور سياسي تدميري يغلب على الواقع والارقام والإحصاءات ويتسم بالوعود والخطب الهزلية!.

فلم تعد ميزانيات العراق الفلكية الأرقام كافية لتوفير لقمة خبز كريمة للمواطنين عموما، وأصبح التفاوت الاجتماعي الطبقي واضحا جدا، وباتت الفئات الفقيرة غير قادرة على العيش الكريم في بلد كالعراق، المبتلي بثرواته وطاقاته ورافديه.. وانتقلت فئات واسعة من طبقته المتوسطة الى حدود أدنى إجتماعيا واقتصاديا، وأصبحت الارقام تتسابق مع بعضها عن حجم وعدد الفئات التي توصف بأنها تعيش تحت خط الفقر، بمقياسه العالمي، وتلك وقائع مخجلة لبلد اسمه العراق. وبارقام رسمية دون حلول واقعية أو خطط عملية، فيذكر مثلا عن لجنة الاقتصاد والاستثمار في مجلس النواب، كشفها عن أن مليون مواطن فقط هم الذين يتسلمون مفردات البطاقة التموينية ويعتمدون عليها، من الاربعين مليونا، حسب آخر رقم لعدد السكان، في الوقت الذي كما قال عضو اللجنة نهرو محمد لجريدة ”الصباح”: إن “اللجنة أجرت الكثير من البحوث واستضافت مختصين للحديث عن البطاقة التموينية ووضع الآليات والحلول لإشكالية البطاقة التموينية المستمرة منذ أكثر من 15 عاما” وأضاف أن “وزارة التجارة لديها بيانات 39 مليون مواطن مشمول بنظام البطاقة التموينية، والعقود التي تبرم لتجهيز المواد الرئيسة في هذا النظام تحسب على هذا العدد، في حين أن الواقع يؤكد أن هناك مليون مواطن فقط يتسلمون تلك المفردات بحسب ما موجود من دراسات وبحوث سواء في بغداد أو المحافظات وحتى الإقليم” (؟!)..

ورغم هذا التدهور الواسع في شتى المجالات، وقائع القاعدة الاجتماعية تقول بأن اكثر من 68% من سكان العراق هم دون سن الثلاثين، فيما وصلت نسبة السكان من الاطفال دون سن الخامسة عشر الى حوالي 40%، وبلغت نسبة السكان في سن العمل (15- 64 سنة) اكثر من 57%، وانخفضت نسبة كبار السن (65 سنة فما فوق) إلى 3%، وأن "ارتفاع معدلات الاعمار لدى السكان، اذ وصل متوسط اعمار النساء الى 76 سنة وعند الرجال 72 سنة"،  وهذه ارقام مهمة لنهضة الشعب وبناء اقتصاده وعمرانه وتقدمه على مختلف الصعد، اذا ما توفرت النوايا الصادقة والإدارة الوطنية الحريصة فعلا على الاستقلال والسيادة الوطنية وبناء دولة جديدة.

عن ذلك صرح وزير التخطيط (2021/06/14)، أن "المؤشرات الديموغرافية في العراق اظهرت تسارعا كبيرا للنمو السكاني نتيجة استمرار ارتفاع معدلات الخصوبة والذي ينعكس على نسبة السكان الشباب وعلى تسارع نمو القوى العاملة مما يولد عجزا عن تلبية احتياجات السكان وتحديدا الشباب من حيث فرص العمل وتحسين جودة نوعية الحياة واستداماتها لتحقيق النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة الشاملة".  

الحراك الشعبي الذي غطى المحافظات الوسطى والجنوبية والعاصمة بغداد مؤخرا والشعارات التي رفعها تطلب تغييرا في المنهج والسياسات والقرارات وما سبقت الإشارة إليه من وقائع وارقام تكشف تباطؤا مقصودا وتدخلات واضحة في التدمير الاقتصادي والاجتماعي وتعكس غربة وطنية في إدارة الدولة ومستقبل العراق،  بلد النفط والرافدين . وهو الأمر الذي يرفع السبابة إحتجاجا، ويؤشر لما بعد..

 

كاظم الموسوي

 

 

حسن العاصي"لا يزال هناك طريق طويل لنقطعه قبل أن تحرر إفريقيا نفسها من الاستعمار العقلي الذي يجعل العبث يبدو طبيعياً"

هذه كلمات الكاتب والمناضل من أجل الحرية، الكيني "نجوجي وا تيونجو" Ngugi wa Thiong’o. ستواصل أوروبا تقديم المساعدة لتطبيع العبث. يجب أن تستمر المساعدات في إضفاء الشرعية على فكرة أن إفريقيا بحاجة إلى أوروبا. بينما في حقيقة الأمر أن أوروبا هي التي تحتاج إلى إفريقيا.

يقول الكاتب الكيني "إنك تسأل لماذا يواجه الحكام الأفارقة صعوبة في التواصل مع شعوبهم. يجب ألا تنسى أن تاريخ أفريقيا كان منذ مئات السنين حول عدم توازن القوى. بالطبع، لا يوجد بلد أو شعب ينجح في دخول "الحداثة دون ألم، ولكن بالنسبة لأفريقيا فإن الألم له جذور عميقة للغاية "

"نجوجي" هو أحد منارات الأدب الأفريقي. ولد في عام 1938، وقد عانى شخصياً من التدخل العميق للعصور الاستعمارية في حياة الفرد، والتحرر الجسدي الدموي، وخيبة الأمل من ان الاستقلال لم يضع حداً للقمع. تم تصوير ذلك بشكل ممتاز في كتاب مذكرات "أحلام في الحرب" Rêves en temps de guerre والمُترجم إلى اللغة الدنماركية بعنوان Drømme i krigens tid.

علاوة على ذلك، فهو مثال للمفكر التمثيلي: طالما أن أدبه المشهور عالمياً نُشر باللغة الإنجليزية، ولم يقرأه إلا النخبة فقط، كان رؤساء كينيا فخورين به. ولكن عندما كان يؤدي مسرحيات نقدية بلغته الأم "غويكويو" سُجن، وبعد إطلاق سراحه هرب وأمضى 22 عاماً في المنفى ينظم الحركة الديمقراطية في كينيا، بينما يواصل مسيرته في الكتابة.

انتقد "نجوجي" كتاب الشاعرة والكاتبة الدنماركية " كارين بليكسن"Karen Blixens عن أفريقيا بعنوان "المزرعة الأفريقية" Den afrikanske Farm. قال عنه "من أكثر الكتب ضرراً عن أفريقيا على الإطلاق" بسبب الوصف المتعالي للأفارقة، ووصفها بأنها عنصرية، وهذا الاتهام للأيقونة الدنماركية أثار غضب "البارناس الدنماركيين" Danske parnas.

استمر "وا تيونجو" على الكتابة عن الـ "جيكويو" Kikuyu منذ رؤيته للمعنى الجوهري للغة، وهم مجموعة عرقية من البانتو موطنها وسط كينيا ينتمي لهم الكاتب. كان مدركاً للغاية بأهمية التاريخ لبنية العقل، ويصر على إظهار كيف تعود جذور الظروف الصعبة في إفريقيا إلى تجارة الرقيق والعصر الاستعماري.

بلا شك، لم تسهم أفريقيا كثيراً فحسب ـ بل ساهمت أيضاً ـ في تحديث أوروبا، فقد أرست تجارة الرقيق أسس الرأسمالية، التي جعلت أوروبا حاكمة العالم. كان العصر الاستعماري استمرارا وامتداداً طبيعياً لمرحلة الرق ثم الرأسمالية. في المرحلة الحالية تبدو القارة بأكملها كمزرعة عبيد عملاقة. واليوم لا يزال هذا الخلل الهائل في التوازن في النظام الاقتصادي قائماً لصالح أوروبا.

لكن هل يوجد عذر لعدم قدرة الحكام الأفارقة على معاملة شعوبهم بشكل لائق؟

في كل خطوة من التاريخ، وكل فصل من القصة، كان هناك متعاونون أفارقة مع الاستعمار على الدوام. معظم حكام اليوم الأفارقة يُنظر لهم على أنهم أولئك الذين يتعاملون مع نظام دولي لا تزال إفريقيا فيه مهملة. "نشأ أقدمهم كمنتجات مستعمرة، والأصغر منهم يحكمهم عقل مستعمر. لا يمكنهم تمثيل شعوبهم دون قطع الهياكل التي يعتقدون أنها تحافظ على سلطتهم". هكذا كان يرى "نجوجي" الحكام الأفارقة.

اللغة والرؤية

"نجوجي" مقتنع بأن هناك حاجة لثورة ثقافية ولغوية لمعالجة نقص التواصل بين الشعوب والحكام. وفي ذلك، يجب أن يأخذ المثقفون زمام المبادرة.

"عندما تكبر النخبة أو الطبقة الوسطى في اللغة الإنجليزية والفرنسية والبرتغالية، ويعيش الناس في عالم لغوي مختلف، فلا يمكن أن يكونوا على اتصال. لا يمكنهم خلق رؤية مشتركة بدون لغة مشتركة ".

غالبًا ما تكون الحجة لاستخدام لغة المستعمرة هي أن الدول الأفريقية لديها العديد من اللغات واللهجات، لذلك هناك حاجة إلى لغة مشتركة.

إذا كان الناس في بلد ما يتكلمون ألف لغة، فإن الجواب لا يكمن في ضرورة تعلمهم شيئًا آخر. حين دخل المبشرون المسيحيون أفريقيا، وكان عليهم إيصال رسالة. هل بدأوا بمطالبة الناس بتعلم اللغة الإنجليزية والفرنسية أولاً؟ لا، لقد شرعوا على الفور في ترجمة الكتاب المقدس بعدد اللغات الأفريقية.

تواجه أفريقيا تحدياً مع العديد من اللغات، لإنشاء حوار وطني بين مختلف الشعوب. لكن الإصرار على إلغاء اللغات الأجنبية أمر مختلف تماماً. يُعتقد أنها كذبة، لكن البرلمان الكيني أقر قانوناً يحظر التحدث بلغة "جيكويو" في المباني العامة. وإذا كان المزارع بحاجة إلى خدمة عامة ولا يتحدث الإنجليزية، فيجب إحضار مترجم. ـ رغم أن الرئيس الكيني لم يوقع على القانون، لذلك لم يدخل حيز التنفيذ.

لكن ما الذي كان يفكر فيه النواب عندما وضعوا القانون؟

أعتقد أن الجوهر الكامل لاستعمار العقل الذي حدث في إفريقيا منذ أن أبحرت سفن العبيد من الشواطئ المحملة بالرجال المقيدين بالسلاسل هو تطبيع العبث. قانون اللغة هو مثال على عملية التعود. في بعض المدن تم إدخال اللغة الإنجليزية بالقوة، لذلك منذ بداية الحقبة الاستعمارية تمت معاقبة الأفارقة للتحدث بلغتهم الخاصة. وبالتالي ارتبطت اللغة الإفريقية بالألم، والإنجليزية بالمكافأة.

سيقلل الإنسان الألم بشكل انعكاسي ويسعى إلى المكافأة، ويمكن أن تستمر الصدمة كقاعدة. لقد استمر الجهاز البيروقراطي ـ الذي تم إنشاء هياكله في الحقبة الاستعمارية ـ بالإخلاص لهذا المعيار الذي بربط "الإنجليزية" بـ "الذكاء" دون وعي. ربما هذا يفسر جزئياً العمل العبثي للبرلمان الكيني في ضوء ذلك. لذلك، يبدأ التحرر من العقل الاستعماري باستعادة اللغة الوطنية.

إسقاط المساعدات

يشعر الأوروبيون بالحيرة بشكل متزايد، بل وحتى نفاد الصبر، بشأن المدة التي تعتقد أفريقيا أن هذا التحرر من الماضي يجب أن يستغرقه. يوجد الآن إرهاق متزايد فيما يتعلق بمساعدات التنمية، تقول أوروبا: لقد قدمنا المساعدة لأفريقيا لفترة كافية.

 لقد انقلب الأمر. لقد نفد صبر إفريقيا بشكل متزايد وتعبت من المساهمة في رفاهية أوروبا ومستقبلها. حان الوقت لأفريقيا أن تعتني بنفسها وتقول إننا نحتفظ الآن بألماسنا ونفطنا. لأن أوروبا لم تتعب من البحث عن ذلك في إفريقيا. قد يكون هناك إجهاد من ناحية العطاء، ولكن بالتأكيد ليس في الأخذ. ستواصل أوروبا تقديم المساعدة لتطبيع العبث. يجب أن تستمر المساعدات في إضفاء الشرعية على فكرة أن إفريقيا بحاجة إلى أوروبا. انها تخفي حقيقة ان اوروبا هي التي تحتاج افريقيا.

