بليغ حمدي اسماعيليخطئ من يظن بأن الدراما هي فقط مجرد أحد أنماط الفنون الجميلة، بل تتعدى بالضرورة حدود الثقافة البصرية والسمعية التي تم تشكيلها عبر تجسيد الشخصيات وسرد الحكايا والقصص الحقيقية إلى مساحات ذهنية قد تبدو مغايرة للقطة العين الأولى، فالدراما بطبيعة الحال والمنطق في صورتها الأكاديمية متمثلة في حركة التعبير الجسدي والصوتي هي في كنهها فلسفة وثقافة من شأنها تكوين وتأهيل وإعداد الفرد لتقبل فكرة أن الجمال لا يمكن إزاحته عن كوكبنا الذي تجتاحه شتى صور القبح .

وكعادة المشهد الدرامي في شهر رمضان الذي نقبل الاعتراف بإيجابية العبادة فيه واقتصارنا على الصوم والصلاة وقراءة القرآن بصورة تصاعدية تجعل طاعاتنا مقبولة عند الله عز وجل ـ هذا المشهد الذي بالضرورة مضطرين أن نتغافل عن الكثير من أعماله التي إما تتسم بالسطحية والسذاجة والتهميش وربما التنمر وإسقاط العقد النفسية على المشاهد العربي والتي تزيد من تفكك أواصر وتماسك الأسر العربية ومن ثم المجتمع بأكمله، أو تلك الأعمال التي لا يمكن توصيفها بالدرامية التي تصر على ضلالها في تجسيد أعمال البلطجة والعنف وتناول شخصيات غير سوية اجتماعيا تعيد أذهاننا إلى عصور الفتوات في مصر القديمة وهي تستمسك في استمرار ضلالها الفني الاجتماعي استخدام واستعمال ألفاظ ولهجات وطريقة نطق بعض الكلمات بصورة تجبر مجامع اللغة العربية بالوطن العربي الكبير أن تقيم دعاوى قضائية ضد المساهمين في تلك الأعمال نتيجة ضياع اللغة العربية الفصيحة من جهة، ومن جهة أخرى تقويض الذائقة الجمالية في المجتمعات العربية الصالحة .

لكن رغم قتامة الصورة الدرامية السابقة إلا أن الدراما تظل أكبر مؤسس للإعلام التربوي بمعنى تربية المواطن على قيم المجتمع الصحيحة التي تجعله مواطنا صالحا يسهم في بنائه ويسعى إلى تطويره بالقدر الذي يجعله ومجتمعه في حالة ارتقاء مستدام، ومن ناحية أخرى لا يمكننا أن نتجاهل ما يمكن أن تسهم به الدراما الموجهة المقصودة في إعادة الوعي المفقود لدى المواطن بفضل عوامل شتى متباينة منها تعليمية واجتماعية وأخرى اقتصادية، ومن ثم تحسين درجات الإدراك والتحليل والتأويل لكل ما يرفد إلى واقع مجتمعاتنا العربية.

وهذا ما يمكن قبوله كمقدمة طبيعية لعملين دراميين يتم عرضهما على الشاشات العربية في رمضان الجاري ؛ القاهرة كابول و الاختيار رجال الظل، ورغم أن هذه السطور لا تتناول العملين بالتحليل الفني والنقد الأكاديمي إلا أنه من واجب التقدير للعملين توجيه معالم الاحترام للمشاركين فيهما على النحو الجاد والالتزام بقضايا المجتمعات العربية وليس من باب التسلية والتسرية كعالم الجواري في عصور سالفة، فهما جديران بمشاهد يجتهد في إعمال عقله إزاء كل الاتجاهات والتيارات التي تموج بالوطن العربي لاسيما تلك التي ترتبط بالأيديولوجيات التكفيرية المتطرفة .

والعلاقة تبدو وثيقة الصلة بين مسلسلي القاهرة كابول والاختيار رجال الظل في أنهما يسعيان إلى تبصير المواطن العربي وتوعيته بالمخططات الإرهابية التي تحاول أن تعصف باستقرار وأمن المنطقة وتستغل في سعيها بساطة المواطنين قليلي الثقافة الدينية من جهة، وربما بفعل بعض السياسات التعليمية والإعلامية صاروا أشد فقرا في تأويل المشهد السياسي منذ اشتعال انتفاضات الربيع العربي .

وحينما استطاع رواد صناعة الدراما توظيف الصورة من أجل استثارة التفكير لدى المشاهد العربي أمكننا القول بأن الدراما نجحت بامتهار وريادة في توصيل رسالة الإعلام التربوي لا كما هو مقدَّم في مؤسساتنا التعليمية التي بحاجة إلى هيكلة جديدة تناسب متغيرات العصر، بل نجاح في تحويل الإعلام إلى مهمة تربوية مقصودة وموجهة تخدم صالح الأوطان ومصالحها القومية.

ودون الدخول في تفاصيل العملين الدراميين فإن المقصود هنا في السطور الراهنة إعادة تنبيه العقل العربي لما حدث من حوله ولا يزال يجري في الخفاء تارة وعلانية تارة أخرى، لقد نجحت التيارات الراديكالية الأشد تطرفا في استغلال الدين وتوظيفه لتحقيق مصالح فئات بعينها وجماعات مقصورة على تحقيق مطامحها الشخصية دون النظر إلى الوطن حاضره أو مستقبله تماما كما صنعت جماعة حسن البنا بفكرها المغلوط الذي بات أكثر تشبثا بالعمل السياسي عنه من أعمال مجتمعية تخدم الدعوة كما زعم قادتها من قبل، وهذا يجعلني أمرُّ سريعا على مشروع النهضة الذي طالما صدح بها أعضاء جماعة الإخوان وقت مدِّهم السياسي وصولا إلى سدة الحكم فهل كان بالفعل مشروعا تنمويا يسعى إلى ارتقاء الوطن ورقيه أم تضمن خططا لنسف مقدَّرات الوطن والعصف باستقراره وهو ما تم بالفعل وقت اعتصامهم برابعة العدوية وميدان النهضة وما تم من أعمال فوضوية ببعض المناطق في مصر ؟ .

وربما أعيد تذكر مشهد تخلّي الإمام الحسن عن حكم البلاد والعباد وهو صاحب الرصيد الديني غير المتكرر في تاريخ الإسلام ومنحه طواعية لبني أمية حقنا للدماء، في الوقت الذي رفض فيه أنصار تنظيم البنا التخلي عن حكم مصر المحروسة رغم عزل الشعب لهم بصورة لا تقبل التزييف أو الخداع البصري، ورغم ذلك لم يتمسكوا فقط بكرسي الحكم بل لجأوا إلى وسائط أخرى كطوق نجاة لهم في تسيُّد العباد والبلاد .

منها ـ الوسائط ـ دعاوى الشرعية التي نادت بها جماعة الإخوان ومن ضمتها من جماعات تكفيرية أخرى مثل جماعة التكفير والهجرة بأصحابها ذوي الفكر غير السوي دينيا وجماعات الجهاد والفرق المرتزقة كتنظيم ولاية سيناء وغيرها بحجة شرعية بقاء المعزول محمد مرسي كرئيس للبلاد في الوقت الذي لم ينتبهوا إلى صالح الأمة وليس صالح جماعة قاصرة على فكرها فحسب.

ليس هذا فقط، بل لجأت الجماعة المحظورة بالتعاون من بقايا تجمع التكفير والهجرة والسلفية الجهادية ومن تبقى من قيادات الجماعات الإسلامية الذين خدعوا الحكومات المصرية المتعاقبة بفكرة المراجعات الفقهية لفكرهم إلى جموع الشعب المولعين بأحاديث وقصص الجنة والنار والرغيب والترهيب وإحياء مزاعم الجهاد والوقوف بقوة أمام الحكومات الكافرة من وجهة نظرها وهي العقيدة التي رسخها لدى كثيرين سيد قطب الناقد الفني والمحلل الأدبي والمناصر لحركة الضباط الأحرار الذي لم يجد ضالته في أن يكون فردا ومواطنا ضمن المجموع البشري للوطن فقرر أن يتفرد بأغاليطه حول دولة كافرة وحكومة كافرة ومجتمع أشد كفرا وانحلالا، وهي الحيلة التي استغلتها الجماعة في الترويج لقضيتها باعتبارها ضحية لهذه الدولة التي ينبغي مواجهتها وهو ما حدث بالفعل منذ العزل الشعبي الوطني لمحمد مرسي وحتى مراحل العملية الشاملة لقواتنا المسلحة المصرية الباسلة في سيناء .

وبالقطع، في ظل إعلام اختفى لسنوات طويلة في رصد الواقع، وبات تائها في تبصير المواطن بقضايا المصيرية نجحت خطة هذه الجماعة في التحشيد بميدان رابعة العدوية وكعادة التيارات القمعية الراديكالية المتطرفة أن تبقي أنصارها تحت مظلة التعتيم والتجهيل وربما التغييب أيضا حتى لا تسمح لأحد بإعمال عقله أو مجرد التفكير، وهي سنة غير محمود لكنها ثابتة وراسخة رأيناها حينما تم اغتيال الشيخ الذهبي، ورفض الآلاف من أعضاء التنظيمات المتطرفة لآراء الشيخ المجدد محمد متولي الشعراوي لأنه طالما اجتهد في فضح صنيعهم في فترات متقطعة، وجدناه في اغتيال الدكتور فرج فودة الذي لم يقرأ قاتله حرفا واحدا له، ورصدناه في تكفير العشرات والعشرات من المفكرين التنويريين من أمثال العميد طه حسين ونصر حامد أبو زيد وغيرهما .

والدولة المصرية في عهد مبارك لم ترصد مشكلة تصاعد هذا المد بشئ من الحذر وبعين من القوة بل قدمت أعمالا درامية تخللتها بعض صور لشخصية المتطرف دون تحليل أوجه تطرفه وبيان معتقده الفكري الذي سمح له بالعنف والقتل بل وتبريره أيضا.

لذا فإن دراما رمضان 2021 تحديدا من خلال العملين القاهرة كابول والاختيار رجال الظل ومن قبلهما مسلسل الاختيار الجزء الأول نجحت في تفتيت جذور هذا الحاجز الذي قد يفصل المشاهد عن فكر الجماعات المتطرفة التي لا تعبأ بالدين أو بحرمته بل هي تمتلك قدرة هائلة في استغلال عطش المواطن البسيط الديني وتوجيه هذا الظمأ إلى فريسة سهلة القنص لتحقيق مصالحها وأغراضها وأطماعها.

ولا تهمني فكرة أن يبدأ المشاهد في متابعة العمليين المذكورين سابقا، بل الأكثر أهمية هو أن تركز الحكومات العربية بأجهزتها الإعلامية على الدور التربوي الذي تلعبه الدراما في توجيه الوعي وتحسين إدراكهم صوب الأحداث الجارية وهو ما تقوم به الدولة المصرية اليوم الذي يستحق الثناء، لأن الشباب في زمرة متاهة التعليم الإلكتروني والتعليم الهجين والتعليم عن بعد، وفي ظل الهوس بتقليد الشخصيات الهمجية العشوائية المنتشرة بأعمال الدراما والتي قد توحي للوهلة الأولى بأن الضباط في إجازة طويلة وبمنأى عن هذا العنف والفوضى التي تتم بالشارع المصري تحديدا نظرا لأن معظم الأعمال الدرامية المصرية ترصد صورا للعصابات المسلحة وقاطعي الطريق ومرتزقة الموت وهو أمر يجعلنا في حيرة ونحن نطمئن أبناءنا بأن المجتمع بخير وبأن الأمن في استقرار وعافية، ونحو ذلك فإن الجهات الإعلامية عليها أن تكترث كثيرا وكثيرا وهي بصدد الموافقة على ظهور مثل هذه الأعمال على الشاشات العربية لأن في ظهورها خلخلة لعقيدة المواطن بأجهزته الأمنية الداخلية .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق التدريس ـ جامعة المنيا

 

 

 

الصراع بين الدولة الدينية كغول مقدس والدولة المدنية كتلفيق فكري والعلمانية

في 1927 كتب ويليام آدامز في مقدمة كتابه "النوبة  الرواق إلى إفريقيا"Nubia Corridor to Africa "ذهبت إلى النوبة لرؤية الإنسان البدائي فوجدت مهد الحضارة.

"”I went to Nubia to see the primitive man and I found the cradle of civilization.”

إذن عندما نكون في كوش، أو في مروي، أو في نبتة أو في أي مكان بالسودان نكون عندها في مهد الحضارة حيث تعلمت البشرية كيف تغفو وكيف تصحو وكيف تحلم مفتوحة العينين. وحيث تعلم الإنسان كيف يكون. حيث تعلم كيف يحبو، وكيف يخطو، ثم يتعثر ويكبو ويسقط وينهض ليتقدم في درب الحضارة خطوة بعد أخرى. وعندما نكون هنا، وعندما نكون هناك، وعندما نكون في أي مكان في السودان، نكون حيث ابتدأ التاريخ. كما أننا نشهد الآن، هنا وهناك، نهاية لبعض التاريخ: نهاية تاريخ ظاهرة بدأت تدخل مرحلة الطي.

ولتأسيس حجتي عن نهاية التاريخ لا بد لي من العودة إلى واحدٍ من أهم الكتب التي ظهرت في نهايات القرن العشرين. والكتاب الذي أعني هو كتاب فرانسيس فوكوياما "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"The End of History and the Last Man . وأبدأ بالقول إن فوكوياما أعاد مصطلح "نهاية التاريخ" إلى الواجهة بمقاله "نهاية التاريخ" الذي نشره قبل أشهر من سقوط جدار برلين في 1989. وأقول أعاد لأن المصطلح ليس له أصلاً، وإنما هو ملكية مشتركة لهيغل وماركس. وقد توسع ذلك المقال ليكون "نهاية التاريخ الإنسان الأخير" الذي صدر في 1992. ويبني فوكوياما حجته بنهاية التاريخ على معرفة وثيقة بالعملاقين هيغل وماركس، ولكنه يتوخى في كتابه تمييزا أكبر بين العالم المادي وعالم الأفكار أو الوعي. ويتمحور الكتاب حول فكرة أنه بعد هزيمة أهم منافسين للديمقرطية الليبرالية، وهما الشيوعية والفاشية، لم يعد هنالك منافس أيديلوجي لها. ويجدر بالذكر أن فوكوياما تعرض للإسلام المتطرف في "نهاية التاريخ" قائلاً إن الإسلام ليس قوة إمبريالية مثل الستالينية والفاشية، وإنما هو قوة قومية لا تتمتع بجاذبية فكرية أو عاطفية مؤثرة خارج "قلب الإسلام". وهذا يعني أنه على الرغم من أن الديمقراطية الليبرالية التي تمضي قدماً بقدم مع اقتصاد السوق لم تكمل سيادتها بعد على العالم، فإنه لم يعد هناك أي منافس حقيقي لها. وهذا يعني أيضاً أنه من الممكن حسم أي تناقض أساسي في حياة الإنسان في سياق الديمقراطية الليبرالية. كما يعتقد فوكوياما أنه بعد الوصول إلى "نهاية التاريخ" فإن العلاقات الدولية سوف تهتم في المقام الأول بالمسائل الاقتصادية ولن تعود معنية بالسياسات أو الاستراتيجية، وسيقلل ذلك بالتالي من احتمالات نشوب صراع عنيف دولي واسع النطاق. و"نهاية التاريخ" على هذا النحو تعني الوصول إلى نقطة النهاية للتطور الأيديولوجي للبشرية وسيادة الديمقراطية الليبرالية باعتبارها الشكل النهائي للحكومات البشرية.

وفي السنة التالية لظهور "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" نشر صمويل هنتنغتون مقالاً بعنوان "صراع الحضارات" يعتبر بمثابة رد على فرضية  نهاية التاريخ. ولكن الرد المباشر والنقد الحاد لما طرحه فوكوياما جاء به جاك دريدا في "خيالات ماركس: حالة الديَن، وعملية الحِداد والدولي الجديد Specters of Marx: State of the Debt، the Work of Mourning and the New International (1993) الذي اعتبر فيه فوكوياما "قارئاً متأخراً" لكتابات ألكسندر كوجييف الذي تعرضت لنفس القضايا في الخمسينيات. ويرى دريدا أن الحماسة التي استقبل بها "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" في الغرب هي تعبير عن أعراض القلق اليميني والثقافي الباحث عن ما يؤكد "موت ماركس". من جهة أخرى مثلما فعل فوكوياما، فعل هنتنغتون الذي عكف على توسيع مقاله ليظهر كتاب "صراع الحضارات Clash of Civilizations في 1996، بحجة أساسية تقول إن  الصراع الراهن بين الأيديلوجيات صراع مؤقت لا يقارن في حجمه وتأثيره بالصراع بين الحضارات، والذي لم يحسم بعد. وخصّ هنتنغتون الحضارة الإسلامية باهتمام خاص زاعماً أن للإسلام "حدود دموية"، وقد أثبتت صحة زعمه أحداث الحادي عشر من سبتمبر، والتي وجد فيها فريد زكريا "نهاية نهاية التاريخ." وزاد من تأكيد ذلك نجاح تنظيم داعش في تأسيس "الدولة الإسلامية". ولكن القضاء على تلك الدولة تكفل بترجيح كفة "نهاية التاريخ" على كفة "صراع الحضارات". ولا يزال هذا الوضع قائماً مع توالي التقدم والنكوص.

وقبل المضي قدماً في تناول فرضية الصراع بين الدولة الدينية كغول مقدس والدولة المدنية كتلفيق فكري والعلمانية، أود توضيح أني لن أحاول مناقشة مكونات الدولة المدنية لأني غير مقتنع بوجودها أساساً، وسأتعامل مع الدولة الدينية من منطلق المنظور الذي تجلى في تجربتها في السودان، كما لن أسعى إلى عرض المسطور في العلمانية إلا في حدود ما تقتضيه الضرورة. وفي محاولتي للربط بين بداية التاريخ ونهايته أقول لقد شهدت الساحة السياسة والفكرية مؤخراً في السودان، حيث ابتدأ التاريخ، حيوية مبعثها خليط من التفاؤل والغضب بعد توقيع رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان وقائد الحركة الشعبية عبد العزيز الحلو على إعلان المبادئ الممهد لمفاوضات السلام الشاملة. ومنذ اللحظات الأولى احتدم نقاش لم يتوقف حول الإعلان، وحول ما سيقود إليه. وأهم ما يميز الإعلان هو أنه  نصّ على "تأسيس دولة مدنية ديمقراطية فيدرالية في السودان تضمن حرية الدين والممارسات الدينية والعبادات لكل الشعب." كما جاء فيه "أن لا تفرض الدولة دينا على أي شخص وتكون الدولة غير منحازة فيما يخص الشئون الدينية وشئون المعتقد والضمير كما تكفل الدولة وتحمي حرية الدين والممارسات الدينية، على أن تضمن هذه المبادئ في الدستور". والذي يميز الجدل هو أنه قد حدث في معظم الأحيان بين الأطراف المؤيدة بشكل عام لما تضمنه الإعلان، وقد تركّز جزء كبير منه على مسمى الدولة المدنية التي وجد فيها الكثيرون الحمى من الدولة الدينية دون أن يثيروا أنصارها بمصطلح العلمانية.

