محمد المحسنالعلاقة بين الشرق والغرب قديمة، شائكة وتحكمها تراكمات التاريخ.. وهي تراكمات- في أغلبها- متخمة بالتوتر، والغضب،والسوداوية..

الغرب كان يسعى طوال الوقت إلى بناء امبراطوريات تكفل لشعوبه حياة متميزة،وكان الشرق أرضا مناسبة لهذه التوسعات..الغرب أيضا ينظر إلى شعوب الشرق على أساس أنها شعوب همجية، تسعى لإزعاج وجوده على الأرض.. ولم تكن النظرة- بالتالي- من الشرق إلى الغرب إلا ردا على من وصفه بـ'المستعمر الغازي' و'الذي يسعى للهيمنة على مقدراتنا'.

وإذن؟

العلاقة،إذا كانت في أبسط أشكالها علاقة حذر، وتربص وإنتظار لما يمكن أن يحصل من الطرف الآخر. هذا الحذر كان ينقلب إلى ما يمكن وصفه بمواجهة بين الطرفين، وهو الأمر الذي يلخص ما يجري بعد أحداث مانهاتن.

والأسئلة التي تنبت على حواشي الواقع: ترى ما الذي يمكن أن تسفر عنه المواجهة الدائرة الآن بين طرفين كل منهما يرى (حسب تعبير هيغل) أنه على حق ويدافع عن أفكاره؟ وما التأثيرات التي يمكن أن تخلفها هذه المواجهة على الساحة الثقافية العربية؟ وقبل ذلك: هل هناك- بعيدا عن الأفكار الفضفاضة - حلول لرأب الصدع- الذي ظهر بينهما؟

لقد غدت العلاقة بين الشرق والغرب علاقة إرهاب متبادلة، تختلف الوسائل، لكن المعنى الدامي والتدميري واحد، سواء كان بإجتياح من الطائرات الأمريكية لشعب أعزل يفترش التراب'أفغانستان'أو كان بالقصف المدمر للعاصمة العراقية- بغداد- أو كان بما حدث من تدمير مؤلم للذات والآخر بالإختراق المفاجئ لثلاثة من أجساد أمريكية: جسد المال ممثلا في مبنى التجارة العالمي،العقل العسكري المدبر 'البنتاغون' وتهديد الكيان السياسي ممثلا في'البيت الأبيض'.

في بداية القرن الجديد تحولت العلاقة بينهما إلى علاقات نهش وإبادة، وهي بإختصار- هستيريا- معاصرة، تقطر دما وخرابا، لم تكن العلاقة على هذا النحو في أي مراحل التاريخ، ربما كان الحوار بينهما داميا إلا أن ما يجري يمثل لحظة تاريخية أكثر تعقيدا وعنفا، فاللحظة الراهنة، إذن أقرب إلى لحظة عمياء.. وحين تكون هذه اللحظة مدججة بأحدث أنواع التقنيات وأسلحة الدمار المتنوعة، فإنه يمكن تأكيد نبؤات- نستر داموس- التي تؤكد أن القيامة قد تقوم الآن ويُدمر العالم ذاته بأحقاده المتبادلة. التوازن مفقود، والعولمة المتوحشة تحاول إبتلاع العالم وهذا الأمرأكّده- فوكوياما - حيث أشارإلى أنه لم تعد هناك أطراف متعددة لكي نتحدث عن حرب، بل ثمة- سوبرمان- واحد يرث تواريخ القوى،وإن كان..هو بلا تاريخ..

ولكن.

من المفارقات المذهلة أن تعلن - اليونسكو- التابعة للأمم المتحدة في23 نوفمبر01 يوما عالميا لحافظ الشيرازي- شاعر العشق الذي لم يكتب سوى في الغزل ولم يتغنّ إلا بوحدة الوجود والإنسان مهما إختلفت الأديان والأعراق..وفي سنة 1999،أيضا كان- لجلال الدين الرومي- صاحب مثنوي ظهور بالغ الأثرفي أمريكا، حيث تُرجمَت أشعاره في الحب الإلهي إلى الأنقليزية، وكانت الأكثر مبيعا في أمريكا بالذات وليس عجيبا ان يطبعوا بطاقات معايدة تحتوي على أشعاره.. ذلك ما يطرح علينا سؤالا حول إمكانية الخصومة في العالم أي إمكانية أن تتخذ من الولايات المتحدة خصما لنا، والعكس بالعكس.

ولكن أيضا..ثقافة السلام،وفقا للخطاب الأمريكي، تستدعي حتما تحقيرأي فكرة أونزعة للمقاومة، ومن ثم ارتفعت معاول- كتاب الطابور الخامس- لتهيل التراب على كل صور المقاومة، خلال الحرب العراقية- الأمريكية.

أما سجل المقاومة العراقية اليومية للإحتلال فليس سوى 'حوادث متفرقة ' أو عمليات يقوم بها 'أنصار صدّام' وكأن دعاة الخطاب الأمريكي يستكثرون مقاومة الإحتلال على الشعب العراقي.. وأما عمليات المقاومة الفلسطينية فيتم وصفها بـ'الإرهاب' ويدور الحديث بعد ذلك عن خطاب 'ديني جديد' ينزع فتيل المقاومة من 'جوهر' الدين الإسلامي ويحرّم الد فاع عن الوطن..وإذا تركنا المسرح السياسي الذي تنشط فوق منصته فرقة- كتاب الرد السريع- فسنجد أن الخطاب الثقافي الأمريكي لم يهمل المسرح الأدبي والفكري وأدار على خشبته التهاويل الفكرية المجسمة في أردية فاخرة.. فبدلا أن يقال ان الصراع الحقيقي يدور بين شعوب المنطقة والهيمنة الإستعمارية، يقال لنا بأصوات - الحكمة - أن القصة تكمن في 'صراع الحضارات' وأننا نعاني من إعتلال خلقي، يجعلنا لا نقبل ذلك 'الآخر' ويتجاهل الجميع أن تاريخ حضارتنا كله هو تاريخ تفاعل مع الحضارات الأخرى، كما لا يحدد لنا أحد بصراحة من هو 'ذلك الآخر' وما إذا كان الإسم الحركي لإسرائيل مثلا..

على سبيل الخاتمة:

أعتقد أنّ التّحاور والتّجاور بين الشّرق والغرب لن يكون سهلا ولا ممكنا في الأفق القريب،فعوائق التحاور والتجاور كثيرة،ومن ناحية أخرى لم نؤسس لها وفق القاعدة القرآنية "وتعارفوا"

إن التعارف هو الذي ينبغي أن نستبدله بمقولات الصراع والتصادم،فالتعارف يؤدي إلى التآلف،والتآلف يؤدي حتما للتقارب ومن ثمة يصبح التجاور ممكنا بين الأمم والحضارات.

ولكن..

الشرق والغرب مقولتان لا يمكن أن تنصهر معا ضمن فضاء تناغمي تناسقي كامل،لأن انصهارهما معا يعنى نهاية التاريخ بالمفهوم الهيجلي، والغرب لا يريد إلا أن يكون وحيد عصره مجسدا لمقولة فوكو ياما خاتم البشر، وعليه لا يسمح باللعبة المزدوجة.

ومن هنا فإنّ مستقبل العلاقة بين الغرب والإسلام لا يمكن أن تستقيم إلا من خلال رفع المعوقات عن طريق معرفة الغرب للشرق من دون استشراق،ومعرفة الشرق للغرب من دون استغراب.ولعل ظاهرة التنافر لا تنحل إلا من خلال التسلح بالنزعة الإنسانية المفتوحة التي أطلقها محي الدين بن عربي في ترجمان الأشواق.

  

محمد المحسن - كاتب صحفي تونسي

 

 

ابراهيم أبراشالمفاهيم والمصطلحات السياسية مفاتيح وأدوات علم السياسة ونظرياته لفهم وتفسير الواقع السياسي واستشراف المستقبل، وكلما كانت النظرية السياسية ومفرداتها من المفاهيم والمصطلحات تعبر عن وتعكس الواقع السياسي من مؤسسات وعلاقات وأفكار كلما ارتقى علم السياسة وأصبح مواكباً لمجريات الحياة السياسية وأكثر قدرة على تفسيرها، ومن هنا فإن علماء السياسة يجتهدون في اشتقاق النظريات ونحت المفاهيم والمصطلحات الأكثر قدرة على وصف وتفسير الظواهر السياسية المستجدة، أو تبيئة وتحوير المفاهيم والمصطلحات الكلاسيكية التي فقدت مدلولاتها الواقعية.

وحيث إن السياسة كظاهرة اجتماعية لا تعرف الفراغ كما لا تعرف الثبات فمن المفترض أن يتطور علم السياسة وتتغير المفاهيم والمصطلحات أو تتطور بما يجعلها معبرة تعبيراً صادقاً عن مدلولاتها الواقعية.

المصطلحات والمفاهيم والنظريات التي صاغها علماء السياسة في اليونان القديمة أو في عصر الإقطاع أو في القرون الوسطى وسيطرة الكنيسة في أوروبا وحتى التي صاحبت مرحلة الحرب الباردة لا تَصلُح كلها لفهم وتفسير الحياة السياسية اليوم، والمفاهيم والمصطلحات التي وضعها علماء السياسة المسلمون في صدر الإسلام وفي زمن الخلافة قد تبدو غريبة عن واقع الدول الإسلامية اليوم كممارسة وأنماط تفكير، أو أنها محل خلاف ويتم تفسيرها ومحاولة تطبيقها جزافاً.

إن كانت بعض المفاهيم والمصطلحات والنظريات والأيديولوجيات ما زالت تتعايش معنا وتشكل جزءاً من لغتنا اليومية عند الحديث في الشأن السياسي مثل السلطة والدولة والديمقراطية والأحزاب وما يرتبط بهما من مفاهيم ومصطلحات، إلا أن كثيراً منها تجاوزها الزمن أو أصبحت حمالة أوجه، فالواقع السياسي يتغير بوتيرة أسرع من عملية التنظير العلمي السياسي، كما تسللت للخطاب السياسي الشعبي وحتى الإعلامي مفردات سياسية لا تمت بصلة لعلم السياسة.

تعتبر مؤسستا السلطة والدولة وما يرتبط بهما من مفاهيم ومصطلحات ونظريات العمود الفقري لعلم السياسة والموضوع الأهم له بالرغم من تعاقب القرون وتعدد النظريات بشأنهما،  وكانت وتيرة تطور السلطة والدولة أسرع من عملية التنظير بشأنهما حتى أصبح علم وعلماء السياسة في حالة اغتراب عن الواقع السياسي وهو ما يتم التعبير عنه أحيانا بأزمة علم السياسة والعلوم الاجتماعية بشكل عام.

منذ وجود الدولة أو المجتمع الكلي، ما بعد سلطة الأسرة والقبيلة، وهناك سلطة تُخضع لها مجموعة من الناس، وعلم السياسة والمشتغلون به يصنفون الأنظمة السياسية تصنيفات ثنائية أو متعددة اعتماداً على شكل السلطة وموئلها وعلى معايير مرتبطة إما بأيديولوجيا النظام أو أصول الطبقة السياسية الحاكمة أو بموقع الدين في المجتمع وفي دستور وقوانين الدولة أو الموقف من الحريات العامة ودور الشعب في إدارة شؤون الدولة.

وفي الوقت الحاضر وبسبب ما طرأ على المجتمعات والأيديولوجيات من تحولات تتداخل الأسس التي تقوم عليها التصنيفات وتلتبس المصطلحات والمفاهيم بهذا الشأن، حيث يمكن القول بأن كثيراً من المفاهيم والمصطلحات أصبحت متجاوَزة وتعبر عن حالة ماضوية في تاريخ الدول والأنظمة السياسية أو يتم استعمالها تجاوزاً إلى حين نحت مصطلحات ومفاهيم جديدة.

كانت أشهر التصنيفات بهذا الشأن: أنظمة اقطاعية وأخرى ليبرالية، أنظمة ديمقراطية وأخرى استبدادية أو شمولية، أنظمة تقدمية وأخرى رجعية، أنظمة شيوعية ويسارية وأخرى ليبرالية ورأسمالية، أنظمة عسكرية وأخرى مدنية، أنظمة دينية أو طائفية وأخرى مدنية أو علمانية، أنظمة ملكية استبدادية أو جمهورية شعبية الخ.

هذه المصطلحات لم تعد مناسبة للتمييز بين الانظمة السياسية اليوم حيث تتداخل أحياناً هذه الأنماط في نفس السلطة والنظام السياسي، ففي المغرب مثلا خليط من السلطة الدينية والسلطة الديمقراطية والسلطة الوراثية، وفي إيران وباكستان تلتبس الأمور ما بين السلطة الدينية وسلطة القانون الوضعي وبعض مظاهر الديمقراطية، وفي روسيا مزج ما بين الديمقراطية والكاريزما والاستبداد، وفي إسرائيل تداخلّ بين الدين والديمقراطية والعنصرية، وفي الولايات المتحدة ومع التقدم الكبير للديمقراطية والعلمانية إلا أن هناك بعض مظاهر التدين كما كان الأمر مع الرئيس جيمي كارتر وبوش الأبن، فهذا الأخير تحدث عن الحرب الصليبية، كما أن الرؤساء الأمريكيين وكبار رجالات الدولة يحلفون اليمين عند تنصيبهم ويدهم على الكتاب المقدس الخ.

نفس الأمر بالنسبة للمصطلحات المرتبطة بالدولة فقد عرف شكل الدولة أو المجتمع الكلي تحولات فانتقل من مجتمع القبيلة إلى دولة المدينة أو الحاضرة إلى الدولة الإمبراطورية إلى الدولة القومية، وإن كان المعتمد اليوم هو الدولة القومية أو الحديثة إلا أن الأشكال الأخرى من الدول أو المجتمعات الكلية ما زالت موجودة بشكل أو آخر، كما كان يجري عملية تصنيف للدول اعتماداً على مستوى تقدمها وتحضرها كالقول بدول متقدمة وأخرى متخلفة أو دول العالم الثالث أو دول الجنوب، أو ما تتمتع به من سيادة، فيقال دول مستقلة وذات سيادة وأخرى مستعمَرة أو خاضعة للوصاية .

لا توجد اليوم دولة يمكن القول بأنها قومية خالصة حيث تتعايش عدة قوميات داخل الدولة مع سيطرة أو غَلَبة قومية على بقية القوميات ، وهذا التعايش إما أن يكون برضا الجميع في الأنظمة الديمقراطية أو فسرا وقهرا في الأنظمة الدكتاتورية أو التقاء مصالح الجميع، وحال الولايات المتحدة وكندا واستراليا وعديد الدول الأوروبية التي شرَّعت أبوابها أمام الهجرة دليل على ذلك أيضا واقع الهند وروسيا الخ، كما يختلط الأمر بالنسبة للدولة الواحدة ما إن كانت ديمقراطية أو استبدادية، دينية أو مدنية، متقدمة أو متخلفة، وحال دول الهند والصين وإيران ودول الخليج خير مثال على ذلك ـ

 أيضاً فإن مفهم السيادة المطلقة للدولة أصبح محل شك في زمن العولمة والثورة المعلوماتية والفضاءات المفتوحة، كما تراجعت بعض المصطلحات مثل البروليتاريا والصراع الطبقي والتبعية، كما أن مصطلح الدولة الفاشلة أصبح يزاحم مصطلح الدولة المتخلفة أو يتداخَل معه، حتى الديمقراطية أصبحت مصطلحا وسلوكا غريبا عن معناه ودلالته الأولى كما كان في أثينا القديمة، فغالبية الأنظمة السياسية تزعم بانها ديمقراطية بالرغم من الفروقات الكبيرة بينها.

ربما أكثر المفاهيم والمصطلحات التي تجاوزها الزمن أو تحتاج لإعادة تعريف هي ذات المضامين الأيديولوجية كالقول بأنظمة يساريةـ شيوعية، تقدمية، وأخرى يمينية، محافظة، ليبرالية، فهذه التصنيفات تراجعت أو باتت ملتبسة لتراجع الأيديولوجيات المرتبطة بها أو ما طرأ عليها من تحولات وتغيرات أبعدها عن أصولها المعرفية الأولى، كالشيوعية والليبرالية،  فاليسار لم يعد يساراً واحداً ولا اليمين يميناً واحداً، فبعد أن كنا نتحدث عن اليسار أصبح هناك يمين اليسار ووسط اليسار  ويسار اليسار، ونفس الأمر بالنسبة لليمن حيث وسط اليمين ويسار اليمين ويمين اليمين و اليمين المحافظ والمتطرف، ونفس الأمر بالنسبة للإسلام السياسي بأنظمته وحركاته، حيث نسمع عن إسلام معتدل وإسلام متطرف وعن اليسار الإسلامي الخ.

التبست الأمور والمفاهيم في تصنيف الأفراد كما الأحزاب والأنظمة السياسية، ما بين اليسار واليمين، الثوري والرجعي أو المحافظ،، الديمقراطي والاستبدادي، الوطني وغير الوطني، المتحضر والمتخلف، الجهادي والإرهابي، والأساس العملي الذي ينبني عليه التمايز، لأن الشعارات لوحدها ليست مقياساً للحكم.

وفي جميع الحالات فإن علم السياسة ما بعد الحرب الباردة وفي زمن العولمة والثورة المعلوماتية وتأثيراتها المجتمعية والاقتصادية يعيش حالة اغتراب ويمر بأزمة في التكيف ومواكبة المتغيرات المتسارعة. وإن كان هذا حال علم السياسة في المجتمعات المتحضرة حيث يسود التفكير العلمي في شتى المجالات ويتواجد فيها مراكز أبحاث وجامعات متخصصة في الشأن السياسي، فإن حال علم السياسة ونظرياته في دول الجنوب وخصوصا في الدول العربية يعيش ليس فقط حالة اغتراب بل هو شبه مُغَيَّب حيث حضور وفاعلية انماط التفكير والتشكلات الاجتماعية لما قبل الدولة والسياسة  أكثر فاعلية وحضورا  .

 

إبراهيم ابراش

 

 

 

محمد العباسيبين الماضي الجميل والحاضر المر، كانت مملكة البحرين، وبإذن الله ستظل، واحة جميلة تتمتع بخيرات وأمن وحريات منذ قديم الزمان.. نحيا في ربوعها في شعور دافئ يجمع بين كافة مكوناتها البشرية في جو مفعم بالاطمئنان التام.. ولا نزال نتمتع بالطيبة التي عرفنا بها أهل الخليج بضفتيه، ولم نكن قط ممن يتنابذون بالألقاب وبالأديان والمذاهب.. فبين ظهرانينا يتعايش المسلمون مع المسيحيون ممن انتقلوا إلى البحرين واستوطنوها منذ أجيال، ومعهم بعض الأسر من اليهود العرب والهنود وغيرهم.. وعاشت بيننا أسر عديدة من كافة الأديان من الهندوس والبوذيين وأتباع المذاهب المختلفة، لكل طائفة ومعتقد معابد وكنائس ومآتم وحسينيات ومساجد وجمعيات دينية وخيرية وأندية خاصة تجمع شمل كل مجموعة يمارسون فيها طقوسهم وعباداتهم وأنشطتهم الاجتماعية دون أدنى حساسيات تحت مظلة الحريات الممنوحة كحقوق لكل ملة في ممارسة معتقداتهم دون وجل.. فالبحرين كانت ولا تزال واحة من الأمن والأمان لجميع قاطنيها من مواطنين ووافدين وزائرين.

ربما مسألتي الأمن والأمان في ظل الحريات الأخرى كانتا تشكلان أهم عناصر جودة المعيشة في هذه الجزيرة الصغيرة رغم قلة الموارد الأخرى التي أنعم الله بها على جاراتنا الخليجية من حولنا، ولكن سياسات قادتنا منذ أوائل القرن الماضي جعلت البحرين سباقة في كثير من الأمور قبل أن تلحق بنا وربما تسبقنا جاراتنا في مراحل الطفرة البترولية اللاحقة.. لكننا ورغم القدرات المتواضعة تبوأنا السبق في الصحافة وإنشاء المدارس وتعليم البنات وقيادة السيارات والبعثات الدراسية الخارجية والمصانع العملاقة في مجالات تكرير النفط وصناعة البتروكيمياويات والألمنيوم وملحقاتها من صناعات خفيفة وثقيلة والخدمات المصرفية والفندقية.. كل هذه النشاطات الصناعية والخدمية وجدت لها المرتع المشجع في ظل تمتع البحرين بالحريات المعيشية والأمن والشعور بالأمان، وهي في مجملها عوامل جاذبة ومطمئنة للمستثمرين والوافدين والمواطنين.. وحتى بعد سنوات الطفرات النفطية ومعها العمرانية في دول الخليج المجاورة حافظت البحرين على رضى الوافدين فيها من كافة الجنسيات وعلى رغبتهم في البقاء فيها رغم الفروق الكبيرة أحياناً في المكاسب المادية والعروض المغرية.

لكن الوضع بات مختلفاً في السنوات القليلة الماضية، ربما منذ الألفية الجديدة، بالذات بعد بعض النكسات الاقتصادية العالمية مما تركت بصماتها المجهضة على الحركة المصرفية والبورصة وارتفاع تكاليف المعيشة وتضاعف أسعار العقارات بشكل "جنوني" مما بات يشكل عبئاً ثقيلاً على الجميع، وربما هو المواطن الأكثر تضرراً من هذه الأوضاع.. فالوافد قد يختار العودة لموطنه أو الانتقال إلى دول أخرى أقل تأثراً بالمتغيرات أم تلك التي قد توفر لهم مكاسب مادية ورواتب وفرص أكبر.. لكن المواطن "المطحون" قد لا يحبذ ترك وطنه وأهله بذات السهولة، وإن كان الكثير من الأجيال الأصغر سناً باتوا يطرحون فكرة "الهجرة" بلا عودة بسبب العطالة والبطالة وقلة ذات اليد وصعوبات الحياة.. إنها معضلة كبيرة ألا تلتفت قياداتنا لمطالب شبابها المتعلم في توفير حياة كريمة تمنحهم الحرية والاستقلالية المالية والمعيشية وتملك المسكن وبناء الأسرة الآمنة والحياة الكريمة.