إذن، هل ينبغي وقف المعونات لمساعدة أفريقيا؟

"بالنسبة للكاتب الكيني "نجوجي" الإجابة هي نعم "بالتأكيد. دع أموالك تبقى في أوروبا، وبعد ذلك سنترك موارد إفريقيا في أفريقيا"

إذن من يجب أن يشتريها؟

يجب أن يكون لدينا عالم نكتفي فيه جميعاً بالموارد التي يمتلكها كل منا. كل دولة تنتج بما لديها بالفعل، وما إلى ذلك. ثم يمكن للجميع اللقاء في سوق عادلة، والتجارة النزيهة مع بعضهم البعض في علاقة قوة متساوية. لكنه يتطلب من القادة الأفارقة أن يحرروا أنفسهم من فكرة أنهم يجب أن يكونوا المتآمرين المستعدين للغرب. إنهم يعيشون تحت الوهم بأن إفريقيا بحاجة إلى الغرب. ويصرون على "تطبيع العبث".

- فيما يتعلق بحملات تصفية استعمار العقل فإنه يستغرق وقتًا طويلاً. فالجامعات الأمريكية الكبيرة على سبيل المثال، تبدو وكأنها قدوة أوروبية حتى في مواد البناء. استغرق الأدب الأمريكي قروناً لتحرير نفسه من أوروبا. ولم يشعر الكتاب الأمريكيون أبداً "بالكمال" حتى وصلوا إلى أوروبا. لم يتمكنوا من تحرير أنفسهم من أوروبا كمصدر لثقافتهم الخاصة. سيستغرق الأمر عدة أجيال، ولا مفر من خوض معركة استقلال العقل. لكن من سوء حظ الافارقة أن هناك العديد من القوى في العالم تشعر بالرضا عن ارتباط العقل الأفريقي بأوروبا.

بالرغم من وجود الصين وأمريكا بصورة رئيسية، فإن من يلتقط الماس والنفط والذهب والنحاس، والبن، والكاكاو في أفريقيا هم الأوروبيون.، يريدون استمرار ذلك، وبالتالي فهم يريدون المضي في ذلك، وهم راضون تماماً عن استمرار الأفارقة في النظر إلى هذه العبثية على أنها أمر طبيعي تماماً.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدنمارك

 

 

كريم المظفرخط سير المدمرة البريطانية HMS Defender التي دخلت البحر الأسود في 14 يونيو، وزيارة  ميناء أوديسا، في 21 يونيو جنبا إلى جنب مع السفينة البريطانية، المدمرة الأمريكية USS Laboon والفرقاطة الهولندية HNLMS Evertsen، وكذلك سفينة الإنقاذ والغوص الفرنسية ALIZE، في البحر الأسود، وتوقيع ممثلي  حكومتي بريطانيا  وأوكرانيا مذكرة بشأن البناء المشترك لثمانية زوارق صاروخية للأسطول الأوكراني وتحديث اثنتين من قواعده، قبل يومين من حادث، دخول المدمرة البريطانية المياه الإقليمية لروسيا قبالة سواحل شبه جزيرة القرم، يثبت النية البريطانية المبيتة لاستفزاز روسيا.

ويأتي الحادث قبل أيام من اعتزام سفن الناتو والدول الشريكة للكتلة بدء مناورات Sea Breeze السنوية 2021 في البحر الأسود اعتبارًا من 28 يونيو،  ويذكر أنها ستصبح الأكثر تمثيلا لكامل فترة سلوكها، وتشارك في التدريبات فرق من 32 دولة و 32 سفينة حربية و 50 طائرة ونحو 5 آلاف عسكري، كما ان  الحادث وكما روته وزارة الدفاع الروسية بدأ بخرق المدمرة البريطانية URO HMS Defender المياه الإقليمية لروسيا قبالة سواحل شبه جزيرة القرم، في 23 يونيو، التابعة للقوات البحرية البريطانية الحدود الروسية ودخلت مياهها في منطقة رأس "فيولينت" لمسافة 3 كيلومترات، وإن دورية الحدود الروسية فتحت نيراناً تحذيرية تجاهلتها المدمرة Defender، بعد ذلك، أسقطت قاذفات أسطول البحر الأسود من طراز Su-24M أربع قنابل شديدة الانفجار من طراز OFAB-250 على طول مسار السفينة الحربية الأجنبية، مما أجبرها على مغادرة المنطقة.

وجاءت المواقف الروسية هذه المرة حازمة  من حادثة اختراق المدمرة البريطانية Defender  للمياه الاقليمية الروسية، واتهمت موسكو  حكومة المملكة المتحدة بالكذب حول الحادث، فبالإضافة لاستدعاء الخارجية لسفيرة لندن وملحقها العسكري لدى موسكو شدد سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية أن القصف لن يكون تحذيريا في المرة القادمة، بل سيكون مباشرا في حال استمرار التصرفات المنافية للقوانين الدولية، في حين شدد المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف على أن موسكو لا تستبعد اللجوء إلى أي خيار في الدفاع عن الحدود الروسية في حال استمرار الاستفزازات.

وحذرت روسيا من أن الحوادث مثل واقعة خرق المدمرة Defender البريطانية حدودها البحرية قبالة القرم تهدد بـ"عواقب وخيمة جدا "، متعهدة باتخاذ ما يلزم من الإجراءات لضمان أمنها، وحذر نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، «كل من ينتهك حدود روسيا تحت ذريعة حرية الملاحة" من القيام بمثل هذه الخطوات الاستفزازية، مؤكدا «أمن بلدنا على سلم الأولويات «، كما أكّد حق روسيا بقصف أي سفينة عسكرية أجنبية تنتهك الحدود البحرية للبلاد وقال " إذا لم ينفع ذلك فيمكننا أن نقصف، وليس خط مسار الهدف، بل والهدف نفسه، إذا لم يفهم زملاؤنا (مطالبنا)"

ولا تعترف بريطانيا وجميع دول الناتو بسيادة روسيا على شبه جزيرة القرم والحدود البحرية والجوية الروسية في شبه الجزيرة، ومع أن سفن الناتو وطائراته ومركباته الجوية المسيرة تقترب بانتظام منها، إلا أنها لم تعبرها قبل هذا الحاد، ومع كل اقتراب، تتم مراقبة تحركاتهم من قبل السفن والطائرات التابعة لأسطول البحر الأسود، وكذلك من قبل قوات حرس الحدود التابعة لجهاز الأمن الفدرالي.

ورغم محاولات بريطانيا إخفاء المعلومات حول الحادث ونفي الحكومة اطلاق روسيا قنابل تحذيرية تجاه المدمرة  البريطانية، قال رئيس الوزراء بوريس جونسون في أول تعليق له على الحادثة إن، المدمرة كانت تعمل بشكل قانوني، و "أعتقد أنه كان من المناسب تماما استخدام المياه الدولية"، والنقطة المهمة هي أننا لا نعترف بضم روسيا لشبه جزيرة القرم"، ووزير البيئة البريطاني، جورج يوستيس البريطاني من جانبه أكد  إن سفن بلاده "مستعدة مرة أخرى للمرور عبر المياه المتنازع عليها حول شبه جزيرة القرم"، وأكد، عدم إطلاق سفن روسية طلقات تحذيرية على المدمرة، مشيرا إلى أن السفن الروسية كانت تجري "تمرين مدفعي" في مكان قريب، وهو "ليس من غير المألوف أن يقوم به الروس" في تلك المنطقة

وكانت في منطقة الحادث ما يصل إلى 20 طائرة روسية في الجو بالقرب من سفينتهم،  وتُظهر لقطات الفيديو للحادث التي شاركها الطرفان تحليقات جوية قريبة من قاذفات Su-24M ومقاتلات Su-30SM وطائرة Forpost بدون طيار وطائرة Be-12 البرمائية،  ومع ذلك، لا تزال لندن الرسمية تنفي استخدام القنابل الجوية من قبلهم، بعد ذلك اضطر قبطان المدمرة Defender البريطانية الى كشف تفاصيل حادثة خرق سفينته حدود روسيا البحرية، قبالة سواحل شبه جزيرة القرم،  وأكد  وينسنت أوين، لصحيفة "ديلي ميل" التي يتواجد مراسلها على متن المدمرة Defender، أن قوات للجيش الروسي أطلقت طلقات تحذيرية بعد اقتراب السفينة من سواحل القرم، على الرغم من نفي الحكومة ووزارة الدفاع البريطانيتين ذلك، وقال أوين: "اقتربت لأقرب مسافة خلال حياتي المهنية المستمرة منذ 21 عاما من سفن روسية، وأرجح أن الطلقات أطلقت من إحدى سفن خفر السواحل" الروسية، وأكد أيضا تحليق كثير من الطائرات الروسية، منها طائرة مسيرة، فوق السفينة، في حين أكد مراسل "ديلي ميل" على متن المدمرة، مارك نيكول، أن السفينة البريطانية لم تتجاوب مع المطالب الروسية المتكررة للامتناع عن خرق حدود البلاد.

الحادث وكما يبدو كان متعمدا ويهدف بالدرجة الأساس استفزاز وأصبح من الواضح أن استراتيجية الناتو في "حماستهم المعادية لروسيا" يمكنهم الذهاب بعيدًا، كما يقول نائب وزير خارجية روسيا الاتحادية ألكسندر غروشكو، الذي أشار أيضا  الى ان كل التهديدات في الجنوب، هذه محاولة لفرض جدول أعمال على روسيا لا ينبغي أن يكون، والنتيجة هي إضفاء الشيطنة السياسية على روسيا، وان من وجهة نظر عسكرية، هذا  لا يسع روسيا إلا أن يقلقها  مثل أي دولة مسؤولة، يجب أن تأخذ في الاعتبار أي خيارات لتطوير الأحداث، لذلك، ستتخذ روسيا جميع التدابير العسكرية والتقنية اللازمة لضمان ضمان مصالح أمنها بشكل موثوق.

وكخطوة جوابية تعمل وزارة الدفاع على إنشاء إجراء موحد لإجراءات الطيران الروسي ضد السفن التي تنتهك حدود الدولة،  وينص على استخدام أسلحة أخف للحد من مخاطر وقوع حوادث عسكرية خطير،  ويمكن أن يكون استخدام القنابل الجوية التقليدية خطيرًا للغاية، يمكن للحطام الناجم عن الذخيرة الثقيلة أن يطير على بعد مئات الأمتار ويسبب أضرارًا غير مقصودة، وبحسب  مصادر في الإدارة العسكرية، يُقترح التخلي عن استخدام القنابل الجوية لصالح صواريخ الطائرات غير الموجهة NAR) )، وعند العمل ضد المخالفين، فإن المهمة ليست تدميرهم، ولكن منع الأعمال غير القانونية،والتي  عادة ما يتم حل هذه المهام عن طريق خدمة الحدود والدفاع الساحلي. لكن تقنيتهم ليست مصممة لتحمل السفن الحربية الكبيرة والمسلحة جيدًا.

وهنا يبرز تساؤل مهم لماذا أقدمت بريطاني على مثل هذه " الاستفزاز "؟، والجواب هو ان في  بريطانيا،باتت روسيا تعتبر "التهديد رقم واحد"، وأصدرت وزارة الدفاع في البلاد مثل هذا البيان قبل قمة مجموعة السبع التي عقدت في المملكة المتحدة في يونيو، في محاولة من  لندن توحيد حلفائها لمواجهة موسكو،وتسعى   بريطانيا نفسها جاهدة لتصبح الخصم الرئيسي لروسيا، وأشار  وزير الدفاع البريطاني بن والاس الى ان  الغواصات الروسية تزور بانتظام مياه المملكة المتحدة وتدور على طول ساحل بريطانيا العظمى بأكمله، وان موسكو نفذت  "عددًا من العمليات التي تستهدف المملكة المتحدة بشكل متعمد، وانه وخلال السنوات الثماني الماضية، سجلت بريطانيا ما لا يقل عن 150 حالة اكتشاف سفن روسية،  وألقى والاس باللوم على موسكو في تصاعد التوترات، وشدد على أن موسكو هي "العدو الذي يشكل التهديد رقم واحد، لذلك، تعتبر لندن من أولوياتها تعزيز الوجود العسكري البريطاني في البحر الأسود وبحر البلطيق، وتخطط السلطات البريطانية لجعل إحدى القضايا الرئيسية للاحتواء الجماعي لروسيا، وستعمل لندن على زيادة القدرة النووية للبلاد بأكثر من 40٪.