وعلى الرغم من أن ظواهر الأشياء تشير إلى غير ذلك، فإنها ليست سخرية قدر أن يأتي بمبادرة إعلان"المدنية" الجنرال الإسلامي البرهان. كما أن الإعلان الذي قد يبدو وكأنه شقلبة Somersault أيديولوجية قام بها البرهان فإنه في حقيقة الأمر ليس كذلك على الإطلاق. إضافة إلى أنه لو كانت لهذه المبادرة حسنة واحدة فستكون في أنها قد حرمت أنصار الكومبرادورية الجديدة من قولة “شكراً حمدوك". ولكن من جهة أخرى فإن فصل الدين عن الدولة بالنسبة للكومبرادوريين الجدد هو في أحسن الفروض هو قطعة بطاطس ساخنة Hot Potato لا يريدون لمسها، وإن كانوا لا يمانعون  من أن يلتقطها لهم شخص آخر من النار ويقلبها بين يديه حتى تبرد ثم يقبلوا عليها في نهم وحماسة. فهنا وفي مواضع أخرى فإن عبد الله حمدوك تجسيد صادق لكلمات تيودور روزفيلت "تلك الأرواح الباردة والخنوعة التي لم تتذوق تصراً أو تتجرع هزيمة"”… those cold and timid souls who neither know victory nor defeat.” أما تعبير الكومبرادورية الذي أعادني إلى أيام خلت، فهو مأخوذ من  ممارسة صينية حيث كان بعضهم يعملون كوسطاء او وكلاء في خدمة ألاوروبي خلال حقبة الاستعمار، وخلال مرحلة التحرر الوطني في آسيا وإفريقيا صارت الكلمة تطلق على المديرين المحليين والوكلاء التجاريين للشركات الأوروبية. وبعد اكتمال حركة التحرر غابت الظاهرة وتوارى المصطلح حتى أعادهما إلى الوجود أمثال عبد الله حمدوك.

هنالك جدل كبير يدور حول ما تفعله الدولة الدينية وما لا تفعله. ولكن من بين الأشياء التي تجيد فعلها نصرة الدين، أي دين، حيث لا يحتاج لنصرة. تنصره حين يكون دين الأغلبية. أما الدولة العلمانية فهي تنصر الدين، اي دين، حيث يكون بحاجة لنصرة، حين يكون دين الأقلية. فالعلمانية تنصر الإسلام في الهند وسط الأغلبية الهندوسية، كما تنصره في الصين الشيوعية، ومينامار البوذية، وأوروبا المسيحية، والولايات المتحدة الأمريكية. كما تنصر المسيحية في السودان وسط الأعلبية المسلمة. ولكن الفرد الذي يناصر العلمانية يكذب إذا قال إن نصرة الدين هي عنده الغاية الأولى. ولكنه عندما يختار العلمانية منهجاً تشريعياً، ويرتضيها خياراً سياسياً، يدرك أنها ستزود عنه وعن دينه، وعن الآخرين وعن أديانهم. لأنها عندما تحول دون تغول دينه على الآخرين وعلى أديانهم، فإنها أيضا تحول دون تغول أديان الآخرين على دينه. وعندما يسعى مناصر العلمانية للزود عن قيم  الديمقراطية والحرية والعدالة وحرية التعبير وحقوق الإنسان فإنه يخدم الدين بشكل مقصود وغير مقصود. ومناصر العلمانية عندما يفعل ذلك ينضم إلى سلسلة من الرجال الذين يعرفون متى وأين وكيف يفرقون بين المقدس والدنيوي. وفي انتباهه لذلك يفعل مناصر العلمانية ويقول ما فعله وقاله عبد المطلب بن هاشم وهو يلاقي أبرهة القادم لهدم الكعبة مطالباً بإبله: "أنا رب الإبل وللبيت رب يحميه." وبعد عودته بإبله من عند أبرهة ذهب إلى الكعبة يلوذ برب البيت مناجياً له ومستغيثاً به أن يحمي بيته من الغازي الغاشم: "لَاهُمَّ إن المرء يمنع رحله فامنع حلالك/ لَاهُمَّ إن المرء يمنع رحله فامنع حلالك/ جروا جموع بلادهم والفيل كي يسبوا عيالك/ أيا رب لا أرجو لهم سواك/ يا رب فامنع منهم حماك/ امنعهم أن يخربوا قراكا/ إن عدو البيت من عاداكا." غاية القول هنا هي إن مناصر العلمانية هو رب إبل الحرية والعدالة وحرية الفكر والتعبير. ولكن هذا لا يمنع من أن تكون جزءاً من همومه سدانة المسجد أو الكنيسة أو الكنيس أو المعبد أو الضريح أو المزار. وهو يفعل ذلك مع اهتمامه غير المتغول بما يفعله ويقوله ويؤمن به الاخرون. وهو يمضي في ذلك محاكياً ومردداً ما قاله فولتير"ربما لا أتفق مع ما تريد قوله، ولكني سأدافع حتى الموت عن حقك في أن تقوله.“ ولهذا التفكير تبعاته، فشواهد التاريخ تقول إن الفرد الذي يناصر العلمانية قد يموت من أجل اختياره، ولكنه لن يقتل في سبيل فرض قناعاته على الآخرين. أما على الجانب الآخر فبينما قلما يموت رجل الدولة الدينية من أجلها، فإنه كثيراً ما يقتل في سبيل فرضها على الآخرين.

وعلى المواطن العادي الذي لا يكترث لعلمانية الدولة أو لديمقراطيتها تذكُر أن الدولة الدينية هي التي جعلت من انفصال جنوب أمراً مُحتما، وأنه ما لم نسدل على دعاواها الستار فإن أجزاء أخرى من الوطن ستحذو حذو الجنوب. وأن لا تغرنه للحظة دعاوى الجهاد الكاذبة التي ترتفع بها عقائر دهاقنة الدولة الدينية لأن أنصارها لا يدافعون عن كعبة أو ينافحون عن عقيدة، وإنما يزودون عن آلهتهم المزيفة، آلهة المنفعة والمصلحة والجاه والمال والسلطة. ولا أدري للحظة لماذا حرصوا على تسمية مؤسساتهم بالأسماء القرآنية ولم يسموها باسماء تليق بها وتعبر عن حقيقتها مثل هبل ومناة وأساف ونائلة وطاغوت واللات والعزى. ولذات السبب كانوا يتخيرون ساحات جهادهم في حرصٍ بالغ ليستهدفوا في حروبهم المقدسة الضعفاء ويفتكوا في جهادهم المزيف بالمستضعفين، ويتقوا دوماً صولة المستأسد الحامي. وقد فعلوا هذا في جنوب السودان، ولكنهم لم يقكروا للحظة في فعله في الصين حيث تخضع النساء المسلمات للتعقيم القسري، ولم يفكروا في فعله وهم ينظرون إلى القدس الشريف وهو ينتهك كل يوم. ومع أن لسان قولهم قد يقول أحياناً أشياء نشتم فيها استنفار الهمم، فإن أفعالهم تظل تقول بلسان حالهم للمدافعين عنه ما قالته بنو إسرائيل لموسى: "إذهب وربك قاتلا إنا هنا قاعدون." يقولون ذلك لأنهم يدركون أنهم لو ذهبوا إلى هناك، حتى ولو أخذوا معهم قرودهم المؤمنة، فسيرسلهم  الإسرائيليون دن إبطاء، لملاقاة الحور العين.

ودعك عن الفعل، فحتى على مستوى الفكر يسارع أنصار الدولة الدينية دائماً إلى نصرة الطاغوت، ليس لأن ذلك طبيعة ثانية فيهم، وإنما لأن الاستبداد هو جزء أصيل من تكوين الدولة الدينية. وعلى الرغم من إمكانية قيام دولة علمانية مستبدة فإن العلمانية تظل شرطاً أساسياً لتأسيس الديمقراطية. وبسبب عدم الإحساس بقيم الديمقراطية والحرية والعدالة والمساواة عجز فقهاء الإسلام ودعاة الدولة الدينية عن أن يأتوا "بلاهوت تحرير" كالذي جاءت به الكنيسة الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية. ولن تفلح أرواحهم الخاوية، ومعارفهم الضحلة، ومخيلاتهم العقيمة في أن تأتي بشيئ يشابه، ولو من بعيد، الذي جاء به مفكرو "لاهوت التحرير" من أمثال جوستافو قويتيريز وخوزيه كومبلين وأوسكار رومييز. ونقيضاً لذلك جاؤنا بمثل ما يتقيأه أبو اسحق الحويني:

"إذا نحن غلبنا، شيئ طبيعي حنفرض أحكام الإسلام على البلد الذي دخلناها. أ حكام الإسلام بتقول إن كل الناس الموجودين في البلد أصبحوا سبايا وغنائم. رجال نساء أطفال أموال دور حقول مزارع كل دي بقت ملك الدولة الإسلامية. طيب الناس السبايا دول مصيرهم إيه في الشرع؟ مصيرهم أنهم كغنائم يوزعو على المجاهدين. وهناك قانون كما في الحديث أن من لم يحضر الغزوة لا نصيب له في الغنيمة. معروف كدا. ما يحضرش الجهاد الغزوة مالوش نصيب في الغنيمة. طيب أنا دخلت على بلد وتعدادها مثلا نصف مليون، نعمل إيه في النصف مليون دول، قال لك المجاهدين دول نشوف عددهم كم.، كان مية ألف‘ خلاص، كل واحد ياخد خمسة، كل واحد ياخد خمسة المسألة تتنوع، تاخدلك اتنين رجالة واتنين ستات وعيل، أو العكس، آه، تقسم، جيد، الناس دول أول ما يحصل هذه المنظومة لا بد أن يقابلها شيئ اسمه سوق النخاسة، سوق النخاسة اللي سوق بيع العبيد والإماء الجواري والأطفال. تمام، كل راس من هذه الرؤوس بقالو تمن، فأنا دلوقتي عندي خمسة رؤوس مش محتاج حد منهم ومعذور في قرشين أعمل فبهم إيه؟ أعلق لهم المشنقة واتخلص منهم ولا أعمل إيه؟ قالك لا تروح تبيعهم في السوق، خلاص. لازم علشان ابيعهم يكون في سوق وحنبتدي نساوم، تشتري من دي بكم ودا بكم، يقول بتلتمية، لا خليها تلتمية وأربعتاشر، لا تلتمية وخمسين، هات، اشتري، يقبض ويمشي خلاص. أنا عندي ذنوب الكفارة بتاعتها عتق رقبة، أن أجيب منين رقبة علشان أطلع من الذنب بتاعي؟ لازم أروح اشتري، لا بد يكون في سوق بطريق الحال، أروح اشنري رقبة علشان أقولها، اقول لتلك الرقبة أنت حرة...

والذي يثير كثيراً من القنوط أن أبو اسحق الحويني ليس نشازاً فيما قاله إذ أن هنالك الألوف من تابعيه ومتابعيه الذين يحلمون باليوم الذي سيتشاركون فيه السبايا والغنائم وزيارة أسواق النخاسة العصرية في منتصف القرن الحادي والعشرين.

ولبعضٍ من الوقت كنت أفكر في أيهما أكثر بشاعة وخطرا، ما أفرزه خيال الحويني المريض، أم ذلك الذي جادت به قريحة عبد الحي يوسف المريضة في جواز إبادة ثلث الشعب من أجل استمرار الحكم الاستبدادي. ولكن مع إدراكي أن ما نصح به عبد الحي كان قاب  قوسين أو أدنى من الحدوث بينما تظل أوهام الحويني الرغبوية أضغاث أحلام شيخ مخبول، عرفت أي الوضعين أكثر بشاعة. لقد كشف الشيخ محمد عثمان صالح رئيس هيئة علماء السودان، أن الشيخ عبد الحي يوسف أفتى للمخلوع البشيربأن الإمام مالك أجاز قتل ثلث الشعب إن دعت لذلك الضرورة. وقال الشيخ صالح... إن عبد الحي قال ذلك بحضورهم خلال لقائهم البشيرفي  حدائق بيت الضيافة، وأضاف الشيخ صالح أنهم أنكروا على الشيخ عبد الحي تلك الفتوى التي قالها للبشير خلال ذلك اللقاء، إلا أن عبد الحي قال: إنه لن يكتم العلم.

واستنكر الكثيرون تلك الفتوى من عبد الحي يوسف، ولكن الغريب أن الذين استنكروها على عبد الحي يوسف لم يستنكروها على الإمام مالك. ولو استنكروا تلك الفتوى على الإمام مالك لاكتشفوا أنه لم يقل ما نسبوه إليه. ولكن الفقهاء الآخرين الذين لا يعارضون قتل ثلث الأمة لصلاح ثلثيها وجدوا في تلك الفتوى المبنية على حجية المصالح المرسلة ضالتهم التي تتيح لهم مؤازرة حكامهم دون تجشم عناء الاجتهاد الفقهي للخروج بحكم خاص بهم يتحملون وزر تبعاته. ولهذا اكتفوا بأن يلصقوا ذلك بمالك دون أن يأتوا بدليل يثبت عليه ما يدعون. ولكن ترديد ذلك قد انحسر وتراجع بعد أن نجح فقهاء المالكية في دحض ذلك الإفتراء على إمام دار الهجرة. وكمالكي، كغالبية مسلمي السودان، أرضاني ذلك كثيراً، مع اعترافي بأن قناعتي التي ورثتها بالإمام مالك قد تضاءلت هي الأخرى كثيراً بعد أن عرفت أنه يبيح للمرأة السوداء نزويج نفسها بنفسها لأنها "دنيئة".

إن الذي يمكن استخلاصه، بل يجب استخلاصه، من أقوال الحويني والعشرات من فقهاء الدولة الدينية الجهادية، هو أن العلمانية ليست مطالبة بأن تبرر وجودها. وإنما الدولة الدينية هي التي بحاجة قصوى لكي تبرر مجرد أن تفكر في طرح نفسها، ليس كبديل، وإنما كمساهم في التعاطي الفكري والسياسي الإنساني الذي ينتظم الثقافات كافة في هذا العصر. إن التخلص من التركة المثقلة المتراكمة عبر سنوات التخلف عن ركب الحضارة يمثل تحدياً عملاقاً لكل من يريد للدين الإسلامي أن يلعب دوراً يؤثر فيه ايجابياً  على مجريات الحياة الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والأدبية والفنية المعاصرة.

والذي يمكن استخلاصه، بل يجب استخلاصه، من نصيحة عبد الحي يوسف للبشير هو أنه من بين كل الأنظمة الاستبدادية التي حكمت العالم لم يكن هنالك نظاماً أكثر شراسة وضراوة وتبجحاً وعنجهية من نظام الإنقاذ الذي كان أيضاً من أكثرها فساداً. وفي ظني أن المفكرين السياسيين عندما فكروا ووضعوا اشتراطات وتوصيفات وأسس نظام الكليبتوقراطية  Kleptocracy كالتعبير الصريح والواضح لدولة اللصوص، أو الدولة اللصوصية، لم يخطر ببالهم أن تأتي مجموعة تأخذ على عاتقها مهمة أن تذهب بذلك المفهوم إلى غايته القصوى ودركه الأسفل في زمن قياسي، وفي إجادة تامة، كما فعلت عصابة المشروع الحضاري.

بشكل عام ترتبط الكليبتوقراطية بالديكتاتورية الأوليغاركية أو الحكومات العسكرية أو غيرها من أشكال الحكومات الاستبدادية مثل الدولة الدينية. وجميع هذه الدول والنظم التي ذكرت لا يكون فيها الإشراف الخارجي صعباً، وإنما مستحيلاً. أما في سودان الإنقاذ فقد تضافرت كل تلك الأنماط لتجعل من المشروع الحضاري كائناً خرافياً مفترساً تلتهم رؤوسه الأربعة، والتي هي الديكتاتورية والأوليغاركية والعسكرية والدينية، الزرع والضرع وجميع ما فوق الأرض وما تحتها. ورمت بالإنسان في غياهب السجون وبيوت الأشباح. وقد جعلت هذه التركيبة المرعبة من الرقابة أمراً لا يمكن حتى مجرد التفكير فيه. وقادت الزمرة الحاكمة الدولة الكليبتوقراطية الموغلة في الجموح إلى غور سحيق لا قرار له من شهوات البطن والفرج والجمع والتكديس والغصب والسلب والنهب. وافترست الدولة الدينية المتوحشة الرجال والأطفال، وبخاصة النساء في دارفور وكردفان والنيل الأزرق بدرجة مريعة ومخزية. وقبل مرور طويل وقتٍ تحولت خزانة الدولة عندهم إلى مخزون مباحٍ ومتاحٍ ينفقون منه على الضروريات والكماليات والنزوات والشهوات وغيرها من تعبيرات البذخ المنفلت من عقاله عليهم وعلى زوجاتهم ومحظياتهم. ومثلهم مثل الكليبتوقراطيين في كل مكان أتقن لصوص الإنقاذ عمليات تحويل الأموال سراً وعلانية إلى حسابات مصرفية خارجية في دول أجنبية مثل سويسرا وماليزيا وتركيا ودول الخليج، وذلك لضمان استمرار حياة البذخ  التي تعودوها حتى الإدمان وهم الذين كثيرا ما تباهوا "بما لدنيا قد عملوا."