فهل لم تعد دولتنا الصغيرة تتمتع بالأمان المعيشي ولم تعد كما كانت فيما سبق من عهود كونها الملاذ الآمن لشريحة كبيرة من أهلها في ظل المنافسة مع أعداد قد لا تزال غير متكافئة من الوافدين والعمالة الآتية لنا من خلف الحدود؟   وكم هي الأصوات المنادية والمشتكية من صعوبات الحياة في ظل صعوبات جمة تثقل كواهل الآباء ممن يعينون أبنائهم بسبب قلة فرص العمل وضآلة الرواتب وصعوبات الحياة ومنغصاتها التي تتكالب عليهم بشكل مطّرد.. فمع كل الصعوبات والضائقات أتتنا قي السنوات القليلة الماضية تخلي حكومتنا (ربما مضطرة) عن الكثير من سياسات دعم بعض ضروريات الحياة من وقود ولحوم وخدمات الكهرباء والماء وغيرها، مع فرض ضرائب على البضائع والمبيعات، والتي ستتضاعف مع السنة الميلادية الجديدة 2022، لتصبح في مجملها من أسباب العناء المتراكم على كافة الأسر المتوسطة والمحدودة المداخيل.

الحمد لله أننا لم نزل نتمتع بالكثير من مظاهر "الأمن" بشكل عام، لكننا بتنا نفتقر للأمان المعيشي والمادي حتى بات المستقبل همنا الأكبر.. فقد فقدت الكثير من العوائل مصادرها المالية وفرص الاستثمار ولم تعد قادرة على مجاراة التضخم.. فبحبوحة العيش صارت من صفات غابر الأيام.. الحياة الكريمة أصبحت مهددة ولا من بريق أمل في الأفق القريب.. بل وبات المواطن يحمد الله أنه ليس من سكنة ومواطني الدول العربية والإسلامية العديدة ممن تعاني سوء الأحوال من حولنا مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن وليبيا والسودان وأفغانستان ممن دمرتهم الحروب الأهلية من جهة وظلم الدول الكبرى الباغية.. نحمد الله على أننا لا نزال في كنف أوطاننا في هذه البقعة من الدنيا وفي ظل قادتنا التي تفادت وقوعنا في فخاخ مخرجات "الربيع العربي" المشئوم التي كادت أن تعصف بنا كما قد حدث من حولنا.. ونحمد الله على الرعاية الطبية التي لم نزل نحظى بها في خضم جائحة الوباء المريع الذي يعصف بالكرة الأرضية من شرقها حتى أقصى غربها.. نحمد الله كثيراً لتوفير المراكز الصحية والكثير من الأدوية والرعاية الصحية بلا مقابل.. ونحمد الله كثيرا لتوفير فرص الدراسة الإلزامية المجانية بشكل عام.. نحمد الله على البنية التحتية وتوفير مياه الشرب والكهرباء التي لا تنقطع عنا صيفاً وشتاءً كما هو الحال مع بعض الدول الشقيقة التي عصفت بها الحروب الأهلية والنزاعات السياسية التي أدت إلى تدمير بناها التحتية.. نحمد الله كثيراً ونشكره ونثني عليه لأنه لم يعد لنا غير أن نرجو من الله أن يعطف بنا ويلهمنا الصبر ويكرمنا براحة الرضا عن الخيرات القليلة الباقية التي لم نزل نحظى بها مقارنة بالكثير من دول العالم الأخرى.. فمن أهم وأعظم خصال أهل البحرين أنهم يحمدون الله كثيراً ويثقون بالله أن يرحمنا برحمته.

نعي جميعاً أن على الإنسان حمد الله وشكره على جميع النعم التي أنعم الله عز وجل بها علينا من صحة ومال وسعادة وأمن وأمان وحريات، فعلينا تجنب زوالها والمحافظة عليها بشكر الله عز وجل عليها، وهذا أقل ما نفعله.. ولعلنا أيضاً نعي أن حب المواطن لوطنه يأتي بالأساس من شعوره بأنه مدين لوطنه بالولاء ونكران الذات من أجل المصلحة العامة، في ظل شعوره بأن وطنه لم يخذله ولن يخذله.. فحين تقع الفواجع التي يشعر معها أفراد المجتمع بأن هنالك تقصير أو إهمال أو سوء إدارة من جانب المعنيين بشؤون تسيير وتيسير الأمور يفقد معها الثقة والشعور بالأمان والطمأنينة على المستقبل.. ومعها تتعالى نداءات تنم عن اليأس وفقدان الأمل، ومعها تهترئ وشائج الولاء المتوارثة منذ قديم الزمان.. وتحل محلها بوادر الخلل المجتمعي والنفسي بسبب عصف الشدائد المتكالبة وتراكماتها السلبية.. وتختفي معها مشاعر السعادة والرضا والراحة ومشاعر الأمان التي لطالما تشدقنا بها عبر أجيال متلاحقة، وهي كانت خير ما تتميز به مملكتنا الجميلة وهذا الشعب الطيب البسيط!.

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

 

المحاصصة الطائفية القومية وخطرها على الدولة العراقية

الديموقراطية كلمة لاتينية من مقطعين، الأوّل Demos وتعني الشعب، والثاني Kratos وتعني الحكم أو السلطة، وبالتالي فأنّ مفهوم الديموقراطية كمصطلح هو حكم الشعب. والديموقراطية على الرغم من تعريفها الواضح الا أنّها تتمايز في أشكالها من بلد لآخر تبعا لتطور مجتمعات تلك البلدان أو تخلفها ثقافيا، وكذلك على مبدأ العدالة الإجتماعية والإستقرار السياسي اللتان ترسّخان مبدأ التداول السلمي للسلطة من خلال آليات ديموقراطية تتطور بإستمرار.

التشريعات التي فتحت الطريق للتطور الديموقراطي في بريطانيا وحاجتنا لها

أنّ الديموقراطية البريطانية العريقة على سبيل المثال شهدت في العام 1868 تشريع وإصدار جملة قوانين لإصلاح المشاكل الإجتماعية والإدارية من قبل البرلمان، وهذه القوانين فتحت الباب واسعا لتطور العملية الديموقراطية بالبلاد. ولم يطل الأمر كثيرا للبدأ بإصلاحات جذرية تهم قطاعات واسعة من الجماهير من قبل البرلمان وقتها، ففي العام 1870 أي بعد سنتين فقط سنّ البرلمان البريطاني قانون الخدمة المدنية الذي فتح الابواب مشرعة ليتولى الكفوءين المناصب الإدارية بالبلاد، بعدما كانت هذه المناصب من حصة علية القوم او من الذين يستطيعون شرائها! ويبقى قانون التعليم الذي سُنّ في نفس العام ليحد من سطوة المدارس الكنسية وليشيع نظام تعليمي جديد من خلال مدارس تدعمها الحكومة، قفزة هائلة في تحديث التعليم الذي خطا خطوات جبّارة للأمام من خلال تعليم أطفال الطبقات الفقيرة، والذي ساهم في تغيير اللوحة الإجتماعية بالبلاد.

طرحنا سن قانون الخدمة المدنية وقانون التعليم، ليس لمقارنة الديموقراطية البريطانية العريقة والتي تتطورت خلال قرنين من الزمن لتصل الى ما هي عليه اليوم بـ " الديموقراطية" العراقية، بل إشارة لقصر الفترة الزمنية لسن وتشريع قانونين غيّرا شكل المجتمع البريطاني، مقابل تراجع شكل النظام " الديموقراطي" العراقي بإستمرار منذ أن جاء به المحتل الأمريكي لحل مشاكل الدولة العراقية، والتي تتعمّق وتزداد تعقيدا كلمّا مضينا قدما بهذا الشكل من أشكال الديموقراطية المعتمدة على المحاصصة الطائفية القومية في توزيع مراكز القوى والمناصب، أي الديموقراطية التوافقية. وقبل الدخول في ماهية الديموقراطية التوافقية وتطبيقها الذي سيقودنا الى كوارث على صعيد المجتمع والإقتصاد والتعليم والبيئة وغيرها إن لم يقدنا لليوم، ومقارنتها بأقرب تجربة ديموقراطية توافقية قريبة لنا جغرافيا وما آلت إليه كلبنان، سأتناول بشيء من التبسيط تقريرا تحت عنوان (إستراتيجيات لدعم الديموقراطية في العراق) (1) أعدّه أريك ديفيس أستاذ العلوم السياسية ومدير سابق في مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة راتجرز لصالح معهد السلام الأمريكي UNITED STATES INSTITUTE OF PEACE في العام 2005 ، وإيريك ديفيس هو نفسه مؤلف كتاب (ذكريات دولة: السياســة والتاريخ والهوية الجماعية في العراق الحديث). وهذا المعهد وعلى الرغم من كونه "مؤسسة فدرالية غير حزبية" كما يُعرِّف نفسه، الا أن الكونغرس الامريكي هو من انشأه ويموله، والرئيس الامريكي هو من يعيّن مجلس إدارته ويصادق عليه مجلس الشيوخ الأمريكي!

إستراتيجيات دعم الديموقراطيّة بالعراق من وجهة نظر معهد السلام الامريكي

في مقدمة التقرير يشير الكاتب الى أنّ بدأ العملية " الديموقراطية" بالعراق تعني أن لا عودة للوراء، وعملية التحول الديموقراطي الجدّي والتي بدأت حسب وصفه بحاجة الى أن يعمل العراقيون على " إضفاء الطابع المؤسسي على نظامهم السياسي الديمقراطي الوليد"، ويستفيض الكاتب بشرح مفصّل عن هذا الأمر من خلال تناوله التاريخ الديموقراطي للعراق منذ عهد السومريين الى يومنا هذا ليصل الى " أن الديمقراطية ليســت جديدة على العراق، والواقع أن العكس هو الصحيح تماما".

لقد تناول التقرير المُعَد بإستفاضة وأرقام وأحداث وشخوص وهيئات وأحزاب مساحة واسعة من العملية السياسية بالعراق بعد الإحتلال لحين تاريخ إعداده، كما تناول إقتراحات كاتبه ونظرته لشكل العملية الديموقراطية بالبلاد وآفاقها المستقبلية. ومثلما بدأت الديموقراطية البريطانية بإيلاء إهتمام كبير للتعليم، يقترح الكاتب جملة توصيات من أجل تطوير التعليم والمناهج الدراسية لتكون بوابّة لفهم اكبر للعملية الديموقراطية من خلال " إدخال مواد للتدريس ذات توجه مدني". لقد تناول التقرير بعد المقدمة الشروط اللازمة للديموقراطية والتي حددها بأربع نقاط ، والخصها من وحي التقرير بـ:

1- "بناء مؤسسات قوية تحمي المواطنين من الممارسات التعسفية للسلطة السياسية".

2- "أنّ المواطنين يجب أن يصلوا ليس الى صحافة مستقلة ونظام للإتصال الجماهيري، بل ايضا الى نظام تعليمي يدعم الفهم المدني والقيم المدنية".

3- "يجب أن تعمل الحكومة على أن يتمتع جميع المواطنين بالعدالة الإجتماعية. أنّ مجتمعا تنتشر فيه البطالة ولا يرى الشباب فيه أملا في المستقبل لا يستطيع أن يبني ديموقراطية قوية".

4- "يجب أن تتسم جميع المجتمعات الديموقراطية بالإتفاق بين المواطنين على المثل العليا الأساسية التي تجمع بينهم".

ويصل كاتب التقرير الى حقيقة معروفة وهي أنّ الديموقراطية تفشل عندما لا يتمتع المجتمع بمستوى معيشي لائق، وشيوع البطالة والأمية، والركود الإقتصادي، وتراجع منظمات المجتمع المدني وغياب العدالة الاجتماعية. لكنّ العدالة الإجتماعية وهي أساس قوي في بناء النظم الديموقراطية، قد نراها في بلدان غير ديموقرطية كالإمارات وقطر على سبيل المثال، فالفائض المالي الكبير في ظل الإقتصاد الريعي وتعداد السكّان والعلاقات القبلية المتداخلة والإدارة الصحيحة لموارد البلد لحدود معيّنة ساهمت في تبني الدولة مبدأ العدالة الإجتماعية دون تحقيق الشروط اللازمة لتحقيقها بشكلها السياسي والإجتماعي والإقتصادي المطلوب، وعلى الرغم من هذا تبقى هذه الحالة إستثناء وليس قاعدة. فقيام العدالة الإجتماعية في مجتمع ما بحاجة الى عمليات تنمية سياسية وإقتصادية وإجتماعية تبدأ ببناء دولة مؤسسات تأخذ على عاتقها الشروع بعمليات تنمية إقتصادية تتكفل بتوفير حاجات الناس، ويعتبر الضمان الإجتماعي من الأسس المهمة لتحقيق مبدأ العدالة الإجتماعية، وهذا يعني تحمل الدولة مسؤوليتها في تقليل الفجوة بين الأغنياء والفقراء من خلال تقديم مساعدات مالية للسكان الأكثر إحتياجا مع ضرورة توفير رعاية صحية وتعليم جيد لجميع الفئات الإجتماعية في المجتمع، ويبقى الطريق للعدالة الإجتماعية معدوما في حالة غياب الأمن والسلام والحريات الفردية وعدم إحترام حقوق الإنسان ومنها حقوق الطفل والمرأة بل وحتى حقوق الحيوانات. وإذا أخذنا بلادنا كمثال فسنرى من إننا بعيدون جدا عن تحقيق مبدأ العدالة الإجتماعية، فالفساد وسوء الإدارة يلتهمان الجزء الأكبر من مداخيل البلد، علاوة على إنعدام الأمن والسلام فيه. كما وأنّ العدالة الإجتماعية في بلد بتعداد العراق السكّاني والذي تتزايد أعداده بوتائر سريعة، لا يستطيع الإقتصاد الريعي مواكبته ولو بحدوده الدنيا. لذا وليتحقق الشكل الأمثل للعدالة الإجتماعية في ظل نظام ديموقراطي حقيقي، فإننا بحاجة الى موارد ضخمة لا تعتمد على الإقتصاد الريعي وتقلبّات أسعار الطاقة في الأسواق العالمية، بل الى إدارة كفوءة وبنى تحتية وتنوّع إقتصادي لتجنب المخاطر التي تهدد إقتصاد البلاد. أي وبمعنى آخر فإننا بحاجة الى سياسة إقتصادية علمية وعقلانيّة تعمل على تطور ونمو الإقتصاد وتنوعّه من خلال تعزيز القطاع العام وفسح المجال امام القطاع الخاص الوطني للمساهمة في الإستقرار الإقتصادي المنشود والذي يقود الى تحقيق العدالة الإجتماعية، من خلال إرساء نظام ديموقراطي. وعودة للتقرير فأنّه لم يتنبأ وهو صادر عن معهد ابحاث تابع لدولة كانت تحتل العراق وقتها ولليوم الى أمر يقوّض العملية " الديموقراطية" التي لازالت في تراجع على الرغم من تجاوزها الثمانية عشر عاما من ولادتها القيصرية برمتّها، وهو تناسل الميليشيات التي كانت تقاتل النظام البعثي الى العشرات، وكأنها تتكاثر في مزرعة لزراعة اشكال مختلفة من الفطر السام والقاتل، كما وأنّه لم يتناول مصطلح الديموقراطية التوافقية مطلقا كنموذج في التجربة " الديموقراطية" العراقية!!

هل النظام السياسي بالعراق ديموقراطي، وإن كان ديموقراطيا فأي نموذج ديموقراطي هو ..؟

يُعرّف كلا من الفيلسوف التجريبي والمفكر السياسي الإنجليزي جون لوك والفيلسوف الفرنسي مونتسكيو الديموقراطية من أنها" الحكم بالرضى (عبر الإنتخابات)، وحكم الأكثرية أو الأغلبية (الفائز بأكبر عدد من الأصوات)، وتقسيم السلطات". وهناك ملاحق أخرى حسب رأيهما لهذا النظام منها " حقوق الإنسان، الحقوق المدنية للفرد، حقوق المرأة، القانون الدولي.. الخ". ويعتقد البعض من أنّ هذا النموذج من الديموقراطية يعتبر ناجحا في البلدان المتجانسة. اما في حالة البلدان غير المتجانسة فأنّ مبدأ الأغلبية والأقلية حسب رأي عالم الإجتماع الإسباني خوان لينز تتحول الى أغلبية قومية أو دينية أو طائفية والذي ينتج عنه وفق رأيه إستبداد الأكثرية، وهذا ما دفع الباحث الإسرائيلي إرون يفتختال الى قول من أنّ لا ديموقراطية في إسرائيل، بل هناك إستبداد الإثنية الكبرى! ولحل هذه المعضلة أي صعوبة وليس إستحالة قيام نظام ديموقراطي وفق الأغلبية في مجتمع غير متجانس، فأنّ البديل كان مفهوم آخر للديموقراطية وهو مفهوم الديموقراطية التوافقية، والتي تتميز بأربع عناصر أساسية حسب رأي إرنت ليبهارد في كتابه (الديموقراطية التوافقية في مجتمع متعدد) وهي:

1- " حكومة إئتلاف أو تحالف واسع يشمل حزب الأغلبية أو سواه.

2- مبدأ التمثيل النسبي في الوزارة، الإدارة، المؤسسات، والإنتخابات أساسا.

3- حق الفيتو المتبادل للأكثريات والأقليات لمنع إحتكار القرار.

4- الإدارة الذاتية للشؤون الخاصة لكل جماعة".

وقد شاع كما جاء في مقدمة الكتاب أعلاه مصطلح التوافقية في العراق شيوعا كبيرا، وأُهملت إسرائيل وهي مجتمع غير متجانس أيضا، وهي متداولة أي مصطلح التوافقية في لبنان على نطاق نخبوي!

سأحاول هنا وبشيء من التبسيط والتكثيف تناول تجربة الديموقراطية التوافقية في العراق ونتائجها، وإن كانت صالحة لبناء دولة في ظل وعي شعبي متدن، نسبة أمّية عالية، بطالة، فقر، غياب كامل للعدالة الإجتماعية، فساد على كل المستويات، تأثير المؤسستين الدينية والعشائرية على جمهور واسع من المواطنين، تعدد مراكز القوى، شيوع ثقافة السلاح، إستقطاب طائفي/ ديني – قومي، إتفاق النخب السياسية على كل شيء الا ما يتعلق منها بخدمة المواطن والوطن. علما من أنّ الديموقراطية التوافقية لم ترد في دستور البلاد بالإسم، ولم يتم تبنّيها علنا من قبل الأحزاب الطائفية – القومية والتي تعمل بالحقيقة من خلالها في قيادة البلد.

أولى ما يُمكن تسميتها بالديموقراطية التوافقية بالبلدان العربية ظهرت في لبنان بعد الإحتلال الفرنسي له، بإعتمادها أي الديموقراطية التوافقية على مبدأ المحاصصة الطائفية كنموذج للحكم فيه. ولو درسنا التجربة اللبنانية وما آل إليه لبنان من تطبيقاتها الكارثية، لأكتشفنا وبسهولة ما يحدث في العراق من فوضى خلّاقة بسبب نظام المحاصصة الطائفية/ القومية، والذي هو في الواقع ترجمة حقيقية للديموقراطية التوافقية التي يراد لها أن تكون الشكل الأوحد للديموقراطية. وقد توصّل المفكّر اللبناني مهدي عامل والذي عاش الحرب الأهلية هناك الى أنّ الديموقراطية إذا أرادت أن تكون ممكنة في لبنان، فيجب أن تكون ديموقراطية ثورية أي حكم وطني ديموقراطي، وفي هذا يقول " كانت الديمقراطية ممكنة ما دامت ديمقراطية طائفية، والديمقراطية الطائفية في اساسها هي هذا النظام الذي يحول دون التكون السياسي المستقل للطبقة الثورية النقيضة، وبالتالي ما ان ظهرت ضرورة تحول الديمقراطية الطائفية الى ديمقراطية سياسية، حتى بمعناها البرجوازي، ما أن ظهرت هذه الضرورة حتى إختارت البرجوازية الخيار الفاشي ودخلت في مرحلة الحرب الأهلية. إذن لم تعد الديموقراطية ممكنة في لبنان إلّا كديموقراطية ثورية أي كحكم وطني ديموقراطي (2) ومن خلال تجربتنا التي لا تقل سوءا

عن التجربة اللبنانية، فعلى القوى اليسارية والديموقراطية تثقيف جماهير شعبنا من أنّ الديموقراطية غير ممكنة في العراق الذي عاش حرب طائفية ويعاني من تغوّل الطوائف وأذرعها العسكرية وفساد النخب السياسية وهيمنة المؤسستين الدينية والعشائرية، الا بشكل ديموقراطية ثورية، أي حكم وطني ديموقراطي. ومفهوم الثورية هنا هو ليس حمل السلاح ضد السلطات الحاكمة أو بشكلها الكلاسيكي المعروف، بل التعبير عن رفض الجماهير للفساد والبطالة والمحاصصة من خلال تظاهرات وإعتصامات وإضرابات تقودها قوى لها المصلحة الحقيقية في تغيير الأوضاع نحو الأفضل. وهذه من مهام القوى اليسارية والديموقراطية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني والحركة الطلابية التي لعبت دورا بارزا في إنتفاضة تشرين، هذه الإنتفاضة التي غيرت الكثير من المفاهيم السياسية والإجتماعية في البلاد، وتعتبر نقطة مضيئة من نضالات شعبنا للخروج من محنته بعد أن زرعت الوعي في بين صفوف جماهير كسرت حاجز الخوف ورسمت طريقا لا يُمكن الرجوع عنه وهي تبحث عن خلاصها ووطنها من سلطة الفساد والميليشيات.