وبناءا على ما تقدم فان المملكة المتحدة تستخدم  روسيا كأداة، كذريعة، كمورد للتأثير على الوضع السياسي المحلي، وتوجيه التدفقات المالية، وتعزيز مكانة البلاد في العالم ككل، وكما تقول ناتاليا إريمينا، دكتوراه في العلوم السياسية، أستاذة جامعة بطرسبورغ، فان  "المباراة ضد روسيا مريحة للغاية، ولا تعاقب عليها موسكو،من خلال اتهام روسيا، يمكنك توجيه التدفقات المالية لتحديث مجموعة الأدوات العسكرية-السياسية  "، كما إن الموقف المناهض لروسيا يساعد لندن في الحفاظ على مكانة أقرب حليف لواشنطن، وبالنسبة لبريطانيا، بالنظر إلى خروجها  من الاتحاد الأوروبي، فإن هذا مهم بشكل خاص، وهي تحاول ان  تضع نفسها كدولة قوية تتخذ مواقف صارمة ومتناسقة معادية لروسيا بالمقارنة مع ألمانيا وفرنسا على سبيل المثال وتشكل جانبا من الصراع مع موسكو.

كما بدأ في المملكة المتحدة الحديث لأول مرة عن حرب المعلومات وتشكيل مركز للأمن السيبراني مناهض لروسيا، وإن دول الاتحاد الأوروبي تنظر إلى تجربة بريطانيا وتتعاون معها في هذا الشأن،  وهذا يسمح للندن باللعب في رفع مكانتها ورفع معدلات الفائدة والتمويل في هذا المجال،ووفقًا لأندريه كورتونوف، المدير العام لمجلس الشؤون الدولية الروسي (RIAC)، كانت سياسة لندن المعادية لروسيا رد فعل إلى حد كبير على موقف إدارة الرئيس الأمريكي جوزيف بايدن الذي يظهر من وجهة نظر  نهجا متوازنا إلى حد ما في العلاقات مع موسكو. تبين أن مكان الخصم الرئيسي لموسكو شاغر، وليس من المريح جدًا أن تنجذب بريطانيا إلى مواجهة مع الصين، فهناك الكثير من التجارة والاستثمارات، وهذه متعة باهظة الثمن، لذلك أبدت بريطانيا استعدادها للتعاون مع بكين بكل السبل الممكنة، وتقليديا، يوجد موقف نقدي تجاه روسيا في الإجراءات الملموسة وتلك المبادرات التي تطرحها لندن الآن.

أن رد الفعل الروسي الصارم على ما حدث قد يكون محاولة لترسيم حدود صعبة، أو منع التعاون العسكري المتنامي بين أوكرانيا وحلف شمال الأطلسي، ولا سيما نشاط قوات كييف وحلف شمال الأطلسي بالقرب من الحدود البحرية الروسية، وان رد فعل الكرملين يعطي إجابة لا لبس فيها تتمثل في أن موسكو لن تتسامح مع أي تحديات للوضع الحالي لشبه جزيرة القرم، عسكرية كانت أو دبلوماسية، كما أن رد فعل روسيا  يتطابق مع الموقف الذي عبر عنه الرئيس الروسي في مقال لصحيفة "Zeit" الألمانية، حيث وصف بوتين، الناتو بأنه "من مخلفات الحرب الباردة" التي "قوضت" الأمن الأوروبي.

 

د. كريم المظفر

 

 

قاسم حسين صالحيثبت واقع الصحافة العراقية ان ابرز ثلاث جرائد حققت حضورا بعد التغيير (2003) هي (الصباح) و(الزمان) و(المدى).. ومع تشابهها في امور كثيرة، فانها تختلف في امور كثيرة ايضا اهمها ثلاثة:

الأول: الصباح.. جريدة رسمية تابعة للحكومة، فيما المدى ملكية خاصة لصاحبها السيد فخري كريم، والزمان ملكية خاصة لمؤسسها السيد سعد البزاز.

والثاني: الزمان أسبق في صدورها من الصباح، فالأولى صدرت في لندن (10 نيسان 1997 )، والثانية صدرت في بغداد (20/5/2003.) وكان صدورها مرتبكا في أيامها الأولى، اذ صدر العدد الأول في 20 /5، والثاني في 24/5 وحمل الرقم (3) بدلا من الرقم (2)، ما اوحى انها تصدر مرتين في الأسبوع، لكن الحقيقة انها كانت تخضع لقرارات رؤساء تحرير بأمزجة مختلفة، فيما لم يحصل هذا لجريدتي الزمان والمدى.

والثالث: تدفع الصباح مكافئات لكتّابها، فانا كنت اتقاضى مكافأة على اعدادي صفحة كاملة ملونة بعنوان (حذار من اليأس) استمرت ثمان سنوات، وكذلك المدى ايضا كانت تدفع مكافئات، اذ كنت اتقاضى مكافأة على تحرير صفحة كاملة بعنوان (الأنسان والمجتمع).. فيما لا تدفع الزمان شيئا. 

ولسنا هنا في مجال المقارنة بين اوسع الجرائد العراقية انتشارا (الصباح، المدى، الزمان) التي تتشابه كثيرا في ابواب الموضوعات لاسيما الثقافية وتختلف كثيرا في التعامل مع الأحداث لاسيما السياسية، بقدر ما هي مناسبة لصدور العدد (7000) من جريدة الزمان.

الزمان.. ومحنة العراقيين

يتحدد تقويم كل جريدة بدورها في أداء وظائف الصحافة التي تتنوع وتتغير بتنوع وتغير المراحل التاريخية للبلد الذي تصدر فيه وما يحصل من أحداث في العالم، وبنوع النظام السياسي والاجتماعي والأقتصادي، وبمستوى الوعي الحضاري للفرد والمجتمع.

فما حصل في العراق على مدى اربعين سنة يدفعنا لطرح هذا التساؤل:

لماذا، من دون كل بلدان المنطقة وشعوبها، يدّمر العراق، ويصبح أهله بين قتيل ومهاجر ومهجّر، ومرعوب يمشي معه الموت كظلّه، وجائع لا يجد قوت يومه، وفاقد للكهرباء في حرّ تموز، وعائش في حياة بائسة وعمر متعوس؟. ولماذا كل كوارث العالم تنتهي، ويبدأ الناس حياة جديدة .. فيما فواجع العراقيين لا نهاية لها، ومحنتهم ليس لها آخر ؟ .حتى البلدان التي استقلت بعدنا بربع قرن " الإمارات مثلا " والبلدان الفقيرة " الأردن مثلا " وتلك التي كان أهلها بدوا ونحن أهل الحضارات!.. الوطن فيها معافى والناس فيها بخير.. إلا العراق .. الوطن فيه خراب والناس فيه بحال تعدّى اللامعقول والجنون. فلماذا يجرى هذا للعراق والعراقيين؟!

وكان على الصحافة العراقية ان تمارس دورها من هذه المحنة.. التي ما يزال العراقيون يعيشونها.

الزمان.. بين عشر وعشر

كانت الزمان قد وصفت في السنوات العشر الأولى بعد التغيير بانها (طائفية، بعثية، ممولة من دولة عربية..) فابتعد عنها كتّاب كثيرون بينهم أنا، الذي كنت ابعث بين الحين والحين مقالات ثقافية خالصة، واعتمد (المدى) التي نشرت لي اكثر من سبعمئة مقالا.

لكن السنوات العشر الثانية اثبتت فيها (الزمان) انها منحازة للمواطن والوطن لاسيما وقوفها مع شباب انتفاضة تشرين وتغطيتها لاحداث ساحات التحرير في بغداد وذي قار والبصرة . ويحسب لها انها التزمت بالأخلاق المهنية للصحافة بعدم المساس بكرامة الاشخاص والامانة في نقل الأحداث.

وبرغم ما يوجّه لها من اتهامات، التي تكثر في زمن الفوضى والاحترابات، اثبتت الزمان انها كانت جريئة في التعامل مع اخطر ظاهرة.. الفساد.. الذي شاع كما لو كان وباءا، بل صار اخطر من كورونا لأنه لا لقاح له الا بالثورة.. التي حصلت وأبطلت مفعوله عمامة!.

وللزمان دور مؤثر في تاسيس وعي ثقافي جديد. فما حصل ان الثقافة العراقية في الزمن (الديمقراطي) تراجعت بعد التغيير (2003) مقارنة بما كانت عليه في الحكمين الملكي والجمهوري الأول. فما عاد الناس تنشغل بالثقافات الأدبية والفنية، وجرى تهميش دور المثقف العراقي الذي يؤمن بالتحديث وترصين دور العقل، برغم وجود عدد كبير من الفضائيات والصحف والمجلات والاحزاب السياسية والدينية، فضلا عن حقيقة سيكولوجية هي أن الثقافة التي تنمو في اجواء صراع سياسي وعنف اجتماعي، تنحرف عن مهمتها في اذكاء الوعي والابداع والقيم الحضارية واشاعة السلوك المهذب بين الناس.. غير ان الزمان استطاعت ان يكون لها حضور ثقافي برغم هذه التحديات، بدليل ان مفكّرين وكتّابا معروفين يرفدونها بمقالات متعددة الرؤى تشيع ثقافة النقد والحوار وتحترم الرأي والرأي الآخر.. وباستقطابها هذا الكمّ النوعي من الكتّاب فان(الزمان ) تعيش الآن زمانها.

عليكم بالسيكولوجيا

ما نتمناه، ان تولي الزمان اهمية لاشاعة الثقافة السيكولوجية التي لا يكترث بها العراقيون ولا يقلّبها السياسيون مع ان اغلبهم تتحكم به عقد نفسية لها الدور الفاعل في استمرار انتاج الأزمات وايذاء الآخرين.. من اخطرها ان القادة السياسيين وكثير من العراقيين مصابون بـ (الحول العقلي) وهو مصطلح جديد كنّا نحتناه في علم النفس العربي ليصف واقع الحال الذي عاشه ويعيشه العراقيون بعد 2003.. ونقصد به تحديدا، ان المصاب بهذا الحول يرى الايجابيات في جماعته ويغمض عينه عن سلبياتها، ويضخّم سلبيات الجماعة الأخرى ويغمض عينه عن ايجابياتها.. وكما يرى احول العين الواحد أثنين ولا يمكنك ان تقنعه انه واحد، كذلك احول العقل يرى ان جماعته على حق والأخرى على باطل، وان هذه الأخرى هي سبب الأزمات مع ان جماعته شريك فيها .ولم يدركوا ان المجتمع العراقي صار بعد التغيير متشظيا وان الطرق المؤدية الى الثار واخذ الحيف والاحتراب الطائفي فتح مجلس الحكم بواباتها امام جموع تحكمت بثلثيهم سيكولوجيا المظلومية وبالثلث الاخر سيكولوجيا الاحتماء، وان الديمقراطية تصاب بالرعب في مجتمع تسوده سيكولوجيتان بقانون جاهلي. بل ان سيكولجيا (المعارضة-الضحية) صورت لهم ان العراق وطنهم فقط ومن يعارضهم يستحق القتل، بدليل انهم تعاملوا مع شباب انتفاضة تشرين كما لو كانوا غزاة أعداء! فقتلوا المئات واعاقوا وجرحوا الآلاف في سابقة ما حصلت بتاريخ العراق والمنطقة، في مفارقة.. أن معظم شهداء شباب انتفاضة تشرين، كان آباؤهم قد انتخبوا من قتلوا ابناءهم!.

خالص التهاني والتمنيات بالموفقية للزميلين الدكتور احمد عبد المجيد وفاتح عبد السلام، واجمل ما نتمناه لجريدة الزمان .. ان تبقى عراقية النكهة!.

 

أ. د. قاسم حسين صالح

 

 

عبد الحسين شعبانكان الخبر الأبرز في القمة الروسية - الأمريكية التي التأمت في فيلا "لا غرانج" التاريخية في جنيف هو: لا حرب باردة جديدة بين البلدين، وهو ما صرّح به بايدن، مشيراً "أنّ مثل هذه الحرب لا تصّب في مصلحة أحد"، وهذا يعني أنّ آفاقاً جديدة بدأت تأخذ طريقها إلى تحسين العلاقات بين الدولتين العظميين، والتي شهدت "حرباً باردة" متصاعدة و"صراعاً أيديولوجياً" حاداً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وانفضاض التحالف المعادي للفاشية والنازية، إلى نهاية الثمانينيات، حيث تهاوت الأنظمة الاشتراكية بلداً بعد آخر، وانهار الاتحاد السوفيتي السابق في نهاية العام 1991 منشطراً إلى 15 دولة، بعضها أصبحت حليفة للغرب وعضواً في حلف الناتو و عدواً شديداً لروسيا. وكان الجانبان قد اتفقا مسبقاً على عدم توقيع أيّة وثائق في ختامها. واكتفيا بمؤتمرين صحفيين منفردين.