إن الدولة الدينية هي دولة "أبارتهايد" من نوعٍ مخيف لأنها تستمد مبررات وجودها زوراً من السماء. ومثلما كان يقال في جنوب إفريقيا إن كل شخصٍ أبيض في دولة الفصل العنصري إما مرتكباً لجريمة أو مستفيداً منها، فإن كل شخص في نظام الأبارتهايد الديني الأيديلوجي الشمولي إما مرتكباً لجريمة أو مستفيداً من جريمة. فبداية من تبرير وتقرير حق أن تحكم الجميع عصبة مشوهة عاطلة من كل فكر وفن وأدب وثقافة، ومروراً بالسيطرة المطلقة على كيف يفكر الناس، وماذا يقرأون ويكتبون ويدرسون، وماذا يسمعون ويشاهدون، وكيف يلبسون ويغنون ويرقصون، ونهاية بكيف يموتون ويدفنون، عملت الدولة الدينية على تشويه موروثات الماضي، وتفتيت معطيات الحاضر، وتبديد إمكانات المستقبل. إضافة إلى ذلك فكل مشارك في نظام الأبارتهايد الإنقاذي، وبلا استثناء، مارس بعضاً من أشكال اللصوصية الكليبتوقراطية المفترسة التي تنهش اللحم، وتهرس العظم، وتلفظ الفتات لتقتات به الجموع المهمشة. فالكليبتوقراطي هو بالضرورة إما سارق لمال او عقار أو منصب أو موقع أو مستثمر لصلات أو علاقات. وقد استفاد من هذه اللصوصية الإخوان والأقارب والمعارف والأصدقاء، واستفادت منها بصفةٍ خاصة الزوجات والمحظيات. ولكن الكليبتوقراطية لا تسطو فقط على الحاضر، وإنما تسطو أيضاً على المستقبل بشكل بشع يضمن استمرارية ذاك السطو حتى بعد زوال دولتها. فالكليبتوقراطية الإسلامية أعطت الأبناء فرصاً غير عادلة لضمان استمرار تفوقهم على أندادهم. وتتجلى مظاهر ذلك السطو في المنازل الضخمة، والسيارات الفارهة، والمزارع الوارفة، وفرص التعليم  المتميز داخل السودان وخارجه، والمأكل والمشرب، والعناية الصحية. والأبناء تمتعوا، ولا يزالوا، بكل هذه المسروقات في كنف دولة لصوصية منحتهم أفضلية لا يستحقونها.

وعلى ذكر جنوب إفريقيا، يقول رئيس الأساقفة ديزموند توتو: "عندما جاء المبشرون إلى إفريقيا، كان لديهم الكتاب المقدس وكانت لنا الأرض. فقالوا دعونا نصلي فأغمضنا أعيننا، وعندما فتحناها كان لدينا الكتاب المقدس وكانت لديهم الأرض." وهذا تماماً ما فعله دعاة الدولة الدينية في السودان. قالوا للناس هيا بنا إلى المساجد، فدخلوها، ولما خرجوا منها وجدوا أن الكليبتوقراطيين الإسلاميين قد استولوا على الأراضي والمتاجر والمنازل والحدائق والمزارع والمطاعم والمصارف والطرقات ووسائل المواصلات ومصادر المياه والطاقة والثروات والمدارس والمؤسسات والشركات والوزارات والسفارات والإذاعات والتلفزيونات والصحف والمجلات والنساء الجميلات، وفرضوا على البلاد من أقصاها إلى أدناها سلوكهم وأزيائهم وعاهاتهم وعاداتهم وتشوهاتهم ورغباتهم وصلفهم وعجزهم وقصورهم.

إن نظام الدولة الدينية الكليبتوقراطية في السودان لم يكن فاسداً حتى النخاع، وإنما كان فاسداً من النخاع لأن قوانينه فاسدة لا تبرر فقط للفساد وإنما تشرعنه من خلال قوانين يصرحون بها بلا ذرة حياء مثل قوانين وسياسات التمكين والتحليل والصالح العام وفقه الضرورة وضرائب الجهاد والاستشهاد. والكليبتوقراطية عادة ما تتفوق على نفسها وسط أجواء ومعطيات الافتصاد الريعي. وقد جعل الكليبتوقراطيون الإسلاميون من ذلك حال اقتصاد السودان الذي صيروه ريعياً يعتمد تماماً على النفط،، وحكموا عليه أن يعتمد الآن على الذهب. ولهذا باضت فيه  دولة الفساد وأفرخت، وتكاثرت، وامتلأت حواصلها، وطالت قوادمها، واشتدت براثنها، حتى ظنت بنفسها الخلود.

والقول بتطابق الوجود، وتزامن المسيرة، وتلاحم المصير بين الدولة الدينية والفساد في السودان ليست حصيلة رأي شخصي متحيز، أو نتيجة تحليل سياسي متحامل، وإنما هو واقع تثبته المعايير الدولية العلمية الموضوعية والمقننة وعلى رأسها "مؤشر تصور الفساد" Corruption Perception Index والذي كثيراً ما وصفته أبواق نظام الإنقاذ بأنه متحامل ومتآمر على نزاهة نظام الدولة الدينية، وهو ليس كذلك. فمنذ إدراجه ضمن دول "المؤشر" احتل السودان مركزاً متأخراً، إذ كان ترتيبه 106 من بين 133 دولة في سنة 2003. ومع إزدياد عدد الدول المدرجة ضمن المؤشر، ومع اشتداد قبضة النظام الكليبتوقراطي وتفوقه على نفسه في ابتكار وإتقان أساليب الفساد والإفساد، تأخر السودان ليحتل مقعده الدائم في مؤخرة الدول كالدولة رقم 172 أو 174 أو 175 أو 176 بين الدول التي لا تتجاوز 180 دولة، وذلك في رفقة تضم في معظم الأحيان دولاً من بين فنزويلا، واليمن، وغينيا بيساو، وأفغانستان، والصومال، وجنوب السودان، والعراق، ومينامار، وسوريا.

وبعيداً قليلاً عن نظام الإنقاذ، عندما ينظر المرء إلى حال الإسلام والمسلمين ستترسخ عنده قناعة أن الإسلام دين حق، ولو لم يكن كذلك لفتك به المسلمون من زمن بعيد. ولكن الدين الحق الذي ظل وسيظل قائماً حتى يرث الله الأرض ومن فيها، ليس هو دين السبايا والغنائم وتفخيذ الرضيعة وإرضاع الكبير. وليس هو الإسلام الذي يغض الطرف عن عشرات الآلاف من المسلمات يتعرضن للإغتصاب كل يوم في ميناماروحناجرهن ترتفع بالاستغاثة "وا إسلاماه" ولا من مجيب يقول "لبيك"، إذ أنه لن يهب لنجدتهن أحد من الملتحين المدججين باللحم والشحم، الكانزين للذهب، المضمخين بالعطور، العاشقين للحلوى، والمولعين بالنكاح.

لقد أنتجت دولة الاستبداد، رغماً عنها ولكن بسببها، مئات الألوف من الشباب الذي قدموا للعالم ثورة تضاهي في جسارتها أعظم الثورات التي عرفها العالم، ولا زالوا يقدمون كل يوم نماذج رائعة من الوعي والتجرد والإدراك. كما أخرجت الدولة الدينية بعد ثلاثين سنة من التجهيل المتعمد مجموعات من الشباب المبرمج لكي يكون مُتنمراً يريد أن يكون إرهابيا ذا خطرٍ ولا يجروء أن يكون. ومن هؤلاء أصحاب دعوة "خلي سوطك قريب" ومن لف لفهم الذين عليهم إن أرادوا لأنفسهم دوراً جهادياً أن يذهبوا بسياطهم إلى حيث هنالك حاجة لها. إلى مينامار حيث تكشف الفتيات المسلمات رؤوسهن قهراً، ويفتحن أفخاذهن قسراً، ويمارسن الجنس عنوة. ولكنهم لن يفعلوا، لأن المعركة هناك لن تكون بسهولة جلد فتاة عزلاء في شوارع المدن السودانية التي تتكدس فيها النفايات. ولكن حتى إن فعلوا فربما تحتال أنفسهم على عجزهم لتسول لهم توظيف سياطهم في منع المغتصبات من رفع أصواتهن بالعويل. ومن سنين قال مظفر النواب لأمثالهم من أدعياء العفة والطهارة والشرف الذين يملأون المساجد خطابة وتوعداً وضجيجا:

القدس عروس عروبتكم؟؟

فلماذا ادخلتم كل زناة الليل حجرتها

ووقفتم تسترقون السمع وراء الابواب

لصرخات بكارتها

وسحبتم كل خناجركم، وتنافختم شرفا

وصرختم فيها ان تسكت صونا للعرض؟؟؟

فما اشرفكم!

ويبذل نفرٌ من المفكرين السودانيين المتميزين جهداً كبيراً في الترويج لمصطلح "الدولة المدنية"على حساب مفهوم العلمانية. ومن بينهم د. الواثق كمير الذي يقول في مقال بعنوان "العلمانية في السياق السياسي السوداني: العودة إلى القانون الجنائي المدني !!" "وعلى شباب الثورة التي سقوها بدمائهم أن يدركوا أن شعار "مدنيااااوو" الذي يهتفون به لا يعني المدنية مقابل العسكرية، أو تعيين المدنيين مكان العسكريين، إنما يعني في جوهره إرساء دعائم دولة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات." ولكن شباب الثورة ليس بمقدورهم تبني ما يقترحه الدكتور بأثر رجعي. فالمدنية التي كانوا ينادون بها، ولا يزالون، هي مُطالبة واضحة المعالم ومُناهضة للاستبداد العسكري. وهنا تكمن بعض إشكاليات الدولة المدنية التي تظل إلى حين إشعار آخر بحاجة إلى المزيد من البحث والفحص والتمحيص. فالدولة المدنية ليست Self-explanatory بمعنى أنها ليست قادرة على شرح نفسها بنفسها مثل الملكية والجمهورية والاشتراكية والأرستقراطية والعديد من المصطلحات السياسية الأخرى. ود. كمير، بصفته أستاذ سابق للعلوم السياسية، يدرك تماماً أن تصنيفات الدول والحكم سواءأ جئتها من ناحية هياكل السلطة (كالفدرالية مثلاً) أو مصدر السلطات (كالديمقراطية مثلاً) ليس من بينها هيكل سلطة أو مصدر سلطات اسمه "الدولة المدنية". والجميع يعلمون أن الجماعات الليبرالية عندما استبدت بها الجماعات الدينية بعد نجاحها في "تجريم" كلمة العلمانية لاذت - الجماعات الليبرالية - بالفرار لتختبئ وراء ستار "المدنية" دون أن تدري بالكيفية التي دخل بها المصطلح الحياة السياسية في البلدان العربية. ومن بينهم أيضاً الأستاذ بابكر فيصل الذي يجيب على سؤال طُرِح عليه في سياق إعلان المبادئ الذي نصّ "على تأسيس دولة مدنية ديمقراطية فيدرالية في السودان تضمن حرية الدين والممارسة الدينية والعبادات لكل الشعب" عما هو موقف التجمع الاتحادي من العلمانية، وكيف يرى هو العلمانية؟ بقوله "نحن في التجمع الاتحادي مع مفهوم الدولة المدنية الديمقراطية المحايدة تجاه الأديان. ولن ندخل في الجدل واللغط حول العلمانية. وكما ذكرت لك سابقا نتيجة الفهم الخاطئ له، لأنه نشأ وتتطور في بيئة مختلفة، وحدثت كثير من التغييرات فيه. إذن نحن مع وقوف الدولة على مسافة واحدة من جميع الأديان. وفي إطار الدولة المدنية الديمقراطية. والتي أعتقد أنها تكفل بما طالبت به حركة عبد العزيز الحلو وجميع الحركات الأخرى. وهي دولة تقوم الحقوق والواجبات فيها على أساس المواطنة." ويدهشني هنا عزوف الأستاذ بابكر فيصل، ومعه الحركة الاتحادية، عن العلمانية لأن المفهوم "نشأ وتتطور في بيئة مختلفة"! ومبعث دهشتي أن هذا هو حال الديمقرطية أيضاً، ومع هذا لم نشهد بعد في التجمع الاتحادي أو في غيره من أعرض عنها لذلك السبب.

إن"المدنية" التي يُعول عليها الكثيرون هي "حصان طروادة" تكمن، إن لم تكن تتربص، بداخله مجموعات متناحرة تنتظر أن تفتح لها "أبواب المدينة". فهنالك "العلمانيون" غير الراضين بكلمة المدنية كبديل للعلمانية، وهنالك المدنيون الذين يريدون مسك العصا من وسطها، وهنالك المدنيون الحقيقيون، والذين هم الإسلاميون الذين ابتدعوا مصطلح "الدولة المدنية" في خمسينيات القرن الماضي في مصر ليفصلوا بين توجههم المدني والطبيعة العسكرية لثورة يوليو، وليؤكدوا أيضاً على القيمة المدنية لدولتهم الإسلامية. وعندما أجرت الكاتبة السورية أنجيل الشاعر حواراً مع المفكر الكردي جاد الكريم الجباعي في مجلة "حفريات" بتاريخ 12/5/ 2020 وسألته: "في كتابكم في الدولة الوطنية، تحيلون فكرة الدولة المدنية إلى سيد قطب زعيم جماعة الإخوان المسلمين، هل نفهم أن جماعة الإخوان المسلمين وراء هذه المطالبة بالدولة المدنية أم لكم رأي آخر؟" فيرد عليها الجباعي: "لقد وصفت شعار الدولة المدنية بأنه "تلفيق فكري وتلبيس سياسي"، قد أكون مخطئاً، ولكنني ما زلت عند هذا الرأي. لأن الشعار المذكور روجه الأخوان المسلمون في مصر وسورية، مع أنه متناقض على طول الخط مع مقولات حسن البنا، موسس جماعة الإخوان المسلمين: "الإسلام دين ودنيا ودولة .. مصحف وسيف"، التي تتبناها الجماعة، ومتعارض بالقدر نفسه مع مبدأ الحاكمية عند الجماعة، ومع مبدأ الدعوة والجهاد، والدعوة أساس التطرف والجهاد أو النضال أساس الإرهاب، عند الإسلاميين وغير الإسلاميين، كالبعثيين والشيوعيين."

ومن أجل المزيد من الاستيثاق من حقيقة التأسيس والترويج الإخواني لمصطلح/مفهوم الدولة يمكن النظر أيضاً إلى "اليقظة العربية: الإسلام والشرق الأوسط الجديد" The Arab Awakening- Islam and the New Middle East، London: Penguin Group، 2012 (114-116)  للمفكر الإخواني الإسلامي طارق رمضان حيث يقول إن هنالك تحولات غير ملحوظة قد حدث في خطاب الأخوان المسلمين، وكذلك عند بعض الحركات الإسلامية الأخرى والتي أخذت تتبنى سياسة "الوسطية" في العالم العربي الإسلامي. ويعزي رمضان هذا إلى ازدياد هيمنة العولمة وإلى أن الظهورالمضطرد لحركات إسلامية جديدة حال دون تأسيس حركة إسلامية شاملة وجامعة. كما يشير رمضان أيضاً إلى فشل الثورة الإيرانية في تحقيق الطموحات الإسلامية العريضة التي تتجاوز الخلافات الطائفية. ونتيجة لذلك قامت الحركات الإسلامية المعتدلة، بحسب رمضان، بمراجعة مصطلحاتها وعكفت على إعادة تعريف مفاهيمها. وكنتيجة لذلك وضعت الكثير من الثقل على مصطلح "الدولة المدنية". وطارق رمضان، لمن لا يعرفه، هو حفيد حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين، وقد كان يحتل مكانة مرموقة وسط المؤسسات الأكاديمية الغربية حتى سقوطه المدوي تحت طائلة القانون متهماً بأكثر من حالة اغتصاب وتحرش.

ووضعاً للذي ذكرت أعلاه في الاعتبار أود توجيه سؤال للأستاذ بابكر فيصل هل تكفي حقيقة نشوء مصطلح ومفهوم "الدولة المدنية" عند سيد قطب لترموا بها بعيداً كما رميتم بعيداً بمفهوم العلمانية؟ أم أنكم بحاجة إلى ما يؤكد لكم أنها، كما قال الجباعي، "تلفيق فكري وتلبيس سياسي؟" وأريد أن أقول هنا إن من بين الأشياء "المدنية" التي تحمل دلالات واضحة في حياتنا الهندسة المدنية، والمجتمع المدني، والعصيان المدني، والقوانين المدنية، والقضايا المدنية، والحريات المدنية، والخدمات المدنية، والسلطات المدنية، ولكن ليس من بين مسئوليات وتداعيات أيأ منها الفصل بين الدين والدولة. ويقودني هذا للقول إن العلمانية تعاني بين مناصريها والمتعاطفين معها من ثالوث الإغراق في الرصد التاريخي، والانشغال بالتفسيراللغوي، وضعف الاقتناع. وعلى الجانب الآخر تعاني العلمانية من ثالوث الجهل والكذب والعصبية الفكرية. والجدل الذي يدور حول العلمانية اليوم في السودان يستدعي ما قاله الشاعر الإيرلندي دبليو بي يتس “The best lack all conviction، while the worst are full of passionate intensity.”  "الأفضل يفتقدون كل قناعة، بينما يمتلئ أسوأهم بحماسة جياشة." وإذا كانت جزئية القول الأولى تنطبق على بعض مناصري العلمانية، فإن جزئيته الثانية تنطبق بشكل يكاد أن يكون كاملاً غلى مناوئيها.

وعندما أستعيد "بينما يمتلئ أسوأهم بحماسة جياشة" أجدني أفكر في عدد من المناوئين للعلمانية من بينهم د. محمد عبد الله كوكو الذي نشر في "أوراق برس" مقالاً بعنوان "للذين لا يعرفون العلمانية" يتحدث فيه عن العلمانية حديث العارفين، وهو لا يعرف. والدكتور هنا مثل معظم الذين يتحدثون عن العلمانية يظنون بأنفسهم حصافة تتيح لهم معرفةً محجوبةً عن بقية الناس فلا يضيعوا وقتاً قبل أن ينصبوا من أنفسهم عليهم نصحاء ومرشدين. والدكتور أيضاً مثل العديد من الناصحين الحصفاء لا يحرص على علاقة طيبة باللغة، ومثلهم أيضاً له من ضحل الثقافة وضعيف المعرفة نصيب كبير. فهو يبدأ حديثه قائلاً: "لايمكن أن نقبل تعريف العلمانية إلا من جهة أوربية رسمية، لماذا؟ لأن الأوربيين هم الذين أنتجوا العلمانية واخترعوها ومارسوها." ثم يمضي الدكتور للاستدلال بالمصادر "الأوربية" الثلاثة التي اختارها وهي: دائرة المعارف البريطانية، وقاموس ويبستر، وقاموس اكسفورد. ويكفي هذا القول وحده ليدرك القارئ المستنير أن هنالك ما ينذر بعواقب وخيمة لأن قاموس ويبستر أمريكي وعليه لا يجوز إدراجه ضمن المصادر "الأوربية" التي أكد الدكتورأنه لن يقبل تعريفاً إلا منها. ولكن لنضرب عن ذلك صفحا لنرى ماذا ينقل الدكتور عن ويبستر "الأوربي".