أنّ خطورة الديموقراطية التوافقية في بلد كالعراق، تأتي أساسا من تقسيم المجتمع بشكل عمودي، أي بشكل ديني/ طائفي - قومي، وهذا يؤدّي في ظل غياب العدالة الإجتماعية والحريّات وإنتشار الفساد، وصراع النخب السياسية التي تدّعي تمثيلها للدين/ الطائفة- القومية وهو صراع من أجل مصالحها وليس من أجل مصالح من تدّعي تمثيلهم، الى تعميق التمايز بما يخدم مصالح النخب السياسية ويساهم في إضعاف الدولة والمجتمع. في حين أنّ الديموقراطية يكون فيه تقسيم المجتمع أفقيا، وهذا ما عليه أن يتبناه اليسار والقوى الديموقراطية الأخرى . فالصراع يجب أن يكون صراعا إجتماعيا كون اصل الصراع الإجتماعي ذو جذور إقتصادية، وصراعا طبقيا، وهذا الشكل من الصراع هو المحرّك للتاريخ كما يقول ماركس. وإن كانت هناك شهادة جودة للديموقراطية، فأنّ "الديموقراطيات" العربية وفي مقدمتها العراقية هي من اسوأ التجارب والأشكال الديموقراطية التي عرفتها البشرية، وهذا يعود أساسا الى قلّة وعي المواطن العربي وجهله وأمّيته وبحثه المستمر للهويات الفرعية والإحتماء بها نتيجة ضعف الدولة وفسادها، أو إنحيازها لقومية أو دين أو طائفة على حساب الشعب ككتلة بشرية تتمتع بالحرية والعيش الكريم.

إنّ قبولنا بالديموقراطية التوافقية، يعني قبولنا بنظام المحاصصة الطائفية وشرورها، ورفضنا لها يعني العمل على تحشيد كل الفئات الإجتماعية المتضررة من سلطة المحاصصة لتغيير ميزان القوى سياسيا بما يشكل ضغطا شعبيا واسعا لإنهاء هذه الديموقراطية المسخ، والتعبير عن رفضنا هذا من خلال ربط الديموقراطية بتطور مجتمعنا وفصلها كليا عمّا تسمى بالديموقراطية التوافقية. أن الديموقراطية لتكن حقيقية وفعالة فهي أمام مهمة إرساء إستقرار سياسي وإجتماعي، من خلال مواجهة قوى الفساد وتحويل الصراع الإجتماعي من صراع عمودي الى صراع افقي، وهذه من مهمات القوى اليسارية والديموقراطية الأصيلة لمواجهة خطر تقسيم البلاد.

هل الديموقراطية التوافقية هي البوابّة لتقسيم العراق ..؟

في باب الإنفصال والتقسيم ومن خلال ردّه على آراء وأفكار إريك أ. نوردلينغر يقول إرنت ليبهارد " إنّه ينبغي أن لا يُعد الإنفصال نتيجة غير مرغوب فيها للتوترات داخل مجتمع تعددي في كافة الظروف. ثمة ثلاثة حلول لمعالجة المشاكل السياسية في مجتمع تعددي مع الحفاظ على طبيعته الديموقراطية. أولّها إزالة الطابع التعددي للمجتمع أو تقليصه بصورة جوهرية عبر الإستيعاب – وهي طريقة ذات إحتمالات ضئيلة في النجاح، على المدى القصير خصوصا. ثانيهما، الحل التوافقي الذي يقبل بالإنقسامات التعددية بإعتبارها لبنات البناء الأساسية لنظام ديموقراطي مستقر. فإذا كان الحل الثاني بعيد المنال، أو إذا ما جُرّب وأخفق، فأنّ الحل المنطقي الوحيد الباقي هو تقليص التعدد عبر تقسيم الدولة الى دولتين منفصلتين متجانستين أو أكثر". وقد أثبتت تجربة قبرص ذات النظام الديموقراطي التوافقي صحّة إراء ليبهارد وهي تنقسم الى دولتين لقوميتين مختلفتين، الا أنّ التجانس بينهما غبر موجود مثلما توقّع ليبهارد.

لو أهملنا الحلّ الأوّل لضآلته كما يقول ليبهارد، نرى إننا في تجربتنا العراقية قد فشلنا لليوم في الحلّ الثاني أي الحل التوافقي/ المحاصصة الطائفية القومية في تقسيم المجتمع العراقي بعد تجربة عمرها ثمانية عشر عاما، ولم نستطع لليوم ان نتقدم ولو خطوة واحدة في بناء نظام ديموقراطي، ناهيك عن بناء نظام ديموقراطي مستقر. ماذا تبقى من الحلول الثلاثة إذا..؟ لم يبقى الّا الحل الأخير حسب رأيي ليبهارد أي تقسيم الدولة الى دولتين مثلما يقول، وفي الحقيقة أن التقسيم في تجربتنا الكارثية مع الديموقراطية التوافقية، سيقسّم البلاد الى ثلاث أو أكثر من الدول غير المنسجمة إطلاقا وليس دولتين.

إنّ الديموقراطية التوافقية غير قادرة على بناء نظام حكم وطني مستقر، وغير قادرة على تجاوز الحالة الطائفية القومية بالبلاد، وستبقى عاجزة عن حلّ مشاكل شعبنا وبلادنا. وإستمرارها يعني إننا نسير بالبلاد الى جحيم من المشاكل التي لا تنتهي، والتي قد تؤدي الى تقسيم البلاد. ويبقى الحل هو بناء نظام ديموقراطي حقيقي، بمعنى آخر حكم وطني ديموقراطي كما يقول مهدي عامل. وهذا المهمة الصعبة وغير المستحيلة تبدأ بإرساء ثقافة تسامح وطنية من أجل تعزيز الوحدة الوطنية من خلال كتابة دستور جديد، وتجريم إستخدام مصطلحات طائفية وعرقية كوسيلة للتمييز بين العراقيين لمصالح حزبية وفئوية ضيّقة، خصوصا في الدستور ووزارت ومؤسسات الدولة. فديباجة الدستور العراقي الحالي، ترسّخ مبدأ المحاصصة من خلال ترسيخها لمبدأ الولاءات الدينية والطائفية والقومية، وهذا بحد ذاته يُضعف مفهوم المواطنة إن لم يُنسفها.

لكنّ السؤال الكبير هو، من سيأخذ على عاتقه تحقيق هذه الإنعطافة في الحياة السياسية لإنقاذ شعبنا ووطننا؟ إنّ النخب السياسية المهيمنة على الوضع السياسي، لا مصلحة لها في التغيير مطلقا، لأن التغيير يعني إنتحار سياسي لها. لكن القوى اليسارية والديموقراطية وقوى شعبنا الحيّة هي صاحبة المصلحة الحقيقية في هذا التغيير، وعليها أن تتفق على أصغر القواسم المشتركة نابذة خلافاتها جانبا، فالمعركة اليوم هي معركة وطن يراد له أن يُقسّم أو أن يبقى مريضا كما هو عليه الآن، وهذه القوى مدعوة قبل غيرها لتحمل أعباء هذه المرحلة الدقيقة والمفصلية من حياة وطننا. أنّ الثقة بالنخب السياسية والدينية والعشائرية في تغيير أوضاع البلاد ولو بنسبة ثانية واحدة لسنة ضوئية ليست سوى سذاجة، كون هذه القوى المتحاصصة وهي تنفّذ أجندات دولية وإقليمية تعتبر أساس المشكلة إن لم تكن المشكلة نفسها.

الكارثة في الفوضى السياسية العراقية هي ليست النموذج "الديموقراطي" بغضّ النظر عن مسمياته، بل الكارثة تكمن في إننا لازلنا في نفس المربع الديموقراطي الروماني قبل الميلاد، عندما كان المرشّح للإنتخابات " يحرص على كسب ودّ أكبر عدد من القبائل"(3)، ولكي نعود فعلا لتلك الحقبة من الصور السلبية في العملية الإنتخابية "نرى أنّ الرشوة تأتي في مقدمتها، أي توزيع النقود على القبائل"(4) وهذا يعني إننا بحاجة وفق النموذج " الديموقراطي " العراقي الحالي، لأكثر من الفي عام لنصل الى ما وصلت اليه روما وقتها حيث الغلبة للقبائل ولمن يستطيع تقديم رشى أكبر ليفوز بالإنتخابات.. !!

 

زكي رضا - الدنمارك

.............................

(1)  https://www.usip.org/sites/default/files/resources/sr153_arabic.pdf

(2) هذا النص جزء من مداخلة القاها المفكر الماركسي الشهيد مهدي عامل عام 1986 ضمن "الندوة اللبنانية العربية العالمية" التي دعا اليها وقتها الحزب الشيوعي اللبناني ضمن التحضير لمؤتمره الخامس.

(3) مجلة النهج العدد 8 ص 100

(4) نفس المصدر ص 101

* لقد إعتمدت المادة على كتاب (الديموقراطية التوافقية في مجتمع متعدد) للباحث إرنت ليبهارد

 

قاسم حسين صالحتنويه: نقصد بالسياسي الفاسد هنا، الذين تولوا السلطة في العراق بعد عام( 2003)، وقادة الاحزاب والكتل التي لها دور فاعل في العملية السياسية، والأشخاص الذين يتولون مراكز ادارية في مؤسسات الدولة المتهمين بالفساد من قبل هيأة النزاهة والذين تدور حولهم شبهات فساد.

ونقصد بالفساد السياسي.. إساءة استخدام السلطة العامة من قبل النخب الحاكمة لأهداف غير مشروعة كالرشوة، الابتزاز، المحسوبية، والاختلاس فيما نعني بالفساد هنا.. حصول الفرد على مال بطرائق غير مشروعة يحاسب عليها القانون.

التحليل

لدى متابعتنا للعملية السياسية في العراق عبر (18) سنة، وانطلاقا من حقيقة ان سلوك الانسان(أفعاله) هي انعكاس لأفكاره.. لعملياته العقلية فاننا وجدنا أن شخصية تحمل افكارا غير عقلانية وعقدا نفسية تتحكم به وتجبره على تحديد اهدافه، وتفرض عليه طريقة تفكيرمحددة في تحقيقها.. اليكم أهمها وأخطرها:

الشك المرضي

كانت العقدة الأولى التي تحكمت بعقل الحاكم السياسي الفاسد والزعامات العراقية لغاية 2010 هي (الشك المرضي - البرانويا) التي تعني بمصطلحات الطب النفسي اسلوبا مضطربا من التفكير يسيطر عليه نوع شديد وغير منطقي ودائم من الشك وعدم الثقة بالاخر، ونزعة ثابتة نحو تفسير افعال الاخرين على انها تهديد مقصود، وضغينة مستديمة لمن يخالفه الرأي، وأن رأسه في حالة انذار دائم وعلى استعداد للقتال او المقاومة والاصرار بعناد على التمسك بالسلطة.. وبسببها دفع العراقيون ثمن ذلك آلاف الضحايا الأبرياء في حرب(2006-2008).

الحول العقلي

من عام(2010) اثبت الحاكم الفاسد أنه مصاب بـ(حول عقلي - مصطلح سيكولوجي جديد )، ناجم عن تعصب طائفي او اثني.. أجبره على تصنيف الناس الى مجموعتين:(نحن) و(هم)، بطريقة يحّمل فيها الجماعة الأخرى مسؤولية ما حدث من أذى أو أضرار ويرى انها على باطل، فيما يرى جماعته انها على حق مطلق حتى لو كانت شريكاً بنصيب اكبر في أسباب ما حدث. ومن يومها قلنا بالصريح ان شخصا بهذه العقلية المرضية لا يصلح أن يكون قائدا لمجتمع تتنوع فيه الأديان والمذاهب والقوميات.

الدوغماتية

والعقل السياسي الفاسد مصاب بالدوغماتية Dogmatism التي تعني الجمود العقائدي او الانغلاق الفكري الذي يفضي الى تطرف ديني، مذهبي، قومي او قبلي، وتعدّ بحسب دراسات علمية انها – الدوغماتية- احد اهم واخطر اسباب الأزمات السياسية والاجتماعية، وانها (مرض) خالقي الأزمات من القادة السياسيين.

ومن عام (2008) كتبنا في الصحف وقلنا عبر الفضائيات ان قادة العملية السياسية العراقية لن يستطيعوا ان يتحرروا فكريا من معتقدات ثبت خطؤها، ولن يستطيعوا ان يجدوا حلّا او مخرجا لما هم فيه، بل انهم سيعرّضون ملايين الناس الى مزيد من الأذي، وقد حصل ما كنّا حذرنا منه.. والأخطر.. أنهم ما يزالون على نهجهم سائرون.

عقل مأزوم

اثبتت الاحداث عبر السنوات الثمان عشرة الاخيرة ان عقل الحاكم/الفاسد السياسي العراقي منتج للأزمات، وانه غير قادر على حل المشكلات، لأن الادمان على الازمات كالادمان على المخدرات.. ففي الحالتين يحدث للعمليات العقلية في الدماغ برمجة ثابتة تجعله يعتاد على تفكير نمطي محدد يجبره على تكراره، يذكرنا بمقولة لأنشتاين بأن العقل لا ينمو بالمعلومات بل بطريقة التفكير ، وهم دوغماتميون وحولان عقليا.

والأشكالية انهم الى الآن (2021) يمارسون خلق الأزمات ، آخرها رفضهم لنتائج انتخابات (10 تشرين) واستغفال جمهورهم للقيام بتظاهرات.. وسيبقون يمارسونها لأنهم يدركون ان التغيير يؤدي الى قطع اياد ودحرجة رؤوس.

العقدة الأخطر

تتمثل في أن المضطهد سياسيا ، بهذا النمط العقلي، يتحول الى جلاّد حين يستلم السلطة ويعتبر ثروة الوطن ملكا له ولجماعته الذين يحمونه، وأن هذه الآلية العقلية تجبره على ان يعتمد مبدأ (الثقة الطائفية) في التعيين الوظيفي حتى لو كان شاغل الوظيفة لا يحمل شهادة الاعدادية. وكان هذا خطأهم القاتل، لأن الدولة التي تستبعد الكفاءات والخبرات تتحول مؤسساتها الى ملكيات افراد، وهذه حقيققة واقعة.. فالوزارات العراقية موزعة (من 2005) وكأنها دويلات او ملكيات طائفية او عشائرية وحتى شخصية.. يتلقى وزيرها التعليمات من رئيس كتلته، ويتم التوظيف فيها على اعتبارات حزبية وعشائرية.

والمأزق الذي يعيشه العراقيون ان هؤلاء الحكّام الى الآن (2021) يريدون حكومة محاصصات توافقية لضمان ديمومة عقول مأزومة وحولاء ودوغماتية.. لا تصلح لقيادة دولة.

*

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

الطيب النقرالطبيب الذي أضحك مطالع النجاة، وجدّد فوائد السعادة لمريض تخوّنه السُّقم، ودكّه المرض، وأنهكته العلة، أضحى مستعر الحزن، محتدم الهم، دائم الاستياء، فمن يرى بعينيه أفظع مناظر البؤس، ويسمع بأذنيه أحلك مآسي الحياة، أمسى يكابد ما يكابده جلّ هذا الشعب من الغلاء المرهق، والفقر المدقع، والعيش الخسيس، ولعل الشيء الذي لم يخطر ببال، أو يعلق بوهم، أو يجري في ظن، أن يصير من كان لا يجد في جسمه ما يشكوه، ولا في نفسه ما يرجوه، ولا في غده ما يخافه، عرضة لغوائل الفقر، وجرائر الجوع، من كان يتصور أن من يمتطي الفاره، ويلبس اللين القشيب، ويأكل الطيب، تتنكر له الأيام، وتصدف عنه السنون، ويزورّ عنه الدهر، فالطبيب الذي فشا ذكره على الألسنة، وعظمت مكانته في الأفئدة، استكان للشجن، وأخلد للحسرة، يستقبل صباحه الغض بالأمل الكاذب، ويودع أصيله الشاحب بالأماني الغر، وهو في غدوّه ورواحه يرجو أن يموت داء الفقر في مهده، وينكفئ وباء الملق عن قصده.

لقد وافاني خليل لي من قبيلة الأطباء التي احتوشتها المصائب، وكشرت في وجهها الخطوب، بحقائق بعثتني على التعاطف مع من تكدّمتهم المضارب، وتكهمتهم المخالب، وتنشبتهم الأظفار، فقد تبدّى لي أن هذه الشريحة التي كنت أحسبها تعيش عيش المترفين المسرفين، تقف على أرض هشة متداعية مائجة بالخوف والقلق والكآبة من مستقبل يكتنفه الظلام، مثلها مثل بقية رصفائها من شرائح هذا المجتمع التي افترستها الأحداث، وطحتحتها دوائر الأيام، فالفقر الذي أناخ بفناء الأطباء، ونزل بساحتهم، ناجم عن الراتب القليل الذي يتقاضونه نظير سعيهم الدائب لمعالجة من داستهم العلة بأخفافها، ووطئتهم الشُكاة بأظلافها، الأمر الذي يدفع الطبيب أن يعمل في عدة مواقع حتى يبعد عن نفسه وذويه شبح الفاقة، وهنا أيها السادة دون الإغراق في الدعوى، أو المبالغة في التصوير تكمن معاناة المواطن الذي يهرع إلى دار الشفاء بعد أن أصابته علة فادحة واعتراه مرض ثقيل، فيجدها خالية من الطبيب الذي يحسم عنه الداء، والشعب الذي لا يعرف غير الهيام بأودية العصور الخوالي قنط من تلك الوزارة التي خشعت أصواتها، وسكنت حركاتها، وأمست في حاجة ماسة لمن ينفض عنها غبار الخمول، ويمسح عن أجفانها فتور الوسن، ولعل تلك القراريط التي لا تسد الرمق هي التي دفعت جموع الحُكماء للهجرة إلى الخليج العربي وغيره من أصقاع الدنيا، فالواقع الذي لا تسومه مبالغة أن النطاسي الحاذق في تلك الديار يتقاضى راتبًا مجزيًا، وودول النفط تجزل لهم الهبات، وتسني لهم من الصلات، وتكثر لهم من الأعطية، وفي بلاد النيلين الشيء الذي يزيد الأمور ضغثاً على إبالة أن حكومات ما بعد الإنقاذ التي كان حفيا بها أن تلم الشعث، وتسدد الثلم، لم تحرك ساكناً لمعالجة هذا الوضع الخطير فهجرة تلك العقول الجزلة لها مآلات سالبة على هذا المجتمع الذي سهم وجهه، وسدف سناؤه، والشواهد النيرة، والبراهين الساطعة، تؤكد أن هناك أطباء أضرّ بهم الإملاق، وعازهم القوت، أطباء لازمين حلس منازلهم بعد أن عجزت الدولة عن توظيفهم، أطباء تكاثف شعر رأسهم، وانسدلت لحاهم، توزعت أفكارهم، وتمزقت خواطرهم، في كيفية تحصيل الرزق العصي الذي أعياهم. 

إن الطبيب الذي يُصلح الجسم، ويدفع السقم، ويرد العافية، بإذن المولى عزّ وجلّ، قمين بأن تُنضِر الدولة ما ذوى من حياته، وأن تُزكي تلك الوزارة التي ركد ماء وجهها خمود عزمها، وفتور همتها، بابتعاث مناط الثقة، ومعقد الرجاء، طبيبنا الألمعي إلى الخارج من أجل التدريب والمواكبة، فأقرب إلى الإجحاف، وأدنى إلى الشطط حصر من يلين كنفه للراغبين، وينبسط وجهه للطالبين، وتحن ضلوعه على المؤملين، في شهادة عجفاء يحوزها من البورد السوداني يوقع عليها طبيب مهفهف قادم من الخارج بعد أن يسأله في رتابة عن كنه المناظير وهو يرمق عدد الساعات التي أمضاها في تلك المستشفيات المتهالكة البنيان، المتداعية الأركان، والتي تفتقر للدواء والأجهزة الطبية المتطورة.

 

د. الطيب النقر

 

فلاح المشعلمئة سنة ميلادية مضت على تأسيس الدولة العراقية الحديثة1921-2021، مئوية برصيد صفري لدولة تقف على حافات الإنهيار، وحزمة تهديدات وجودية أقلها خطورة شبح الفساد الذي صار يشغل الآليات الغاطسة للدولة -اللادولة، والإفلاس الذي يتراكم بعجز مالي سنوي وأزمات متداخلة ومركبة ليس بمقدور السلطات تفكيكها ومعالجتها.

مئوية ..وليس بمقدور العراق أن يحتفل بانجازاته خلال مئة عام، ذلك لعدم وجود إنجاز  يعطي لنا تميزا بين الدول والمجتمعات وهي تتسابق بالعلم والمبتكرات والصناعة والتقنيات والزراعة والاستثمار ومعدلات النمو والتنمية المستدامة وتطوير ثرواتها الوطنية .

مئوية احتفال رسمي بكلمات انشائية بائسة للحكومة وعروض موسيقية وشعرية تستعير من زمن كلكامش والتاريخ السحيق بتكرار ممل ودون حياء أو كمن يستلف من بنك مغلق .  دون توفر قدرة حتى على قراءة المستقبل ورؤية مايترتب على العراقيين من ادوار لمغادرة واقع الحال، والتوجه نحو الزمن المقبل وما يحمل من الاحداث أومقومات النهوض والخروج من خانق الأزمات .

مئوية تحل على البلاد دون قدرة أو شجاعة على مراجعة أخطاء وإنهيارات النصف الثاني من هذا القرن الدموي للعراقيين جميعا، مئوية وسط احتلالات متنوعة وميليشيات متمردة ودواعش بعناوين متعددة وتخلف اجتماعي غير مسبوق، وتراجع ثقافي خطير.. ومخاوف شعبية من تصادم مسلح واقتتال بين فصائل واحزاب تروم التمسك بالسلطة وللأبد .