وصرّح بايدن خلال مؤتمره الصحفي أنّ علاقات موسكو مع واشنطن يجب أن تكون مستقرة وقابلة للتنبؤ. وعلى البلدين إيجاد مجالات للتعاون وفقاً لقواعد أساسية يلتزم بها البلدان. وكانت العلاقات الروسية - الأمريكية قد شهدت توتراً شديداً إثر شنّ بايدن حملة شعواء قبل أسابيع من لقاء قمّة جنيف ضد روسيا، متهماً رئيسها بالفاشل، وقبلها اتهمه بالقاتل، الأمر الذي أدّى إلى عودة السفير الروسي أناتولي أنطونوف لدى واشنطن إلى موسكو للتشاور في مارس/آذار 2021 في حين غادر السفير الأمريكي جون ساليفان موسكو بعده بشهر واحد، لكن بايدن خلال المباحثات أكدّ لـ بوتين أنّ أجندة الولايات المتحدة ليست معادية لروسيا، لكن أيّ رئيس أمريكي لن يكون قادراً على الحفاظ على ثقة الناخبين الأمريكيين إن لم يبذل جهوداً للدفاع عن الديمقراطية، وفي جواب لأحد الصحافيين قال: المسألة تتعلق بالمصالح.

واتفق الرئيسان على تطبيع العلاقات وإعادة السفيرين إلى كلِّ من واشنطن وموسكو، والبحث في الخطوات اللاحقة في مجال الرقابة على الأسلحة بهدف خفض مخاطر نزاع غير متعمّد، وهذا ما سيتم بحثه في إطار حوار ثنائي، تمهيداً لاتفاق شامل واستراتيجي حول الرقابة على الأسلحة. وقد شملت المباحثات أهمية التمديد الأخير لمعاهدة الحدّ من الأسلحة الهجومية - الاستراتيجية (ستارت 3).

وناقش الرئيسان موضوع الأمن السيبراني والاتهامات الأمريكية القديمة - الجديدة  فيما يتعلق بالهجمات السيبرانية، التي تقول واشنطن أنّ هناك من يقف وراءها من داخل روسيا. وأعلن بايدن أنّه سلّم نظيره الروسي 16 قطاعاً حيوياً (الطاقة وإمدادات المياه وغيرها...) التي لا يمكن المساس بها وأنّ الولايات المتحدة لن تتسامح مع محاولات الاعتداء على سيادة الديمقراطية الأمريكية، وستردّ على أيّة  محاولة للمساس بمصالحها أو مصالح حلفائها، وهي تمتلك القدرات الضرورية لذلك، ولمّح إلى حقول النفط الروسية وماذا سيكون ردّ فعل بوتين لو هوجمت سيبرانياً؟

وتطرقت المحادثات إلى الملف الأوكراني الذي أكدّ بايدن دعم بلاده لسيادة أوكرانيا، في حين أكد بوتين التزامه باتفاقيات مينسك للتسوية الأوكرانية، كما أبدى بايدن قلقاً بشأن الوضع في بيلاروسيا.

أمّا بالنسبة للشرق الأوسط، فقد اتفق الرئيسان على فتح ممرات إنسانية في سوريا لنقل المساعدات الغذائية، وعدم تمكين إيران من الحصول على الأسلحة النووية، وبحثا تطورات الوضع في أفغانستان لمنع انتعاش الإرهاب بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان والاتفاق مع حركة طالبان (فبراير/شباط 2020) وعرض بوتين المساعدة على بايدن في هذا المجال.

أمّا بشأن حقوق الإنسان فقد جرى التطرق إلى مصير الروس المعتقلين في السجون الأمريكية، إضافة إلى استثمار منطقة القطب الشمالي ومنع عسكرتها وكذلك احترام حقوق الإنسان في روسيا ومسألة المعارض الروسي أليكسي نافالني، حيث لفت بايدن الانتباه إلى أن عواقب وخيمة ستحدث إذا توفي في السجن، وكان نافالني قد أدين بتهمة اختلاس أموال قبل سنوات عديدة وخفّض الحكم مع وقف التنفيذ، وأيضاً دعا بايدن إلى إطلاق سراح المستثمر الأمريكي مايكل كالفي المحكوم بالسجن في روسيا، وربط ذلك بمصير استثمارات أمريكية واسعة في روسيا.

وكان الرئيس الأمريكي قد حقق بعض أهدافه قبل لقاء قمة جنيف بانعقاد قمّة الدول السبع الكبرى، حيث وضع المواجهة الصينية في مقدمة أولويات التحالف الغربي، خصوصاً بعد ترميم العلاقات الأمريكية - الأوروبية التي تزعزعت خلال فترة إدارة الرئيس دونالد ترامب. ووضع زعماء الدول السبعة مشروع "بناء عالم أفضل" في مواجهة سياسة الصين، لاسيما بمساعدة الدول الفقيرة، وهي خطة قد لا ترتقي إلى خطة "الحزام والطريق" التي قطعت الصين شوطاً غير قليل في تنفيذها.

وعلى الرغم من أن بايدن وهو يواجه بوتين كان يضع نصب عينه التحالف الصيني - الروسي، فإنه في الوقت نفسه يعرف أنّ الصين أكبر مُصدّر لأوروبا وثاني مستورد منها، فهل سيكون الاتحاد الأوروبي على استعداد للانضمام إلى واشنطن في المواجهة الاقتصادية المحتملة أو حرب باردة جديدة مع الصين بدلاً من روسيا؟

 

عبد الحسين شعبان

 

محمود محمد عليفي أوائل ثمانينيات القرن الماضي تبنت بعض أقسام الدراسات الإنسانية والعلوم الاجتماعية فلسفة ما بعد الحداثة – وهو اتجاه رافض بشكل أو بآخر التراث العقلاني لعصر التنوير، عن طريق بحوث نظرية ليس لها صلة بالعمل التجريبي، وبمعرفة ثقافية نسبية تنظر للعلم علي أنه لا شئ أكثر من رواية أو أسطورة، أو بنية اجتماعية وسط أشياء أخري كثيرة .

ورداً علي هذه الظاهرة كتب عالم الفيزياء الشهير بجامعة نيويورك "آلان سوكال" Alan Sokal ورقة بحثية في مجلة "النص الاجتماعي" Social Text (للدراسات الثقافية وما بعد الحداثة) الأمريكية سنة 1996، بعنوان (تجاوز الحدود: نحو تأويلات تحولية للثقل النوعي للكم)، وهو عبارة عن محاكاة تهكمية لما يسمي ما بعد الحداثةpostmodern theory، حشاها بشكل مكثف باقتباسات واستشهادات، ومقتطفات موثقة مأخوذة من مؤلفات مجموعة من المفكرين البارزين الفرنسيين والأمريكيين، ولم يفطن المشرفون علي المجلة إلي الخدعة، ونشروا الورقة باعتبارها تسير مع خط ما بعد الحداثة .

وعندما اطلع عدداً من العلماء وغير العلماء علي الملف الذي يحتوي علي هذه المقتطفات، بدأوا يقتنعوا أن ورقة سوكال تستحق النشر لجمهور أكبر، وعندما نشرت الورقة راح سوكال يعلن عن هذه الخدعة في صفحات الجرائد والمجلات والقنوات التليفزيونية؛ وبالأخص قناة الـ CNN.

وعلي غرار ألان سوكال وجدنا الأستاذ الدكتور عصام حجي- عالم الفضاء المصري، والذي كان يشغل منصب مستشار الرئيس المصري السابق عدلي منصور، يدبش لنا بحثاً نظرياً عن السد الإثيوبي وآثاره السيئة على موازنة مصر المائية في خلال أعوام الملئ، مع دراسة للأثار المتوقعة على مصر في حالة عدم معالجة العجز والوصول لاتفاق مشترك لخطة التخزين؛ وقال الدكتور عصام حجي:" إن مصر ستواجه عجزاً مائياً متوسطاً يقارب 31 مليار متر مكعب سنوياً (40% من الموازنة المائية الحالية لمصر").

وأشار حجي إلى أن البحث يقيم فاعلية الحلول المقترحة لسد العجز المنتظر ومنها مخزون السد العالي وإعادة تدوير المياه وتطوير وسائل الري والمياه الجوفية. مشدداً على أن مصر سوف تتخطى هذه الأزمة ولكن بثمن باهظ سيجعلها أكثر هشاشة أمام أزمات مائية وبيئية أخرى تلوح في أفق قريب. كذلك قال حجي إن المستثمرين المتعطشين للربح السريع والذين يقفون وراء هذا المشروع لإنتاج طاقة لهم العديد من البدائل بينما نهر ليس له بديل، وهم مسؤولون مسؤولية تامة عن الكارثة التي يمكن أن تحل ليس فقط بمصر بل بكل المنطقة، علاوة عن تدمير نهر هو مهد الحضارة الإنسانية وإرث للبشرية جمعاء.

وقد أوضح حجي أن البحث يقدر متوسط إجمالي العجز السنوي للمياه القادمة إلى مصر بأنه سيبلغ حوالي 31 مليار متر مكعب سنوياً؛ وهو ما سيتجاوز 40% من إجمالي مخزون مصر من المياه حالياً، وذلك مع أخذ التسرب بين الصخور المتصدعة أسفل وحول خزان سد النهضة في الاعتبار. وأوضح حجي أنه يمكن معالجة العجز المائي لدى مصر من خلال تعديل تشغيل السد العالي، وإعادة تدوير المياه، والتوسع في عمليات استخراج المياه الجوفية، واعتماد سياسات جديدة لزراعة المحاصيل.

كذلك قال حجي إن المستثمرين المتعطشين للربح السريع والذين يقفون وراء هذا المشروع لإنتاج طاقة لهم العديد من البدائل بينما نهر ليس له بديل، وهم مسؤولون مسؤولية تامة عن الكارثة التي يمكن أن تحل ليس فقط بمصر بل بكل المنطقة، علاوة عن تدمير نهر هو مهد الحضارة الإنسانية وإرث للبشرية جمعاء.

كما أوضح حجي أن البحث يقدر متوسط إجمالي العجز السنوي للمياه القادمة إلى مصر بأنه سيبلغ حوالي 31 مليار متر مكعب سنوياً؛ وهو ما سيتجاوز 40% من إجمالي مخزون مصر من المياه حالياً، وذلك مع أخذ التسرب بين الصخور المتصدعة أسفل وحول خزان سد النهضة في الاعتبار؛ علاوة علي أنه يمكن معالجة العجز المائي لدى مصر من خلال تعديل تشغيل السد العالي، وإعادة تدوير المياه، والتوسع في عمليات استخراج المياه الجوفية، واعتماد سياسات جديدة لزراعة المحاصيل.

وقد توصل حجي من خلال هذه الدراسة إلي نتائج، من أهمها: تراجع الرقعة الزراعية بنسبة قد تصل الى 72٪، ووصول معدل البطالة الى نسبة قد تصل الى 25٪، وانخفاض الناتج القومي للفرد بنسبة قد تصل الى 8٪، بالإضافة إلي عجز مائي متوسط يقارب 31 مليار متر مكعب سنويا (40٪ من الموازنة المائية الحالية لمصر)، والبحث يقيم فاعلية الحلول المقترحة لسد العجز المنتظر ومنهم مخزون السد العالي و اعادة تدوير المياه وتطوير وسائل الري والمياه الجوفية.

والبحث قد نشر في مجلة Environmental Research Letters، بجامعة كاليفورنيا، بالتعاون مع جامعة كورنيل ووكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، وقد نشر البحث في يوم الأحد 13 يونيو/حزيران 2021، وإجراء بحث بجامعة لا يعني أن الجامعة مسئولة عنه، ولكن البحث يكون الباحث مسئول عنه، وتقوم الجامعة بنشره حالة استيفاءه لشروط البحث.

وهذا البحث كان نوعا من حروب العلم، والدليل علي ذلك أن هذا البحث قد أنفقت عليه بعض الجهات القطرية والتي شكرها حجي في نهاية بحثه، فالبحث افترض أشياء غير منطقية، حيث أفترض أن هناك 15 مليار متر مكعب تسريب، و5 مليارات متر مكعب نقص في حصة مصر من مياه النيل سنويًا.

علاوة علي أن عصام حجي، تخصصه علوم فلكية وليس له علاقة من قريب أو بعيد بالمياه، فالبحث بدأ بعبارات سياسية مغرضة، حيث تحدث عن أن مصر والسودان يعتمدوا على اتفاقيات استعمارية أعطت حقوق لمصر والسودان في مياه النيل، فهذه الاتفاقيات تاريخية وسارية ولا يصح وصفها بالاستعمارية، وإنما هذا التعبير تستخدمه إثيوبيا.