يزعم الدكتور أن القاموس "يقول عنها (أي العلمانية) (هي نظام من التطبيقات والمبادئ يرفض اي شكل من أشكال  الإيمان والعبادة) وفي موضع آخر يقول ويبستر: (هي نظام اجتماعي مؤسس على وجوب قيام الأخلاق على الحياة المعاصرة دون النظر إلى الدين)." بينما يقول القاموس عن العلمانية ما هو مكتوب أدناه. وقد حرصت على إيراد التعريفات التي وردت في المصادر التي ذكرها الدكتور في لغتها الأصلية قبل ترجمتها حتى يتسنى للقارئ التحقق منها ليدرك أن الدكتور لا يترجم، وإنما يؤلف.

“Definition of secularism: indifference to or rejection or exclusion of religion and religious consideration.”

"تعريف العلمانية: اللامبالاة تجاه أو رفض أو استبعاد الدين والاعتبارات الدينية."

“The belief that religion should not play a role in government، education، or other public parts of society.”

"الاعتقاد بأن الدين لا ينبغي أن يلعب دوراً في الحكومة أو التعليم أو الأجزاء العامة الأخرى من المجتمع." وهذا يعني أن ما أورده الدكتور، وبخاصة "يرفض أي شكل من أشكال الإيمان والعبادة" لا علاقة له إطلاقاً بقاموس ويبستر، إلا إذا هنالك فعلاً قاموس ويبستر "أوربي" كما يقول الدكتور، وكما يكتب أوروبي.

ويزعم الدكتور أن مصدره الثالث، وهو قاموس أكسفورد، يُعرف العلمانية "(بأن معناها : دنيوي أو مادي، ليس دينيا ولا روحيا) وفي موضع آخر يقول لا ينبغي للدين أن يكون أساسا للتربية والأخلاق)."

بينما يقول قاموس أكسفورد:

"Secularism is the belief that religion should not be involved in the organization of society، education، etc."

وترجمتها: "العلمانية هي الاعتقاد بأن الدين لا ينبغي أن يشارك في تنظيم المجتمع والتعليم وما إلى ذلك." وهي، كما هو واضح، لا علاقة لها "بدنيوي أو مادي أو ليس ديني أو روحي" كما يدعي الدكتور. إضافة إلى ذلك فإن الإدعاء بأن القاموس يقول "لا ينبغي للدين أن يكون أساسا للتربية والأخلاق" هي محاولة لا أخلاقية للتشويه. أما ترجمة education على أنها "تربية" فلا تدل على سوء النية بقدر ما تدل على ضعف اللغة.

وقاموس أكسفورد يقول أيضاً عن العلمانية:

"The term was coined c.1850 to denote a system which sought to order and interpret life on principles taken solely from this world، without recourse to belief in God and a future life. It is now used in a more general sense of the tendency to ignore، if not to deny، the principles of supernatural religion."

وترجمة ذلك: "تمت صياغة المصطلح في 1850 لتحديد نظام يسعى إلى ترتيب الحياة وتفسيرها وفق مبادئ مأخوذة فقط من هذا العالم، دون اللجوء إلى الإيمان بالله والحياة الأخرة ويتم استخدام المفهوم الآن بشكل أكثر عمومية ينحو إلى تجاهل، إن لم يكن رفض، المبادئ الغيبية للدين."

أما إذا جئنا إلى مصدر الدكتور الأول وهو "دائرة المعارف البريطانية" التي يزعم الدكتور أنها تقول عن العلمانية secularism "(هي حركة اجتماعية مضادة للدين وتهدف إلى صرف الناس عن الإهتمام بالدار الآخرة إلى الإهتمام بالدنيا وحدها)" فلا أقل من أن نقول أن الدكتور تغوّل عليها وتقوّل، لأنها تقول:

"SECULARISM، a term applied specially (see Secular) to the system of social ethics associated with the name of G. Holyoake (q.v.). As the word implies، secularism is based solely on considerations of practical morality with a view to the physical، social and moral improvement of society. It neither affirms nor denies the theistic premises of religion، and is thus a particular variety of utilitarianism. Holyoake founded a society in London which subsequently under the leadership of Charles Bradlaugh advocated the disestablishment of the Church، the abolition of the Second Chamber and other political and economic reforms."

وترجمة ذلك "العلمانية: مصطلح يطبق بشكل خاص (انظر علماني) على نظام الأخلاق الاجتماعية ويرتبط باسم جي هوليوك. وكما توحي الكلمة فإن العلمانية تقوم فقط على اعتبارات الأخلاق العملية بهدف تحسين الجوانب المادية والاجتماعية والأخلاقية للمجتمع. والعلمانية لا تؤكد ولا تنفي الافتراضات التوحيدية للدين، وبالتالي فهي نوع خاص من توخي المنفعة. وقد أسس هوليوك جمعية في لندن ودعا لاحقاً تحت قيادة تشارلس برادلو إلى إلغاء الكنيسة والمجلس الثاني (مجلس اللوردات) وتنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية." وعليه فإن "حركة مضادة للدين هي من "كيس" الدكتور، ويزيدها سوءاً أن "بريتانيكا" تقول إن العلمانية "لا تؤكد ولا تنفي الافتراضات التوحيدية للدين."

ويضيف د. محمد عبد الله كوكو إلى حشف نقده للعلمانية سوء كيلة موغل في التطفيف عندما يواصل حديثه محاولاً تشريح العلمانية باللجوء إلى شيئ من الاشتقاق Etymology. والاشتقاق مركب صعب بالنسبة للذين يعرفون، فما بالك بالذين لا يعرفون، والذي ينبغي عليهم أن يدركوا أن البحث يحتاج مع المعرفة والدراية الحزم والصبر والصرامة، وهذا جميعه تفتقده كتابة الدكتور التي تمضي إلى حيث يذهب بها الهوى. وكما قال أكثم بن صيفي "والحَزْمُ مَرْكَبٌ صَعْبٌ، والعَجْزُ مَرْكَبٌ وَطِيئٌ، آفَةُ الرَّأي الهوى، والعَجْزُ مِفْتاحُ الفَقْرِ..." وأشنع أنواع الفقر بؤس المعرفة. والذي جرني إلى الاشتقاق هن أن الدكتور يقول: "يبقى كلمة العلمانية (secularism) ما عندها اصلا علاقة بالعلم والعلماء فهي بعيدة عن كل ترجمات العلم ومشتقاته مثل: العلم science المعرفة knowladge التعليم learning والدراسة studiedness المعلومات information". وقد لا تكون للعلمانية علاقة بالعلم والعلماء، وهذا زعم مشكوك فيه. ولكن الأمر المؤكد هو أن علاقة د. محمد عبد الله كوكو بالعلم والعلماء جد ضعيفة. وهذا أمر مؤسف لشخص يحمل درجة الدكتوراة وقضى الجزء الأعظم من حياته المهنية يعمل في محال التعليم. فمن بين الكلمات الخمس التي اختارها الدكتور للتدليل على أن العلمانية "بعيدة عن كل ترجمات العلم والعلماء" أصاب في اثنتين وأخطأ في ثلاث. أصاب في العلم science والمعلومات information، وأخطأ في التعليم learning لأن التعليم هو education بينما learning هي التعلم. وعندما نأتي إلى المعرفة فهي knowledge وليست knowladge كما كتبها. أماstudiedness  فإنه حقاً يستحق عليها الثناء، لأنه أضاف إلى اللغة الإنجليزية كلمة لم توجد بها قبلاً.

ولا بد لي من التنويه هنا إلى أنني في تناولي لما طرحه د. محمد عبد الله كوكو حرصت على أن لا أنزلق إلى الخوض في نقاط جدلية تخضع للأخذ والرد، لأني لا أريد أن أتيح له مخرجاً ينفذ عبره من المأزق الذي وضع نفسه فيه: مأزق عدم الدراية في استخدام المصطلحات "الأوربية" والاشتقاق والترجمة من اللغة الإنجليزية وإليها. ولكني أريد التوقف عند نقطة واحدة عنده وهي قوله "مستحيل تقول أنا علماني ومسلم في نفس الوقت انت يا علماني يا مسلم." وكل من يقرأ ورقتي بشيئ من الاهتمام سيدرك أنني أيضاً لا أعتقد في إمكانية أن يكون المرء مسلماً وعلمانياً، ليس لسبب خاص بالإسلام، إذ أن هذا الرفض يمتد ليمنع أن يكون المرء مسيحياً وعلمانياً، أو هندوسيا  - أو أي دين أو معتقد آخر- وعلمانياً في نفس الوقت. ولكن ذلك ليس، كما يقول الدكتور، لأن "العلمانية والاسلام عبارة عن خطين متوازيين لا يلتقيان ابدا"، أو لأن على المسلم أو المسيحي أو الهندوسي أن يتخلى عن ديانته أولاً قبل أن يكون علمانياً، وإنما لأن هنا خط واحد لا غير، وهو خط الدين.  وهذا يعني بالضرورة عدم إمكانية أن يكون الفرد من أي دين وملة علمانياً على الإطلاق. فالدولة قد تكون علمانية أو لا تكون، ولكن الفرد لا يمكن أن يكون علمانيا أو غير علماني، ولكن بمقدوره أن يكون مناصراً للعلمانية أو مناوئاً لها إن شاء.

وذلك لأنه إن كان هنالك توصيف لشيئ "يسعى إلى ترتيب الحياة وتفسيرها وفق مبادئ مأخوذة فقط من هذا العالم، دون اللجوء إلى الإيمان بالله والحياة الأخرة"، و"يتم استخدامه بشكل أكثر عمومية ينحو إلى تجاهل، إن لم يكن رفض المبادئ الغيبية للدين"، ويتصف "باللامبالاة تجاه أو رفض أو استبعاد الدين والاعتبارات الدينية"، و"الاعتقاد بأن الدين لا ينبغي أن يلعب دوراً في الحكومة أو التعليم أو الأجزاء العامة الأخرى من المجتمع"، و"أن لا ينبغي للدين أن يشارك في تنظيم المجتمع والتعليم وما إلى ذلك"، والعمل على"تحسين الجوانب المادية والاجتماعية والأخلاقية للمجتمع"، بينما "لا يؤكد ولا ينفي الافتراضات التوحيدية للدين، وبالتالي فهو نوع خاص من توخي المنفعة،"، فمن المؤكد أن ذلك الشيئ الذي تناوله التوصيف هو نظام دولة، وليس ميول واختيارات فرد مهما كبر حجم قدراته وعظم قدر طموحاته.

ومع أن هذا لا يسعدني كثيرا، أجد صعوبة في الابتعاد عن ما كتبه د. كوكو دون أن أتسآل عما إذا كان يحق لأي شخص أن يطالب جامعة مرموقة مثل جامعة الجزيرة بسحب درجة الدكتوراة من شخص جلب لها سوء السمعة bringing it into disrepute بإظهار كل هذا القدر من الجهل في منبر عام؟ ولكن مثل هذا الطرح، بالمعاني كافة التي تحتملها الكلمة، ينادي بضرورة إنشاء هيئة متخصصة تقوم بمراجعة درجات الدكتوراة التي تغرق الساحة الفكرية بالضحالة والركاكة والإسفاف. أقول هذا مدركاً درجة الغلظة التي انتهجتها في تعاملي مع ما طرحه د. محمد عبد الله كوكو، ولكني لا استهدف الفرد هنا بقدر ما استهدف  ظاهرة ضعف الكفاءة الأكاديمية التي يزيدها سوء القصد قبحاً وقتامة. وعلى صعيدٍ موازٍ يثبت ما كتبه الدكتور أن مناصري الدولة الدينية يعتقدون أن الكذب براعة وأن التضليل مهارة. وهذه هي الوهدة التي تقبع بداخلها ثقافتنا التي أقعدوها بعجزهم وقصورهم. ومن بين جميع مثالبنا ليس هنالك أوجع من أن أعظم محفوظاتنا ضد الكذب حديث مكذوب (حديث أن المسلم لا يكذب)، وليس هنالك أسخف من أننا نكذب على أكبر كذاب في تاريخنا (مسيلمة الكذاب)، وليس هنالك أتعس من أنه إذا قال بعضنا "يحصل خير" فإنه لن يحدث، وليس هنالك أبشع من أن أحدنا إذا قال إن شاء الله فإنه لا يعنيها، ونعلم جميعاً أنه لا يعنيها.

وبسبب إعلان المبادئ انطلقت دعوات تنادي بتنفيذ المزيد من الدراسات لتفسير وتبرير العلمانية. ومع أني لا أرى ضرورة لذلك لأن ما كتب عنها (مثل كتابات جورج طرابيشي: العلمانية في الخطاب العربي، العلمانية مطلب إسلامي، هرطقات عن العلمانية كإشكالية إسلامية 1- 2، ) كافٍ لتوضيح ما هي  العلمانية وما هي التحديات التي تواجهها في العالم الإسلامي، فإن أي كتابات سودانية ستشكل مساهمات ذات قيمة وتأثير. ولكن الانتصار الوجداني والقبول العريض للعلمانية لن يتم على صفحات الصحف ومواقع الإنترنت التي تغشاها القلة المثقفة، وإنما على ساحة التفاعل مع قطاعات عريضة من المواطنين. ولهذا قد يقول قائل من بينهم إن النعي الذي أكتبه مشيعاً به الدولة الدينية مبكرٌ في توقيته لأنها لم تلفظ أنفاسها الأخيرة بعد. ولكن الذي لا شك فيه هو أن مرحلة طي الإسلام السياسي قد بدأت مع الانتباه إلى أن السودان كان ولا يزال مهيأ وجدانياً أكثر من غيره لاحتضان الدولة الدينية. فالعاطفة الدينية فيه جياشة ولا حدود لقدرتها على التطرف. وفي هذا السياق علينا أن نضع في الاعتبار أن السودان قد احتضن بشكل عريض، أكثر من أي بلد آخر، أقصى تعبيرات التطرف الإسلامي متمثلة في الوجود المعاش لفكرتي "المهدي" و"الختم".

ويزيد من تعقيد الأشواق والأوجاع والطموحات والمطامع الإسلامية في السودان، الطرائق التي دخلت بها الطوائف الإسلامية البلاد والتي جعلت منه غازياً ولاجئاً في نفس الوقت. فعلى جانب الغزو نجد طوائف التدين المتجهم الكئيب الذي جاءت به معاهدة البقط التي تكرس دونية بلاد السودان وأهلها، والتي ينص البند السابع فيها على التالي:

" وعليكم فى كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان.8. وليس على مسلم دفع عدو عرض لكم ولا منعه عنكم من حد أرض علوة إلى أرض أسوان. فإن انتم آويتم عبداً لمسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً أو عرضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الستمائة رأس والستين رأساً فقد برأت منكم هذه الهدنة  والأمان وعدنا نحن  وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين."

وأزعم، وقد لا أكون بعيداً عن الصواب في زعمي، أنه من الممكن اقتفاء الجذور المموهة والمخفية للأيديلوجية "الكيزانية" المؤسسة على الاستعلاء والغصب والسلب والإتجار بكل شيئ في اتفاقية البقط، كما يمكن العثور على أصل مكونات سلوكهم الانتهازي المخادع والمخاتل والمتربح في النموذج الأوليprototype  الذي يمثله عبد الله بن أبي سرح. أي نموذج الشخصية التي تدعي وتلفق وتفتري، والتي كانت غزواتها في شمال إفريقيا حصداً للغنائم. عن هذا يقول الليث بن سعد "بلغ السهم للفارس ثلاثة آلاف دينار، وللراجل ألف دينار." والسودانيون يحتفون بعبد الله بن أبي سرح دون أن يعرفوا عنه إلا أقل القليل. والذين يعرفون عنه ما يكفي لا يكفون عن بذل التبريرات لتخفيف مثالبه، وهي جليلة. وتتلخص في أنه عندما دخل ابن أبي سرح الإسلام كان ممن يكتبون الوحي، ثم أرتد وعاد إلى مكة حيث كان يقول كاذبا ً متبجحاً إذا أملى علي محمد سميعا عليماً كنت أكتب: عليماً حكيماً،  وإذا أملى علي عليماً حكيماً، كنت أكتب: سميعاً عليماً، وهو لا يمانع. وكان يقول: إن كان محمد يوحى إليه فقد أوحى إلى، وإن كان الله ينزله فقد أنزلت مثل ما أنزل الله. كما وشى ببعض المسلمين الذين كانوا يتسترون على إسلامهم فأخذهم كفار قريش وعذبوهم حتى كفروا. ولهذا عند فتح مكة كان ابن أبي سرح واحداً من أحد عشر شخصاً أمر النبي بقتلهِم ولو وجدوا مُتعلقين بأستار الكعبة. ولما كان أخ عثمان بن عفان في الرضاعة إختبأ في منزله فأخذه عثمان معه حنى وقف بين يدي النبي وقال يا رسول الله: إن أمه كانت تحملني وتمشيه وترضعني وتقطعه وكانت تلطفني وتتركه فهبه لي، وأكب عُثمان على رسول الله يُقبل رأسه وهو يقول يا رسول الله، تُبايعه، فداك أبي وأمي يا رسول الله. فصمت النبي طويلاً ولم يبايعه إلا بعد الثالثة. وبعد رحيلهما التفت النبي إلى أصحابه وقال: "أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ فَيَقْتُلُهُ؟" وحتى بعد مبايعته للرسول ظل لا يظهر وجهه له ويفر منه، وإذا قابله صدفةً يُسلم عليه ولا يضع عينه في عين الرسول خجلاً مما فعله. ويقول الطبري وبعض المفسرين إن "وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ" نزلت في مسيلمة بن حبيب وعبد الله بن أبي سرح.