دراما تتصف باللامعقول حين يمضي العراق في النصف الأول من القرن نحو التقدم بالصناعة والزراعة والتجارة والتقنيات الحديثة والثقافة والفنون والآداب والقانون والقضاء، ثم يبدأ بهوط متسارع في النصف الثاني من القرن حتى يبلغ مرحلة تقارب الصفر المئوي على ايقاع الاحتفال المئوي، نصف قرن من الدكتاتورية والحروب والتهجير والطائفية والافكار الظلامية والنزاعات المسلحة لتجار الحروب والطائفية كانت كافية لإنجاز خراب شامل للعراق، وهذا ماحدث على نحو شاذ واستثنائي في التاريخ .

يكتسب الزمن -الوقت أهمية قصوى عند المجتمعات الحية، إذ ترتبط جميع الانجازات ومشاريع البناء والتقدم والاستراتيجيات بالزمن، الأمر الذي يجعلها تطل على المستقبل وهي تعلم ماذا تريد، بخلاف مجهولية المستقبل للعراقيين وهم يدلفون للمئة الثانية من تاريخ دولتهم وكأنهم ضيوف على الآدمية كما يقول محمود درويش .

المفارقة المؤلمة أن يبدأ القرن الأول للدولة العراقية الحديثة برعاية نخب عديدة بالفكر والفلسفة والادارة والطب والتجارة والاقتصاد والصناعة والبناء والعمارة والتخطيط وبسياقات نمو متصاعدة حتى تبلغ ذروتها في خمسينات وستينات القرن الماضي، ولعل أهم ميزات تلك النهضة هو الطابع المديني والانفتاح على ثقافات جديدة واخرى متنوعة المشارب والاتجاهات، لكننا اليوم نفتقد لذلك الفيض من الكفاءات والقدرات التي ارتبطت بمواطنية الدولة والسعي لانجاز بنائها بحداثة التكوين والتميز الاقليمي والعالمي .

أن ماتحقق عراقيا من تقدم في نصف الأول من عمر الدولة، أي من عشرينات القرن الماضي الى سبعينات القرن، فقده العراق في الخمسين سنة اللاحقة عندما بدأت سلطات الدولة تختزل في يد الدكتاتور ونظامه الشمولي ونزعته الدموية في اعدام معارضيه وغلق نوافذ التنوع والتعدد والروح المدينية، بل قدم الولاء الشخصي والحزبي وتكريس ثقافة العشيرة وكل ماتستدعيه الحروب من بيئة واجواء اجتماعية تشجع مظاهر النفاق والكذب والازدواجية السياسية التي اصابت المواطنة بالأختفاد القسري، حتى أنتهينا الى مجتمع تغلب عليه سلوكيات العنف ومهيأ لاستقبال الطائفية وثقافة الكراهية التي جاءت بها احزاب الاسلام السياسي، وأحالته لمجتمع مريض منفصل عن ماضيه، أي مصاب بشوزفرينيا يصعب شفاءها بوقت قريب، خراب الإنسان تمثل الخسارة الكبرى في المجتمعات المتشظية عرقيا وطائفيا .

 

فلاح المشعل

 

 

علاء اللاميأمضيت عدة أيام في ضيافة قريب لي يسكن في أحد الأحياء العشوائية شرقي محافظة بغداد/ بمنطقة تدعى العبيدي، قبل أن أسافر إلى أهلي في الجنوب. يضم هذا الحي آلاف المساكن، وكنت أتوقع أن أجد حياً عشوائيا مزريا بأكواخ من الصفيح، تملأ طرقاته وساحاته القمامة والقاذورات، كما اعتدنا أن نرى في الصور التي ينشرها الإعلام، وهي موجودة فعلا في بعض المناطق. ولكني -هذه المرة - وجدت حيا عاديا بشوارع وأزقة مستقيمة ونظيفة نسبيا، وبنايات من طابق وطابقين، ما يعني أن الأحياء العشوائية ليست سواء من حيث النوع، ولكنها سواء من حيث المعاناة من التهديد المستمر لساكنيها بالإزالة وانعدام البنية التحتية والنظرة التمييزية والمنحازة ضدهم.

إن عشرات الآلاف من العراقيين البسطاء الذين يسكنون هذا الحي غالبيتهم من مهجري تمرد داعش، وخاصة من قرى وبلدات محافظة ديالى ومن محافظات أخرى. وقيل لي إن هذه المنطقة كانت أراض زراعية في عهد النظام السابق وإن جزءا منها كان يستغله ابن مسؤول كبير كمزرعة لتربية الأبقار. وبعد الاحتلال، استولى اشخاص من محازبي النظام الجديد على هذه الأراضي وادعى احدهم بانه يملك عقودا زراعية بملكيتها أو استئجارها من الدولة واخذوا يقسمونها الى قطع سكنية صغيرة ويبيعونها على المواطنين المحتاجين والمشردين الذين فقدوا مساكنهم، غير أن دوائر الدولة المختصة ظلت ترفض تمليكهم مساكنهم، وتهملهم تماما، وتهددهم بين وقت وآخر بطردهم وتهديم مساكنهم، رغم انهم يملكون سندات تمليك موقعة من قبل رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، وقد شاهدت نموذجا من هذه السندات ذات اللون الأصفر بعيني، وكانت تحمل أرقاما وتواريخ، وموقعة بشكل غير رسمي باسم "أخوكم نوري المالكي"، وقد وزعها على السكان محمود الحسن، القيادي في دولة القانون، والمستشار القانوني للمالكي، خلال الموسم الانتخابي الأسبق، وحين راجع السكان الدوائر الرسمية لاستكمال إجراءات التمليك سخر منهم الموظفون وقالوا لهم "بلّوها واشربوا مايها"!

لقد اعتمد السكان في هذا الحي على أنفسهم في تدبير أمورهم، وإقامة بنية الحي التحتية البسيطة؛ وقد حكى لي بعضهم كيف أنهم، وبعد أن فشلت مساعيهم مع دوائر الدولة لتزويد حيِّهم بالمجاري والمرافق الأخرى، وبعد أن أصبحت رائحة حيِّهم لا تطاق، أطلقوا حملة لجمع تبرعات من السكان الفقراء أصلا، وأنجزوا بها وبجهود شبابهم مدَّ شبكة مجاري خاصة بالحي. ولكن بقيت مشكلة الأزبال التي تتراكم في ساحات قريبة وبعيدة عن المساكن، فالبلدية الأقرب إليهم لا تهتم بهذا الشأن، وسياراتها لا تمر إلا نادرا وبجهود فردية وأحيانا مقابل بعض المال.

في المحافظات يحدث الأمر نفسه، فذوو الأيادي الطويلة القذرة، كما يسمونهم في العراق، يستولون على أراض زراعية ثم يستغلون حاجة الناس الى السكن فيبيعونها كقطع أراض سكنية بالتواطؤ مع الموظفين الفاسدين في دوائر الدولة. وقد شهدت مشكلة من هذا النوع، طرحها مواطنون من محافظة كربلاء في التلفزيون الحكومي؛ وشكوا من أنهم اشتروا قطعا سكنية واستلموا سندات ملكيتها وحصلوا على رُخص بناء رسمية من الدولة وبنوا مساكنهم منذ عدة سنوات وهم يعيشون فيها، ولكن الدولة استيقظت ذات يوم وأخبرتهم بأنهم متجاوزون، يسكنون في أراض هي ملك للدولة وعليهم الرحيل. وبعد إبراز مستمسكاتهم قيل لهم أنها ليست أصولية وفيها ثغرات! ثم، وبعد جدالات وأخذ ورد قررت المحافظة أن بإمكان الساكنين ان يشتروا هذه القطع السكنية مجددا من الدولة: أي أن المواطن الذي اشترى الأرض بعشرات الملايين من الدنانير عليه ان يشتريها مرة ثانية بعشرات الملايين فمن يقدر على ذلك؟

مشكلة العشوائيات في العراق مشكلة حقيقية وكبيرة وتعد بآلاف الأحياء والتجمعات. وقد "كشفت وزارة التخطيط عن وجود قرابة 4000 مجمع عشوائي في العراق ربعها في العاصمة بغداد"، كما قال المتحدث باسم الوزارة في تصريح له بتاريخ 2021-08-19، وأن "هناك ما يقارب 120 ألف وحدة سكنية تقع ضمن مسمى العشوائيات في بغداد" كما قال أمين العاصمة علاء معن في تصريح له بتاريخ 1 أيلول 2021. فيما يذهب الكتاب عمر الجفال الى أن عدد المساكن العشوائية ببغداد فقط هو 136689 مسكنا، يسكنها حوالي مليونا شخص. وهذه نتيجة متوقعة للنمو السكاني المفرط والذي لا تهتم به الدولة، حيث قفز عدد السكان من عشرين مليون قبل ثلاثة عقود إلى أربعين مليون، والزيادة تقدر بمليون مواطن سنويا أي عشرة ملايين كل عقد، ونتيجة أيضا لإهمال الدولة أو غيابها وعدم بناء وحدات سكنية لائقة ومعتدلة الأسعار للناس؛ فماذا يفعل الناس في هذه الحالة لسد حاجتهم للمساكن والبنى التحتية اللائقة بالبشر؟ هل يعيشون في الشوارع ويستسلمون لقدرهم البائس؟ أعرف عائلة بغدادية معرفة شخصية، وكنت في ضيافتها أيضا وهم في منطقة بغدادية راقية نسبيا، وبعيدا عن العشوائيات، في هذه العائلة تعيش ثلاثة أجيال بمنزل واحد مساحة 150 مترا مربعا، ويضم حتى الآن ثلاثة عوائل متفرعة، وهناك شابان من شبان العائلة من الجيل الثالث ينتظران الزواج!

الأكيد، والمنطقي أن الناس في حال غياب أو اختطاف الدولة من قبل عصابات أو محتلين أجانب، سيبادرون ليحلوا محل الدولة الغائبة أو المُغيَّبة ويكونوا هم الدولة مؤقتا واضطراريا.. وبانتظار أن يحل الناس محل الدولة المشوهة التابعة الفاشلة رسميا ودائما عبر مجالسهم وهيئاتهم التمثيلية الديموقراطية الحقيقية سيظلون يدافعون عن أنفسهم ويجهدون لكي يعيشوا في ظروف إنسانية أو قريبة من الإنسانية.

إن حل هذه المشكلة والمأساة الإنسانية لا تكون بالطرق الشعبوية وعبر المتاجرة والمزايدات الانتخابية؛ فتارة يحركون ملف العشوائيات وأخرى يحيلونه إلى ثلاجات البرلمان، بل بوضع برنامج عملي وقانوني شامل وعميق يبدأ بتملك الساكنين لمساكنهم التي يسكنونها منذ سنوات في أحياء منتظمة كالحي الذي ذكرته في بغداد وببناء وحدات سكنية كافية وتوزيعها بالأقساط على الناس قبل إخلاء مناطقهم إن كانت غير لائقة للسكن بيئيا أو أمنيا.

 

علاء اللامي

....................

1-الصور الخمس المرفقة بالمنشور ملتقطة من الحي الذي تحدثت عنه في هذه المقالة ومقترباته. رابط لمشاهدة الصور على صفحة الكاتب على الفيسبوك:

https://www.facebook.com/allamialaa

2- رابط يحيل إلى تقرير إخباري حول تأجيل مناقشة قانون العشوائيات مجددا في البرلمان العراقي:

https://baghdadtoday.news/news/174989/%D9%86%D8%A7%D8%A6%D8%A8-%D8%A7%D8%AD%D8%B2%D8%A7%D8%A8-%D9%85%D8%AA%D9%86%D9%81%D8%B0%D8%A9-%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%B6%D8%AA

 

 

محمد المحسنإنّ للتحوّلات الكبرى التي شهدها العالم في مطلع التسعينات والتي تمثّلت أساسا في انهيار وتفكّك الإتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي اقتصاديا وعسكريا (حلف وارسو) وايديولوجيا (الخيار الليبرالي بدل العقيدة الشيوعية) وتوحّد ألمانيا، عميق الأثر في ولادة تقسيم جيو-سياسي جديد تجلّت ملامحه في انخرام عقد الثنائية القطبية وسيطرة العالم أحادي القطب في شكله الرأس مالي الساعي إلى اخضاع بقية العالم وفق مخطّط مدروس لسيطرته الشاملة..

هذا النظام الكوني الجديد ومنذ ولادته ما فتئ يرفع شعارات خلاّبة يؤسس من خلالها-حسب ما يدعيه-لتحقيق السلم العالمي واقرار سيادة القانون في العلاقات الدولية ومبدأ المساواة بين الدول إضافة إلى تقوية دور المؤسسات العالمية للأمم المتحدة ومجلس الأمن، إلا أنّ هذه الشعارات البرّاقة سرعان ما هوت خاسفة حين اصطدمت بوقائع شهدها ومازال يشهدها العالم وتعرّت تبعا لذلك الحقائق لتحيل في مضمونها إلى ممارسات وسلوكات تتعارض بشدّة مع الخطاب-الجميل-لمؤسسي النظام الدولي الجديد، ذلك أنّ هذا-النظام-انبجس من خلف دخان الجنون وجلبة القوّة حيث “شكّل العراق الحلقة الأولى لعملية التنظيف التي قامت بها أمريكا -لتسوية-الأرض في الشرق الأوسط بما يخدم مصالحها الإستراتيجية-السياسية من خلال تركيز أنظمة موالية لها سياسيا وايديولوجيا”(1) ودحض كل ما -يهدّد-التوازن العسكري في المنطقة لصالح إسرائيل وبما يحقّق في ذات الوقت الأهداف الإستراتيجية المتمثلة في التحكّم المباشر في منابع النفط، وبعد-تسوية الأرض-في القطاع الشرقي من الوطن العربي اتجهت -الأنظار الأمريكية-نحو آسيا الوسطى لإستكمال هذه التسوية السياسية بهدف القضاء”نهائيا”على -حركة طالبان وتنظيم القاعدة ثم اقتطاف الرأس المشتهى-أسامة بن لادن-(وهذا ما تمّ عمليا)عبر حرب عدوانية على الشعب الأفغاني صارت أهدافها ومراميها معروفة تتستّر فيها أمريكا تحت ذريعة”القضاء على أوكار الإرهاب”وهذا السلوك العدواني لا يختلف من حيث الجوهر عن ذلك الذي مارسته الولايات المتحدة الأمريكية في أمريكا اللاتينية حيث تدخلت في كولومبيا بإسم محاربة المخدرات، أو في الخليج-مثلما أشرنا-حين تدخلت في الجزيرة العربية ودمّرت العراق بإسم احترام الشرعية الدولية.!!

وهنا يثار تساؤل:لماذا لم يتم تفعيل دور الجامعة العربية من أجل حماية مجلس الأمن القومي العربي الذي يعتبر المس به أحد الأهداف المضمرة التي انبثق من أجلها النظام الدولي الجديد؟ ولمَ لم يلجأ إلى تطبيق معاهدة الدفاع العربي المشترك لمواجهة الإعتداءات المتكرّرة على أمن عدّة أقطار عربية؟ !ثم أين هو دور حركة عدم الإنحياز ومجموعة الدول الأفروآسيوية وتكتلات دول الجنوب حيال هذه الإعتداءات وإزاء نظام دولي لا حظّ لها فيه؟!

الوجه السافر للنظام الدولي الجديد:

إنّ النظام الدولي الجديد هو امتداد لسلفه القديم من حيث كونه إطارا لحماية المصلحة، بما يجعله”يعتمد على القوّة من أجل فرض المشروعية والقانون كما يتذرّع بالمشروعية والقانون بهدف ممارسة القوّةّ”(2) ذلك بعد أن مالت كفّة التوازن لصالح أمريكا التي ترى في القوّة والهيمنة والمصلحة إحدى الركائز الأساسية لسياستها الخارجية وتحرّكاتها الدولية، وعلى الرغم من التمظهرات المخاتلة لهذا-النظام-والتي تتسم زيفا بإحتواء الصراعات والنزاعات الإقليمية القائمة، عن طريق التفاوض، والتسويات السلمية، وبما يتلاءم مع الأهداف المطلوبة لدعم النظام الدولي الجديد، وبالأساس المصالح الإستراتيجية السياسية والإقتصادية العسكرية للولايات المتحدة، فإنّ استخدام القوّة العسكرية غير مستبعد في مسار-البراغماتية الأمريكية-حيث تبقى أمريكا”القوّة الوحيدة التي لها الإرادة والقدرة على ممارسة العنف على مستوى كوني”(3)، وهذا ما انعكس بوضوح في-بنما-على مستوى ضيق، وعلى نطاق واسع في حرب الخليج، وبشكل مرعب في أفغانستان، وذلك بإعتماد أسلوب التماهي والتطابق بين”الشرعية الدولية”ممثلة في الهيئات والمؤسسات الدولية الواقعة في إطار الأمم المتحدة، وبين الإرادة السياسية الأمريكية التي تهيمن هيمنة كاملة على هذه الهيئات والمؤسسات، وقد تجلى هذا بشكل واضح في القرارات التي صدرت عن الهيئات بإسم الشرعية الدولية خلال وبعد حرب الخليج، وخاصة فيما يتعلّق بإستمرار فرض الحصار على العراق وتدمير أسلحته الإستراتيجية والتدخّل السافر في شؤونه الداخلية، وبإلغاء القرار 3379(*) الذي يعتبر الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية، وهكذا فإنّ النظام الدولي الجديد ومن خلال ما يشهده العالم من تداعيات مؤلمة يظهر واضحا بأنّه غير قائم على”توازن المصالح”ولا على”أولوية القضايا الأساسية”أو “الوفاق والسلام والعدل الدوليين”بقدر ما هو نظام قائم على الإخضاع والسيطرة، إخضاع الشعوب والقوى المخالفة، أو الرافضة للسيطرة الأمريكية على النطاق الكوني، وهو بالتالي وعلى حد تعبير الكاتب والمفكر العربي محمد حسنين هيكل”شكل جديد للنظام الإستعماري القديم”..

هذه طبيعة -النظام الدولي-الذي تشكّل طبقا للصيغة التالية”كل ما هو حلال على الغرب وإسرائيل يعد حراما على باقي دول العالم:العظمة والقوّة والإندماج واحترام المشروعية..أمور يجب أن يعترف بها للغرب وتحظر على الغير”.

العالم العربي على محك الإختبار التاريخي:

خلف دخان الدمار الذي تركته حرب الخليج، تجلّت المسافة الأيديولوجية والنفسية والسياسية بين الغرب، بمختلف آلياته، والعرب بما لا يدع مجالا للشك أنّ الغرب لا يهدر فرص الإنقضاض على المبادرات العربية في اتجاه التقدّم والوحدة، واجهاض سيرورتها، وفي كل مرّة يحاول بعض العرب ردم الهوّة بينهم وبين الغرب من خلال إيجاد صيغة للحوار تستنهض العناصر العدائية-هنا وهناك-آلاتها الهجومية العسكرية والإعلامية لتكريس التباعد والتنابذ، وما حرب الخليج إلا تتويج درامي للصراع الحضاري، المبطن والسافر، بين العرب والغرب، ومع اختلال التوازن الدولي واجتياح العراق للكويت استغلت الولايات المتحدة الأمريكية الفرصة لتطويع القانون الدولي حسب استراتيجيتها في المنطقة العربية عبر تدمير القدرة العسكرية والعلمية للعراق ومن خلال احتلال آبار النفط وفرض الحماية على الأمارات البترولية وأخيرا تكريس إسرائيل كقوّ إقليمية لا يلوى لها ذراع..ومن هنا ندرك أنّ الوطن العربي برمته يشكّل في جوهره منطقة حساسة، بالنسبة لأمريكا وإسرائيل وحلفائهما الذين ما فتئوا يهددون أمن هذه المنطقة ويخرقون مجالها الحيوي ويتدخلون بشكل سافر في شؤونها الداخلية..

ما أريد أن أقول؟

أردت القول أنّ صانعي القرار السياسي بالإدارة الأمريكية”واعون كل الوعي بطبيعة وأهمية المقاومات التي قد تعترض مشروعهم الهادف إلى توجيه العالم عن طريق السوق وتحت عصاهم”(4) وخلافا لكل الشعارات الخلاّبة-للنظام العالمي الجديد”الذي”ينتصر للقانون والعدالة(!)، ولجت الولايات المتحدة مرحلتها الجديدة عن طريق الحرب بغية إظهار:

-أنّ النظام الجديد-فرض-وسيفرض على شعوب آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية بالعنف، وبالعنف وحده، مع التهديد بالإبادة الجماعية في نهاية المطاف (يسحَب هذا الوضع على أفغانستان) بما يعني أنّ أي بلد من البلدان”السائرة في طريق النمو” فكّر في تصنيع نفسه وتقويتها إقتصاديا وتكنولوجيا أو حاول وضع القطيعة مع الإستعمار الجديد وفك الإرتباط بالدول المصنعة والخروج عن طاعة سلطة الشركات الإحتكارية الكبرى وسلطة حكّام الدول الرأسمالية ، عليه أن يأخذ بعين الإعتبار أنّه سيلقى المصير الذي لقيه العراق..

-إنّ الإتحاد السوفياتي (سابقا) فقد مصداقيته العسكرية، وفسح المجال للولايات المتحدة الأمريكية لتبرهن بقوة على تفوقها الحربي.

-إنّ أوروبا واليابان، رغم تقدمهما الملحوظ على مستوى المنافسة الإقتصادية والمالية، مرتهنتان للهيمنة العسكرية الأمريكية الأمر الذي يعني أنّ حرب الخليج كانت حربا كونية واجه فيها الشمال الذي تقوده واشنطن بعد أن أدخلت كل من اليابان وأوروبا بيت الطاعة الجنوب، وقد خاضت أمريكا هذه الحرب فوق ميدان إقليمي”من أجل النفط وإسرائيل”وعلى حساب العالم الثالث (وعلى رأسه البلدان العربية) وروسيا وأوروبا واليابان.

ماذا يعني هذا؟

هذا يعني، أنّ الولايات المتحدة التي تمثّل القطب الأوحد من الناحية العسكرية، ما فتئت تكرّس الجهد الكبير لخلق الإتساق في”النظام الدولي الجديد”من الناحية السياسية والعسكرية بما يتواءم مع المصالح الإستراتيجية الأمريكية على الصعيد الكوني، وذلك من خلال عمليات”ضبط بنيوي”لأنظمة وشعوب العالم، هي فيها بحاجة إلى كل إحتياطات القوّة الموجودة في حوزتها، وبضمنها العلاقات الإستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية، وما توفّره من إمكانيات في هذا المجال..