إن بحث عصام حجي عن السد الإثيوبي لا يعد بحثا علميا حقيقيا، لأن صاحبه اعتمد على دراسات سابقة، وبالتالي فهو بحث نظري قائم علي افتراضات خيالية، والدليل علي ذلك الصور الموجودة في البحث والخاصة بشكل الدلتا فهي صور من الإنترنت، وليست حقيقية، والصورة الحقيقية تظهر اتساع الرقعة الزراعية وليس تناقصا بالرغم من التعدي على الأراضي الزراعية، وذلك بسبب المشروعات الزراعية الجديدة.

وثمة نقطة مهمة نود أن نبرزها هنا، وهي أن الدكتور عصام حجي له موقف داعم لجماعة معينة وتم تكليفه بإجراء هذا البحث برعاية فطرية كما ذكرنا، والبحث كان قد أجري منذ فترة طويلة ولكنه لم ينشر إلا في هذا التوقيت بالذات، مما يدل علي أنه دراسته هي نوع من حروب العلم، ومن ثم فهي دراسة لا تكتسب مصداقية البحث العلمي بدليل أن مضمون دراسة عصام حجي بها عدة أخطاء، حيث أنه تحدث في الدراسة عن النيل الأزرق، وليس نهر النيل واقتصر فيها على مصر فقط بدون السودان، وأوضح حجي أن إثيوبيا ستأخذ كافة احتياجاتها وتصل المياه لمصر في نهاية الانحدار، وهو ما يؤكد على أن إثيوبيا لا تسعى إلا للكراهية؛ وخاصة عندما اقتصرت الدراسة على مصر فقط دون السودان، وأن إثيوبيا تأخذ كافة احتياجاتها وتصل المياه لمصر في نهاية الانحدار.

ولهذا فإننا لا نخجل من القول (مع الكثير من الباحثين المتخصصين في المياه من أمثال الدكتور نادر نور الدين والدكتور عبد الله شراقي) بأن دراسة الدكتور عصام حجي حول سد النهضة تعد بحث مكتبي لم يصل للعينات ولا للجانب الإثيوبي، وأن هذا البحث مسيس وقائم علي فكرة المناورة، والإدواجية، والتثور اللا إرادى.

وفي نهاية هذا المقال لا أملك إلا أن أقول بأن الأيام دوارة، والتاريخ له مكر عظيم، وقد أثبتت الأيام أن كل نظريات هؤلاء البشر من أمثال عصام حجي، تعرت نواياهم، وصاروا كروتاً محروقة، فى عيون كل المصريين.. وأصبح مصطلح الحفاظ على الأمن القومى للأوطان، بكل الوسائل، هو الهدف الأسمى والوحيد فقط..!!

 

أ. د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

جورج كتنمن المعروف ان النظام السياسي الاميركي هو النظام الديمقراطي الاول في العالم ، فحسب الدستور الاميركي الذي صدر عام 1789 فإن غالبية ممثلي الشعب المنتخبين تتولى السلطة الرئاسية والتشريعية. وخلال ال 223 سنة التي مضت منذ تطبيقه لم يتم تعديل بعض بنوده سوى 27 مرة كان آخرها في العام 1992، اي بمعدل تعديل واحد كل حوالي 9 سنوات، فيما ان ديمقراطيات اخرى في العالم غيرت دساتيرها بالكامل عدة مرات خلال فترة اقل بكثير تبعا للتطور السياسي لهذه البلدان وللتطور العام لحقوق الانسان في العالم. التعديلات الدستورية الاميركية لم تتناول جميعها مواد اساسية تتعلق بنظام الحكم، سوى عدد محدود ومن اهمها: التعديل ال13 عام 1865 الذي الغى العبودية، والتعديل ال19 في العام 1920 الذي اعطى للمرأة حق الترشح  والتصويت، فيما كانت الحقوق قبل ذلك مخصصة للذكور البيض فقط. 

حسب التجربة الانسانية لا يوجد حتى الآن ديمقراطية كاملة مئة بالمئة وعلى الاغلب لن يوجد في المستقبل، فالديمقراطية مسألة نسبية تختلف من بلد لآخر ومن زمن لآخر. فالتطور الانساني على مدى العصور والحاجات الانسانية المتغيرة باستمرار يضع تعديلات دستورية ضرورية على جدوال اعمال التغيير لتلبية هذه الحاجات. وهذا ينطبق بشكل جلي، ويزداد وضوحا مع الزمن في حالة النظام الديمقراطي الاميركي الذي يعاني من ثغرات تؤثر سلبا على العملية الديمقراطية الممارسة حسب دستور لم يعد، بعد حوالي قرنين ونصف، في بعض جوانبه مناسبا للحكم الديمقراطي الاميركي الفيدرالي. واذا كان هذا النقص يلقى حاليا اهتماما وعملا دؤوبا للتغيير من النخب السياسية الاميركية، فهو يلقى عدم اهتمام او فهم مشوه من نخب مشرقية تتراوح بين انكار الديمقراطية الاميركية ودورها عالميا، وبين نقص الالمام بثغراتها التي سنتناول بعضها.

يكرس التقليد السياسي الأمريكي حكم الأغلبية، مع التشديد على حقوق الأقلية. لكن النخب الاميركية الديمقراطية تتساءل عما إذا كان هذا ما يزال صحيحا، فعدد الديمقراطيين الذين يقولون إن النظام ينزلق نحو حكم الاقلية يزداد باستمرار. فنظام الانتخابات الرئاسي الغير مباشر من قبل الشعب يتم على مرحلتين، الاولى انتخاب شعبي مباشر والثانية انتخاب الرئيس من خلال ما يسمى Electoral College "المجمع الانتخابي"، حيث تسمح القوانين لهذه الهيئة غير المنتخبة، والمعينة من قبل المرشح الرئاسي بنفسه، بمنحه أصواتهم. عمل المجمع الانتخابي بشكل مقبول نسبيا كما اراده "الآباء المؤسسون" للدستور من قرنين ونصف لتأمين دور للولايات في انتخاب الرئيس الى جانب الدور الشعبي العام، حيث ان 41 رئيسا من اصل 46 حصلوا على الاغلبية في التصويت الشعبي العام، حصلوا ايضا على الاغلبية في "المجمع الانتخابي"، فيما عدا 5 رؤساء.

اثنان من الرؤساء الخمسة نجحوا في العشرين سنة الماضية رغم انهم لم يحصلوا على الاغلبية الشعبية لكنهم حصلوا على اغلبية المجمع.  فقد نجح جورج دبليو بوش عام 2000 على منافسه الديمقراطي آل غور الذي حصل على نصف مليون صوت زيادة عن بوش في التصويت الشعبي. كما فاز ترامب عام 2016 على هيلاري كلنتون باصوات المجمع رغم انها حصلت على ثلاثة ملايين صوت اكثر منه في التصويت الشعبي. وكان يمكن لترامب ان يفوز على بايدن عام 2020 فيما لو نجح في ولاية اخرى او ولايتين رغم ان بايدن حصل على حوالي ستة ملايين صوت زيادة في التصويت الشعبي. هذه الملايين الزيادة والتي تشكل الاغلبية تبدو كأنها غير محسوبة  وذهبت سدى، فيما الانتخاب المباشر للرئيس يعطي وزناً متساوياً لجميع الأصوات. مما دعا تيار يتسع باطراد يطالب بالغاء المجمع من الدستور والاعتماد على الانتخابات الشعبية المباشرة لتصحيح هذا الخلل الذي ينصب رئيسا لم يحصل على اغلبية اصوات الشعب.

في مجلس الشيوخ ايضا هناك انزياح كامل للتمثيل بحجة الدفاع عن حقوق الولايات الصغيرة ذات العدد القليل من السكان، فهناك ولايات عدد سكانها اقل من مليون ولها ممثلان في مجلس الشيوخ مثلها مثل ولايات تعدادها يفوق ال30 مليونا.  في وقت التأسيس كان ذلك معقولا نسبيا اذ  كانت أكبر ولاية 13 ضعف حجم أصغر ولاية. اما اليوم  فأكبر ولاية 70 ضعف حجم أصغر ولاية، لذلك فإن بضع مئات الآلاف من الأشخاص في ولاية وايومنغ مثلا يتمتعون بنفس قوة عشرات الملايين من الأشخاص في كاليفورنيا أو نيويورك. في الوقت الحالي ينقسم مجلس الشيوخ بالتساوي بين الحزبين الرئيسيين، لكن أعضائه من الحزب الديموقراطي الخمسين يمثلون 41.5 مليون شخص زيادة عما يمثله ال 50 عضو جمهوري في المجلس. هكذا فالنظام المصمم لحماية حقوق الولايات الصغيرة قد يتحول لحكم أقلية حزبية. سيزداد الفارق مع الزمن اذا استمرت التغيرات الديمغرافية الراهنة ليُتوقع انه بحلول عام 2040، سيتم تمثيل 70٪ من الأمريكيين من خلال 30 عضوًا في مجلس الشيوخ، و30٪ من الأمريكيين بواسطة 70 عضوًا. علما بأن مجلس الشيوخ له نفس اهمية مجلس النواب او اكثر احيانا، فمعظم القوانين تحتاج لتصديق المجلسين، فاذا مرت من مجلس النواب، فيمكن ان لا تمر من مجلس الشيوخ الذي بتركيبته يمكن لحزب يمثل أقلية متقلصة من الناخبين منع جميع التشريعات الرئيسية تقريبًا.

حتى لو لم يسعف الحزب تمثيله في مجلس الشيوخ فهناك طريقة اخرى توفرها القوانين لاقلية في المجلس وهي ما يسمى ال Filibuster اي الحق الذي يكفله القانون لكل عضو مجلس شيوخ لالقاء خطاب مطول عند بحث الموافقة على تشريع مقترح، وبذلك يمكنه منع طرحه للتصويت لانه لن يُسمح لاحد بايقافه عن الخطابة، وحتى اذا تعب فاعضاء آخرين من حزبه يواصلون مهمته لاستمرار اعاقة التصويت. ولا يمكن ايقاف الفلبستر الا بتصويت 60 من اصل اعضاء المجلس المائة. وهكذا فان اقلية من اعضاء مجلس الشيوخ تبلغ 41 عضوا يمكن ان تعطل مئات التشريعات التي تريدها الاغلبية في مجلس النواب او الشيوخ، وهذا ما يهدد به اعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون الذين يشكلون حاليا نصف المجلس. كمثال، هناك مشروع قانون للحد من تدخل المال في العملية الانتخابية، حصل على موافقة مجلس النواب منذ اسبوع وهدد اعضاء مجلس الشيوخ الجمهوريون بمنع تصديقه باستخدام "الفلبستر"!

حتى في مجلس النواب حيث من المفترض أن يكون التمثيل على أساس عدد السكان، ففي القوانين ما يسمى بال Gerrymandering  الذي يوفر فرصة  للحزب الذي يهيمن على الهيئة التشريعية للولاية  للتلاعب باعادة رسم خريطة الدوائر الانتخابية كل عشر سنوات بعد اجراء الاحصاء العام للسكان، وهذا يفسح المجال لتغيير التركيبة السكانية في الدوائر لتصبح مناسبة للحزب المهيمن في الولاية فيزيد تمثيله في الكونغرس. يقول الإصلاحيون إن النظام الأكثر ديموقراطية سيكون إنشاء المزيد من الدوائر والمزيد من التمثيل، او تحويل اعادة رسم الدوائر الانتخابية لهيئات حيادية مستقلة لا تمثل الاحزاب المهيمنة.

جميع هذه الثغرات، اذا استمرت وتوسعت، ستؤثر سلبا على النظام الديمقراطي الاميركي باضعاف حكم الاغلبية لصالح حكم اقلية، خاصة اذا اضفنا عامل مهم جدا في الانتخابات الاميركية حيث تُمكن القوانين المال الانتخابي الذي توفره الشركات الكبرى من لعب دور اساسي في فوز المرشحين الذين تدعمهم فيتبنون اصدار قوانين تخفض الضرائب التي تدفعها الشركات أوتسمح لها بالاستثمار في اي مجال حتى لو كان ضارا بالبيئة وله آثار سلبية على حياة السكان. وبذلك يوفر المال انتخاب ممثلين للشعب لولا اموال الشركات الطائلة لما حصلوا على الاصوات الكافية للفوز. القوانين الحالية لا تسمح باعطاء مبالغ بالملايين للمرشح مباشرة ولكنها لا تمنع الدعاية له في وسائل الاعلام التي تكلف الملايين، بحجة ان هذا حق للشركات الكبرى من ضمن حرية التعبير المضمونة في الدستور.