وعلى جانب اللجوء نجد الإسلام المتسامح والمتصالح مع نفسه ومع الآخرين الذي تسلل مع الرعاة وتناغم بسهولة مع التقاليد المحلية والأساطير النوبية ليشكل عقيدة، أو إن شئت طرقاً وفرقاً صوفية تجمع بين مخلفات الوثنية بقبابها وطبولها وألوانها وتراتيلها، والوحدانية بخشوعها وتبتلها. وتظل هذه الطرق في نهاية المطاف قوة محايدة قادرة على التعايش مع القديم، وعلى استعداد لاحتضان الجديد. ولعل أحد أروع مشاهد ثورة ديسمبر مشهد مسيرة الطرق الصوفية بطبولها وأهازيجها تعبر كبري النيل الأزرق في طريقها إلى ساحة الاعتصام. ولعل هذا التأرجح بين نزعتي الغزو واللجوء يفسر استعداد الشخصية السودانية للانتقال بسهولة بين نقيضي التسامح والتطرف، ولعله يفسر أيضا استعدادها لقبول فكرة الدولة الدينية والتكيف مع غيرها. وبالإضافة إلى أولئك هناك الجماعات المسيحية وقدرتها على الصمود مثبتة أن إدارة الخد الأيسر ليست مظهر ضعف وإنما دلالة قوة، وكذلك الجماعات غير العربية وغير المسلمة التي لا تعرف لنفسها غير "السودانوية" هوية.

وعودة إلى جدلية الصراع بين الدولة الدينية كغول مقدس والدولة المدنية كتلفيق فكري والعلمانية، أرى أن العلمانية هي قدر الشعوب. وأرى أيضاً أنها أفيون الشعوب. أقولها في استدعاءٍ واعٍ ومتعمدٍ لقولة ماركس المُفترى عليها"Die Religion ... ist das Opium des Volkes" . والذي لا ريب فيه ولا مراء هو أنه لم يكن لماركس في مجمل كتاباته رأي ايجابي في الدين، ولكنه يشيد هنا بقيمة الدين في تخفيف عذابات ملايين البشر المسحوقين تحت رحى البؤس والاستغلال. وأنا أترجم هنا من الإنجليزية

 "Religion is the sigh of the oppressed creature، the heart of a heartless world، and the soul of soulless conditions. It is the opium of the people".

والترجمة هي "الدين هو أنّة الكائن المقهور، قلب عالم بلا قلب وروح ظروف بلا روح. إنه أفيون الشعوب." وإذا كان هنالك من يعتقد أن في هذا التوصيف إزدراء للدين أو تحقير له فليراجع قدرته على الاستيعاب. أما أنا فمن فرط إعجابي بهذه المقولة فقد رأيت أن أستعيرها لكي تضفي على العلمانية التي أناصر قيمة أنها أيضاً "أنّة الكائن المقهور، وقلب عالم بلا قلب، وروح ظروف بلا روح. إنها أفيون الشعوب." فالعلمانية تخفف من عذابات ملايين البشر في الصين (الشيوعية) والسعودية (الوهابية) ومينامار(البوذية) والفلبين (الكاثوليكية) والهند (الهندوسية) وسودان الإنقاذ، وما بعد الإنقاذ، الذي يشهد نهاية لبعض التاريخ: نهاية عهد الدولة الدينية.

 

أحمد حسب الله الحاج

 

ظريف حسينالإيمان الديني لا علاقة له بالمنطق العلمي فيما يتعلق بإمكانية وجود كائنات عالية،  بعكس كل إيمان وضعي آخر.

و من المفارقات التي يقع فيها العقل الملحد هو أنه لم يرَ هو نفسه كيف جاء إلي الوجود، ولا كيف كان ميلاده إلا ما حكاه له أهلوه ومعاصروه، ومع ذلك يجادل في وجود أصل غير طبيعي لوجود الأشياء جميعا دفعة واحدة وهو منهم.

و أعتقد أن أكبر حماقات العقل الملحد هو هوسه بالإيمان العلمي القائم علي الملاحظة والتجربة أو الرياضيات التي لا تضيف شيئا جديدا للوجود. فالعقائد العلمية موثوقة لأنها تري فعلا ما تقرره، وتتأكد منه باستمرار وبلا أدني شك. وبذلك لا يمكن قياس الحقائق الدينية علي الحقائق العلمية: فالحقائق الدينية مِلك معتنقيها فقط، ولا يمكنهم نقلها إلي غيرهم إلا إذا تعاطف معهم فيها هؤلاء.

لكن الأهم هنا هو المبدأ الأساس لكل الأديان وهو عدم كفاية التفسير الطبيعي لنشأة العقل والنظام الكوني الدقيق؛ فليس من الممكن- ولم نر حتي الآن- تفسير كيف نشأت الخلية الحية من مكونات غير عضوية، ثم مبدأ تطور الكائنات الحية باتجاه العقلانية ورُقِي الشعور، والوعي الذاتي.

ولخلفيتي العلمية فإنني لم أقتنع يوما بأي حجة من حجج الذين يروجون للإلحاد استنادا إلي الحجة الطبيعية، ومعناها أن "كل شيء جاء من الطبيعة ويظل فيها ولا يمكنه أن يتجاوزها"، أي أنه ببساطة يعتقد بأن "الطبيعة هي كل شيء"، وبذلك فلا حاجة بنا لإله عاقل مُريد قادر، ثم إنهم ينسبون كل صفات الله المعروفة في الأديان للطبيعة ويُسمُّون الله الطبيعة.

فأما غايتهم فعملية وهي التخلص من مثالب الأديان كما أفرزتها أفهام المتدينين عبر التاريخ فيما يتعلق باستغلال العقائد في صياغة قوانين ونظم اجتماعية تفرق بين الناس علي أساس طبقي يضع في الاعتبار القرب من الله والبعد عنه. وكانت هذه الاعتبارات وما زالت هي النقاط الأضعف في قلب الأديان، وقد جرت عادة النقاد أن يتلقفوا المتدينين بأطنان من السخرية من النتائج العملية للتدين، فقد قام المستغِلون سواء بحسن نية أم بغير ذلك بعمل كل شيء لتشويه الأديان، فضلا عن التفاسير التاريخية والاجتماعية والنفسية... للأديان بما يعيدها مرة أخري إلي حظيرة الطبيعة!

" فالله هو الطبيعة وبناء عليه فكل تفاسير نشأة الدين طبيعية أيضا، وبالضرورة". وهذه هي خلاصة نقد الأديان التي ينتجها ويعيد استهلاكها في كل لحظة العقل الملحد.

ولو عدنا إلي المعيار الوحيد للإيمان الديني فإننا نجده "الاعتقاد بإمكانية وجود أصل غير طبيعي لوجودنا". وهذا الاعتقاد ليس ضد العقل كما يزعم الملحدون إلا إذا اعتقدنا معهم بأن "العقل هو كل شيء تماما كالطبيعة".

ولكن سير الحياة يُثبت عجز العقل عن معرفة كيف نشأت العقلانية نفسها، ولماذا وُضع المخ في هذه العلبة المصفحة التي تسمي بالجمجمة، ولماذا أحيطت الرئتان بدلا من ذلك بشبكة من الضلوع المرنة، وقل مثل ذلك علي تأهيل كل شيء لأداء وظيفته طبقا لتكوينه، فمهما اصطنع الملحدون من حجج تستند إلي منطق داخلي في الطبيعة يجعلها حكيمة موجهة للكائنات بهدف الاستغناءعن فكرة الله، فإنهم لن يفعلوا إلا نقل الفعل من الله إلي الطبيعة، وكفي.

ولكن هذا الإيمان بعدم قدرة العقل عل الإحاطة بكل شيء لا يعني تسريب كل ما لا يُعقل، من خلال ثقوب هذا العقل الواسعة، كالموضوعات العامة للخرافات والحكايات والأساطير مهما كانت أشكالها والإدعاءات التي يروجها بعض المتدينين لاستغلال حاجات الناس للعزاء الكامل والدعم النفسي وحل المشكلات الشخصية والاجتماعية...فلم يترك المدَّعون فرصة لاستغلال غيرهم إلا اغتنموها، ولم يتركوا ثغرة إلا دخلوا منها، وكانت هذه وما زالت أخطر نقاط ضعف الدين بصفة عامة، كما أسلفت.

وتبقي الغاية من الإيمان وهي الشعور بالتوافق النفسي والاجتماعي والسعادة وتلقي العزاء من الله، والشعور بالأنس ضد وحشة هذا الوجود، فضلا عن إشباع فضول الإنسان لمعرفة كيف جييء به إلي هنا، ولماذا الآن!

 

د. ظريف حسين

أستاذ و رئيس قسم الفلسفة بجامعة الزقازيق،مصر

 

 

صلاح حزامالريف تاريخياً وفي كل العالم يسبق وجوده وجود المدينة، والمدينة كيان تقدمي جاء لاحقاً ليتجاوز شروط الريف. ظهرت القوانين العابرة للعشيرة والطائفة وظهرت اشكال الحكم العابرة لحكم زعيم القبيلة وظهر الاقتصاد الحديث والمؤسسات المختلفة في المدينة كالجامعات وغيرها.

من مؤشرات تقدم الدول تنموياً ازدياد اعداد السكان الذين يسكنون في المدن وتقلص سكان الريف ..

وتُصنّف اماكن سكن الناس على اعتبارها ريفاً ام حضر، على اساس توفر مجموعة من الخصائص العمرانية التي تتغيّر بموجبها صفة المكان من ريف الى حضر (مدينة).

وفي الدول المتقدمة يتقلص عدد سكان الريف باستمرار طبقاً للتقدم في عملية التنمية، حتى ان نسبة سكان الريف قد تصل الى ٢٪؜ من اجمالي السكان.

سكان الريف يعملون في الانتاج الزراعي، وبما ان استخدام التكنولوجيا الحديثة في الزراعة يتوسع باضطراد، فأن الحاجة للعمال الزراعيين تنخفض بشدّة مما يخلق فائضاً في الايدي العاملة التي تتجه الى المدن المزدهرة لكي تعمل في القطاعات المزدهرة كالصناعة والخدمات بعد تأهيلها وتدريبها.

سكان الريف والعاملين في الزراعية لهم بيئة ثقافية ومهنية واجتماعية مختلفة عن تلك السائدة في المدينة لاسيما في دول العالم الثالث كالعراق مثلاً.

فالعلاقات العشائرية والقيم الاجتماعية والولاءات تختلف عن تلك الموجودة في المدينة.

ابن خلدون عندما تناول هذا الموضوع، تحدث عن هذه الفروقات .

سكان الريف يلتفّون حول زعامات محلية تكون قبلية في الغالب ولهم اسلوبهم في العيش الذي يختلف عن ذلك الذي في المدن ..

ولكي لايذهب البعض الى مقارنة بغداد،على سبيل المثال، بالارياف التي تقع خارجها ليقول مُستنتجاً :ان بغدا اصبحت قرية كبيرة وليست مدينة عصرية.

دعونا نأخذ مدينة أخرى كبيروت او القاهرة ونقارن مالديها من مسارح وسينمات ومكتبات وجامعات ومعاهد ومؤسسات سياسية واجتماعية ونشاط اقتصادي وبنوك وشركات تأمين وشبكات مواصلات واتصالات الخ .. يعمل فيها مئات الآلاف من البشر،نقارن ذلك كله بما هو موجود في القرى والارياف !!

هذه الكيانات والنشاطات تنعكس حتماً على طبيعة تفكير الانسان وتصوراته عن الحياة وعن المستقبل . الانسان فيها يتعامل ويحتك مع الملايين من الناس من أهل البلد ومن الاجانب ويتعلم الدروس وينفتح ذهنه.

في الريف، الوضع مختلف وهنالك سيادة للنمطية في سياقات الحياة .

لذلك كله، لايجوز ان يحكم الريف المدينة لانه سوف يحكمها بعقلية الريف ولن يسمح لها بالتطور . ليس ذلك عملاً متعمداً، لكنها عقلية الريف المحافظة التي لاترى التطور ولاتعرف كيف تشجع عليه.

وحتى ان امتلكت الرغبة فانها غير قادرة، لان قيم الريف ونظرته للتراتبية والسيادة وصلاحية صنع القرار، مختلفة عن مثيلتها في المدينة تماماً.

نظرتهم الى الديانة المختلفة والقومية المختلفة والعِرق المختلف واللون المختلف والجنس المختلف (الانثى)، تجعلهم يتحسسون من ذلك الاختلاف !!

الولاء والقربى لديهم اهم من الكفاءة والمهنية !!

بعض الارياف فيها عنصرية وازدراء لبعض الجماعات ولاتستطيع العيش تحت إمرتها وسيادتها اطلاقاً حتى لو كلّف ذلك مستقبل التنمية !!

بل ان نظرتهم للتنمية قد تكون مختلفة نتيجة نمط العيش البسيط والزاهد والصوفي احياناً الذي يَعتبر المطالبة بالنماء نوع من الطمع والبذخ غير الضروري، خاصة عندما يدعمون ذلك بتفسير خاطيء او مُغرِض للنصوص الدينية.

وكان العراق تحت حكم الريف والقرية منذ الستينيات عندما وصل العسكريون للسلطة وأخذوا يجمعون الموالين من الاقارب وابناء القبيلة حولهم لضمان الولاء وخوفاً من الانقلابات، بعد ان اختفت مؤسسات التداول السلمي والديمقراطي للسلطة.

اذا لم يكن هنالك مؤسسات ديمقراطية، فالبديل هو الشخصانية والمزاج والتقدير الشخصي للمواهب والولاءات.

وهنا تكون الموهبة والمهنية اول الضحايا لذلك النهج .. وتتعثر مسيرة التنمية وتكثر الاخطاء ..

جاء الناس الى المدينة في العراق على شكل موجات نازحة واستوطنت هوامش المدن بحثاً عن فرصة افضل للعيش وهرباً من ظروف الريف البائسة التي اهملتها التنمية. لم يأتِ الناس الى المدينة بالتدريج كما حصل في اوربا عندما انخفضت الحاجة للعمل في الريف في مقابل ازدهار الحياة الاقتصادية في المدينة واشتداد الحاجة للأيدي العاملة .

لدينا جاؤوا الى حواشي المدن وهم يحملون قيمهم القديمة التي طغت على بدايات القيم المدنية المبكرة في المدينة وأزاحوها.. وازداد الأمر سوءاً عندما استولى ابناء الريف على السلطة.. وهنا اصبحت الأمور كما يعرف الجميع.. عند الازمات تستدعي سلطة ابناء الريف، كل قيم ومشاعر العصبية الريفية وتحيط نفسها بابناء القبيلة والمنطقة مفرطةً بكل الكفاءات المدنية .. بذلك ضاع حلم التنمية..

من يحتج بان ابناء الريف قاموا ببناء طريق او مصنع فاشل (بغض النظر عن الدعاية الحكومية، فأن الاغلبية الساحقة من مصانعها خاسرة وغير مجدية وتعمل بالدعم الحكومي او احتكار السوق من خلال منع استيراد المنتجات المشابهة) او بناية، اقول لهم هذه ليست التنمية الشاملة والمستدامة التي هدفها ووسيلتها الانسان .

في المقالة السابقة التي تتحدث عن اسباب عدم امتلاكنا حياة سعيدة، اشرت الى عدد من الممارسات التي افسدت حياتنا والتي هي امتداد لحياة وقيم وممارسات الريف.

 

د. صلاح حزام

 

 

علاء اللاميلنبدأ بالتفريق بين الأرقام والأعداد: فالأرقام ليست أعداداً وإنما هي أشكال تكتب بها رموز الأعداد، فنقول؛ عدد هؤلاء الرجال عشرة. ونقول؛ الرقم عشرة مؤلف من رقمين هما 1 و0.

استعمل العرب القدماء الخط المسند وحساب الجُمَّل؛ وهو تسجيل الأرقام والتواريخ باستخدام حروف أبجدية، إذ يعطى كل حرف رقماً معيناً يدل عليه. فحرف الألف يقابل أو يعني الرقم ١ والباء تقابل الرقم ٢ والجيم ٣ وهكذا حتى نصل إلى الحرف غين وتقابل الرقم ...١

وفي العصر العباسي ومع اتساع الفتوحات طور العرب سلسلتين أو نوعين من الأرقام هما:

1- الأرقام الشرقية وتسمى أحيانا "الهوائية" ذات الأصل الهندي وهي تسعة أرقام ترسم بهذه الرموز (١ و٢ و٣ و٤ و٥ و٦ و٧ و٨ و٩) وقد حورها العرب من أشكال هندية عديدة. وقد أخذوها من حركات أصابع الكف في الهواء وأرجح انها اخذت اسمها من هنا، كما في الصورة.

2391 الارقام 1

2- الأرقام الغُبَارِيَّة وسميت بهذا الاسم لأنها كانت تُكتب في بادئ الأمر بالإصبع أو بقلم من البوص على لوحٍ أو منضدةٍ مغطاة بطبقة رقيقة من التراب. وقد صمم العالم المسلم الخوارزمي تلك الأرقام على أساس عدد الزوايا (الحادة أو القائمة) التي يضمها كل رقم. فالرقم واحد يتضمن زاوية واحدة، ورقم اثنان يتضمن زاويتين، والرقم ثلاثة يتضمن ثلاث زوايا ... إلخ.

وعن تاريخ هذه الأرقام نورد هذه الخلاصات من مقالة للكاتب أحمد نانو: كانت البداية في عام 154هـ 771م عندما وفد على بلاط الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور فلكي هندي، ومعه كتاب مشهور في الفلك والرياضيات هو سدهانتا، لمؤلفه براهما جوبتا الذي وضعه في حوالي عام 6هـ 628م واستخدم فيه الأرقام التسعة". وقد أمر الخليفة المنصور بترجمة الكتاب إلى اللغة العربية، وبأن يؤلف كتاب على نهجه يشرح للعرب سير الكواكب، وعهد بهذا العمل إلى الفلكي محمد بن إبراهيم الفزاري. وقد أخذ العرب بهذا الكتاب حتى عصر الخليفة المأمون، إلى أن جاء عام 198هـ 813م واستخدم الخوارزمي الأرقام الهندية في الأزياج الفلكية، وهي قوانين لحساب حركات الكواكب وتعديلها للوقوف على مواضعها.

* ثم نشر الخوارزمي في عام 210هـ 825م رسالة تعرف في اللاتينية باسم Algoritmi de numero Indorum أو الخوارزمي عن الأرقام الهندية. وما لبث لفظ Algoritmi أو الغورزم أن أصبح معناه في أوروبا في العصور الوسطى طريقة حسابية تقوم على النظام العشري. وما يزال اسم الخوارزمي مستعملا كاسم لهذه الطريقة في الحساب حتى اليوم بلفظ قريب هو "لوغاريتم".