ما العمل؟!

لقد هبّت رياح الغرب العاصفة في أرجاء العالم الأربعة لتصوغ علاقات دولية يظلّ فيها العمالقة الإقتصاديون والعسكريون يتحكمون بدفة السياسة الدولية بما يضع شعوب العالم الثالث، ومنها أمتنا، على محك الإختبار التاريخي، فإما المساهمة الإيجابية في الحد من أخطار هذه-العواصف-وإما المزيد من التهميش السياسي والإقتصادي المتلاحق، إلا أنّ لا أحد بإمكانه إيقاف حركة الشعوب المتطلّعة إلى التطوّر والإستقلال واختيار نظامها السياسي والديمقراطي، في ظل ثورة علمية وتكنولوجية ما فتئت تتشكّل يوما بعد يوم لتصوغ عالما قائما لا حدود له، ذلك أنّ هذا العالم قد رأى النور إثر مخاض عسير لتتعايش فيه منجزات العصر في مجال العلم والتكنولوجيا والمعلومات، مع السياق المحموم للتسلح وعدم التكافؤ الإقتصادي والسياسي علاوة على الجوع والتخلّف.

ولذا “فإنّ تحدي الديمقراطية لا يطرق أبواب النظم العربية المغلقة أو نصف المفتوحة فحسب، بل يدقّ أيضا أبواب حركات وقوى المعارضة العربية”(5) وهذا يعني أنّ بلورة وعي الجماهير الشعبية والدفع بهذه الأخيرة إلى مواجهة مشاكلها المصيرية لا سيما في ظل بعض “الإشراقات” للمشهد العربي، هو المدخل المناسب في إطار الديمقراطية الإجتماعية والسياسية لتجاوز المطبات التي تعوق تطورنا، وإلا ستكون أي مواجهة محكوما عليها بالإحباط والفشل الأليم.

ومن هنا أصبح الأمر يستلزم فهما دقيقا واستشرافا موضوعيا لتحولات العالم المعاصر، عالمنا، وهو إشكال، مرهون بمدى استعداد الأنظمة العربية لإنتهاج درب الإنفتاح الديمقراطي والتكامل الإقتصادي العربي، ومرهون كذلك بدور القوى الشعبية الديمقراطية والإشتراكية في إعادة تجديد وبناء فكرها وبرامجها وسياساتها وأدواتها، وبمدى مقدرتها على قيادة نضال الطبقات الشعبية العربية صاحبة المصلحة الأساسية في التقدّم والرقيّ..

 

محمد المحسن - كاتب صحفي تونسي

........................

الهوامـــــــش:

(1) انظر-محمد سبيلا (باحث وأستاذ فلسفة من المغرب) النظام الدولي الجديد: الذرائع القانونية والأهداف السياسية للقرار737-مجلة الوحدة/ العدد90/ ص67.

 (2) المختار مطيع (أستاذ باحث بكلية الحقوق، فاس، المغرب) نفس المصدر-ص18(بتصرف طفيف).

(3) عصام نعمان-مراجعة كتاب نعوم شومسكي. اعاقة الديمقراطية -المستقبل العربي عدد153نوفمبر-91ص140.

(*) لمزيد التوسع في الموضوع، انظر مقالنا الصادر بجريدة القدس العربي يوم 19 آذار (مارس)09.العدد 6145.

(4) حول هذا الموضوع، انظر البحث الممتاز بقلم د.سمير أمين.النزعة العسكرية الأمريكية في ”النظام الدولي الجديد” الوحدة-العدد90-مارس92 ص35.

(5) د. أحمد الجباعي (باحث من القطر السوري) آثار الإنكفاء السوفياتي على الوضع العربي-الأسباب والنتائج-نفس المصدر-ص33.

 

 

صلاح حزامتناولت في مقال سابق كيف تحوّل أثنان من علماء الأخلاق الى منظّرين في الاقتصاد وهما جون ستيوارت مل وآدم سمث. والآن سوف أسلط الضوء على دوافع هذا التحول لدى هذين العالِمَين نحو التنظير والتحليل الاقتصادي لطبيعة علاقات الانتاج والتوزيع في الاقتصاد، وماعلاقة ذلك بعلم الاخلاق؟

الاستهلاك هو الغاية النهائية لكل نشاط انتاجي انساني، سواء أكان استهلاكاً فردياً او عاماً.

انتاج حاجات الانسان الأساسية شرط لبقاء الجنس البشري، وبدون الحصول على تلك الحاجات سوف يفنى الجنس البشري حتماً، فهي موضوع بقاء، والصراع من اجل الحصول عليها هو صراع من أجل البقاء.

الحاجات التي تلبي مطالب عامة كمستلزمات التعليم والصحة والطرق والاتصالات ، كلها تنتج لكي تستهلك في تلبية الحاجات الانسانية العامة.

حتى مستلزمات الأمن والدفاع، تُنتَج لكي تستهلك في تلبية حاجة عامة للمجتمع وهي الحاجة الى الأمن الداخلي والخارجي الذي بدونه تصعب او تستحيل الحياة.

بناء على ماتقدم، تصبح الاعتبارات الاقتصادية، ككمية الانتاج ونوعيته وحصة كل مُنتَج ومناطق انتاجه واسعاره واجور العاملين في انتاجه وقدرة الناس على شراء المنتجات التي يحتاجونها لحياتهم والضرائب الي تُفرض على اطراف الانتاج والاستهلاك وتوزيع ثمار العملية الإنتاجية على عناصر الانتاج ، كل تلك العوامل تلعب دوراً اساسياً في ترسيخ واحترام قواعد السلوك الأخلاقي وضمان الاستقرار الاجتماعي وسيادة العلاقة السلمية.

وهنالك قول ذو علاقة يقول: بدون فقر، نحن في سلام..

لذلك حاول هؤلاء المفكرون وضع قواعد اقتصادية وأطر نظرية تشرح افضل العلاقات الاقتصادية في مراحل الانتاج والتوزيع والتبادل والاستهلاك. وكان العامل الأخلاقي حاضراً بوضوح عندما تحدثا عن مفهوم الربح العادل او الطبيعي وطالبوا بمحاربة الاحتكار لانه فعل لا أخلاقي.

في الاقتصاد، تركّز الثروة بيد القلة وشيوع الحرمان واشتداد الفجوة بين الاغنياء والفقراء، يعتبر المُسبِب الاساسي للاضطرابات الاجتماعية ولشيوع الجريمة والفساد ونشوء الحركات المتطرفة . لذلك كان المدخل الاقتصادي اساسياً لمعالجة القضايا الاخلاقية.

ويعرف الجميع بأن مشروع مارشال الامريكي لاعادة بناء اوربا بعد الحرب العالمية الثانية، كان يهدف (من بين امور أخرى) لمحاربة الفقر في اوربا والذي قد يدفع الى تفشي الحركات اليسارية والفكر المتطرف،  والتي ترفع شعار العدالة والدفاع عن الفقراء والتي ستكون مقدمة لانتشار الشيوعية.

الفقر والحرمان والتهميش والتمييز بمختلف اشكاله، لاتنسجم مع مبدأ سيادة السلوك الأخلاقي. ولايمكن مطالبة الجائع الذي يتضوّر جوعاً، بأن يموت جوعاً وهو على خلق..

 

د. صلاح حزام

 

 

عبد الخالق حسينتعريف الإسلاموفوبيا كما جاء في موسوعة الويكيبيديا كالتالي:

((إسلاموفوبيا، أو رهاب الإسلام (بالإنجليزية: Islamophobia)،‏ هو التحامل والكراهية والخوف من الإسلام، أو من المسلمين. وبالأخص عندما يُنظَر للإسلام كقوة جيوسياسية، أو كمصدر للإرهاب. دخل المصطلح إلى الاستخدام في اللغة الإنجليزية عام 1997عندما قامت خلية تفكير بريطانية يسارية التوجه تدعى رنيميد ترست، باستخدامه لإدانة مشاعر الكراهية والخوف والحكم المسبق الموجهة ضد الإسلام أو المسلمين. برغم استخدام المصطلح على نطاق واسع حالياً، إلا أن المصطلح والمفهوم الأساسي له تعرض لانتقادات شديدة. عرف بعض الباحثين الإسلاموفوبيا بأنها شكل من أشكال العنصرية. آخرون اعتبروها ظاهرة مصاحبة لتزايد عدد المهاجرين المسلمين في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وربطها البعض الآخر بأحداث 11 سبتمبر.))

بالتأكيد نحن ضد أي تمييز بين البشر على أساس عنصري، أو ديني، أوطائفي أو اللون، أو اللغة أو أي شكل آخر. ولكن موضوعنا هذا هو الإجابة على السؤال: من المسؤول عن الإسلاموفوبيا؟ الجواب وبدون أدنى شك هو: الإسلام السياسي ومنظماته الإرهابية المنتشرة في العالم، والتي رفعت الشعار الزائف: (الحل في الإسلام).

فهناك جماعات من السياسيين المسلمين قاموا بتسييس الدين الإسلامي لاستلام السلطة السياسية والتحكم برقاب الشعوب لأغراض سياسية نفعية شخصية وحزبية. وهذا يتطلب توظيف الدين لإثارة مشاعر الخوف لدى المسلمين من غير المسلمين. بل وحتى من المسلمين الذين يرفضون تسييس الدين. إذ بات معروفاً لدى القاصي والداني أنه من الخطأ، بل والجريمة والخطر زج الدين بالسياسة، و زج السياسة بالدين. لأن الدين يفسد السياسة والسياسة تفسد الدين. وأفضل مثال هو ما حصل في العراق وإيران، وأفغانستان. ولذلك ففي الدول الديمقراطية العريقة التي تحترم نفسها وشعوبها يُمنع تسييس الدين أو تديين السياسة. فالإسلام السياسي ليس الحل كما يدعون، بل زجه في السياسة هو المشكلة الكبرى للشعوب المسلمة، وعقبة كأداء أمام تقدمها الحضاري.

فتسييس الدين يبيح للمتحزب للإسلام السياسي بأن يقتل المعارض قربى إلى الله. وفي هذا الخصوص صرَّح أحد دهاقنة الإسلام السياسي وهو الشيخ حسن الترابي في تبرير الإرهاب الديني قائلاً: (وهل هناك أكثر قربى إلى الله من إرهاب أعدائه). وما الإرهاب الإسلامي الذي يجري في العالم اليوم على أيدي التنظيمات الإرهابية مثل "القاعدة" و"داعش"، و"طالبان"، و"بكو حرام" وغيرها كثير، وكذلك القوى السياسية في العراق ومليشياتها السائبة الموالية للنظام الإسلامي الإيراني، إلا دليل على صحة ما نقول. ففي العراق هناك مليشيات مسلحة سائبة تابعة لقوى سياسية موالية لهذه الدولة أو تلك تقتل الأبرياء من الذين يقومون بتظاهرات سلمية مطالبين بحقهم في حياة كريمة في هذه الدنيا.

فالإسلام كدين يقول: (لا إكراه في الدين)، ويعطي الإنسان حرية الاختيار ليضعه أمام مسؤولياته، وإذا كان هذا الإنسان على خطأ في اختياره، فالله وحده يعاقبة في الآخرة، وليس من حق أي إنسان آخر أن يفرض معتقده الديني أو الطائفي أو السياسي على الآخرين بالقوة الغاشمة. 

ولكن دعاة الإسلام السياسي لا يعترفون بمبدأ (لا إكراه في الدين) رغم أنه جاء في أية قرآنية، إذ يعتبرون هذه الآية من الآيات المنسوخة، وهم على خطأ، لأنهم إنتقائيون، أي ينتقون من الكتاب والسنة ما يلائم أيديولوجيتهم الشمولية، ويرفضون ما يعارضهم من الكتاب والسنة ويعتبرونها منسوخة. فقد قام شيوخ الإسلام السياسي بعمليات غسيل أدمغة الشباب المسلم، المحروم من الثقافة، وإشباع احتياجاته الفسلجية، وأبسط متطلبات الحياة الكريمة، قاموا بشحنه بالحقد والعداء والكراهية لغير المسلمين، بل وحتى للمسلمين الذين يختلفون معهم في رؤاهم العدوانية ضد البشر والحضارة البشرية، وحولوه إلى قنبلة بشرية موقوتة لقتل نفسه والأبرياء الآخرين.

لذلك شاهدنا عمليات إرهابية في الغرب ومناطق أخرى من العالم، ضد الناس الأبرياء وبدوافع دينية. وهذا هو السبب الرئيسي الذي دفع مواطني البلدان الغربية تتخوف من الإسلام والمسلمين. بل وهناك مسلمون صاروا مواطنين في الغرب بعد أن هربوا من حكوماتهم عبر البحار بالقوارب المطاطية الصغيرة متحملين مخاطر الغرق ليكونوا طعاماً للأسماك، في سبيل العيش الكريم في البلدان الغربية العلمانية الديمقراطية. ولكن هناك البعض منهم، وبعد ان يستقر بهم المقام في الغرب يحاولون فرض أيديولوجيتهم الدينية وثقافاتهم الموروثة التي هاجروا أوطانهم بسببها، يحاولون فرضها بالإرهاب على الشعوب التي استضافتهم، وحققت لهم العيش الكريم.

ومن هذه التصرفات الفجة، على سبيل المثال لا الحصر، قيام البعض من المسلمين المسيَّسين في البلدان الغربية بقيام صلاة الجماعة في شوارع المدن الغربية الكبرى، الغرض منها ليس التقرب إلى الله كما يدعون، بل مجرد إبراز العضلات والعنتريات الغبية لإرهاب الشعوب المضيفة. ففي مقطع فيديو بعنوان: (من يشوه صورة الإسلام؟)، نشاهد هذا النوع من السلوك الأهوج في أحد شوارع لندن، حيث يسدون الشارع، مما يؤدي إلى تعطيل سير المرور لا لشيء إلا لإزعاج الناس وإثارة تذمرهم وسخطهم على المهاجرين المسلمين.(1)

كما وصلتني من صديق صورة لجماعة من المسلمين يؤدون صلاة الجماعة في شارع في إحدى المدن الغربية، بعنوان: (قليل الأدب والاحترام)، مع تعليق في منتهى الصدق والبلاغة، كالتالي:

((الصلاة في شوارع أمريكا وأوربا وإغلاقها لا يعني أنك "مسلم ملتزم وشجاع" بل إنسان "قليل الأدب والإحترام" لا تحترم النظام، لا تحترم القوانين، لا تحترم الناس، بالإضافة إلى أنك تفرض عقيدتك بالقوة في مكان ليس مكانك ولا هو مخصص أصلاً للعبادة.

"عنجهية وغطرسة فارغة، يحاولون من خلالها إيصال رسالة مفادها: شاهدونا كيف نصلي معاً بالآلاف، شاهدونا نحن أكثر البشر تديناً على الكوكب!

"المثير للسخرية أن أغلبهم هربوا بقوارب صغيرة عبر البحار من إرهاب وحروب بلدانهم الدينية صوب حرية وأمان البلدان العلمانية!))(يرجى فتح الرابط رقم 2 في الهامش لمشاهدة الصورة والتعليق) انتهى

وبالعودة إلى السؤال المتضمن في عنوان هذا المقال: من المسؤول عن الإسلاموفوبيا؟

نُجيب: المسؤول الأول والأخير عن الإسلاموفوبيا هم دعاة الإسلام السياسي الذين قاموا بتوظيف الدين الإسلامي لا لبث المحبة والانسجام والتعايش السلمي بين البشر كما هو المفترض من الحديث الشريف "المسلم من سلم الناس من لسانه ويده"، وقول الإمام علي: "الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق)، بل لبث الحقد والكراهية والعداوة بينهم. فدعاة الإسلام السياسي هم أول من يخالفون مبادئ دينهم، لذلك فالإسلام السياسي ليس الحل كما يدعون، بل هو مشكلة كبيرة، و ردة حضارية، لأنه يقف في الجانب الخطأ من التاريخ. فمسار التاريخ هو نحو التقارب والتآخي بين البشر، وتداخل مصالحهم وسعادتهم، بسبب ما حصل من تطور مذهل في تقنية وسائل نقل المعلومات (Information Technology=IT)، و وسائل النقل السريع، التي سهلت السفر والاختلاط بين الشعوب، والاندماج بينهم في عملية العولمة التي جعلت كوكبنا عبارة عن قرية كونية صغيرة. وفي هذه الحالة لا مكان في هذا الكوكب لدعاة العزلة، واحتكار الحقيقة، بذريعة أنهم مخولون من الله! فلا مكان لمثل هذه الدعوات العدوانية الباطلة. فكما فشلت الأيديولوجيات الفاشية و النازية واليسارية الشمولية، كذلك مصير أيديولوجيات الإسلام السياسي مصيرها في مزبلة التاريخ.

وبناءً على كل ما سبق، أعتقد أن من حق الشعوب الغربية أن تتخوف من الإسلام والمسلمين بعد هذا الكم من الإرهاب الذي حصل لهم من قبل بعض المسلمين اللاجئين من ناكري الجميل لكرم الضيافة في الغرب، من أمثال أبو حمزة المصري وغيره الذين يستغلون مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان في الغرب لأغراضهم السيئة.

فكما ذكرتُ في مداخلتي في مؤتمر (إصلاح الإسلام) في روما عام 2012 بعنوان: (غفلة الغرب عن مخاطر الإسلام السياسي) محذراً المسلمين بما يلي:

"إذا تُرك الوضع على هذه الحالة ولم نتخذ نحن المسلمين، إجراءات لوقف هذا الجنون، فصبر الغرب محدود، وربما سيؤدي في المستقبل إلى انفجار الوضع، وظهور أحزاب نازية وفاشية تستلم السلطة مثلما حصل في النصف الأول من القرن العشرين، ويحصل لنا تماماً كما حصل ليهود أوربا آنذاك، ولكن في هذه المرة سيكون العرب والمسلمون المقيمون في الغرب هم حطباً لمحارق الهولوكوست القادمة.(3)

 

د. عبد الخالق حسين

.............................

روابط ذات صلة

1- مقطع فيديو (نصف دقيقة) بعنوان: من يشوه صورة الإسلام؟

https://twitter.com/tanweer_20/status/1321347916498427904?s=24

2- رابط الصورة ونص التعليق بعنوان: قليل الأدب والاحترام

https://www.facebook.com/photo/?fbid=4672712172822807&set=a.813544632072933

3- عبدالخالق حسين: غفلة الغرب عن مخاطر الإسلام السياسي

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=336912

 

 

 

نجيب طلالمهما حاول المرء أن يكبح ما يختلج دواخله؛ ويستكين لصمت العاصفة؛ ليس خوفا من الرقيب؛ أومن أعين العَـسس! بل ما الفائدة من الكلام؟ وما النتيجة من الكتابة؟ لكن زوابع العاصفة وهمهماتها، تحرك سواكنك لتبوح عبْـرالمُـنـْكـَتب؛ هكذا لأن طبيعة كينونتك مُنكتِـبة لتـَكتـُب ما يحتاجه المُنكتب؛ هذا ليس قدرا بالمعني الديني. ولكن طبيعة التركيب البيوكميائي الذي تسرب إليك في مختبرات التجارب؛ ودروب القول الذي انغمرت فيه؛ سبب الكتابة! رغم أن المرء يحاول أن يتقمص دور الصوفي وأن يعتكف في شقته؛ بعيدا عن ضجيج الساحات وهول ومشاهدة الأزقة والشوارع والأسواق؛ لكن اقتناء الحاجيات الضرورية؛ تفرض عليك وعلى غيرك: النزول للشوارع والحواري لمعايشة حركتيها وحركية أناسها وملامسة مكوناتها الحية والجامدة؛ وما تحمله من صور ومشاهد ولقطات بعضها معْـتاد وبعضها يكون مفاجئا وغير متوقع وصادم؛ وأبعد من احتياجك للمواد الغذائية وما يدخل في حكمها. سيكون احتياجك لبعض الوثائق والأوراق الإدارية سواء لشخصك أو لأبنائك؛ أو لبعض معارفك؛ تستلزم عليك الخروج! وهكذا وفي الخروج تواجه هذا وذاك طواعية أو قسرا أو عرضا؛ ومحاولة التفاعل والتعامل مع ذاك وذانك سلما واستسلاما حتى!... إلا و يحضر سؤال إلحاحي:

ماذا وقع لبنيتنا الإجتماعية؟ بنية أصيبت بالتصدع ولربما ستصاب بالانهيار عما قريب؟ طبقا لما تصادفه من سلوك ومسلكيات وممارسات ومعاملات شاذة وسافلة في عدة مواقع ومحطات: ذاك جارك في العمارة؛ لا يرد عليك التحية الصباحية؛ ويمر متبخترا؛ نافخا ريشه! ما السبب؟ لا أحد يدري؟ حتى حارس العمارة؛ الذي يتوفر على الصندوق الأسود لساكنة العمارة، لا يدري؟ تلج البنك الذي تتعامل معه؛ لأسباب خاصة: تجد اللامبالاة؛ وعَـدم الاهتمام بالزبائن المنتشرة انتظارا لأداء خدماتها البنكية من لدن موظفي وموظفات؛ فتِـلك يا سلام! تتكلم في الهاتف الشخصي؛ مع أختها أو جارتها أو زوجها! والآخر يحرك كرسيه ويتحدث مع زميله؛ أومع إحدى المتدربات الجالسات قربه؛ وبذلك يوهم الزبناء أنه في عملية مالية جد معقدة عبر الحاسوب وآخر خارج المؤسسة لا يدري أحد أين هـو؟ ولماذا خرج من المؤسسة؟ ومرة صادفت إحْـداهن تاركة مكتبها؛ وخرجتْ تتفاوض مع وسيط لبيع السيارات؛ وعشرات المواطنين ينتظرون؛ إنه الاستهتار بالزبائن وبالعمل؟ نهينا عن الآعطاب التي يصاب بها يوميا الشباك الأتوماتيكي؛ وشكواك أو خصامك أو صراخك يتدحرج مع هبوب السخرية ضدك (!) ونهينا عن خشونة بعض بائعي الخضر والفواكه والأسماك في الأسواق؛ واستعمال ألفاظ بذيئة ودنيئة تجاه بعض الزبائن، تدعوهم إما للانسحاب الفوري أو للعِـراك وتبادل الشتائم في الحين؛ فالأغلب الأعم! منفعل ومتوتر على أتفه الأشياء؛ ولم تعُـد الابتسامة أو حتى الضحكة الماكرة؟ تعلو محيا العباد؛ تحاول مرة أن تـُكسرتجَهـُّم البعض؛ بفرفشة مسرحية أو ألفاظ سوريالية؛ مثل: كم هذا التفاح أيها المواطن؟ وهو في الأصل بدنجان أوشفرجل؛ يفاجئك بردة فعل صادمة؛ محشوة بالغلظة وجفاء السريرة (لا تضحك معي ولا تحاول أن تسخر مني؛ فأنا أحسن منك).