هذه الثغرات معروفة وتلقى اهتماما من غالبية كبيرة من الناخبين ومئات منظمات المجتمع المدني. ففي استفتاء شامل لمؤسسة غالوب وُجد ان 61% من الاميركيين يؤيدون الغاء "المجمع الانتخابي" فيما 35% مع الحفاظ عليه. واحد الحجج الاساسية لمعارضة التغيير الذي يستوجب تعديلات في الدستور الاميركي ان هناك تيارا واسعا محافظا يرى انه يجب الحفاظ على التراث الدستوري الذي تركه "الآباء المؤسسون!" دون تغيير، كنص يكاد يكون تابو مقدس لدى البعض رغم ان الزمن تجاوزه ولم يعد مواكبا لتطور المجتمع الاميركي، حتى ان بعض مواده اصبحت معيقة للديمقراطية التي هي بالاساس حكم الاغلبية. فضلا عن الصعوبة القصوى لاجراء التعديل، فان اقلية من ثلث زائد واحد في الكونغرس وربع زائد واحد من ممثلي الولايات تستطيع منع اي تعديل للدستور. فحتى يتم التعديل يحتاج  لثلثي أصوات الكونغرس بمجلسيه أي ثلثي ال534 صوتاً، ثم لموافقة ثلاثة أرباع السلطات التشريعية للولايات. 

حركة التغيير تتسع باطراد ونجاحها حسب رأيي يكاد يكون مضمونا لكون الدستور والقوانين الديمقراطية الاميركية تعطي حقوق اكيدة لحرية الرأي والتعبير عنه بجميع الوسائل المتاحة. ففي النهاية التغيير قادم ولكن كم من الوقت سيمضي ليتم تحقيقه؟ هذا ما هو متروك للزمن ليتم جلاؤه.

 

جورج كتن

21 حزيران 21 20

 

 

عبد الرضا حمد جاسمشهدت المرحلة الأولى من انتخابات الاقاليم في فرنسا يوم الأحد20.06.2021 مقاطعة كبيرة وبشكل ملفت عند السياسيين والصحافة لكنها غير ملفته بل متوقعة عند من ينظر للواقع حيث وصلت هذه المرة الى 66.75% بالمقارنة مع ما حصل في انتخابات عام 2015 حيث كانت (50.09%) أي بزيادة هذه المرة بلغت (16.66%) من عدد الناخبين الذين يحق لهم التصويت و البالغ عددهم (47.9) مليون ناخب... هذه الزيادة كما عبرت عنها الصحافة وعبر عنها المراقبون والمحللون السياسيون ملفته ودفعت البعض على اعتبارها تهديداً كبير للديمقراطية في فرنسا والبعض طالب بأن يكون السن الانتخابي من عمر 16 سنة بدل 18 سنة لرفد الديمقراطية بدماء مشاركين جدد تجديداً لحياتها...لكن في الحقيقة ان الانتخابات الإقليمية رافقها دائماً تدني المشاركة لأسباب كثيرة...ونسبة المقاطعة هذا العام غير ملفته لو نُظِرَ اليها وفق ظروف هذا العام والذي قبله أي تأثير جائحة كورونا على الحياة السياسية و المجتمعية و الاقتصادية، على الافراد والأحزاب والاقاليم والدولة والعالم وقبلها الاضطرابات السياسية والاحتجاجات الجماهيرية. كانت نسبة المشاركة في الانتخابات حتى منتصف النها (12.22%) لترتفع في النهاية الى (33.25%) ...وقيل عن عدم جودة خدمة الانتخابات حيث قيل ان(40) مركز انتخابي لم تفتح أبوابها في مرسيليا جنوب فرنسا وقيل ان هناك مراكز تأخر فتح أبوابها حتى منتصف النهار...شارك في هذه الانتخابات(15786) مرشح تنافسوا على (4108) مقعد وفي هذه الانتخابات حُرم الأوروبيين المقيم على التراب الفرنسي من التصويت بعكس السابقة حيث كان يحق لهم التصويت.

أهمية هذه الانتخابات عند السياسيين والغير المهمة كما يبدوا وهو ثابت عند الناخبين هي انهاء تأتي قبل عشرة أشهر من الاستحقاقات النيابية الرئاسة لذلك تم تسييس هذه الانتخابات المطلبية ان صح القول استعداداً للانتخابات الرئاسية فكل حزب اعتبرها تمهيد للانتخابات الرئاسية وظهر ذلك واضحاً من نشاط الرئيس ماكرون والذي تعرض خلال أحدها الى الصفع الذي ذَّكرنا بصفع الرئيس ساركوزي التي شتت مساعيه السياسية بالإضافة الى قضايا أخرى.

ماذا حصل:

أولاً: مقاطعة ثلثي عدد الناخبين حيث كانت 66.75% وهي اعلى نسبة مقاطعة في تاريخ الانتخابات الفرنسية: لكن لو تؤخذ بعموم الظروف نجد انها مقبولة حيث كانت في عام 2015 بحدود 50.09% والفارق 16.66%لا تعني شيء قياساً للوضع العام الصحي والاقتصادي والسياسي والنفسي العام للناخبين.

ماهي أسباب الامتناع او المقاطعة او العزوف عن المشاركة؟  الجواب كما أتصور هي:

1ـ عزوف النسبة العالية من الشباب حيث بلغت نسبة المنقطعين منهم كما قيل (84%) والسبب هو الانفتاح الاجتماعي الذي تلا الأغلاق الصحي الذي فرضته موجات كورونا... وانشغال الشباب الذي تعَّود على السهر والسفر والتنزه بعد اغلاق خَّلف حالات نفسية كبيرة وكثيرة في صفوفهم وفي المجتمع بشكل عام ومناسبة عيد الموسيقى الذي يكون في اول يوم من الصيف في 21حزيران من كل عام حيث النشاطات والاستعدادات على قلتها و بساطتها هذا العام قياساً للأعوام السابقة (ما قبل كورونا) تجري خلال أيام ما قبل العيد والذي وقع فيها يوم الانتخاب...رغم ان الاحتفالات لم تصل الى ذروتها لكثير من الأسباب منها عدم الاستعداد الجيد وعدم توفر الوقت الكافي والقلق من الحالة الصحية والبروتكول الصحي الذي يفرض قيود رغم الانفتاح.

2ـ صادفت الانتخابات مع الاستعدادات لموسم السفر والسياحة الذي اجبر الجميع على عدم التمتع بها في الموسم السابق ولضيق وقت الاستعدادات.

3ـ عزوف كبار السن عن المشاركة لأسباب كثيرة منها الخوف من احتمالات الإصابة ب (كورونا) رغم الاستعدادات والتطمينات الحكومية.

4ـ مثل هذه الانتخابات هي في الأصل يميزها عزوف الكثير من الناخبين. ففي السابقة منها كان العزوف أكثر من 50%

5- قناعة الكثير الغالب من الناخبين من ان المسؤول القادم لا يختلف عن المسؤول الحالي مهما كان الحزب الذي ينتمي اليه فهو لا يقدم ولا يؤخر في استحقاقات المواطنين في الرعاية الصحية والاجتماعية والبيئية فلا برنامج لأحدهم يختلف عن برامج الاخرين لذلك كان تقدم كل الحاليين في المرحلة الأولى رغم تفاوت النسب (يعني المُجرب يُجرب مرة أخرى) و(التعرفه احسن من الماتعرفه).

6- عزوف الفرنسيين من أصول أخرى عن المشاركة بشكل فعال فبالإضافة الى ما ورد أعلاه نستطيع ان نضع ما حصل من لغط ومناقشات حول الإسلام وبعض الاعمال الخارجة عن القانون والاعمال الإرهابية والهجمات الاعلامية حيث وجد الناخب نفسه في نفس الحالة رغم الاختلاف الحزبي لمسؤولي المناطق.

7- حصول تقلبات مناخية من زوابع وامطار غزيرة أدت الى فيضانات وقطع طرق في أماكن كثيرة من فرنسا.

8ـ هناك أكثر من 200 ألف شخص من ضحايا كورونا (وفاة، إنعاش، عدم اكتمال الشفاء) اكيد جميعهم من الناخبين...يضاف الى ذلك ان عدد الإصابات (كوفيد 19) في فرنسا اقترب من (6) مليون شُفي منهم حوالي (5.8) مليون واكيد هذه الإصابة تركت اثار نفسية وصحية على البعض ممن شُفيَّ عرقلت مشاركته مع عدم مشاركة ال(200) الف.

9ـ ضعف الحملات الانتخابية بسبب الاغلاق الصحي وتحديد التجمعات والتحركات.

10ـ لا يمكن نسيان الاحتجاجات الكبيرة والطويلة لأصحاب السترات الصفر واحتجاجات النقابات واحتجاجات أصحاب المهن التي تضررت بالأغلاق وشكوى الكثيرين منهم من عدم كفاية التعويضات وتعثرها.

11ـ حالة القلق والانغلاق الذي سببه طول فترة الاغلاق والحجر الصحي التي غيرت بعض الشيء في نمط الحياة الاجتماعية المعروف في فرنسا حيث تتعدد النشاطات الاجتماعية اليومية والأسبوعية والموسمية حيث يمكن ان يُقال عن فرنسا من انها بلد الجمعيات والمنظمات المجتمعية.

 

ثانياً: كان من المتوقع وفي ضوء ما جرى بعد إعادة الرسوم المسيئة وبعض الاعمال الإرهابية ورسالة شخصيات عسكرية بارزة متقاعدة محذرة من تشقق الدولة ان يتقد حزب اليمين المتطرف/ماري لوبين الذي غير اسمه الى (التجمع الوطني) على فرصة كبيرة لتحسين مواقعه...لكن الذي حصل غير ذلك. وكذلك كان من المتوقع ان يتجذر تجمع ماكرون (الجمهورية الى امام) كحزب سياسي مؤثر لكن الذي حصل انه بقي مجموعة افراد غير متجانسة فكرياً لا جذور سياسية ومجتمعية لها بحيث لم يظهر لها أي تأثير او تركيز في هذه الانتخابات... استطاع الحزب الاشتراكي الذي اُريد له التشقق ان يرد بعض مواقعه وعند تحالفه من أطراف اليسار الأخرى و الخضر ان يشكل الحركة السياسية الثانية بعد اليمين الجمهوري و الوسط الذي عزز مواقعه في هذه المرحلة وتصدر النتائج وربما سيكون احد مرشحيه الفائزين في اهم المقاطعات الأربعة التي ضمن الفوز بها في هذه المرحلة مرشحه للانتخابات الرئاسية القادمة وبقوة.

المتوقع في المرحة الثانية في 27.06.2021

لا أتوقع اختلاف في موضوع المقاطعة حيث ستكون الجولة الثانية من الانتخابات مع الوجبة الأولى من حركة السفر السياحية للفرنسيين حيث عطلة الصيف بعد أشهر طويلة من الإغلاق وحرمانهم من السياحة في العام السابق ومن المتوقع ان تنطلق قوافل السياح الفرنسيين باتجاهات أماكن حجوزاتهم يوم الجمعة 25 حزيران أي قبل المرحلة الثانية من الانتخابات بعد حرمانهم للعام الماضي من التمتع بسياحة الصيف والشمس... مع دوام الأسباب الأخرى للمقاطعة.

الذي سيحصل في المرحلة الثانية كما أتصور حيث سيكون التنافس بين المتقدمين في النتائج في كل منطقة والذي سيفوز منهم يعتمد على عدد من سيصوت له من جمهور القريبين اليه من الأحزاب الأخرى فعموم اليسار سيصوت لمرشح اليسار وعموم اليمين بما فيهم المتطرف (محدود جداً) سيصوت لليمين هذا اذا كان التنافس بين مرشح يميني واخر يساري اما اذا كان التنافس بين مرشحين من اليمين فسيصطف مصوتي اليسار مع الأقل يمينية أي اليمين الجمهوري ضد اليمين المتطرف كما يتصورون وسيحصل نفس ما حصل في الانتخابات الرئاسية السابقة عندما تقابل ماكرون مشقق اليسار مع ماري لوبين ممثلة اليمين...اما اذا كان التنافس بين مرشحي اليسار فسيمتنع اليمين بكل اشكاله في الغالب من المشاركة...في كل الأحوال سيمتنع مصوتي اليمين المتطرف عن المشاركة اذا لم يكن لهم مرشح فيها ((هذا في الغالب) وكذلك حال البعض القليل من اليسار. وسيحصل ان ينسحب بعض مرشحي اليسار في حالة وجود منافسة قوية بين اليمين الجمهوري واليمين المتطرف لعدم التسبب بتشتت الأصوات التي سيستفيد منها اليمين المتطرف (التجمع الوطني). وقد حصل هذا فعلاً بعد انسحاب مرشح اليسار في احدى المقاطعات بعد ان حل ثالثاً ويحق له المنافسة في الدورة الثالثة لأن المرشح الأول من اليمين المتطرف والثاني من اليمين الجمهوري وذلك لفسح المجال اما فوز اليمين الجمهوري بانضمام أصوات اليسار الى الأصوات التي حصل عليها في الجولة الأولى.