2391 الارقام 2

* يعتقد بعض الباحثين هذين النوعين من الأرقام الهوائي والغباري كلاهما من أصل هندي، ويعلل البيروني ذلك بتعدد أشكال الأرقام الهندية تبعا لمناطق بالهند، وربما أخذ العرب نوعين منهما من بين أنواع أخرى. وهذان النوعان هما الأرقام المشرقية التي تسمى الهندية، والأرقام الغبارية التي تسمى العربية، و"هما أول نظام رقمي يصلح لكتابة أي رقم، ويستخدم بسهولة في المعادلات الرياضية والجبر الحسابي الذي ابتكره الخوارزمي".

ويضيف نانو أن "الأرقام الغبارية استعملت في بلاد المغرب العربي ثم انتقلت بعد ذلك إلى الأندلس ثم الدول الأوروبية وتم التعديل عليها لتتوافق مع اللغة اللاتينية وظهرت الأرقام الغربية التي نعرفها الأن "ولم يتمكن الأوروبيون من استعمال هذه الأرقام العربية إلّا بعد انقضاء قرون عديدة من اطلاعهم عليها، وتحديدا في أواخر القرن السادس عشر للميلاد، استغرقت عملية الانتقال من أرقامهم الرومانية المعقدة قروناً طويلة. وفي القرن الثالث عشر الميلادي ألف جون هاليناكس كتاب (Algorismos) أي الحساب الخوارزمي حوالي عام 1250م.

ومن الجدير بالذكر أن الأرقام الغبارية كانت تستخدم حتى عهد قريب في بلاد المغرب والجزائر إلى أن اعتمد العرب بعد ذلك نظام الأرقام الشرقية، حيث كتب بها معظم التراث العربي العلمي، كما أنها تحمل ثمة " تتلاءم مع؟" اللغة العربية من حيث اتجاهها من اليمين إلى اليسار. وربما يفسر لنا هذا السبب بقاء الحروف الهندية وانتشار استعمالها في المشرق العربي حتى اليوم.

ويعتقد أحد الباحثين هو عبد الوهاب جعفري أن أصل الأرقام العربية ليس عربيا بل هو أمازيغي أخذه العرب لاحقا من الأمازيغ؛ فيكتب "يعود أول ظهور لها - للأرقام الغبارية - الى بلاد الامازيغ في شمال افريقيا ولم تكن تسمى حينها بالأرقام العربية بل كانت تسمى بالأرقام الغبارية حيث تم تصميم هذه الأرقام بالمغرب الاقصى بفكرة إعطاء كل رقم رمز بعدد الزوايا التي يرمز لها الرقم (1 = زاوية واحدة، 2= زاويتان…) انتشر استخدام هذه الارقام عن طريق الزّوايا الأمازيغية لحاجتها للترقيم في النصوص و الكتب الدينية وبعد رواجها بدأ سكان شمال افريقيا باستعمالها في حياتهم اليومية". ولكن الكاتب لا يقدم أي دليل تاريخي أو آثاري ملموس يؤكد مزعمه هذا؛ فهو تارة يسميها الأرقام الغبارية وتارة الأمازيغية وثالثة المغاربية ويقول "انتشر استخدام هذه الارقام عن طريق الزّوايا الأمازيغية لحاجتها للترقيم" فما المقصود بالزوايا الأمازيغية؟ هل يقصد الزوايا "التكيات" التي يعلم فيها الصبية حفظ القرآن أم الزوايا الهندسية؟ وهل الزوايا القرآنية أو الهندسية هي اختراع أمازيغي، أما أنه يقصد التشابه بين الأرقام الغبارية العربية والحروف في كتابة التيفناغ وهي الأبجدية التي يستخدمها الطوارق والأمازيغ لتدوين لغاتهم، وهذا ما لم يقله صراحة. وتبقى مقالة جعفري هشة ومضطربة ومكتوبة بنزعة قومية مناهضة للعرب الذين يتهمهم بأنهم استغلوا "حضارة الشعوب التي سقطت في ايديهم واستعملوا بما يسمى الحضارة الإسلامية ليصبح في الاخير ابداع وجهد الأعاجم عربيا". وهذا كلام أيديولوجي لا مكان له في لغة البحث العلمي الذي يعتمد الأدلة الملموسة والحسابات الدقيقة وليس الهجاء السياسي القومي سواء كان عروبيا أو أمازيغيا.

خلاصات: 

* الأرقام ليست أعداداً وإنما هي أشكال تكتب بها رموز الأعداد، فنقول؛ عدد هؤلاء الرجال عشرة. ونقول؛ الرقم عشرة مؤلف من رقمين هما 1 و0.

* استعمل العرب القدماء الخط المسند وحساب الجُمَّل؛ وهو تسجيل الأرقام والتواريخ باستخدام حروف أبجدية، إذ يعطى كل حرف رقماً معيناً يدل عليه.

* طور العرب سلسلتين أو نوعين من الأرقام هما:

1-الأرقام الشرقية وتسمى أحيانا "الهوائية" ذات الأصل الهندي وهي تسعة أرقام ترسم بهذه الرموز (١ و٢ و٣ و٤ و٥ و٦ و٧ و٨ و٩).

2- الأرقام الغُبَارِيَّة صممها أو طورها العالم المسلم الخوارزمي تلك الأرقام على أساس عدد الزوايا (الحادة أو القائمة) التي يضمها كل رقم.

* يعتقد بعض الباحثين هذين النوعين من الأرقام كلاهما من أصل هندي، ويعلل البيروني ذلك بتعدد أشكال الأرقام الهندية تبعا لمناطق بالهند.

* الأرقام الغبارية كانت تستخدم حتى عهد قريب في بلاد المغرب والجزائر إلى أن اعتمد العرب بعد ذلك نظام الأرقام الشرقية، حيث كتب بها معظم التراث العربي العلمي، لأنها تتلاءم مع اللغة العربية من حيث اتجاهها من اليمين إلى اليسار. وربما يفسر لنا هذا السبب بقاء الحروف الهندية وانتشار استعمالها في المشرق العربي حتى اليوم.

 

 

علاء اللامي - كاتب عراقي

سامي عبد العالربما تتعذر "ظاهرة الكذب" في مجال السياسة أمام التفسير المباشر، رغم أنَّ أغلب الطرق تؤدي إليها من جانب: أساليب إدارة الدولة ونظامها الحاكم، وتطبيق القوانين والمناصب العامة، وإقامة العدالة والمساواة، وعمل المؤسسات، وسلوك رجال السلطة، وآثار القرارات، والخُطب العامة، والاتهامات السياسية المتناثرة هنا وهناك. فهذا الأشياء جميعاً محفوفة برمال متحركة من الكذب الخفي حول الواقع والمأمول، حول ما هو حادث وما هو باقٍ لم يُحدّد بعد. ولا تستطيع أنت ولا أنا الحكم بأنَّ ما نسمع ونقرأ حقيقيٌ أم لا، وبأية درجة من درجات الصحة سيكون؟!

ذلك لأنَّ الحاصل هو وجوه سياسية يمكن أن تُرسم كصور خارج المألوف. كما أنها صور لممارسات ليست أحادية الصيغة، بل تمتد متسلقة على أذهان مواطنيها كنوع من تكملة الترويج لسياسات معينة. بجانب أن الشفافية المفقودة يجب أن تكون الخلفية العالية التي لا يمكن تجاوزها ولا ينبغي التنازل عنها أمام المتابعين. كل هذا إذا أردنا أن تكون السياسات معلنة على نحو تفاعلي يعود بالمردود الحقيقي على المواطن.

 الرصيد المتخيل

المعنى البعيد أنه نتيجة سلطة الدولة وهيمنتها سيكون الرصيد المتخيل من قوتها أكبر من الفعلي، وبالتالي سيسبب خوفاً لدي المواطنين من بطشها المفترض مع كل فعلٍّ عام. الأمر الذي يولد السؤال المنطقي عندئذ: ما مدى مصداقية هذه الأشياء ارتباطاً بغايات إنسانية واجتماعية أخرى تخص المجتمعات؟ إذ بالإمكان أنْ تنهمك السياسة جميعها في حركة وهمية ويُروج زعماً لنتائجها على النطاق الأوسع. ولاسيما مع تخلف الأنظمة السياسية وتدني ممارساتها وبروز المصالح الفئوية التي تمثل ثقباً أسود للآمال الشعبية المنتظرة.

ومن جهة أخرى لا ينطبق ذلك فقط على الأنظمة الحاكمة التقليدية، بل قد يرتبط الكذب بأنظمة الدول المتطورة كذلك مع تحولات السياسة وممارسة الخطاب العام. فقد قيل عن إدارة دونالد ترامب أنها كانت عبارة عن "تسونامي من الكذب"، آلاف الأكاذيب أطلقها الرئيس الأمريكي الأشقر الفاقع، وربما كان مهووساً بهذه النوعية من الأحاديث التي تضمر وهماً في إهاب الاعلام. وهي أحاديث تأخذ مراسم صارمة في الحديث والإلقاء بحيث يشعر المتابع أنها جادة لدرجة الإدهاش. وإدارة ترامب في حينها كانت تتعامل مع الأكاذيب بقوة الواقع وفرضه على الشعوب الأخرى (كالشعوب العربية) حين اعترف بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل.

فالأكاذيب كانت معدة سلفاً وجيء بها من وراء البحار لتحط فوق أرض (فلسطين) التي بها تراث لاهوتي وسياسي قديم، ثم أطلقت الأكاذيب على الملأ الكوني تحت عيون العدسات الإلكترونية وبكل وسائل الإبهار الممكنة. أليست تلك العملية صناعة فائقة الجودة لصنف من الأكاذيب التاريخية التي أخذت قوة السياسة واستعاراتها؟!

 ولكن إجمالاً لكون الإلحاح من قبل أية سلطة قائمةٍ على ترويج مواقفها والإيمان بها لا يذهب سُدى، فقد تتعلق الصور المرسومة حول " ما يجري " بالوعي كما لو كانت حقيقية. أي تخرج صور الخيال إلى فعل يسعى (كعصى موسى حين انقلبت أمام سحرة فرعون إلى حيّة تسعى). وليس هذا فقط، بل قد تخلق الصور الزائفة إيقاعها الداخلي عوضاً عن التأثيرات على الصعيد الملموس، ثم تحيط نفسها بسياج من " التتابع والتزامن " على مداها البعيد بطريقة نظام اللغة الذي يولد الدلالة ويفهمنا الكلمات والجمل رأسياً وأفقياً.

لو تخيلنا السياسة مادة دسمة للخداع، فهي تشتغل- بالمقام الأول- على الأوهام كإطار تكويني. أي بسبب أننا نصدق الوهم المختلط بأنشطتها ونتحسب له وننخرط فيه أحياناً، ولأننا نجري وراءه طوال الوقت، فإنَّه يستدرجنا نحو مزيدٍ من حرق المراحل دون طائل. فالآمال والحقوق التي يسعى وراءها الإنسان تحترق كالشموع يومياً حتى وإن تحققت في وقتٍ ما. وهو ما يدفعنا لطلب المزيد، فحبال الأكاذيب طويل ويخترق وعينا رغم جميع التدابير الاحترازية التي نتخذها في لحظات الاستفاقة ومن وقت لآخر. إن جرعات الأوهام التي قد تراق يومياً في وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي تشتغل على تحفيز الرغبة ولا تشبعها. وهي جرعات تدرك كيف تحيط بالمواطن دون أن ينال منها أو يبتعد عنها.

ذلك أننا نتقبل ما هو سياسي بضمان آمال منتظرة (مثل الحياة الكريمة وتحقيق العدالة وفرص العمل الأفضل والمساواة وتداول السلطة واحترام التنوع وقيمه الثقافية) تجد نفسها عارية وسط غابة المصالح والذرائع حيث الصراع والتنافس. ودوماً تعول السياسة على هذا الضمان المفترض لدى الخيال الجمعي collective imagination بلا ضمانات، أي ستكون هناك وقائع مفترضة بلا واقعٍ حتى وإن كان الأخير محدوداً جداً ولا يحتمل أفقاً سواه. وبخاصة في مراحل الانتخابات وكطرح البرامج السياسية والخطط المعدة للنهوض بحياة المواطنين.

ليس هذا مدعاةً لنكران الجهد أو لإجهاض الإصرار على بناء المجتمعات والدول والسير في ركب الحضارة، إنما لكشف طرائق العمل التي تدفع السياسة نحو الانحراف. وتحليل لماذا يصدمنا اختياراتنا السياسية كما لو لم تكن هي بذاتها ما نطرحها؟ وكيف يتجسد ما نخشاه من أكاذيب كواقع له قناع الحقيقة وبلاغته المتلونة؟ وهل تعد الأكاذيب أشباحاً لأشياء فعلية أم أنَّها كائنات هلامية تفرز حيلها عبر اللاوعي؟

 قوة الكذب والكهنوت

التفرقة هنا ضرورية بين مقولة " الكذب بوصفه حقيقة "lying as truth وبين "الحقيقة بوصفها كذباً "truth as lying . في الحالة الأولى عادة ما يكون الكذب سلطةً ذاتيةً تلتهم الفرص المتاحة لفرض سطوته محاولاً إقناع المتلقي بأهميته وخاطفاً الوعي نحو ما يزعم. وبالتالي يصبح لدى الكذب مساحة للانتشار وجلب عوائد معنوية أكبر من أنْ تحصى. بكلمات واضحة أنَ الكذب نظراً لوعيه الذاتي المراوغ بفاعليته يندفع لتحقيق وجوده كما لو كان كذلك. ربما أنَّ مجمل تأثيره يكمن في تكريس أشكال الحضور forms of presence طالما لديه القدرة على التكرار. الأفعال السياسية لا تمل من تكرار الوقوع في الأخطاء لتخرج منها (كأنَّ شيئاً لم يكن). وإذا كانت هناك سمة عامة تتمتع بها السياسة فهي عمليات التكرار الزلق نحو انحراف داخلي كنوع من التشوه الذاتي، لأن هناك عوامل كثيرة ومتغيرات مفاجئة على نطاق واسع. فالمجال العام يستحيل التحكم في متغيراته مهما تكن السياسات التي تهيمن عليه.

إذن الكذب كما لو كان حقيقة (كصورة مزيفة false image) يستحوذ على السلطة في هيئة قوة دفع ذاتي، ورغم كونه يستعيرها (أو بالأحرى يجسد استعارتها metaphors)، إلاَّ أنه يعكسها متوحداً بأثرها القوى. وتعبير (كما لو (as if مهم جداً لأن السياسة مشبعة حتى الثمالة بهذا المعنى، وقد لا تُعنى إطلاقا بما وراء كأن هذه، أنها تظل قيد التشبيه، المجاز حتى بالنسبة لفعل إدراكها من المتلقين. والسلطة عندما تجد الكذب مجدياً في غلبة معارضيها وفرض تأثيرها، فإنَّها تظل هاجساً داخله والعكس يصح أيضاً، تحدد حضوره وتستعمله في تحقيق مصالحها. ومن تلك الزاوية ربما لا يسمى أي كذب كذباً بمعناه الأخلاقي، ويصعب بل يستحيل تصنيف أية أفعال وأية خطابات تنتمي إلى تلك الدائرة وأية أشياء تخرج إلى غيرها.

علينا التمييز بين عدة مستويات من الكهنوت الذي يغطي ويخدر الوعي لتمرير الأكاذيب. الكهنوت الديني يفرض سردياته المجازية في شكل تأويلات خاصة بالدين وتاريخه الممتد، وينفخ فيها سلطة مطلقة مطبقاً إياها كلياً بحسب الاعتقاد السائد. والتأويل نوع من المجاز اللغوي لأحدى وجوه النصوص المؤسسة، وإذا كان لن يُقبل من جهة الفهم، بل من زاوية القوة السياسية والاجتماعية التي يحملها، فإن كل تأويل يحاول اقتناص (خلق) قوة تعادل طبيعة الواقع والتغلب عليه. وعليه سيكون التأويل نوعاً من أيديولوجيا الكهنوت في أشكال أخرى، ولن يكون حقيقياً بمعنى الحقيقة المعروفة. فالكذب بالنسبة إليه ليس آتياً من زاوية مخالفته للحقيقة، بل سيأتي انحرافاً في فهم النصوص الدينية واستغلالها وبناء ممارسات وأفعال فوقها تأخذ المعالم نفسها.

 ونتيجة استمرار المنطق ذاته، يغتصب الكهنوت الديني كافة أشكال الحقائق، ويعيد إنتاجها في أنماط مقدسة تخضع لأصحابه بنهاية الأمر. وبالتالي فالمشكلة تكمن في اتساع مفهوم القداسة كشيء مادي، أي يتحول من شعور قوامه الخوف والرهبة لدى المؤمنين إلى كيان عيني يتقمص مؤسسات وأشخاصاً ونصوصاً. وفي محاولة لرد الفعل، سيتحول الكيان المصور هكذا إلى سلطة مطلقة في ذاته. اغلب الظن أنَّ ذلك هو ما يحدد طبيعة المذاهب والجماعات والتنظيمات الدينية. وهو أيضاً يحدد طبيعة التصورات والأفكار، لتكون الأخيرة منطوية على نوع من المجاز غير الحقيقي. ولذلك فإن كل عبارات الجماعات المتطرفة وشعاراتها هي مجرد مجاز يصطاد ضحاياه على مذبح اللغة إذ يؤدي في النهاية إلى الإرهاب. ويجعل من الكلمات تفريغاً عاطفياً قوياُ بموجب الكيان الضخم للعاطفة الدينية التي تجتذب إيمانهم فيما ليس ملموساً.

الكهنوت الاجتماعي قوة تنزع نحو استلاب حرية الأفراد، حيث تفرغ إرادتهم الرافضة والمتمردة على أساليب الضبط والهيمنة. وطالما غدا الإنسان ضعيفاً بلا قدرة على الرفض، فإنه سيعطى نفسه وإرادته للآخرين. يبدأ الكهنوت الاجتماعي بفرض الصمت على سريانه وينتهي بالقتل الرمزي غير المباشر فارضاً مناخاً من الزيف المشترك. وهو يتضخم باستمرار مع حجم قدرة الاستعباد وبث المخاوف وتعميم القهر وإعادة فرض العادات والتقاليد، عندئذ فإن الكذب هو الوسادة الوثيرة التي يريح الفرد عليها عقله وجسده وحياته ومصيره، ويغط في نوم مريح ليسمع أصواته الجانبية كل الآخرين.