فماذا وقع لنا يا عباد الله؟

خشونة وغلظة واستهتار واللامبالاة ... حتى الشرطي الذي يحتك يوميا بالعباد والبشر، حينما يوقف إحدى السيارات لسبب ما؛ لا ترى ابتسامة تعلو محياه؛ لماذا؟ ابتسامة تساهم في التواصل والتفاعل رغم الخطأ الذي ارتكبه سائق ( ما ) وتلك الممرضة وذاك الممرض؛ الذي يعَـد ملاك الرحمة؛ لم يعد كذلك أمام مرضاه؛ لماذا؟ تلك شرذمة من التلامذة ترمي محافظها في قارعة الطريق؛ وتبدأ بالتراشق بما أتي في أيديهم؛ ناهينا عن الفوضى في الأقسام والساحات؟ موظف ينهر سيدة مُسنة؛ لعَـدم إدلائها بالبطاقة الوطنية؛ وآخر ليعْـفي نَـفـْسه من صداع الرأس؛ يرميك لمكتب آخر؛ مكتب تجده فارغا إلا من مكاتب وكراسي؛ تنتظر جالسها!! أين الإحساس بالمسؤولية؟ أين الضمير المهني الذي كانوا يطبخون رؤوسنا به في معاهد التكوين؟ ومدرجات البحوث؟ هَـل جفت القلوب وتجمدت عروقها؛ لنصبح أصناما تتحرك بلا عقل؟ هل نعيش سوريالية جديدة في زمن العولمة الطافحة بالتقلبات المريبة؟

فماذا وقع لنا أيها الناس؟

أبناء يرمون آباءهم أو أمهاتهم للشارع أو إلى الملاجئ رغم ضعف خدماتها؛ واتساخ مرافقها؛ وبعض الآباء والأعمام يغتصبن بناتهن وبنات بناتهن؛ ويشردن أزواجهن! ويقتلون المحبة والمودة بعض الفقهاء وجنيرالات العلم الساقط يسومون طالبتهن جنسيا! هل لازال الكبت سيد الأحداث؟ ذاك يقتل والدته من أجل دريهمات؛ وهذا يقتل أباه من أجل شقة عرضها مترين ومرحاض مشترك! شباب ينتحر بشكل عشوائي؛ رميا من أعالي السطوح والحبال المعلقة في الأشجار! فئة تغامر بأرواحها ورميا بأجسادها في قعر البحار؛ بحْـثا عن الفردوس المفقود؛ تهاجر بلا ضوابط ولا قوانين؟ ناهينا عن استفحال ظاهرة التسول والاستجداء بشكل مريب؛ بشكل خطير بين المقاهي وأبواب المساجد وفي الطرقات العامة؛ وحتى في الفايس بوك والمسنجر؟ جثث أدمية؛ بئيسة؛ تفترش الرصيف ليلا؛ تتغطى بأغطية مهترئة وبالية؛ كلنا نمر أمامها؛ ولا إحساسا يتحرك فيك؛ شعور بأدمية الآخر! لا نكذب على أنفسنا وعلى بعضنا البعض؛ الكل أمسى يردد في دواخله ويغني [( ومن بعَـدي الطوفان)] وهذا الذي لا نعرفه؛ ولكنه بشر مثلنا يمارس وشاية كاذبة ضد أخيه أو خاله؛ ليقتل فيه روح الدم والقرابة! ويستفحل الحقد بين ذريتهم! يوميا نسمع ونقرأ عن تزوير مستندات ووثائق بالجملة، واختلاسات أموال عامة بالكثرة؛ ولم يأخذوا المزورون ولا اللصوص ولا السماسرة العبرة ممن نال العقاب قبلهم! هل أصبحنا وحوشا بشرية ضارية؛ تـُسفك الدم والعِـرض والأصول بلا رقيب! أم نعيش عبثية قصدية في القيم والأخلاق والمبادئ وانحطاط النسل البشري؟

ماذا وقع لنا بالضبط؟ ....... ماذا وقع لنا تحْــديدا؟

 

نجيب طلال

 

 

علاء اللاميفي كتابه المرجعي المهم "رأسمالية الليبرالية الجديدة -النيوليبرالية" يناقش الباحث فؤاد قاسم الأمير واقع الاقتصاد العراقي بعد الاحتلال الأميركي سنة 2003، وماذا فعلت به السلطات الجديدة. ويكشف المؤلف عن التزوير والأكاذيب الكثيرة التي رُوِّجت من قبل ساسة وإعلامي واقتصاديي المنظومة الحاكمة لليبرالية الجديدة، حيث احتجوا زورا بالدستور الاحتلالي لتبرير جملة الإجراءات والقوانين والتطبيقات المدمرة للاقتصاد العراقي. إن من يريد أن يفهم واقع الاقتصاد العراقي المزري ومستقبله المظلم وأسباب التدمير والخراب الحالي لا بد له من فِهم الجذور العميقة لهذه الأسباب ولهذا الواقع، وكتاب الأمير يقدم لنا فرصة ممتازة لفهم كل ذلك بأسلوب علمي وموثق ومبسط؛ فهو يكتب، وسوف أورد الفقرات أدناه بشيء من الاختصار، ويمكن للقارئ أن يراجعها نصا في نسخة الكتاب الإلكترونية، فثمة رابط يحيل الى تحميلها مجانا وبسهولة في نهاية المنشور، كتب:

* يقول العديد من السياسيين والاقتصاديين العراقيين إن الدستور العراقي الذي أقرَّ سنة 2005 ينص وفي أكثر من موضع فيه على وجوب تحول الاقتصاد العراقي إلى "الليبرالية الجديدة"، وأحيانا يستخدمون مصطلحات "تحرير الاقتصاد" أو "لبرلة الاقتصاد" أو "تحول الاقتصاد العراقي إلى اقتصاد السوق". إن الدستور، رغم تلك الفخاخ فيه، إلا أنه لا يسمح مطلقا- مثلا - بخصخصة النفط كليا أو جزئيا - من خلال عقود المشاركة في الإنتاج، ويؤكد على مركزية القرار النفطي الرئيسي وحصر التصدير بيد السلطة الاتحادية.

* لا يوجد في الدستور العراقي فيما يتعلق بهذا الموضوع - الاقتصادي - عدا ما جاء في المواد (25) و(26) و(27). فالمادة (25) نصت على أن "تكفل الدولة إصلاح الاقتصاد العراقي وفق أسس اقتصادية حديثة بما يضمن استثمار كامل موارده وتنويع مصادره وتشجيع القطاع الخاص وتنميته". والمادة (26) تنص على أن "تكفل الدولة تشجيع الاستثمار في القطاعات المختلفة وينظم ذلك بقانون". والمادة (27) تنص على "أولا: للأموال العامة حرمة، وحمايتها واجب على كل مواطن".  ثانيا: تنظم بقانون الأحكام الخاصة بحفظ أموال الدولة وإدارتها وشروط التصرف فيها والحدود التي لا يجوز فيها النزول عن شيء من هذه الأموال".

يرجح المؤلف أن تكون المادة (26) هي التي شجعت على ربط الموضوع بالليبرالية الجديدة، أو ربطه بتعابير "السوق الحرة" أو "اقتصاد السوق" أو "تحرير ولبرلة الاقتصاد" - وسيشرح المؤلف جميع هذه المصطلحات وغيرها وبشكل مبسط ومسهب في كتابه، ليس دفاعا عنها، أو عن الدستور الذي يصفه بالملغوم، بل كشفا لأكاذيب مروجي الليبرالية الجديدة التابعين للاحتلال الأميركي باستعمال نصوص دستورية. وهذه كلها، كما يقول "تعابير حديثة بُدء باستعمالها في ثمانينات القرن الماضي لتشير بشكل أو بآخر إلى رأسمالية الليبرالية الجديدة، وهذا التفسير غير عملي أو منطقي، إذ على الدولة بموجب هذه المادة الدستورية "إصلاح الاقتصاد العراقي" والليبرالية الجديدة هي "تخريب للاقتصاد".

* إن "أسس الاقتصاد الحديثة" الواردة في الدستور، حسب فهمي، هي تلك التي تلائم حاجات ومتطلبات الشعب العراقي، وقد تكون هذه السياسات الاقتصادية اشتراكية أو رأسمالية منضبطة، ولكن بالتأكيد لن تكون رأسمالية الليبرالية الجديدة المنفلتة على مصراعيها، والتي تعمل على خصخصة المال العام، ولا تعمل على تحقيق الرفاهية والعدالة الاجتماعية للشعب العراقي.

* "أن ما جاء في المادة (25) حول تشجيع القطاع الخاص وتنميته هو أمر مطلوب وواجب في كل الاقتصادات، وليس فقط في الرأسمالية الليبرالية الجديدة، ولكن ما نلاحظه أن الاحتلال الأميركي والحكومات التي تلته لم تقم بذلك، بل أن ما تم عمليا هو العكس تماما، إذ دُمِّرَ ما كان موجودا من قطاع خاص، وتم فتح السوق العراقية لكل البضائع الأجنبية". ويوضح المؤلف أن تشجيع القطاع الخاص المفيد والإيجابي هو في القطاعات الاقتصادية الحقيقية "المنتجة" والاستثمار في داخل العراق وليس لقطاع "تجاري" مشوه يعمل على التحايل وتهريب الأرباح والثروات إلى الخارج. وأعتقد أن الأمير يقصد هنا المتاجرة بالعملة رسميا عبر "نوافذ بيع العملة" التي نُهبت من خلالها أموال العراق من قبل المسؤولين ومحدثي النعمة النافذين في المنظومة الحاكمة!

* ثم يسهب المؤلف في موضوع الاستثمار فيوضح "أن المفهوم منطقيا من المادة الدستورية "26" هو أن الاستثمار المقصود هنا هو الاستثمار الحكومي والخاص والأجنبي، ولا يوجد اعتراض على الاستثمار بحد ذاته فهو ضروري للتنمية الاقتصادية، وكان الاستثمار الصناعي موجودا في العراق قبل الاحتلال من خلال الدولة والبنك الصناعي وكان يسد هو والقطاع المختلط جزءا كبيرا من المنتجات الاستهلاكية الصناعية والزراعية التي يحتاجها المواطن، ولكن المرفوض والذي يثير التحفظات في الاستثمار المحلي والأجنبي هو أولا خصخصة القطاع العام باسم الاستثمار، وثانيا محاولة إنهاء دور القطاع العام وبيعه بسعر التراب وهذا ما تريده رأسمالية الليبرالية الجديدة، وأن المسألة المهمة التي يجب إدراكها هو حتمية أن يكون القطاع العام هو القائد في الاستثمار في العراق لأن جميع موارد البلد وثرواته بيد الدولة".

* لقد استخدم بعض السياسيين والناشطين المناهضين لرأسمالية الليبرالية الجديدة تعبير "رأسمالية الكوارث" لوسم هذه الرأسمالية في إشارة إلى عقيدة " الصدمة والترويع التي تبناها جورج بوش الابن في حرب احتلال العراق...إن استخدام هذا التعبير في تطبيق رأسمالية الليبرالية الجديدة هو أمر اعتمده منظرو هذه الرأسمالية ومناهضوها على حد السواء، وطالب منظرو الليبرالية الجديدة بتطبيقها في الاتحاد السوفيتي... وإن استغلال الكوارث من الحروب والحروب الأهلية والمجاعات والكوارث الطبيعية هو امر مطلوب للتطبيق السريع لهذه الرأسمالية بحجة الحاجة إلى الأموال والإنقاذ السريع ومساعدة الدول الفقيرة وغيرها من الحجج. إن "الكوارث" هي النتيجة الحتمية لتطبيق هذه السياسات!!"

 

علاء اللامي

.....................

* رابط أول لتحميل كتاب "رأسمالية الليبرالية الجديدة" لفؤاد قاسم الأمير"، يتطلب هذا الرابط بعض الانتظار:  تحميل كتاب علاء:

https://www.elsiyasa-online.com/2020/07/Capitalism-of-neoliberalism-neoliberalism-free-book-pdf.html

* رابط ثان لتحميل الكتاب:

https://www.noor-book.com/%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%87-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8A%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D9%87-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%87-Elsiyasa-Online-com-pdf?fbclid=IwAR1-gcOwJgEsn7zLIEwmWrfu4pR2TSkvQSI9cfozwQCnZHqVjL5LHyPljzY

 

 

عدنان ابوزيدالشباب يمثّل الجيل الأكبر والأكثر تنوعًا في العراق، بل هو السمة البارزة للمجتمع، في وقت تصِف فيه دول أوربية متطورة، أنفسها بـ (الشعوب الرمادية)، نتيجة ارتفاع معدلات الشيخوخة، لكن العراق مثل الكثير من البلدان، لا يستثمر في هذه الثروة الشبابية.

يزيد من أهمية ذلك، ان الشباب العراقي بدى مكترثا جدا بالأوضاع السياسية، اكثر من أي وقت مضى في تأريخ بلاده، ما يجعل ذلك محور انتقال انقلابي في الوضع الاجتماعي لهذه البلاد.

يشبّ في العراق جيل غير مؤدلج، لا يجد الأجوبة على اسئلته في التنظيرات التقليدية المؤدلجة في الكتب، بل في الانترنت والتواصل الاجتماعي والثقافات العالمية بحكم تقنيات الاتصالات الحديثة.

لا يحّبذ هذا الجيل، المعارك الأيديولوجية الأساسية، ويمتلك الجرأة على تجاوز الثوابت الفكرية وحتى الدينية، بحكم التحرر الثقافي، والاجتماعي، وهو أمر أصبح من الصعب ردعه حتى من قبل الأنظمة الشمولية والقمعية، وكانت ثورات الربيع العربي أنموذجا صارخا لهذا التحول الجيلي.

لا بد من الاعتراف بان النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في العراق، فشل في استيعاب الجيل الجديد، لاسيما ما يتعلق بارساء سياسات اجتماعية تقضي على الحرمان، والبطالة، نتيجة الفساد، وسوء الإدارة، والحروب التي تسببّت في انهيار الاقتصاد، وما نتج عنه من نفور جيل الألفية من نظام (ديمقراطية النخبة).

يعبّر العراقيون الشباب عن رغبة واضحة في التغيير في طريقة إدارة الحكومة والمجتمع، وهم متناقضون مع الكثير من العناصر الأساسية في النظرة المحافظة للأوضاع، ما يتطلّب تجديدا يستوعب هذه التطلعات. 

فضلا عن كل ذلك، فان هناك ما يدل على ديناميكية أكثر تعقيدًا، فالشباب العراقي لم يعد يبالي بالعقائديات السياسية، وهي التي حكمت العراق عقودا طويلة، ويفضّلون عوضا عن ذلك، تأمين مستقبل حرياتهم، غير عابئين بأسباب الصراع السياسي في بلادهم والمنطقة.

مقارنة بالأجيال الأكبر سنًا، يتبنى قطاع واسع من الشباب العراقي، وجهات نظر أكثر ليبرالية وميلا للديمقراطية، ويقترب بشكل واضح من شباب المجتمعات الصناعية المتطورة الذي يفضل الإنجازات المادية في الاتصالات والبنى التحتية، والترفيه، على الانشغال بالاشتباكات السياسية والإيديولوجية والعقائدية.

واضح جدا، ان النزعة المحافظة التي يتميز بها العراقيون الأكبر سنًا تتآكل بين جيل الألفية الذي تربي على الإنترنت،  

وينحسر الخطاب الموجّه والمتحزّب، بين الكثير من الشباب، ومن المفترض ان يحل محله الخطاب العلمي، الابستمولوجي، بحكم التطور الاجتماعي، كما هو الحال في الكثير من البلدان التي مرت بتجربة مشابهة للعراق، لكن الكثير من الشباب بدا عاجزا عن ذلك، متبنيا طروحات مثقلة بالعاطفة الثورية، ومتأثرا بالخطاب التأليبي الموجّه، المولّد للوعي الزائف.

لا يمكن استيعاب الجيل الجديد بتطبيقات تجميلية، ذلك ان احتجاجاته التي تضمحل، سرعان ما تعاود الاشتعال طالما ان حجم البطالة لم ينخفض، ورقعة الفساد، تتّسع، والصحة ونوعية التعليم، والمشاركة السياسية، لا تحظى بمعالجات منهجية.

 

عدنان أبوزيد

 

  

علاء اللاميفي تصريحات استفزازية ومستهترة بخصوصيات المجتمع العراقي قال قائد بعثة الناتو "في العراق اللواء مايكل لوليسكارد: "اتفقنا مع وزارة الدفاع على بعض الأهداف بعيدة الأمد، وما الذي نريد أن نحققه.. لدينا مثلا بعض الأمور التقنية".

وأضاف، "ولدينا 14 هدفاً طويل الأمد نعمل عليها من حيث التدريب ومن حيث إدارة الموارد البشرية، ومن حيث سلام وأمن المرأة، ومن حيث مكافحة الفساد وغيرها"/ تقرير مع فيديو لموقع ناس الذي يديره مشرق عباس المستشار السياسي لمصطفى الكاظمي!

أية وقاحة هذه؟! وأية خسة وانحطاط وهوان بلغها حكام العراق الذين يرضون بهذا النوع من التدخلات السافرة حتى في الشؤون الاجتماعية للناس وللنساء خاصة ولا يردّون عليها بحزم؟! هل بلغت التبعية بل والعبودية ببلد آخر وشعب آخر ما بلغته في الحالة العراقية ليتدخل حلف الناتو في حياة نسائنا وفي الفساد الذي جاء به احتلالهم وتدميرهم للعراق وتنصيبهم للفاسدين حكاما علينا؟ لو كان لدى هؤلاء الحكام والمدافعين عن المنظومة الحاكمة من أحزاب وشخصيات ذرة من الكرامة والشرف لطردوا القوات الأجنبية وفي مقدمتها قوات الناتو والقوات الأميركية غدا!

وأخيرا، إذا كان من المهام ال 14 لقوات التحالف التي أعلنها قائدها "إدارة الموارد البشرية، سلامة وأمن المرأة ومكافحة الفساد"، فما هي المهام الأحد عشر الأخرى غير المعلنة!

لقد أعلن حلف الناتو المعادي للشعوب أنه اتفق مع وزارة الدفاع العراقية على عدة أهداف منها "حماية أمن وسلامة المرأة" فيما النساء المجندات الأميركيات في الجيش الأميركي يعانين مما تسميه جريدة نيويورك تايمز "وباء الاعتداء الجنسي" كما قال تقريرها الذي نشر في 3 آب أغسطس 2021 وأفاد أن ربع المجندات في الجيش الأميركي تعرضن للاعتداء الجنسي وهذه فقرات مترجمة من هذا التقرير وهو بعنوان "سم في النظام: وباء الاعتداء الجنسي العسكري"... فليقرأه السادة في وزارة الدفاع العراقية وجميع أهل المنظومة الحاكمة الفاسدة التابعة للأجنبي والتي لطخت اسم العراق وسمعة شعبه بالعار طوال فترة حكمها وخصوصا مع هذه الفضيحة التي أعلن عنها حلف الناتو!

* يفيد التقرير في خلاصة عنوانه "أن ما يقرب من واحدة من كل أربع مجندات أميركيات تعرضت لاعتداء جنسي في الجيش. لماذا كان من الصعب تغيير الثقافة؟"

* ثم يورد التقرير فقرات عن قصة المجندة فلورنس شمورجنر التي تعرضت للاغتصاب ذات يوم بعد ظهر يوم من عام 2015 وظلت تفكر في الانتحار لفترة أربع سنوات. ثم تمكنت من الحصول على اعتراف مسجل بلسان المعتدي عليها. ولكن القيادات العسكرية ثبطتها عن المضي بتقديم شكوى ضد المعتدي عليها و"أخبروها أنه على الرغم من الاعتراف، فإن شهود المعتدي عليها قالوا أشياء جيدة عنه ولم يكن هناك دليل مادي لإثبات وقوع اغتصاب. وحذروا شمورجنر من أن المحاكمة العسكرية ربما تكون صعبة عليها وأنها قد لا ترغب في المضي فيها لأنه من غير المرجح أن تنتهي بالإدانة". تم إغلاق التحقيق في جريمة الاغتصاب في عام 2018، فسقطت الشابة شمورجنر أكثر في الاكتئاب واليأس".

* على مدى عقود، تفشى الاعتداء والتحرش الجنسي في صفوف القوات المسلحة، حيث وعد القادة العسكريون مرارأً وتكراراً بالإصلاح لكنهم فشلوا في الوفاء بتلك الوعود. لا تزال النساء أقلية مميزة، حيث يشكلن 16.5 في المائة فقط من القوات المسلحة، ومع ذلك فإن واحدة من كل أربع منهن أبلغن عن تعرضهن لاعتداء جنسي في الجيش، وأكثر من نصفهن أبلغن عن تعرضهن للتحرش. أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل الجنديات اللائي تعرضن للاعتداء نادراً ما يجدن العدالة هي الطريقة التي يتم بها التحقيق في مثل هذه الجرائم ومقاضاة مرتكبيها.