نودعكم مؤقتاً بانتظار نتائج المرحلة الثانية في 27 حزيران 2021

  

عبد الرضا حمد جاسم

 

كريم المظفرنعتقد ان العراقيين هم أكثر الشعوب في العالم ممن تضرروا من أمريكا وحلفائها، ولازالت هذه الاضرار مستمرة حتى اليوم، سواء في التخريب والدمار الذي لم يشمل فقط البنى التحتية والاساسية، بل أيضا شملت البناء الأخلاقي والاجتماعي وانتشار الفساد والمليشيات، ولازالت مستمرة في الحاق الأذى بالعراقيين، وعذرا عن هذه المقدمة، وان كان مقالنا اليوم لا يتعلق بالعراق، لكني فقط اردت التذكير، ومن منا لا يتذكر " العجوز الشمطاء " كما يحلو للعراقيين تسميتها،؟، هي وزيرة الخارجية السابقة مادلين اولبرايت، التي لعبت دورا كبيرا في تدمير العراق أيضا عندما كانت مندوبة أمريكا في مجلس الامن الدولي، وليس مصادفة انها كانت تزين بدلتها " ببورش فضي" على شكل " أفعى "، وكأنها تريد أن تقول أن اميركا " كالأفعى " في اعمالها، وقبحها هو ذات القبح الذي كانت تحمله هذه " الشمطاء "، والتي لم تكن تحمل أي صفات للأنوثة والجمال.

تذكرت هذه الشخصية اليوم، لأنها تنتمي الى ذات الحزب الذي ينتمي اليه الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي هو الآخر كشف عن الوجه التآمري القبيح للولايات المتحدة، حيث لم يمر أسبوع على لقاءه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في جنيف في السادس عشر من يونيو الجاري، حتى عادت واشنطن للتلويح بالعقوبات على روسيا على خلفية الأوضاع حول وضعية المعارض الروسي الكسي نافالني وتستهدف أيضا مشروع "السيل الشمالي-2"، على الرغم من كلمات بايدن بعد القمة إن المفاوضات مع بوتين جرت في جو طيب وإيجابي، الحرب استمر حتى في لحظات الخلاف الحاد، وان بوتين لا يريد، وكلمات المديح المقابلة من قبل الرئيس الروسي الذي اعتبر أن المحادثات جرت "بنفس اللغة"، ووصف نظيره الأمريكي بأنه سياسي بناء ومتوازن وخبير للغاية، وقال إن الطرفين أعربا عن رغبتهما في تقريب مواقفهما، حتى أعلنت الإدارة الامريكية بانها تحتاج الى فترة ستة اشهر لتحديد إمكانية إجراء حوار استراتيجي مع روسيا، حول مصير معاهدة تخفيض الأسلحة الاستراتيجية (ستارت -3)؟؟

والجديد اليوم هو ما صرح به جيك سوليفان مساعد رئيس الولايات المتحدة لشؤون الأمن القومي أعلن اليوم أن بلاده تستعد لفرض عقوبات جديدة على روسيا، وأن الحديث يدور عن حزمة جديدة من العقوبات "بعد تسميم أليكسي نافالني"، وأن الولايات المتحدة ستواصل فرض العقوبات على الشركات المنخرطة في مشروع "السيل الشمالي-2" لضخ الغاز الروسي إلى ألمانيا عبر البلطيق، في زادت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين بساكي، "من الطين بله " عندما أكدت إن لقاء جنيف بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي جو بايدن، لم يجلب "أي تغيير" في سياسة العقوبات الأمريكية ضد روسيا، وأضافت بساكي، في "يقضي القانون بأن نستمر في النظر في أهداف العقوبات المتعلقة باستخدام الأسلحة الكيماوية".

تصريحات المسؤول الأمريكي جاءت حتى قبيل وصول السفير الروسي لدى الولايات المتحدة أناتولي أنطونوف إلى واشنطن، والتي غادرها في 21 مارس الماضي للتشاور مع القيادة الروسية على خلفية تدهور العلاقات بين الجانبين الروسي والأمريكي وانعدام الأفق السياسي لتسويتها، والتشديد على انه ليس لدى البيت الأبيض أي خطط لإصلاح العلاقات الجيدة مع روسيا، وان واشنطن تركز فقط على "الاستقرار والقدرة على التنبؤ"، ليكشف جيك سوليفان عن الوجه الأمريكي الحقيقي الرافض لأي مساعي لتحسين العلاقات بين موسكو وواشنطن، ونواياها التآمرية المسبقة ضد روسيا، حتى قبل انعقاد القمة، والتي كما يبدو عجلت في إعادة " حليمة الى عادتها القديمة " .

 

 

 

وللإيغال بالنوايا الخبيثة وكما كشف عنها المستشار الأمريكي، فان الولايات المتحدة ستواصل فرض عقوبات على الشركات الروسية التي تبني خط الغاز "السيل الشمالي-2"، وفي رده على سؤال على قناة "سي إن إن"، عن سبب تعليق الولايات المتحدة للعقوبات المفروضة على شركة Nord Stream 2 AG الأوروبية التي تبني خط الأنابيب المذكور، قال سوليفان: "السؤال هو ما إذا كنا سنواصل بشكل مباشر، ملاحقة شركائنا الأوروبيين وحلفائنا وأصدقائنا باستخدام صلاحياتنا بفرض العقوبات" ونقل عن الرئيس بايدن قوله، " لست مستعدا للقيام بذلك، لكنني مستعد لفرض عقوبات على المؤسسات الروسية المشاركة في بناء الخط، وذلك مرة كل 90 يوما".

ومن خفايا الأجندة لقمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والزعيم الأمريكي جو بايدن هي مناقشة مستقبل الأسلحة النووية، الذي يعتمد عليه الأمن العالمي كله، ووفقا لمصادر برلمانية روسية فان الامريكان رأوا أنه من الضروري التأكد من عدم وجود تهديد نووي من روسيا وأن روسيا مستعدة للتفاوض بشأن الأسلحة النووية، وهذه هي الأجندة الخفية للقمة، وقد تم التعبير عنه من خلال مصطلح "الاستقرار الاستراتيجي" غير المفهوم تمامًا، والذي يمكن فهمه على أنه أي شيء تريده، لكن الاستقرار الاستراتيجي في جوهره يتعلق بالإمكانيات النووية التي يمكن أن تخرج عن نطاق السيطرة من الجانبين ويمكن استخدامها في ظل ظروف معينة .

ولم يكن الامر مفاجأة بالنسبة للروس كما يتصور البعض، ويرون إن فرض حزمة عقوبات من قبل الحكومة الأمريكية على الشركات الروسية المشاركة في بناء مشروع نورد ستريم 2 هو ظاهرة يمكن التنبؤ بها، حيث أن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن استبعدت في البداية إمكانية "إعادة ضبط" العلاقات الثنائية، وكما أشار السناتور الروسي أليكسي بوشكوف، إلى الميل إلى اعتبار القمم الثنائية، ولا سيما اجتماع بايدن في جنيف مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بداية لتحسين العلاقات، لان البيت الأبيض لديه نهج استقطابي .

الولايات المتحدة التي اضافت في مايو الماضي، 13 سفينة وثلاث منظمات روسية منخرطة في العمل إلى قوائم العقوبات الخاصة بها، وأكد وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين في 19 مايو أن واشنطن تخلت عن فرض عقوبات على شركة Nord Stream 2 AG المشغلة لـ Nord Stream 2 ورئيسها التنفيذي Matthias Warnig، وبحسب رئيس الدبلوماسية الأمريكية، فإن هذا القرار يصب في المصلحة الوطنية للولايات المتحدة، لم تخف حقيقة أنها تعتزم بكل طريقة ممكنة التدخل في إطلاق نورد ستريم 2، لأن الولايات المتحدة لا تستطيع منع بنائه، بالإضافة إلى أن الحكومة الأمريكية لم تلمح أبدًا إلى مراجعة العقوبات أو رفعها، فقد ذكر كل من بايدن ووزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين مرارًا وتكرارًا تصورًا متشكلًا لمنصة التفاوض السويسرية - كفرصة لمناقشة القضايا المهمة المتعلقة بمصالح جانب واحد فقط - الجانب الأمريكي.

ان الخطوات غير القانونية للولايات المتحدة كما تقول روسيا، كانت دائما تقابلها برد روسي حتمي ومنطقي، ومن المدهش وكما تؤكد المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا " أن في واشنطن من يفضلون سباق الحواجز في حلقة مفرغة"، وتشدد على أن "المؤدلجين الأمريكيين فضحوا أنفسهم" عبر ربطهم بين "السيل الشمالي-2" وهو "مشروع اقتصادي تشارك فيه شركات مشغلة خاصة ودول مستقلة، وقضية نافالني، ليظهروا بذلك أن كل هذه الضجة حول التسميم المزعوم /لنافالني/يستخدمونها وسيلة لمعالجة مشكلة افتقارهم للقدرة التنافسية".

وبالتأكيد، فإن أي خطوة أمريكية، يجب أن يكون لها متلازمة أوربية، وفي آخر بيان له قال الاتحاد الأوروبي، إنه مددت لمدة عام حتى 23 يونيو 2022، العقوبات المفروضة "بسبب الضم غير القانوني لشبه جزيرة القرم وسيفاستوبول"، وتشمل العقوبات، الحد من العلاقات الاقتصادية للاتحاد الأوروبي مع هاتين المنطقتين الروسيتين، ردت عليها المتحدثة باسم الخارجية الروسية، بإن الاتحاد يعرف كل شيء لكنه مع ذلك يفتش عن "أمشاط الأرض المحببة"، في إشارة إلى مثل شعبي روسي يدل على تكرارهم نفس الأخطاء، ورأت زاخاروفا أن ممثلي الاتحاد الأوروبي يعرفون أن شبه جزيرة القرم دستوريا تعد جزءا من روسيا، ويعرفون طبيعة الرد على تمديد العقوبات.

الروس ومن خلال تجارب السنوات الماضية تيقنوا، بأن نظام العقوبات ضد روسيا مترسخ في العديد من النصوص القانونية في الغرب وبالتالي فإنه باق إلى الأبد، وان كل تلك العقوبات غير شرعية، تم فرضها بذرائع واهية للغاية، دون وجود أدلة، لكن من المستحيل التراجع عن الإجراءات التي تم تصويرها على أنها مثالية، وشدد ألكسندر بانكين، نائب وزير الخارجية الروسي، على أن روسيا لن تطلب من أحد رفع العقوبات، لكنها ستعمل عبر دوائر الأعمال على إيصال فكرة بسيطة إلى الغرب مفادها أن سياسة العقوبات معيبة،" تضر - وإن بقدر أقل - حتى أولئك الذين يفرضونها أنفسهم، ومن الأفضل ألا تكون هناك عقوبات إطلاقا".

على ما يبدو ان صفات " الافعى " المتمثلة بالغدر والخيانة، وإقتناص فرصة الانقضاض حتى على صاحبها، والتي كانت تحملها " العجوز الشمطاء "، وتفتخر بها، وتعتبرها رمزا للقوة، فأنها بالفعل تليق بقادة أمريكا، بمختلف مسمياتهم واحزابهم، لأن الغدر صفة موسومة فيهم، ونفذ سمومهم حتى للقريبين منهم اذا ما تعارضت مصالحهم معهم، فما بالك مع الذين يكنون لهم العداء !!!

 

د. كريم المظفر

 

صادق السامرائيأولا: أغراض الصحافة

يبدو أن أغراض الشعر القديم وأغراض الصحافة يتطابقان، فالصحفي أما يمدح ويتغزل أو يهجو وأحيانا يرثي.

هكذا بدت آليات التفكير والإقتراب والتفاعل والتناول والتصدي والتحقيق، صحفي يمدح ويتغزل، وآخر يهجو وغيره يرثي،  فمنطلق المديح والغزل يبحث عن المسوغات اللازمة لذلك، فهذه العين ترى الذي تريد أن تراه، ويدخل ضمن هذا الغرض التبرير والتمجيد.

ومنطلق الهجو الذي لا يرى إلا السيئ والكريه، ولا يريد أن يرى الجيد والصحيح، لكي يستطيع تحميل قطار عباراته الجاري على سكة السطور.

ومنطلق يرثي، وقد صار من الكتابات السائدة والمؤثرة في العقل والنفس، بل أن الرثاء أصبح وسيلة للإرتزاق، وإن قلت ميادينه، لكن الصحفي تراه يغوص في تعداد مناقب الذين ماتوا ويسمي ذلك تحقيقا صحفيا.

ثانيا: عدم وضوح الدور

ما هو دور الصحفي في المجتمع؟

ولماذا تحتاج المجتمعات للصحافة والصحفي؟

فالصحافة ليست بدعة ترف، وإنما حاجة فرضتها الظروف الإجتماعية بتفاعلاتها المعقدة والمتطورة.