إنَّ الكذب فن اجتماعي أصيل إلى درجة الظهور في المجتمعات المقهورة، لكونه أشبه بالمرايا العاكسة لضخامة الأشكال والأوزان وأبعاد العلاقات السائدة. إنّ قوته لا تأتي من تماسك داخلي بقدر ما هو مشبع بمحاولات الهيمنة على الآخر. ولذلك يخاتل الناس بعضهم البعض من خلال الممارسات والطقوس الاجتماعية كأنهم يشاهدون مرايا متقابلة ويمعنون في تضخيم صورها بالتبادل. وبالطبع يتم ذلك عبر مظاهر الثراء والعلاقات الاجتماعية وعلاقات السلطة والتمايز الطبقي والفئوي والمفاضلة في الأعمال وأهميتها.

كلُّ كذب يعالج العلاقة المزدوجة التالية: الامتلاء الأجوف بحضور المعنى من ناحية وقطع المسافة تجاه الشركاء عائداً بردم متخيل للثغرات من ناحية أخرى. والكذب أيضاً نوع من إكسسوارات accessories الحياة الاجتماعية التي تتغير من مرحلةٍ لأخرى، كأنها قيمة مضافة تجلب أرباحاً رمزية طوال الوقت. فمظاهر البذخ والطقوس والمناسبات وما يتعلق بها من إعداد ومغالاة وأعمال إنما هي أكاذيب براقة إلى حد القبول المشترك. والغريب أن يمارسها المحتاجين والفقراء بعض الوقت للحاق النسبي بقطار التسابق الاجتماعي، ورغم انهم داخل نفق شبه مظلم لا أمل يرجى منه غير أنهم يجدون في الكذب واقعاً بديلاً ولو كان مؤقتاً. ولا يتم ذلك بشكل أرادي كامل بل هناك قهر مسلط ومعكوس في تصرفاتهم.

في المجتمعات العربية تمارس سلطة التقاليد دور الكهنوت، ولارتباطها بالموروث الديني فهي تخاتل الأفراد نافذةً إلى جميع أنشطة المجتمع صغيرها وكبيرها. وهي في أساسها قدرة على التظاهر السطحي بما يتوافق مع الشأن العام ويخادعه، ويتناوب فيه لأفراد علاقات برانية دون جوهر. إن الكذب يتسرب حتى في أنماط برانية من الحضور المغلظ اجتماعياً ويرشق نفسه لدى العلاقات والظواهر المحكُّومة بالعادات والمظاهر المترتبة عليها.

 أما الكهنوت السياسي فيستند إلى الكهنوتين السابقين، ففي المجتمعات الأقل تحضراً تستثمر السلطة السياسية الدين والنظام الاجتماعي لتكريس استبدادها وتخلفها. فالحاكم العربي مازال يجلس على كرسي العرش كنصف إله دون رقيب ولا حسيب ولا نقد ولا مساءلة ينبغي توجيهها إليه. وبين ليلة وضحاها يخلق من ذاته اسطورة داخل بزه حداثية وعبر فضائيات ساحرة واجتماعات مهيبة وعبارات رنانة، غير أن عقله في الأخير مجرد صندوق أسود لعمليات الكذب المبرّرة سلفاً بطابع الدين والمجتمع.

الحاكم العربي لا يكذب حرفياً، لكنه يعلم – من مكانة التألُّه والتقديس المزيفين- أنه يعمل لصالح شعبه بكل يقين ممكن!! وأنه يدرك كافة الأشياء النافعة والضارة لهم دون جدال. ولا ينبغي لأي فرد أو جماعة أو حيوان اجتماعي حتى مراجعته ولا معرفة ماذا فعل ولا ماذا سيفعل في المستقبل، كل شيء كان يتم وسيتم بتكتم شديد انتظاراً لإعلان النتائج على الملأ دون أدنى اعتبار للشعوب. ذلك في غياب مبدأ الشفافية الذي في غيابه يصبح كل شيء مباحاً أو على الأقل غير حقيقي.

 ومن أسف ٍ أن الكذب يعشعش، يبيض، يفرِّخ، يمشي، يطير بتلك الأدمغة الحاكمة التي أكل الصدأ عليها وشرب، والحكام يعلمون سلفاً أنهم لا يقولون الحقائق ولن يقولونها. فكل شيء مبرر في مفاهيم الدول الحديثة لدينا: الاعتقال و الأقصاء والملاحقات الأمنية والقتل والمحاكمات غير العادلة لأجل الحفاظ على هيبة الدولة، وهناك سياسات الإفقار بدعوى انتشال الناس من المرحلة الحرجة، فضلاً الاستبداد والديكتاتورية لكيلا ينفذ أعداء الوطن إلى مواقع المسئولية. كل هذا متاح بينما لا تعرف الخطط وبرامج التنمية إلاَّ بعد فشلها دون غربلة ودراسات جدوى وتنقية الآثار الجانبية.

هذه الأوضاع السياسية التي تمر بها جميع دول العرب تقريباً هي بيئة خصبة جداً لاعتبار الأكاذيب حقائق، أوضاع هي بيولوجيا السلطة لنشأة واستفحال فيروسات الكذب، فمجتمع الاستبداد والعبودية يمثل حاضنة رئيسة للكذب وتجسيده في هيئة مسئولين ومؤسسات لممارسة التضليل الاعلامي وطقوس التصديق المجاني. وإذا كانت بعض النصوص والسرديات الدينية وقعت فريسة للتحريف والتزييف في إطار ظروف سياسية واجتماعية، أفلا تكون الدساتير والقوانين مجرد أكاذيب مقننة في إطار شعائر السلطة. ثم حال التطبيق لا تلوى على أي شيء في أرض الحياة. وعلى الأقل تمثل (معلقات قانونية) على جدران مجتمعات محرومة من أبسط حقوقها الإنسانية.

أمَّا مقولة " الحقيقية بوصفها كذباً "... فوراء تلك العبارة يوجد انكشاف وافتضاح لأمرها قائمان على الإنكار والوعي الناقد ومراجعة التاريخ واستعمال العقل استعمالاً صارماً. وفي تاريخ الثقافة العربية هناك من الأفكار والطقوس والنصوص التي تتعرى تدريجياً. ويتضح أن هالة القداسة التي تغلفها كانت محض صناعة سياسية واجتماعية، فالكهنوتان الديني والسياسي ارتكبا حماقات لا تغتفر في إشعال الحروب بين الطوائف والملل والنحل والمذاهب وصولاً إلى موجات الإرهاب والتطرف المعاصرين. فالإرهاب أثبت أن الأكاذيب بمعناها التأويلي والمجازي بإمكانها أن تدمر الحياة وتقتل الإنسان. فالكذب ليس لغويا من خلال الخطب الصوتية، لكنه تراكم كراهية تجاه المخالفين وتجاه المجتمع ككل.

 القفز على الواقع

إنَّ الكذب في تاريخ الإسلام السياسي لا ينتهي، فهو فجأة يقفز على أرض الواقع (خريطة الأحداث) فيصبح أشد شراسةً من الكوارث المدمرة. فالإخوان على سبيل المثال كانوا بالأمس القريب ومازالوا يفرضون جماعتهم نفسها كحقيقة بناء على مدونات فقهاء العنف والدم والجهاد والنحر، ولا تفرق أدبياتهم بين الاعتداء على بشر وحيوان أو شجر. وأخذ المتطرفون الحركيون يتعاملون مع سياستهم الشرعية كامتداد لدولة الرسول مع أنه محض تزييف إعادة اختراع اخواني أو سلفي للخلافة التي لم تتجاوز مساحة ضئيلة جداً من عمر الإسلام المبكر.

وهي المرحلة ما لم تخضع للنقد والفحص التاريخيين على نحو تفصيلي: كيف ولدت الخلافة، وماذا عن الأحوال التي آلت إليها؟ ولماذا كانت الخلافة ولم تكن سواها؟ وكيف حكم الخلفاء الأوائل كبشر خطَّاءين مثل كل البشر كما يقول التاريخ؟ وما طبيعة الصراع السياسي والاجتماعي الدائر بينهم؟ وكيف أنتجوا نصوصاً واتفاقيات وتصورات مازالت عالقة بالإسلام حتى الآن؟ بل كيف ظل الإسلام نفسه كدين كوني (كرسالة للعالمين) متعلقاً بالمحددات البيئية التي انتجتها الخلافة؟!

ما ينطبق على الإسلام السياسي ينطبق على مفاهيم الدولة العربية الحديثة، تلك التي ظهرت بعد الاستعمار حيث فرضت وجودها ككيان معنوي حداثي بينما هي مختلطة (حتى الغرق) بتصورات بدائية وقبيلة ولاهوتية وعائلية وأخيراً وظيفية. لكونها كمفهوم حداثي (شخصية اعتبارية) لا تجد ماصدقاً بلغة المنطق (شخصية عينية) على الخريطة الفعلية من الأحداث والتطورات. إذن الحقائق تقول هناك جثة مادية مترهلة اسمها الدولة، غير أنَّها بلا روح تقتات على نتاج الأكاذيب والاستعارات التي تتولد في عقول مواطنيها. والصراع الدائر الآن (منذ ما قبل الربيع العربي وبعده) هو نتيجة الصراع بين الاستعارات السياسية التي تتطاحن داخل كل مؤسسة حاكمة وداخل كل قصر رئاسي وكل قرار يتخذه حاكم ناقضاً أسس دولته الملقاة بإحدى زوايا التاريخ.

هناك سؤال بسيط جداً ينبغي لكل مواطن عربي أنْ يطرحه: هل حاكم دولته أو ملكها أو أميرها أو سلطانها حاكم يتسق مع مفهوم الدولة أم أنَّه أي شيء آخر إلاَّ أن يكون ذلك؟ ماذا يكون بالضبط، هل هو شيخ قبيلة أم كبير عائلة أم قاطع طريق أم زعيم عصابة أم فَتَّاء في جميع القضايا بمنطق الإفتاء الديني؟ لماذا تجتمع كل تلك الرؤوس المشوهة في رأسه ككائن خرافي تسلل إلينا خلسة من التاريخ الغابر؟ هل مازالت تلك الحفريات السياسية موجودة وسارية؟

 مهما تكن الإجابات التي يجب الكد بحثاً عن صياغتها، فالواقع يحتاج فهما بمزيد من التدقيق ومطاردة الاكاذيب. نحن في أمس الحاجة إلى ابتكار وسائل ثقافية وفكرية لصيد الأكاذيب كصيد الفئران. ليست تكفي كل أجهزة " كشف الكذب" عندما يكون الأخير مسكوتاً عنه نفاقاً وتزلفاً، لكن الوعي الناقد والحر يبقى هو الغربال الذي يتجنه رجال السياسة. ولا يتحقق هذا الوعي إلاَّ بتحرير العقل من هيمنة القوى المتسلطة على الفكر.

وبخاصة أنَّ تلك القوى لا تأتي إلينا عارية واضحة كوضوح النهار، بل على العكس هي تتسلل خفية إلى كل أنشطة الحياة ولا تترك شاردة ولا واردة دون استثمارها لفرض وجودها. حتى أنها قد تتحول إلى شفرات أحيانا، فالكذب لا يُرى عادةً، لكنه يُحس كالغريزة الكامنة في تضاعيف الحياة، ومن ثم علينا أن نقاومه تفصيلياً وتشريحياً بالطريقة ذاتها. شريطة أن تكون السياسة انفتاحاً حُراً يثري التنوع في المجتمعات الإنسانية على أسس الشفافية والاختلاف والحوار وتداول السلطة. فالسياسات ليست فنونا للممكن إلاَّ من حيث كونها فنوناً لإمكانية التحقق لا فرض الكذب فرضاً لدرجة التوهم.

 

سامي عبد العال

 

 

حاتم حميد محسنان التغيرات التكنلوجية هزت حياة الناس بالصميم مع حلول الثورة الصناعية الرابعة التي حوّلت الاقتصاديات بشكل لم يسبق له مثيل. السرعة غير المسبوقة للتغيير، بالاضافة الى اتساع وعمق العديد من التغيرات الراديكالية التي اُطلق لها العنان بفعل الرقمية الجديدة، والروبوت، والتكنلوجيا الثلاثية الأبعاد،كان لها تأثيرات هائلة على ما ننتج ونعمل، وعلى كيفية  وأين نعمل وحتى على الطريقة التي نحصل بها على رزقنا . وبينما يجري التحول بشكل مختلف في الدول المتقدمة والنامية ،لكن لا بلد او سوق سينجو من موجة التغيير.

لكي نثمن التغييرات الحاصلة أمامنا،هناك مظهران توضيحيان مترابطان للاقتصاد هما النمو والانتاجية من جهة، والعمالة او الاستخدام من جهة اخرى. وكما يشير منتدى الاقتصاد العالمي في تقريره السنوي،  ان الانتاجية هي العامل المقرر الأهم للنمو الطويل الأجل. مع ذلك، لاحظنا ان نمو الانتاجية في العالم أصابه الركود، خاصة منذ الكساد الكبير، وهو ما أثار السؤال عن قدرتنا على توفير مستويات معيشة مرتفعة لمواطني العالم. وبينما يكثر الجدل حول ما الذي  يدفع الانتاجية نحو الركود، يبرز سؤال هام هو كيف ستقود الثورة الصناعية الرابعة الانتاجية في السنوات القادمة.

نظريا، تطبيق تكنلوجيات جديدة على المشاكل القائمة يجب ان يحسّن الفاعلية ومن ثم الانتاجية. الابتكارات التكنلوجية تميل لرفع انتاجية العمل عبر السماح لقوة العمل القائمة بعمل الكثير بموارد أقل، وذلك عبر استبدال العمال الموجودين بتكنلوجيا (مع سلبيات واضحة سنشير اليها لاحقا)،الامر الذي يبشّر ايضا بمنتجات جديدة وعمليات تفتح مصادر جديدة للنمو.

تكنلوجيا الألعاب ام تكنلوجيا طوباوية؟

لازال هناك المزيد من النقاش حول الحجم المحتمل للتأثير. فمن جهة، الخبراء مثل روبرت غوردن من جامعة الشمال الغربي يعتقد ان المساهمات الأكثر اهمية للثورة الرقمية قد حصلت سلفا، وان تأثير الثورة التكنلوجية الحالية على الانتاجية قد انتهى تقريبا. وهذا سيكون مزعجا حقا، خاصة في ضوء التباطؤ الاقتصادي الحالي. ومن جهة اخرى، "متفائلو التكنلوجيا" مثل ايرك شميدت، رئيس مجلس ادارة غوغل، يعتقد ان العالم وصل نقطة الانحراف وسوف يشهد فورا نموا أسرع وصعودا هائلا في الانتاجية.

هذه الرؤى المختلفة تحصل لأن تأثير التكنلوجيا يصعب قياسه. و رجوعا الى عام 1987، ذكر الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل روبرت سلو: "انت تستطيع رؤية عصر الكومبيوتر في كل مكان الاّ في احصائيات الانتاجية".

المشكلة مع موقع Airbnb والناتج المحلي الاجمالي

بصرف النظر عن التأثير الدقيق للقياسات التقليدية للانتاجية والنمو، فان عدم كفاية القياس هو مشكلة بحد ذاته. موقع Airbnb الخاص بتأجير المساكن والشقق السكنية  يوفر بوضوح فاعلية ومكاسب انتاجية كبيرة. مع ذلك، العديد من منافع هذه الفعاليات الجديدة لم تُحتسب ضمن حسابات الناتج المحلي الاجمالي، بنفس الطريقة التي يتم تجاهل بها العمل المنزلي الخاص ورعاية الاطفال. بكلمة اخرى، نحن باستمرار ننتج ونستهلك قيمة اكثر مما تقيسه مؤشراتنا الاقتصادية. هذا يشير الى اننا نحتاج الى طريقة جديدة لقياس مخرجات الانتاجية، طالما لا نحسب بدقة القيمة التي اُنتجت للاقتصاد.

هذا يمكن رؤيته كجزء و كحزمة من نقاش لـ "ما وراء الناتج المحلي الاجمالي"، الذي يرى ان الناتج المحلي الاجمالي هو ببساطة ليس قياسا كافيا للتقدم الاجتماعي. سيكون مهما بالذات مراجعة النمو التقليدي لأرقام الانتاجية، لأن معظم هذه الانتاجية الجديدة سوف تُنجز بطريقة تجعل عالمنا اكثر قابلية للديمومة البيئية. في الحقيقة اننا في ظل ما يُرمز اليه بـ  "الاقتصاد التشاركي" الجديد يكون فيه العمل من أجل افضل استعمال للمنتجات الموجودة بدلا من مجرد انتاج "مواد" اكثر، والتي مع انها جيدة لإحصائيات الناتج المحلي الاجمالي لكنها ليست جيدة للكوكب.

ماذا يحدث عندما تتحول الروبوتات الى ذوي ياقات بيضاء؟

مع ان النقاش حول الانتاجية والقياس يبقى نظريا نوعا ما، لكن الشيء الاكثر اهمية هو التأثير المحتمل على مكاسب العمالة والاستخدام. طوال العصور،استبدلت التكنلوجيا الجهد الانساني والذي مع انه جيد لنمو الانتاجية (كما ذكر اعلاه) والنمو الكلي، لكنه مدمر للعمال الذين يفقدون وظائفهم. هذا لم يعد يتعلق فقط  بوظائف المصنع النمطية المتكررة، لأن الحوسبة الجديدة وتكنلوجيا الروبوت حاليا تهدد العديد من المهن التي بدت كأنها "منطقة آمنة" مثل المحاسبين وسائقي التاكسي و المساعدين القانونيين. ومع سرعة واتساع التغيرات التي انطلقت الآن، فمن الواضح ان التكنلوجيات الجديدة سوف تغير دراماتيكيا طبيعة العمل في جميع الصناعات والمهن. وعندما تحل الأتمتة محل قوة العمل في انتاج البضائع والخدمات الحالية، فان السؤال الاساسي هو كم من الوقت سيأخذ هذا والى أي مدى سيذهب. دراسة حديثة قدرت ان 47% من العمالة الكلية في الولايات المتحدة هي في خطر خلال العقد او العقدين القادمين.

كان من المألوف دائما ان الابتكارات التكنلوجية تحطم بعض الوظائف وتستبدلها بوظائف اخرى، في فعاليات مختلفة وربما في اماكن مختلفة. ومع تصاعد سرعة الابتكارات التكنلوجية ، يمكن للمرء توقّع ان الفعاليات القليلة المهارة ستُستبدل بشكل تصاعدي بمهام تتطلب ابداعية وذكاء اجتماعي. ومع الفصل المتصاعد لوظائف السوق الى "وظائف قليلة المهارة وقليلة الأجر" و "عالية المهارة وعالية الأجر"، فان التوترات الاجتماعية ستزداد حتما.