* بعض السياسيين يقاتلون ويفشلون منذ سنوات لتغيير هذه القوانين العسكرية. في كل عام منذ عام 2013، تقدم السناتورة كيرستن جيليبراند من نيويورك تشريعات لنقل قرار مقاضاة الجرائم العسكرية الكبرى، بما في ذلك الجرائم الجنسية، بعيداً عن أيدي القادة والمدعين العامين المستقلين. وفي كل عام، كانت تفشل في المضي قدمًا. لقد عارض البنتاغون فكرة السناتورة كيرستن جيليبراند بشدة، قائلاً إنها ستقوض القيادة المؤسسية.

 

* يقول الكولونيل دون كريستنسن، كبير المدعين العامين المتقاعدين في سلاح الجو والذي يشغل الآن منصب رئيس "حماية المداعين عنا"، وهي منظمة غير ربحية مكرسة للحد من الاغتصاب والاعتداء الجنسي في الجيش، إن هذا العام مختلف في جزء كبير منه بسبب مقتل الأخصائية فانيسا غيلين، التي تم العثور على جثتها في تكساس في يونيو 2020. وبحسب ما ورد تعرضت غيلين للتحرش الجنسي من قبل زميلها الجندي قبل وفاتها. وفي نيسان /أبريل 2021، اضطر الجيش إلى إيقاف 22 مدربًا من Fort Sill في أوكلاهوما بعد تعرض متدربة لاعتداء جنسي.

* من عام 2007 إلى عام 2017، ارتفع معدل الانتحار بين المحاربات القدامى بنسبة 73٪؛ وفقًا لبيانات وزارة الدفاع، في عام 2019، شكلت النساء 31 بالمائة من جميع محاولات الانتحار بين أفراد الخدمة الفعلية.

* بعد الاعتداءات الجنسية، نادرا ما يرى الضحايا العدالة. فمن بين أكثر من 6200 تقرير اعتداء جنسي قدمه أفراد الخدمة الأمريكية في السنة المالية 2020، انتهى 50 - 0.8 بالمائة فقط - بإدانات بجرائم جنسية بموجب القانون الموحد للعدالة العسكرية، أي ما يقرب من ثلث عدد الإدانات كما في عام 2019.

*حتى عند إدانتهم، غالباً لا يقضي الجناة المعتدون وقتاً في السجن. يقول كريستنسن: "كثير من هؤلاء لا يبقون يوماً واحداً في السجن". وأشار إلى قضية بروك تورنر ، السباح في جامعة ستانفورد ، الذي أدين بثلاث تهم بالاعتداء الجنسي لكنه أمضى ثلاثة أشهر فقط في السجن.

* كانت كيلي لين شوبل، وهي طبيبة عسكرية قتالية سابقة تبلغ من العمر 47 عامًا، تجلس القرفصاء مرتدية قميصًا أخضر. ارتجف صوتها، قالت شوبل المجموعة كيف تعرضت في البداية للتحرش الجنسي من قبل ضابط برتبة مقدم - على الرغم من أنها أبلغت عن ذلك، فقد تمت ترقيته - وبعد ذلك، أثناء خدمتها العسكرية الطبية في الكويت والعراق، تعرضت للاغتصاب ثلاث مرات من قبل أشخاص مختلفين. هم جنود، ولكنها لم تبلغ قط عن تلك الاعتداءات. وبالنظر إلى الطريقة التي تعامل بها الجيش مع تحقيقها بشأن التحرش، شعرت أنه لن يكون الإبلاغ عن الاعتداء عليها مجديا، وكانت تخشى الانتقام.

* في أغسطس / آب 2006، تعرضت لاعتداء أخير، مما أدى إلى تسريحها. فبينما كانت تملأ أكياس الرمل خارج المعسكر، دخلت في خلاف مع رقيب أول على جاتوريد. فجأة، أمرها جاتوريد بالجلوس على ركبتيها، وضغط ماسورة مسدس محشو على جبهتها وبدأ في فك سرواله، طالبها بممارسة الجنس معها وإلا أطلق النار على رأسها.

قالت شبل إنها نهضت بعد ذلك وقالت له: "إذا كنت ستطلق النار علي، فمن الأفضل أن تطلق النار علي الآن، وسيتعين عليك إطلاق النار في ظهري"! بعد ذلك مباشرة، أخبرت شوبل إحدى زميلاتها بما حدث وأبلغتها هذه الزميلة بأن الرقيب جاتوريد هدد بقتلها!

 

علاء اللامي

.....................

*الصورة الأولى لغلاف التقرير في نيويورك تايمز، والثانية للطبيبة العسكرية الأميركية كيلي لين شوبل في مركز إغاثة في التاجي بالعراق المحتل، في عام 2004. بعد الاعتداء عليها جنسيا في عام 2006، أعيدت إلى منزلها وتم تسريحها في نهاية المطاف من الجيش بعد أن اعتبرت غير مؤهلة طبيا للخدمة.

*رابط يحيل إلى الصورتين في منشور على الفيسبوك:

https://www.facebook.com/allamialaa

 

 

محمد المحسن"إلسعوا أول من ترونه، واستمدوا حياتكم من موته"

"أرسطو فان "الزنابير"422 ق.م

إننا نقرأ التاريخ لنتعلم من خبرات الذين سبقونا إلى المجاهل، ولنعتبر بتجاربهم وأخطائهم إذا كنّا فعلا نحبّ الحياة ونعتقد بأننا نستحق هذه الحياة.

ما الذي أعنيه..؟

أعني أن أمريكا ليست إلا الفهم الأنقليزي التطبيقي لفكرة اسرائيل التاريخية، وإن كل تفصيل من تفاصيل الإستعمار الأنقليزي لشمال أمريكا حاول أن يجد جذوره في أدبيات تلك اسرائيل،  ويتقمص وقائعها وأبطالها وبعدها الديني والاجتماعي والسياسي، ويبني عقائدها في”الاختيار الإلهي”وعبادة الذات وحق تملك أرض وحياة الغير..

ولقد كان لدخول أمريكا الحربين الكونيتين هو المعبر الأوسع إلى قدر أمريكا المتجلي وراء البحار لدمغ ظهور البشرية بدمغة الأنكلوسكسوت الحضارية، أو ما صار يطلق عليه اليوم في القاموس الأمريكي بالنظام العالمي الجديد.

وكما جرت العادة في كل حرب فإن الرئيس الأمريكي (كان يومها وودرو ولسون) خرج على مواطنيه ليعلن عن ظهور مجاهل جديدة ووحوش جدد! وليقول إنه لم يورط أبناء الولايات المتحدة في الحرب، إلا للدفاع عن الحضارة ضد الهمجية وللدفاع عن “طريقة الحياة الأمريكية”. . !

وفي الحرب العالمية الثانية أيضا أعلن الرئيس روزفلت لمواطنيه أن أمريكا تدخل الحرب من أجل انقاذ العالم، ودفاعا عن الحضارة وعن طريقة عيشها.

سأضيف: خلال الحربين الكونيتين كان السياسيون ونجوم السينما والإذاعات والصحف كلهم يمجدون الدور الأمريكي ”الخلاصي” ويركزون على الإختيار الإلهي ووحدة المصير الأنكلوسكسوني وارتهان مصير الانسانية كلها لمصير العرق الأنكلوسكسوني المختار، كما عبّر عن ذلك رينهولد نيبور Reind hold Niebur في مقالته"المصير والمسؤولية الأنكلوسكسونية"(1) قبل قصف هيروشيما وناغازاكي بالقنابل النووية.

سأضيف ثانية: في أربعينيات القرن المنصرم دخلت اليابان أطلس المجاهل وانضم اليابانيون إلى لائحة الشعوب المتوحشة.و"سرعان ما صنفت دائرة الأنتروبولوجيا في مؤسسة سميثسونيان الثقافية اليابانيين مع الأعراق المنحطة!"(2) وقد قال يومئذ العسكريون"إن اليابانيين ليس فيهم طيارون مؤهلون قادرون على التصويب في اتجاه الهدف، لأن عيونهم مشوهة منحرفة !".

ما أريد أن أقول؟:

أردت القول أن التجربة الحيّة والمستمرة لفكرة أمريكا "فكرة استبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة"قد بنى منها -هؤلاء الغزاة-لحم أكتافهم واقتصادهم القائم على "حق النهب"و"الفردية المتوحشة"وبها رفعوا صرح مدنهم على أنقاض المدن الهندية وسوروا حدائقهم بعظام الهنود الحمر.

لقد كانت هذه “الجبهة” المتقدمة دائما الوجه السحري لأسطورة أمريكا حيث كتب القضاء والقدر للحضارة أن تنتصر على الهمجية وللإنسانية على “الوحوش” وللنور على الظلام، وللخير على الشرّ..ولإسرائيل على كنعان.. وللولايات المتحدة على كافة الدول العربية دون إستثناء..

واليوم:

يعتقد الأمريكيون اليوم كما كان أجدادهم المستعمرون الأوائل يعتقدون قبلهم، بأن لهم الحق المطلق في أن يقتحموا أي أرض تفوح منها رائحة النفط أو يتلألأ على تخومها بريق الذهب أو يرفض أهلها الوصاية الأمريكية اليانكية.

والسؤال : الخليج العربي اليوم ينزّ نفطا، فهل ستنزل عليه اللعنة صباحا ويلتف من حوله الاخطبوط الأمريكي عند المساء !؟

إن مقتل مائة هندي أو حرق قرية هندية كاملة بمن فيها، قد تحيله هوليود إلى مناسبة للضحك والتسلية، فيما هي تنسج من تلويح الهندي بيده في وجه الرجل الأبيض دراما مخيفة تجعلها عنوانا للعنف والوحشية التي تؤهله للموت، مما يعني أنهم قبل أن يسلبوا الهنود جهودهم في الحضارة الإنسانية ويعرّوهم من انسانيتهم، أسقطوا عليهم فظاعاتهم كالعنف وسلخ فروة الرأس والتمثيل بالجثث وغير ذلك مما يعتبر لازما لإبادة 112 مليون إنسان من "الأضرار الهامشية"التي تواكب انتشار الحضارة.

وهذا يعني أولا وأخيرا أن الجلاد الأمريكي قد جرّب أسلحة صيد كثيرة، لكنه أبدا لم يتخلّ عن هاجس الإبادة الكاملة، ذلك ان إبادة 112 مليون إنسان ينتمون إلى أكثر من أربعمائة أمة وشعب(3)، جريمة لم يعرف التاريخ الإنساني مثيلا لها في حجمها وعنفها وفظاعتها، لكنها جريمة لم تكتمل فصولا ولم تصل إلى غايتها المرسومة..

على سبيل الخاتمة:

إن عالمنا اليوم كلّه يعيش تحت رحمة مافيا كولومبس الذي أوصى بإستثمار ذهب أمريكا في "تحرير أورشليم"وأن الهنود الحمر الذين أبيدوا بالنيابة عنا، نحن العرب على الحقيقة، ما يزالون يعيشون فينا.

.. وأرجو ان لا أكون قد تجاوزت الحد.ولكني رغبت فقط، في تنبيه الذين يتابعون التداعيات الدراماتيكية في منطقة الشرق الأوسط، بأن سيناريو العراق أو سوريا..ليس هو السيناريو الأمريكي الوحيد لفيلم الأحداث المقبلة.

 

محمد المحسن-كاتب صحفي تونسي

............................

الهوامش:

1-)عن منير العكش كاتب سوري يقيم في واشنطن. انظر دراسته المستفيضة المنشورة بمجلة الكرمل الفلسطينية العدد 71 72 شتاءربيع 02 ص 80

2-) نفس المرجع.

3-) تعترف مصادر التاريخ المنتصر بهذا العدد من الأمم والشعوب الهندية وإن كانت تقلل من عدد أفرادها، غير أن الأبحاث التاريخية تقول ان هذا الرقم شديد التواضع، وأن أمما هندية كثيرة غير هذه الأربعمائة المعترف بها قد محيت من ذاكرة البشر.

 

 

مهدي الصافيالتطاحن او التأكل الداخلي او حتى بما يسمى في علوم الفيزياء الميكانيكية او الحركية بمحركات الاحتراق الداخلي لتوليد الطاقة، هي علوم رياضية وطبيعية وابداعات او ابتكارات انسانية عامة، تنسحب على بقية العلوم والنتاج الفكري والمعرفي البشري المتواصل، اما ان تنقذك النظريات والايديولوجيات او تطحنك طحنا..

من هنا نرى ان الحضارة الغربية العلمانية جعلت اساس الحركة والتطور والاداء او الانتاج هو العلم، وابعدت عن ادارة الدولة والمجتمع الاساطير والاديان والايديولوجيات الجدلية او العقائدية، علما ان البعض منهم يريد العودة الى الحكم من باب الاحزاب العنصرية او اليمينية المتطرفة، بعد انتشار الارهاب والعنصرية والتطرف في العالم، وتصاعد ثقافة الشك والارتباك حول اسباب ظهور فيروس كورونا، والتشريعات الخاصة بالاغلاق وقوانين فرض اللقاحات الخ.

انظمة الحكم وادارة الدولة لايمكن ان يكتب لها النجاح دون وجود دراسات وخطط وبرامج استراتيجية واجراءات محلية علمية، بمعنى اخر ان علوم الرياضيات هي علوم لادارة الامم والمجتمعات والدولة والحياة، اي ان الامم والشعوب لايمكنها بناء دولة متحضرة قابلة للتنمية المستدامة والمتطورة دون وضع اسس تلك الحسابات، وكأنها عملية حسابية رأسمالية تدخل فيها معايير تقدير المنفعة في الربح والخسارة...

السياسة ليست فن الممكن فقط كما يقال، وانما هي طريق الصعود او الهبوط، قد تأخذ الاحزاب والتيارات السياسية في اي عملية سياسية حديثة او جديدة دورها، وتبقى بحاجة الى فترات طويلة لاعادة تقييم واختبار النتائج والاقتناع بهااو تصحيحها، ولكن قطعا الامر مختلف تماما في حال استلام دفة الحكم، لانها تعد قمة الاداء السياسي لهذا الحزب او ذاك ، ومرحلة مصيرية مهمة لغربلة اداءها ونتائجه المحسومة الواضحة، عندها سيكتب التأريخ ويقول كلمة الفصل، ويسجل اما مسألة الاخفاق وضرورة الانزواء بعيدا او يعطي اثبات منطقي وعملي على نجاح الافكار والبرامج والنظريات السياسية الخاصة بهم، ماحصل في العراق بعد 2003 هناك عناد واصرار غريب من قبل الطبقة السياسية الحاكمة الفاشلة والفاسدة على الاستمرار بقيادة الدولة بطريقة فوضوية ساذجة، على الرغم من ان ماكنات التطاحن الداخلي تقترب منهم ومن منطقة الحصن او المعقل الاخير اي المنطقة الخضراء..

مايجري في عالم مابعد كورونا هو ظهور ازمات وتوترات سياسية واقتصادية او جيوسياسية جديدة ، بين القوى العظمى والاقليمية الصاعدة، وكأن الانسحاب الامريكي من افغانستان قلب اللعبة على وجهة ورؤية وخطط وصفحات مختلفة، اذ عادت لغة الصراع والتلويح بالحرب واشعال الفتن والمؤامرات الى الواجهة (ازمة امريكا وايران وفشل حوار العودة الى الاتفاق النووي، امريكا والناتو مع ازمة روسيا واوكرانيا، المقاطعة الدبلوماسية لدورة الالعاب الشتوية في الصين والانقسام الذي احدثته رغبة فرنسا بالمشاركة، عودة العلاقة بين قطر ودول الخليج وبدء الاخير بفتح صفحة علاقات ضبابية مع ايران، ازمة الاقتصاد التركي، بقاء ملف سوريا والعراق ولبنان واليمن مفتوحا على كل الاحتمالات المتوقعة والمجهولة، ارتفاع اسعار النفط، طرق نقل الغاز الى اوربا، الصين وتايوان، الخ.)، مما عقد من المشهد السياسي في العراق بعد الانتهاء من الانتخابات المبكرة، واصبح اللعب الخارجي وتأثيرات التدخل في الشؤون الداخلية للبلاد مكشوفا(بين ايران الممثلة بالاطار التنسيقي وبعض اجنحة الحشد الشعبي، وامريكا والامم المتحدة اي المجتمع الدولي ودول الخليج وتركيا الممثلة بالثلاثي الانتخابي التيار الصدري والبرزاني والحلبوسي-الخنجر)، المشكلة ان ايران تعتقد وحتى الى وقت قريب انها تمسك بالملف العراقي والمنطقة بقوة، بينما الاحداث لتي حصلت بعد انتفاضة تشرين(2019)، ومجيء الكاظمي لرئاسة الوزراء قلب المعادلة والطاولة، واظهرت نتائج الانتخابات الاخيرة ان الملف لازال بيد المجتمع الدولي (الذي اصبح اكثر وضوحا وشراسة فاق صراحة وعنجهية ترامب)، الذي اعاد العراق والعملية السياسية الى المربع الاول (مربع استلام السيادة اي قبل خمسة عشر عام)، اما التهديدات واللقاءات والتصريحات والاجتماعات المغلقة والفردية فيما بينهم ، وبين مبعوثة الامم المتحدة فهي استمرار للتشتت والتفكيك والخلاف وليست ابواب لايجاد الحلول(وبالاخص تغريدات السيد مقتدى الصدر الاخيرة بعد اجتماع بيت العامري ، وحول تفجير البصرة الخطير والملتبس) الج.

العراق دولة من ورق سجلت مؤخرا كسر اخر حلقة من حلقات انفكاك التماسك والترابط الرسمي والشعبي والمالي او الاقتصادي المبعثرة في مجال وقطاع الرياضة، فالدول تظهر وتقدم نفسها امام شعوبها وبقية الامم عبرالانجازات والابداعات والنتاجات الفكرية والثقافية الانسانية والعلمية والاقتصادية والفنية والرياضية، الخ.

لا ان ترسل لهم قوافل من اللاجئين والهاربين من جحيم الفوضى والفساد والفقر!

الطبقة السياسية الحاكمة والمهيمنة على السلطة والنظام في العراق تأخذ معها الشعب الى دوامة التطاحن والفشل دون رحمة، وعليها ان تراجع ماقدمته من كوارث، وان تنتبه الى انها تدور في فلك الفشل والانهيار، وامامها فرصة تاريخية مفصلية اما بالتنحي التدريجي وتسليم السلطة الى الكفاءات الوطنية المستقلة او الذهاب الى التعديلات الدستورية الجذرية الشاملة المرضية لجميع الاطراف من المكونات والاثنيات والطوائف والتوجهات

فضلا عن توفير الحد الادنى من القبول والاجماع الوطني عليه بعد اجراء الاستفتاء العام، وضمان الذهاب الى النظام الرئاسي المقيد بشروط دستورية معينة، لانهاء ظاهرة دولة الزعامات والقيادات وترحيلها الى مجلس السيادة او الشيوخ على غرار التجربة الامريكية وبقية الدول المتحضرة او دائرة التقاعد المريح، وبالتالي يتخلص الشعب من هذه الاشكالية الجاثمة على صدره (علما ان اغلب زعماء العملية السياسية عمل على صناعة انصاف المسؤولين وقدمهم بحركات وتيارات وتجمعات شبابية كارتونية تتجمع قبيل كل انتخابات وتتبخر وتختفي كما تختفي التجمعات الانتخابية بعد انتهاء كلمة الزعيم او من ينوب عنه....)، لتنهي بذلك سلسلة مريرة وبائسة من سياسة صناعة الصراعات والمؤامرات المفتعلة قبل كل جلسة محاصصة، وعندها يمكن العودة الى مسار العملية السياسية وادارة الدولة بطريقة علمية متقدمة، لان اثار كوارث الفساد والارهاب والانهيار ولعنات الولاءات والتدخلات الخارجية تشمل الجميع دون استثناء، وقطعا سيكون الثمن باهظ جدا.....

 

مهدي الصافي

 

ترجمة: د. هاشم نعمة

هاشم نعمةعن: NRC Handelsblad, 28 Oktober 2021

يعتمد جنوب العراق على النفط، وهو يعاني بشكل كبير من غاز آبار النفط الذي يُحرق ويلوث الهواء. الشباب على وجه الخصوص معنيون بذلك. "إنه لأمر مرعب أن يعتمد اقتصادنا على النفط وأنه لا توجد خطة بديلة".

صادق طاهر ضاحي يسير في بستانه في قرية نهران عمر العراقية، في أمسية دافئة في أيلول. من فوق أشجار النخيل تسمع زقزقة مئات من طيور السنونو. ولكن إذا استمعت جيدًا، فسوف تسمع أيضًا زئير اللهب. إنه يأتي من حقل نفط خلف الأشجار مباشرة. من صف من مشاعل الغاز، تنبعث أعمدة النار الكثيفة. لذلك أسود بعض النخيل نتيجة ذلك.

يقول ضاحي البالغ من العمر 52 عامًا: "في البداية، كان هنا الكثير من الأشجار، لكن تم حرقها جميعًا". وحسب المزارع، فإن الحكومة العراقية لم تتدخل إلا عندما امتدت النيران إلى منزله. "منذ ذلك الحين، انخفض حرق الغاز، لكن حقلي دُمّر وماتت حيواناتي، بعضها من النار، والبعض الآخر من الغازات السامة ".

يقول ضاحي أن الناس يموتون أيضًا نتيجة الانبعاثات، ويشير إلى المنازل البعيدة: "في كل أسرة تقريبا في هذه القرية في محافظة البصرة، يموت شخص بسبب سرطان الرئة أو مرض رئوي آخر. قبل ثماني سنوات، فقد هو أيضا ابنه بسبب مرض السرطان. كان عمره آنذاك ستة عشر عاما. ما زلنا نحتفظ  بملابسه وكتبه. لقد كان أفضل طالب في صفه".