فبعد أن أعلنت فكرة الدولة  وقيام مؤسساتها، أصبحت الصحافة ركنا مهما للتعبير عن أفكار الدولة وعقيدتها وخططها وما تريد فعله والقيام به، وتأكد دور الصحافة في الدول الديمقراطية، وضمنها الدستور الذي يربط ما بين الفكرة الديمقراطية ودور الصحافة الرقابي في المجتمع.

بمعنى أن الصحافة والصحفي الذي هو ركنها الأساسي، الذي عليه أن يقوم بدوره المطلوب لحماية المجتمع والمصالح العامة من الذين يمثلون الدولة، بسبب الإنزلاقات والتفاعلات اللادستورية التي قد تحصل.

ذلك أن البشر ميّال لفعل السوء، ولكي يُحمى المجتمع من الرغبات الفردية والمطامع الشخصية، لا بد من الصحافة الرقيبة لمنع ذلك السلوك الضار بالمصلحة العامة.

ثالثا: الإنفعالية

يبدو أن الصحفي ربما يكتب بإنفعالية عالية، ويقفز إلى مهاوي المواجهة والتصدي المنفعل، الذي يثير في  الآخر الذي هو أقوى منه مشاعر الإستياء، وحتى الإنتقام وربما يتعرض الصحفي للتصفية.

ويبدو أن المشكلة ليست في الموضوع الذي يتم تناوله أو التصدي له، وإنما بالكيفيات والآليات التي يتم إستحدامها.

فعندما يتصدى الصحفي لموضوع ما، فيجب أن يكون  لديه جواب لسؤال، لماذا يتصدى للموضوع وماذا يريد؟

فإذا كان الموضوع منحرفا لا بد له أن يشير إلى البراهين والدلائل والوثائق التي تفضح الإنحراف، ويطالب بأن يكون المسار بهذا الإتجاه وليس بذاك، للأسباب التي يجب أن تكون واضحة أيضا.

ولا يمكن أن يتصدى الصحفي لحالة ويصفها بالخاطئة أو المنحرفة، ولا يقدم البدائل والخيارات التي يراها ذات مردودات أكثر نفعا وقيمة وربحا للمجتمع.

رابعا: الغاية

ماهي غاية الصحفي؟

الغاية هي بناء المجتمع المعاصر وحمايته من المؤثرات السلبية،  أي أن دور الصحفي إجتماعي وطني بنّاء، ولا يمكنه أن يكون غير ذلك، وإلا فأن المجتمع لا يحتاجه ويرفضه.

وبعبارة أخرى فالصحفي هو مصلح إجتماعي فعّال في بيئته، وكل خطوة لا تؤدي إلى هذا الهدف لا يمكنها أن تكون ذات قيمة وتأثير صحفي.

ويبدو أن الغايات غير مجسمة أو واضحة المعالم، فتكون النشاطات الصحفية ردود أفعال حارة، مما يأخذ الغايات إلى مواضع أخرى قد تشوهها، وتدفنها في غبار المشاعر السلبية والتنابز بالكلمات المؤذية.

وقد يقول القارئ، وماذا يجب أن يفعل الصحفي في مجتمع ظروفه كذا وكذا.

إن الصحفي في هذه الحالة يقوم بدور تنويري . ويقدم التحقيقات الصحفية المقنعة اللازمة للتوعية ، وإظهار الحقيقة وجمع الناس تحت خيمة الوطن.

خامسا: الحرية

حرية الصحافة حالة نسبية في المفاهيم والدلالات، فإذا فقدت الصحافة معاييرها وشروطها وضروراتها، فلا يمكنها أن تكون حرّة وإنما ضارة.

والملاحظ أن الصحفي في الدول الديمقراطية يتمتع بثقافة دستورية وقانونية عالية، أما في مجتمعاتنا الضعيفة قانونيا ودستوريا، فأن هذه الثقافة غائبة.

وبسبب غيابها فأن معنى الحرية الصحفية أصبح غائبا وغير قادر على إبداء ملامحه.

والفرق واضح وساطع ما بين صحافة الدول الديمقراطية الدستورية وغيرها من دول اللاقانون.

والخلاصة أن دور الصحفي يتأكد في قدرته على حماية المجتمع من الأخطار بأنواعها، ومحاولاته إظهار الحقائق وتشخيص الأخطاء وإستحضار البدائل.

وليس من الصحيح القول بالخطأ دون دليل وتوضيح للنتائج المترتبة عليه، وما هي الأضرار الإجتماعية الناجمة عن ذلك.

ومن الصعب في أكثر الأحيان على الصحفي أن يتصدى للكراسي في بلدان الصورة والكراسي الأبدية، أو في المجتمعات التي تدعي الديمقراطية  أو تتقنع بها.

فالصحافة الحقة بحاجة إلى نظام ديمقراطي دستوري يضمن حق الرأي والمعتقد، وأن تكون الصحافة الحرة ذات حقوق مصانة دستوريا، لأن الصحافة هي القوة التي تحمي المسيرة الديمقراطية وتصون حقوق الناس.

فهل أن الصحافة تأكل الصحافة في وطن الكرسي العتيد؟!

مع خالص المحبة والتقدير والإحترام لأقلام الصحفيين الأفذاذ، الذين يواجهون المُحال فيصرعونه، وينتصرون بالحق على الباطل والضلال، فهم الأنوار الوطنية ومشاعل الحرية والديمقراطية.

 وتحية لشهداء الصحافة الأبرار!!

 

د. صادق السامرائي

10\1\2011

 

ابراهيم أبراشفي خضم الانتفاضة التي تمت خلال مايو الماضي سادت مشاعر الحماسة الوطنية والعواطف الجياشة والتأييد العالمي غير المسبوق وتجلت صورة الشعب الفلسطيني في أبهى ما يكون وبان الأمر وكأن القضية الفلسطينية دخلت مرحلة جديدة أو وُلِدت من جديد، آنذاك كتبنا أكثر من مقال نطالب بضرورة توظيف اللحظة النضالية قبل فوات الأوان وكان واحد منها يحمل عنوان: (حتى لا تعود الأمور إلى ما كانت عليه)، ولكن بعد أن هدأت المواجهات وصمتت المدافع يبدو أن السياسيين المنقسمين والمتصارعين مع بعضهم البعض غدروا بالانتفاضة وبالشعب وبددوا كل ما كان يُرَهن عليه، وعادت الأمور أسوأ مما كانت قبل الانتفاض، وأصبحنا أمام وضع يتطلب تفكير عقلاني لاستخلاص الدروس والعبر مما جرى، مع أن ما جرى خلال الأحداث الأخيرة وخصوصا المواجهات بين فصائل المقاومة في غزة ودولة الاحتلال تكرر للمرة الرابعة وفي كل مرة نسمع خطابات النصر ثم تعود الأمور أسوأ مما كانت.

بالرغم من أن الأحداث مفتوحة على كل الاحتمالات بعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة إلا أن ما جرى في مايو أكد على حقائق، ويستدعي التوقف عند بعض التداعيات والحذر من أخرى، وفي هذا السياق نتوقف عند القضايا التالية:

1- أكدت الأحداث أن الشعب الفلسطيني موَّحد في كل أماكن تواجده بالرغم من كل الحدود والحواجز الجغرافية والسياسية والأيديولوجية والمشكلة تكمن في الانقسام والصراع داخل الطبقة السياسية.

2- التعاطف العالمي الواسع مع الشعب الفلسطيني يشكل اعترافا بأن الفلسطينيين يمارسون حق الدفاع عن النفس وأن المقاومة بكل أشكالها تتوافق مع القانون الدولي والشرعية الدولية، والمشكلة كيف يتم عقلنتها وتوجيهها في المسار الصحيح.

3- أهمية ما جرى ليس فقط صواريخ المقاومة وتأثيرها على دولة الكيان، بالرغم مما ألحقته به من أضرار نفسية ومادية، فإسرائيل تستطيع في نهاية الأمر التعامل مع الصواريخ وغزة ليست دولة كبرى حتى تستمر بصناعة الصواريخ وتَحَمُل ضربات الجيش الإسرائيلي إلى ما لا نهاية، المهم فيما جرى هو إرادة الصمود والتحدي وشمول الحراك والثورة الشعبية لكل ربوع فلسطين وخصوصاً داخل الخط الأخضر وهو الأمر الذي أدى إلى انكشاف عنصرية وإرهاب دولة الكيان الصهيوني وتغيير نظرة العالم له.

4- بالرغم من أهمية الشرعية الدولية وقراراتها ومحكمة الجنايات الدولية وما يمكن أن تفعله، إلا أنها جميعاً وقفت عاجزة أمام الإرهاب والعدوان الصهيوني حتى إن مجلس الأمن فشل في إصدار قرار أو مجرد بيان إدانة لإسرائيل.

5- أثبتت الأحداث أنه يمكن إجبار إسرائيل على احترام الشعب الفلسطيني والاعتراف بحقوقه السياسية المشروعة.

6- أكدت الأحداث أن التنسيق الأمني في الضفة وتفاهمات و اتفاقات الهدنة بين إسرائيل وفصائل المقاومة في غزة وكل مشاريع التسوية السابقة لم تكن مقنعة للشعب الفلسطيني ولم تؤسس لسلام أو استقرار، كما لا يمكنها منع الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه بالدفاع عن نفسه.

7- الفلسطينيين خاضوا حرب دون استراتيجية أو قيادة موحدة، و لضمان استمرار الحالة الثورية وعقلنتها مطلوب وجود قيادة ميدانية للمقاومة الشعبية.

8- بالرغم من أهمية القادة العسكريين- كتائب القسام وسرايا القدس وغيرهم- في المواجهة الجارية إلا أن (الحرب أخطر من أن تُترَك للعسكريين) وحدهم لأن هناك أبعاد سياسية واستراتيجية دولية وإقليمية قد لا يُدركها العسكريون، فالقيادة السياسية ضرورية خصوصاً بعد أن تصمت المدافع، لحصاد ما زرعته البندقية أو تصحيح أخطائها إن كان هناك اخطاء.

9- كشفت الأحداث عمق أزمة القيادة وهي أزمة مركبة: أزمة مؤسسة الرئاسة، أزمة منظمة التحرير، أزمة حركة فتح، أزمة الحكومة.

10- لا شك أن منظمة التحرير الفلسطينية رسمياً هي الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني ولها انجازات كبيرة وكثيرة، إلا أن تطور الأحداث ميدانياً يحتاج لسرعة تفعيل وتجديد المنظمة ومؤسسة القيادة وإلا أصبحت صفتها التمثيلية بلا معنى، وتجديد المنظمة والقيادة منصوص عليه في كل اتفاقات المصالحة التي لم ثُنفذ.

11- قد يؤدي تطور الأحداث إلى تدخُل دولي وإرسال مراقبين أو قوات دولية إلى قطاع غزة، وهذا ما يجب الحذر منه حتى لا تؤول الأمور لفصل غزة نهائياً عن بقية فلسطين ويتم تكريس مشروع دولة غزة الذي يحقق مصلحة إسرائيل، وبالتالي تذهب كل معاناة الشعب وتضحياته لغير المصلحة الوطنية وتكون إسرائيل هي المنتصرة.

12- لأنه لا حرب من أجل الحرب ولا مقاومة وطنية حقيقية بدون هدف وبرنامج سياسي ولأن العمل العسكري أو المقاومة المسلحة ليست هدفاً بحد ذاته بل أداة لتحقيق هدف سياسي، فإن مرحلة ما بعد صمت المدافع تحتاج لاستراتيجية عمل وطنية ومشروع سلام فلسطيني متوافَق عليه من الكل الوطني. وحتى مع إدراكنا أن لا سلام أو تسوية عادلة في ظل الظروف الراهنة إلا أن مشروع السلام الفلسطيني أو الرؤية الفلسطينية للتسوية السياسية والسلام مطلوبة لتكون الإجابة التي سيقدمها الفلسطينيون للعالم إن سُئلوا: ماذا تريدون ولماذا تثورون وتقاتلون؟.

13- هناك تخوف سبق أن كتبنا عنه مرارا وهو أن يكون هدف كل (الحروب) على غزة وحصارها إضعاف منظمة التحرير والمشروع الوطني والسلطة الوطنية ونزع غزة عن سياقها الوطني وتكريس الانقسام، حيث لاحظنا أن كل الحروب السابقة بما فيها الأخيرة كرست وعززت حالة الانقسام وأثارت مسألة التمثيل الفلسطيني وكأن هذه الحروب من أجل انتزاع التمثيل الفلسطيني من منظمة التحرير لصالح حركة حماس ومشروعها السياسي.

 

إبراهيم أبراش