هناك عدد قليل من الأماكن على وجه الأرض حيث لا يمكن تجنب الآثار المدمرة للوقود الاحفوري كما هو الحال في جنوب العراق. وفي البصرة، ترتفع درجات الحرارة بمعدل سبع مرات أسرع من أي مكان آخر في العالم. ففي الصيف، ترتفع بشكل منتظم فوق الخمسين درجة مئوية. الهواء ملوث للغاية، ويرجع ذلك جزئيًا إلى غاز الميثان المنبعث من حرق الغاز. الأنهار تجف وهي مليئة بالنفايات الصناعية العائدة إلى  شركات النفط. ونتيجة لذلك، تم نقل أكثر من 100 ألف شخص إلى المستشفى بسبب التسمم في عام 2018، وفي قرية مثل نهران عمر، يعاني 6 في المئة من السكان من السرطان - ما يقرب أكثر من خمسة أضعاف المعدل العالمي.

في الوقت نفسه، هناك عدد قليل من الأماكن التي تعتمد على الوقود الاحفوري مثل البصرة. وتشكل صادرات النفط من المحافظة أكثر من 95 بالمئة من عائدات الحكومة العراقية. عندما انخفض الإنتاج خلال ذروة جائحة كورونا، بات أكثر من خمسة ملايين عراقي تحت خط الفقر. لكن بدلاً من الاستثمار في الصناعات البديلة، انتظرت الحكومة العراقية أن يتعافى سعر النفط. نتيجة لذلك، وفقًا للبنك الدولي، يظل العراق الدولة الأسوأ استعدادًا والأكثر هشاشة في العالم في مرحلة تحول الطاقة.

ومع ذلك، يجب أن يحين زمن هذا الانتقال، وهذا ما سيؤكده قادة العالم مرة أخرى يوم الأحد خلال قمة المناخ التي تستمر أسبوعين في غلاسكو*. وفقًا للعلماء، يمكن أن يقتصر الاحترار العالمي على 1,5 درجة فقط إذا كان العالم يستهلك نفطا أقل بأربعة أضعاف في عام 2050 مما هو عليه الآن. ولكن ماذا تعني هذه المهمة للدول المنتجة للنفط مثل العراق؟ وهل يمكن تصور مستقبل بدون نفط لسكان البصرة؟

لا درس في الاستدامة

في أحد الفصول الدراسية بجامعة البصرة للنفط والغاز، هناك ستة طلاب على استعداد لمناقشة هذا الموضوع. لكنهم لم يسمعوا قط بقمة غلاسكو. تقول سلمى محمد البالغة من العمر 22 عامًا: "لا تتحدث وسائل الإعلام العراقية أبدًا عن تغيّر المناخ. علاوة على ذلك، فإن مناهجهم الدراسية بالكاد تولي أي اهتمام له. "ليس لدينا أساتذة متخصصون في الطاقة المستدامة."

هذا لا يعني أن الشباب غير معنيين بتغير المناخ. قال مصطفى نائل، 22 عاما، "لا نفكر في  شيء غيره، لأننا في البصرة نعيش عواقبه كل يوم". "إنه لأمر مرعب أن نرى أن اقتصادنا بأكمله يعتمد على النفط وأن العراق ليس لديه خطة بديلة ". مريم نهاد ، 21 عامًا ، تومئ برأسها. "نحن قلقون بشأن وظائفنا ومستقبلنا. ربما يمكننا الاستمرار في الضخ لمدة 15 عامًا أخرى، ولكن ماذا يحدث بعد ذلك؟ "

إن للطلاب أفكارهم الخاصة بشأن الاستدامة. على سبيل المثال، تتحدث سلمى عن حملات زرع الأشجار، وتدافع طالبة أخرى، تدعى أم البنين، عن المزيد من الاستثمارات في ضغط الغاز (والذي يمكن استخدامه لتخزين الغاز الذي يتم حرقه الآن) ويتحدث مصطفى عن جعل عملية استخراج النفط أكثر استدامة. يقول: "لقد قرأت كثيرًا عن ذلك عبر الإنترنت". "نحصل على معلوماتنا بأنفسنا".

لكن عراق بدون وقود أحفوري؟ "هذا لا يمكن تصوره". هذا ما يتوقعه مصطفى، خصوصا في العقود القادمة. ويرى أن هذا الهدف مبني أكثر من اللازم على المكانة المتطورة للبلدان المتقدمة. لا تنسى  أن التصنيع في أوروبا بني على الوقود الاحفوري. لا يمكنكم أن تتوقعوا منا تخطي تلك المرحلة. هذا يتطلب الكثير من الوقت والمال".

وهذه هي أيضًا رسالة وزير المالية العراقي علي علاوي، الذي حذر في مقال رأي نُشر مؤخرًا في صحيفة الغارديان البريطانية من أن العراق لا يمكنه التعامل مع تحول الطاقة بمفرده ويحتاج إلى مزيد من الدعم لتنويع اقتصاده. هذا الاقتراح ليس جديدًا، لأنه بالفعل في قمة المناخ في كوبنهاغن عام 2009، وعدت الدول الأكثر ثراءً بأن تخصص 100 مليار دولار سنويًا، اعتبارًا من عام 2020، لمساعدة البلدان النامية في تحول طاقتها. في الواقع، لا تزال الدول الأغنى تعاني من نقص 20 مليار، ويرجع ذلك أساسًا إلى أن الولايات المتحدة لا تفي بوعودها.

بالإضافة إلى الطلبات، جاء علاوي بوعوده الخاصة. على سبيل المثال، أعلن الوزير هذا الشهر أن العراق يريد إنهاء حرق الغاز قبل عام 2025 ووعد بمزيد من الاستثمارات في الطاقة الشمسية. يأتي ذلك جزئيًا من شركات أجنبية، بما في ذلك شركة توتال الفرنسية للطاقة التي وقعت عقدًا بقيمة 27 مليار دولار مع الحكومة العراقية في بداية أيلول - بما في ذلك إنشاء حقل عملاق للألواح الشمسية في البصرة.

لم يعلن بشكل علني المحتوى الدقيق لصفقة توتال. فالشركة نفسها تتحدث فقط ، في بيان صحفي، عن الاستثمارات في الاستدامة، لكن رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي ذكر أن شركة توتال ستضاعف إنتاجها ثلاث مرات تقريبًا في أحد حقول النفط في البصرة من 85,000 إلى 210,000 برميل يوميًا.

على جثتي

قال مصطفى جبار سند، الناشط البارز في البصرة، الذي أدلى بتعليق نقدي بشأن صفقة توتال على صفحته في الفيسبوك في أيلول، إن أولئك الذين يطرحون أسئلة يمكن أن يتوقعوا مشاكل. بعد فترة وجيزة، أطلق شقيق وزير النفط النار على سيارته. وقال سند في مكتبه بالبصرة وهو يعرض لقطات بالفيديو للهجوم بواسطة هاتفه "يريدون قتلي". "وهم يفلتون من العقاب. وتم الافراج عن شقيق الوزير فور اعتقاله ".

هذا يظهر أن النخبة السياسية في العراق مستعدة للقيام بأي شيء لحماية مصالحها النفطية. وبحسب رجل الأعمال محمد صادق، فإن هذا هو السبب الحقيقي في أن تحول الطاقة في العراق سيستغرق بعض الوقت. "لا يهمني كم من الوقت، لأنني خلال ذلك سأكون تحت التراب!"، وهو يضحك في بهو فندق في البصرة.

يعرف صادق كيف تسير الأمور لأنه هو نفسه عمل لمدة 35 عامًا في شركة نفط البصرة، أكبر شركة نفط عراقية. ويقسم أنه لم يكن فاسدًا أبدًا، لكن بقية أماكن العمل تفعل ذلك. "في العراق، يفكر الجميع بقضاياه الخاصة، لا أحد يفكر في المصلحة الوطنية، هذا هو السبب في أن سياسيينا لا يهتمون بتغير المناخ ". قال الرجل ذو الشارب.

ويعرف صادق أن شركات النفط العالمية تستفيد من هذا التراخي الفاسد. لقد شاهد ذلك مرات عديدة: عقودها مليئة ببنود مفصلة حول الاهتمام بالمناخ، ولكن من الناحية العملية، يتم التجاوز على القواعد بسهولة طالما أن الشركات تجري الاتصالات اللازمة مع السلطات العراقية. "بهذه الطريقة يمكن للجميع الاستمرار في جني الأموال."

إذا حدث تغيير في البصرة، فمن المرجح أن يأتي من الأسفل. في خريف عام 2018، على سبيل المثال، نزل آلاف الأشخاص إلى الشوارع للمطالبة بمياه شرب نظيفة وتوزيع أكثر عدلاً لموارد النفط. كانت المظاهرات تمهيدًا لانتفاضة على مستوى البلاد بعد عام. ونتيجة لذلك سقطت الحكومة العراقية ودُعي لانتخابات مبكرة مطلع الشهر الجاري. وفي البصرة من بين آخرين انتخب الناشط مصطفى جبار سند الذي انتقد صفقة توتال عضوا في البرلمان.

أرض خصبة

تقول فدوى توما، ناشطة المناخ التي بدأت حملتها بعد أن أصيبت والدتها بالسرطان: "هناك تغيير يحدث في العقلية ". تقول من مكتبها: "قبل بضع سنوات، لم يكن الناس يهتمون كثيرًا بالمناخ، لأن هناك ما يكفي  من المشاكل في البصرة". "ولكن الآن بعد أن تجاوزت، في الصيف، درجات الحرارة الخمسين  درجة مئوية، زاد عدد المنتفضين أكثر فأكثر". 

ومع ذلك، وفقًا لتوما، لا يمكن لهذه المقاومة من الأسفل أن تنمو إلا إذا توفر المزيد من البدائل الاقتصادية لصناعة النفط. تقول: "نحن بحاجة إلى الاستثمار في السياحة والزراعة". "لأنه فقط إذا تم إنشاء المزيد من فرص العمل خارج قطاع النفط، يمكن للناس تصور مستقبل مختلف".

إن الماضي يظهر أن هذا ممكن، هذا ما يعرفه قاسم المشاط، المهندس الزراعي البالغ من العمر 57 عامًا، يسير بجانب النباتات في حديقة وسط البصرة وإناء الري بيده، ويتذكر طفولته. يقول: "كانت لدينا أخصب تربة في العراق". "كانت الأنهار صافية لدرجة أنه يمكنك الشرب منها وكانت الحقول مليئة بآلاف أشجار النخيل. تمورنا صُدرت إلى جميع أنحاء العالم".

في محاولة لتقريب هذا العالم قليلاً، قدم المشاط اقتراحًا إلى مكتب الأمم المتحدة في البصرة. فكرته: أن يقوم كل ساكن في المحافظة بزراعة سبع أشجار. يقول المشاط بفخر: "وزير البيئة يأخذ اقتراحي إلى قمة المناخ في غلاسكو". "الآن نأمل أن يفعلوا شيئًا به. لأن زراعة 28 مليون شجرة هو عمل الحكومة وليس عمل المواطنين ".

ومع ذلك، فقد بدأ بالفعل المزارع ضاحي في قرية نهران عمر من بستانه، يشير إلى قطعة أرض بور بجوار أشجار النخيل السوداء، حيث يبرز، من الأرض، ساق أخضر فاتح لشجرة نخيل. يقول: "لقد زرعناها هذا الربيع". "لن أستعيد ابني، لكن بهذه الطريقة نحاول إعادة الحياة إلى هنا".

 

...................

* عُقد مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي (كوب 26) في غلاسكو في بريطانيا في الفترة 31 تشرين الأول- 12 تشرين الثاني 2021. (المترجم)

 

 

 

علاء اللامينتائج التدمير المُمنهج للعملية التعليمية والدراسات الجامعية في عراق ما بعد الاحتلال: تحول التعليم العراقي بجميع مستوياته إلى ميدان مفتوح للمتاجرة بالعلم وتخريب متعمد لمؤسساته وللدارسين والطلاب والتلاميذ. وفي أجواء الفوضى التي تضرب أطنابها تحول مُحدَثي النعمة وسراق المال العام والجهات الحزبية وساستها الفاسدين والجهات الدينية ورجالها الأفاقين المقاولين إلى مالكي كليات وجامعات ومعاهد ومدارس من مختلف المستويات والتخصصات وكانت النتيجة كارثة علمية وتربوية بكل معنى الكلمة، وأصبح آلاف الخرجين الذين اشتروا شهادات تخرجهم بأموال ذويهم إلى كوادر وموظفين كبار في دوائر الدولة رغم أنهم لا يفقهون شيئا في التخصصات التي تخرجوا فيها بل أن بعضهم لا يستطيع أن يكتب سطرا واحدا بلغة عربية سليمة.

كل هذا الدمار حدث بعد الاحتلال الأميركي، وقيام حكم المحاصصة الطائفية، فانتقل التعليم من الأجواء الكابوسية التي أشاعها النظام القمعي المتخلف السابق بحملات التبعيث القسري واضطهاد الطلبة والأستاذة وفرض المناهج الأيديولوجية البعثية عليهم، إلى أجواء لا تختلف كثيرا من حيث الجوهر بعد الاحتلال الأميركي، رغم أن التعليم في العراق كان في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي في مستوى جيد يبعث على الفخر وجميع الجامعات العالمية المشهورة والراقية تعترف بالشهادات العلمية العراقية وبقي التعليم حتى في سنوات الحصار في التسعينات محافظا على شيء من رصانته وسمعته العلمية العالمية الطيبة والفضل في ذلك يعود لكوادر العراق التعليمية وعلمائه بالدرجة الأولى وليس لنظام الحكم المستبد الدموي. ولكي نأخذ فكرة أولية عن طبيعة الكارثة التي حلت في العراق اليوم وعن الانحطاط الذي أصاب العملية التعليمية لنستعرض معا هذه الأرقام المذهلة من إحصائيات موثقة:

* أعداد ونوعيات التعليم الجامعي الأهلي كما ورت في موقع الكليات والكليات الجامعة الأهلية في العراق ( https://col.pe-gate.org ):

- هناك في العراق اليوم:

- 200 كلية وكلية جامعة. منها:

- 159 كلية متخصصة

- 41 كلية جامعة

- فوضى الاختصاصات لا علاقة لها بحاجة البلاد الفعلية بل الهدف هو الحصول على ورقة التخرج بهدف التعيين والحصول على راتب شهري، فعلى سبيل المثال لا الحصر هناك:

- 49 كلية قانون

- 37كلية صيدلة

-  33 كلية طب أسنان

* الأرقام أعلاه لا تشمل المحافظات الثلاث ذات الغالبية الكردية في إقليم كردستان شمالي العراق.

المصدر:  ( https://col.pe-gate.org )

 

علاء اللامي

.......................

* الصورة لجامعة حكومية كانت تحمل اسم "جامعة البكر للعلوم العسكرية" ثم استولى عليها رئيس الوقف الشيعي حسين بركة الشامي بعد سنة واحدة من الاحتلال الأميركي في 2003 عبر شرائها بسعر رمزي لا يكاد يذكر وحولها الى جامعة باسم "جامعة الإمام جعفر الصادق" ثم باعها هي وعقارات أخرى لحسابه الشخصي ورفع الوقف دعوى قضائية ضده وما تزال قضيتها مطروحة أمام القضاء... رابط لتقرير إخباري حول الموضوع:

https://shafaq.com/ar/%D8%B3%DB%8C%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%B9%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A-%D9%8A%D9%81%D8%B6%D8%AD-%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%A8%D9%82-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%88%D9%84%D9%89-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D9%85%D9%85%D8%AA%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%AD%D8%B5%D9%84-%D8%A7%D9%85%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A7-%D8%B7%D8%A7%D8%A6%D9%84%D8%A9

 

ابراهيم أبراشليس بالضرورة أن زيارة الرئيس أبو مازن للجزائر وتونس وتجاهل المغرب جاءت كردة فعل على زيارة قيادة حركة حماس برئاسة إسماعيل هنية للمغرب في يونيو الماضي والاستقبال الرسمي الذي حظيت به من الملك محمد السادس والقوى السياسية الأخرى، أو رداً على التطبيع المغربي الإسرائيلي وما تبعه من اتفاقات أمنية وعسكرية بين الطرفين، كما أن زيارته لروسيا ليس بالضرورة لها علاقة بمصالحة بين الرئيس ومحمد دحلان أو أنها ردة فعل على زيارة دحلان لموسكو في الشهر الماضي.

قد تكون هذه الأمور حاضرة بشكل أو آخر في اجتماعات الرئيس مع قيادات هذه البلدان ولكنها ليست السبب الرئيس لهذه الزيارات كما حاول البعض تفسيرها، وهذا لا يعني تجاهل أهمية المصالحات الداخلية، إلا أن القضية الفلسطينية تمر بمنعطف خطير تستدعي من القيادة الفلسطينية تحرك عاجل على المستوى العربي والدولي لبحث القضايا المصيرية والاستراتيجية، وخصوصا أن مدة العام التي حددها أو هدد بها الرئيس في خطابه في الأمم المتحدة للخروج من الالتزام بعملية التسوية السياسية على أرضية اتفاقية أوسلو تتآكل بسرعة.

تحرك الرئيس جاء انطلاقاً من موقعه ومسؤوليته الرسمية كرئيس الشعب الفلسطيني ورئيس السلطة الوطنية، وإن كان  لا بد من حديث عن ردة فعل فهي ردة فعل على السياسة الإسرائيلية المتعنتة والرافضة لأي تواصل رسمي مع الرئيس أو العودة للمفاوضات السياسية واستمرار الاستيطان والتهويد بشكل متسارع، وكردة فعل على المواقف الأمريكية المتماهية مع الموقف الإسرائيلي، والموقف الأوروبي السلبي تجاه السلطة، أيضا التخوف من تسارع التطبيع العربي الإسرائيلي مع تجاهل للقضية الفلسطينية، كما يجب أن نأخذ بعين الاعتبار ما صرحت به القيادة الجزائرية والفلسطينية بأن من أهداف الزيارة التنسيق بين الطرفين استعداداً للقمة العربية.

ما أثار كثيرا من الاهتمام الإعلامي بزيارة الرئيس أبو مازن للجزائر أنها تزامنت مع توتر شديد في علاقة الجزائر مع المغرب لدرجة التخوف من اندلاع حرب بين الطرفين، والاستقبال المتميز للرئيس الذي يُذكِرنا بزيارات الرئيس الراحل أبو عمار للجزائر، مع أن علاقة أبو مازن تاريخيا مع المغرب أقوى من علاقته مع الجزائر، أيضا منح فلسطين 100 مليون دولار للسلطة في وقت تعاني فيه السلطة من أزمة مالية خانقة دفعتها لدفع جزء من رواتب موظفيها هذا الشهر.

 أكثر ما لفت انتباهنا هو مبادرة الجزائر لاحتضان جلسات مصالحة فلسطينية شاملة في الوقت الذي ترعى فيه مصر جلسات المصالحة، حتى إن كانت حوارات المصالحة متوقفة والمفاوضات غير المباشرة بين حماس وإسرائيل بوساطة مصرية متعثرة لدرجة تهديد فصائل المقاومة بالعودة للاشتباك مع إسرائيل، إلا أن الأمر يحتاج لمعالجات عقلانية وواقعية لموضوع المصالحة وليس ردود فعل عاطفية أو مجرد تسجيل مواقف .

مع كامل التقدير والاحترام لمواقف الجزائر الرسمية والشعبية الداعمة للشعب الفلسطيني منذ بداية الثورة الفلسطينية ولم تتوقف حتى اليوم وهي علاقات لم تتأثر أو تتغير بتغير الحكومات والرؤساء، إلا أن الدعوة لاحتضان جلسات المصالحة الفلسطينية يطرح تساؤلات أهمها: هل إن فشل حوارات المصالحة التي رعتها مصر منذ عام 2009 يعود لمكان انعقادها وبالتالي إن تغير المكان ستنجح الحوارات وهذا قد يتم تفسيره بأن مصر هي المعيقة للمصالحة الفلسطينية؟ أم أن الفشل يرجع لغياب الإرادة بين الفرقاء الفلسطينيين والإرادة ستتغير في حالة تغير المكان، بينما لا توجد أي مؤشرات على توفر هذه الإرادة حتى الآن؟.

علينا الاعتراف وبكل أسف أن موضوع المصالحة الفلسطينية الذي يعني الوحدة الوطنية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية وتشكيل حكومة وحدة وطنية تنهي الانقسام وترفع الحصار عن قطاع غزة، هذه المصالحة أصبحت متداخلة مع التسوية السياسية وشروطها، وأن ملف المصالحة لم يعد شأناً فلسطينياً خالصاً بل تتداخل فيه إرادات ومصالح إسرائيلية وأمريكية وعربية وإقليمية؟.

من جهة أخرى فإن أية تفاهمات حول المصالحة يتم إنجازها في الجزائر أو في أي مكان آخر غير مصر ولها علاقة بتشكيل الحكومة وإعادة إعمار قطاع غزة ورفع الحصار عنه لا يمكن تنفيذها على أرض الواقع دون موافقة الأطراف الأخرى وعلى رأسها مصر والأردن وإسرائيل، لأن مصر هي البوابة الجنوبية لمناطق السلطة أو الدولة الفلسطينية، والأردن بوابتها الشرقية، والكيان الصهيوني يفصل ما بين الضفة وغزة، ولا يمكن التواصل بين المنطقتين بدون موافقته، بالإضافة إلى الأخذ بعين الاعتبار موقف الجهات المانحة للسلطة الوطنية وللحكومة التي تنبثق عن المصالحة المنشودة وخصوصاً الموقف الأوروبي والأمريكي.

ومن وجهة نظرنا يمكن الفصل بين ملفات المصالحة بحيث تتكفل الجزائر بملف إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير وتترك الملفات الأخرى بيد مصر المقبولة من طرف جميع الأطراف مع التنسيق بطبيعة الحال بين الموضوعين.

 

إبراهيم أبراش