نحن لاحظنا سلفا زيادة في اللامساواة ضمن مجموعة دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، وفي مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي وهو  مؤشر للمدى الذي تكبح فيه هذه اللامساواة النمو والتنمية.

المدرسة، العمل، التقاعد، برنامج حوافز التقاعد RIP

بما ان الاضطراب سيكون كبيرا و التحول بين الوظائف الجديدة والقديمة سيأخذ وقتا، يبقى السؤال الرئيسي هو ماذا نعمل لتسريع المزيد من المحصلات الايجابية وانجاز أحسن ادارة لتلك الوظائف التي علقت في مرحلة التحول. في البيئة العاملة التي تتطور بسرعة، تصبح دائما المقدرة على توقّع متطلبات المستقبل من حيث المعرفة والمهارات الضرورية للتكيّف حاسمة . جميع أصحاب المصلحة في الشركات والحكومة والمجتمع والافراد  يجب ان يعملوا مع بعضهم لتغيير التعليم وأنظمة التدريب التي يمكنها باستمرار إعادة المهارات وتعليم مهارات جديدة  للعمال. النموذج التقليدي للمدرسة – العمل – التقاعد سوف لن يعمل كما ينبغي، خاصة عندما ندخل في عصر يكون فيه التخلي عن الوظائف أسرع من خلق وظائف جديدة.

هل الدول النامية تقفز الى الامام ام تُترك الى الخلف؟

من المهم التفكير في مايعنيه هذا  للدول النامية. في ضوء العديد من المراحل السابقة  للثورة الصناعية التي لم تصل بعد للعديد من مواطني العالم (الذين لازالوا ليس لديهم كهرباء او تراكتورات وغيرها)، فان الثورة الصناعية الرابعة تحدد اساسا طبيعة المتحول في الاقتصاديات المتقدمة (والى حد ما الدخل المتوسط).

في العقود الاخيرة،رغم ان هناك زيادة في اللامساواة ضمن الدول، لكن هذه اللامساواة عبر الدول انخفضت بشكل كبير عندما بدأت الدول النامية اللحاق. هل تخاطر هذه الدول  في السير عكس مسيرة اللحاق مع تأثير ذلك بالنسبة للدخل والمهارات والبنية التحتية والتمويل؟ ام ان هذه التكنلوجيات والتغيرات السريعة ممكن إتقانها لغرض التنمية وتحقيق لحاق أسرع من خلال القفز السريع او حرق المراحل؟

الانسان الاقتصادي The homo economicus

من الصعب الاجابة على هذه الاسئلة  لكنها سوف تتطلب تفكيرا هاما لأن الاقتصاديات المتقدمة تتعامل مع تحدياتها الخاصة.انها ليست فقط مهمة اخلاقيا لضمان ان مساحات من العالم لم تُترك في الخلف، بل انها تشكل  مخاطرة للاستقرار العالمي من خلال سيناريوهات مثل اللامساواة العالمية، تدفق المهاجرين، وحتى علاقات جيوسياسية وأمن.

في النهاية، الدول النامية لديها أعظم فجوة للاغلاق، ولكن يمكنها ايضا الاستفادة من التعلّم من أخطاء الاقتصاديات المتقدمة،  والقفز الى مزيد من المستقبل المزدهر المعزز تكنلوجيا. ان نجاح الانسان الاقتصادي في الغد  بالتأكيد سوف يكون مختلفا عن اليوم، هو سوف يكون ذو ابداعية عالية ومتكيفة، سوف يمتلك عدة وظائف اثناء حياته، و سوف يكون غير منزعج  ليمتلك او يسوق السيارة الى العمل ان كان لديه مكتب يذهب اليه. سوف يعيش في عالم يكون قد تغير بعمق بأربع ثورات صناعية.

 

حاتم حميد محسن

 

محمد الربيعي "ليس الجهل، لكن الجهل بالجهل هو موت المعرفة" - ألفريد نورث وايتهيد.

هذا النوع من الأمية يهددنا جميعا. إنها ليست الأمية التقليدية بمفهومها المتعارف عليه حيث لا يستطيع الشخص القراءة والكتابة. اننا نعيش اليوم تحت تأثير خطير من هذا الشكل الجديد من الأمية. وفقا للمفهوم المتعارف، "يُعامل الشخص البالغ من العمر سبعة أعوام فما فوق، والقادر على القراءة والكتابة بفهم بأي لغة، على أنه متعلم"، الا اننا نشهد الآن شكلاً من أشكال الأمية يتسلل إلى أولئك المتعلمين. اليوم، تحت تأثير العولمة "العالم قرية صغيرة" والتقنيات الرقمية والثقافة البصرية السائدة، يبدو اننا نقرأ (ونرى) بفهم أقل؟ هذا الشكل الجديد من الأمية له علاقة بنواقص معينة في الفهم. القراءة أكثر من مجرد رؤية الكلمات او حفضها. انها امر يتعلق بفهم الكلمات، حول اكتشاف وبناء المعنى حيث انه لا يتم جمع معنى الكلمات التي نقرأها من القواميس وحدها. اننا نحتاج الى الفهم لإدارة مهام الحياة اليومية التي تتطلب مهارات قراءة تتجاوز المستوى الأساسي بحيث تمكننا من المشاركة في جميع الأنشطة التي تتطلب معرفة القراءة والكتابة من أجل الأداء الفعال للمجتمع وأيضاً لتمكيننا من الاستمرار في استخدام القراءة والكتابة من أجل تطويرنا الشخصي وتطوير مجتمعنا.

ربما تكون الامية المقنعة أخطر أنواع الأمية وأكثرها تدميرا. لقد ذكرت في مستهل سؤالك مصطلحات كالامية الاكاديمية العلمية والامية المنهجية الفكرية والامية التقنية والامية الثقافية، وهي التي لا نمتلك فهم وإدراك جيدان للمشاكل المرتبطة بهذه الأنواع من الأمية. فإذا ما لاحظت أفرادا أميين غير متعلمين واميين وظيفيا، فأنت على دراية بالإحباط وخيبة الأمل الناجمة عن افتقارهم إلى معرفة القراءة والكتابة. هؤلاء الأفراد يدركون مشكلتهم وكثيرا ما يعزون فشلهم الى هذه المشكلة وهذا ما يعرف ويعترف المجتمع بها. ومع ذلك، هناك نوع آخر من الأميين وهم الافراد الذين يمكن أن يكونوا خطيرين ومدمرين بسبب نوع الأمية لديهم وهي ما اسميتها بالامية المقنعة وانا احب بتسميتها بالامية المختبئة ومن يتصف بها اسميه بالامي المختبئ. التسمية ليست بالمهمة وما يهم هو ان الأميين المقنعين يجهلون أميتهم. أميتهم مخفية عن أنفسهم. ولأنه لم يتم التعرف عليهم مطلقا فهم مخفيين عن الآخرين أيضا. الأميين االمقنعين يجهلون جهلهم. لا يعرفون أنهم لا يعرفون. إنهم لا يفهمون تماما المعلومات والأفكار التي يتم تلقيها أو دراستها أو تطبيقها ولا يدركون أنهم لا يفهمون. تقوم أفعالهم ومشاعرهم ومعتقداتهم على افتراضاتهم وأفكارهم ومفاهيمهم الخاطئة غير المعروفة. يمكن أن تتراوح مشاكل ونتائج كونك أميا خفيا من الهزل إلى الكارثة.

من هو الامي المقنع؟ هناك مثالين مختلقين عن الامي المقنع، الأول هو الفرد الذي يعاني من اضطراب في منهجية التفكير من ناحية، وقصور الفكر الجدلي من ناحية ثانية مما يجعله غير قادرا على الفهم بنوع من العجز يدفعه أحيانا الى اطلاق الاحكام المسبقة والاراء المتسرعة والادعاء بالقدرة على حل المشاكل دون ان يجشم نفسه عناء الجهد الفكري لتحليل الواقع وفهمه. والمثال الثاني يكمن في الجهل الوظيفي كموظف المكتب الذي لا يعرف الأنظمة واللوائح التي تحدد وظيفته ولا يعرف واجباته، او الطبيب الذي يصف لك عدد من الوصفات لا علاقة لاي منها بمرضك، او الميكانيكي الذي "أصلح" سيارتك ثلاث مرات لنفس المشكلة.

تظهر المشاكل التي تسببها الأمية المقنعة في القوانين التي لم تدرس مضامينها، او المنتجات التي لم تكتمل صناعتها، او الوظائف سيئة الأداء، او "الثقافة" الضارة. نحن بحاجة إلى مواجهة الحقيقة الصارخة المتمثلة في أن المشكلات التي غالبا ما توصف بأنها مشكلات "الإنتاج" أو "الجودة" أو حتى مشكلات "القهر والتسلط" قد تكون في الواقع مشكلات تعليمية. علامة التعليم الحقيقي هي القدرة على تكوين افراد متعلمين ومثقفين وإنتاج منتجات عالية الجودة بكميات كبيرة. الأمية المقنعة تمنع الإنتاج الجيد مهما كان مجال العمل، وهي كنتيجة لفقدان التعليم الحقيقي الذي يمكنها ان تؤدي الى حظر تدفق الأفكار في أي مجال تعليمي بطريقة تؤدي بدورها إلى قمع المزيد من الفهم والى تكوين افراد يمكن وصفهم بأنهم اميين مقنعين.

لربما من الصعوبة تصور وجود أساليب فاعلة لمكافحة هذه الظاهرة في ظل الانتشار السريع لوسائل الاتصال والحسابات الشخصية وصفحات التواصل التي حولت المثقف والمتعلم الى ممارسين لهواياتهم عبر الرسائل الفيسبوكية والتغريد وانغمارهم في حوارات وهمية وقضايا عامة، بالإضافة الى انتشار الفساد الإداري والمالي والذي يؤدي الى استغلال الموظف لموقعه وصلاحياته للحصول على مكاسب ومنافع غير مشروعة وبدون الحاجة الى بذل جهود إضافية للتعلم واكتساب المعرفة والخبرة. مع ذلك، يكمن أسلوب طويل المدى لايقاف انتشار الظاهرة في التعليم المستمر مدى الحياة والذي يهدف الى الحصول على خبرات تعليمية دون ربطها بعمر محدد او فترة زمنية معينة او مرحلة دراسية ويزيد من الثقة الشخصية عند الفرد ويشجع على تعزيز دور المشاركة الاجتماعية عنده، بالإضافة الى بناء الشخصية المتكاملة وتفعيل الفعل الثقافي الجاد والمستنير وتشجيع التفكير النقدي في المدارس والجامعات والذي يساعد في تعزيز قدرة الدماغ على التحليل المنطقي، من خلال دعم مهارات الافراد الشخصية المرتبطة بالفهم.

 

محمد الربيعي

.....................

* من حوار شامل حول التعليم نشرفي مجلة "الثقافة الجديدة" عدد: 419-420 اذار 2021.

 

 

تمت الإجابة على السؤال المطروح في الحلقات المتقدمة، من قبل: ا. د. محمد مسلم جمعة، ا. نور الدين علوش، ود. محمد عبده أبو العلا، د. علي رسول الربيعي، ود. أيمنة بن عودة، وا. محمد رياض الدقداقي، وأدناه جواب الدكتور نبيل ياسين:

أما السؤال: هل يمكنكم تقديم تسويغ لأيً من هذه النماذج كنظام دستوري يمكن أن يكون حلًا حيًاديًا أفضل أو معالجة دستورية تجدونها مناسبة للعلاقة بين الدولة والدين أو حتى نقدًا لكافة هذه الدساتير؟ (النماذج مذكورة في الحلقة الاولى على الرابط أدناه)

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_users&id=5889&lang=ar&view=articles

د. علي رسول الربيعي

.................................

نبيل ياسينجواب  نبيل ياسين عن سؤال الدستور

ماذا يفعل الدستور؟

ما يفعله الدستور عمليا، باحتوائه على قوانين اساسية، هو فصل الاستبداد عن الدولة. وبما ان الاستبداد ارتبط بالدين وفوّض نفسه الحكم المطلق باسم الاله، فقد كان فصل الدين عن الدولة، عمليا، هو فصل الاستبداد عن الحكم دستوريا.

لقد تحولت العلمانية تحولات تاريخية متراكمة . بالدساتير كانت تقلص من صلاحيات الملوك والأباطرة عبر حوادث ووقائع انتجت قوانين ومواد دستورية فعالة وحاكمة. فالدستور يحكم من خلال الرجال الذين اخترعوه ليلتزموا به.

واذا كانت (الشريعة) بمفهومها التاريخي سلاح التحالف بين رجال السلطة ورجال الدين الذي تم استخدامه تعسفيا، فان الدستور هو قانون الدولة الخاضع للمراقبة القضائية والبرلمانية وسلطة الرأي العام. انه منظمة تشرف على حل النزاعات سلميا.

وصل الدستور في القرن التاسع عشر الى ان يكون وثيقة اساسية للحكم . نحن نعلم ان عام ١٢١٥ كان عاما تاريخيا في نشأة الدستور حين صدر العهد الاعظم Magna Carta وتضمن مادة اساسية أصبحت سارية  المفعول بقوة، المادة التي تقول انه لايمكن سجن احد بدون محاكمة عادلة . وهي مادة بلغت من الفعالية عام ٢٠٠٤ أعلى مستوى، حين منع القاضي الفدرالي الامريكي، استنادا على هذه المادة، وبعد قرابة ٧٠٠ عام من صدورها، استمرار سجن  المقاتلين الذين القي القبض عليهم في أفغانستان في سجن غوانتينامو بدون محاكمة. كما رفض رئيس القضاة البريطاني عام ٢٠٠٧، بعد ان ضربت لندن موجة تفجيرات، طلب الحكومة تمديد فترة اعتقال المشتبه بهم لمدة ٧٢ ساعة، استنادا على مادة العهد الأعظم.

اكتب عن الدستور منذ ربع قرن . ولا اريد تكرار ما كتبته وكتبه الاخرون، فالدستور لايعني شيئا،بدون توفير العناصر الضامنة له، والتي تحميه. هذه العناصر تكمن في توفير  قضاء عادل وقوي، ورأي عام فعال، وصحافة قوية ومستقلة  كما هي الصحافة في فرنسا في القرن التاسع عشر. اذ يعتبر المؤرخ الفرنسي للدولة جاك دوفابر  فابر في كتابه ( الدولة) ان القرن التاسع عشر كان قرن حرية الصحافة في فرنسا. ويتعطل الدستور أيضا بدون وجود  مجتمع مدني فعال لايتخلى عن مجاله المدني للمجتمع السياسي كما يكتب منظر الديمقراطية الحديثة آلان تورين في كتابه ( مالديمقراطية) . فالدول الديكتاتورية أيضا تملك وثيقة  اسمها الدستور، وهي تنص غالبا على ماتضمنته الدساتير الديمقراطية في اوروبا، على الحريات وسيادة  القانون، وان السلطة مستمدة من الشعب. كما تنص على فصل السلطات والمساواة وتكافؤ الفرص وحرية الصحافة والمباديء الاخرى للديمقراطية . ولكن لاقيمة للدستور اذا بقي وثيقة غير محمية . فتعريف السلطة وتسويغها  مثلا، وهو ما يتضمنه أي دستور، لا يتحقق في النظام الجمهوري الذي تقوده طغم مدنية او عسكرية او قبلية او حزبية . كما ان الرأي العام، الذي يعرّفه الدستور بحقوقه وما ينتظره من السلطة لاينال من هذه الحقوق الدستورية شيئا، حيث يتسيد الاستبداد في ظل وثيقة دستورية تنص على تبادل سلمي للسلطة وعلى العدالة والمساواة وتوزيع السلطة وفصل السلطات ومنها فصل سلطة الدين على القوانين وحياة المواطنين، اذ ان فصل السلطات في الدستور الديمقراطي طال سلطة الدين على الدولة  ايضا، وهو ما سمح للعلمانية ان تقود فصل السلطات فصلا واقعيا ومتحققا  ليمارس الدين سلطته على المؤمنين به في البيت او دور العبادة لتكون الدولة ملكا لجميع المواطنين دون تمييز.

الهدف من الدستور، حسب فقهاء الدستور، هو اقامة  نظام عقلاني مستقر يتطور على ضوء الحاجات الواقعية وتجنب العنف والانقلابات التي تنسف استقرار الدولة، ويعزز من استقرار الدولة وفق مبدأ سيادة الشعب عبر الانتخاب العام،ويتجنب الانقلابات والاضطرابات من خلال اخضاع جميع القوانين والقرارات للنقد والمناقشة .

ان معظم الدساتير الحديثة، كما يؤكد دوفابر، تنطوي على بيان لحقوق الانسان والمواطن والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.  وهذه الحقوق الدستورية تعززت بالاعلان العالمي لحقوق الانسان عام ١٩٤٨، وبصكوك فيينا عام ١٩٦٦  بعد ان بدأت في لوائح الحقوق في بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا منذ وقت مبكرنسبيا من تطور الحداثة السياسية  حين صدرت وثيقة الحقوق في بريطانيا عام ١٦٨٩ وتضمنت النص  على إن حق الملك في التاج مستمد من الشعب الممثل في البرلمان وليس من الله. كما نصت الوثبقة على حرمان الملك من الغاء القوانين او وقف تنفيذها او اصدار قوانين جديدة الا بموافقة البرلمان، وهو ما طالب به البرلمان في عهد المستبد الملك تشارلز وادى الى اعدامه . لقد تم نزع الالوهية عن الملوك وانهار حكمهم المطلق وظهر الدستور. اصبح الدستور هو الذي يحكم الملك بعد ان كان الملك يحكم ا باسم ا لله ويتعسف باعتباره مفوضا من الله.

الدستور هو (الكائن) المحصن بصلاحيات الفصل بين السلطات، وبتكريس سيادة القانون، كما في إنكلترا. فأحد مبادئ الدستور البريطاني هو انه يطبق من خلال سيادة القانون. أي حكم القانون  كما يكتب Sydney D .Bally  في كتابه British Parliamentary Democracy .اما المبدأ الدستوري الثاني فهو ان للبرلمان سيادة.

ولكن سيادة البرلمان ليست كافة بحد ذاتها. ففي العقد الثامن من القرن التاسع عشر ظهرت مجموعة من فقهاء الدستور في الولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بعمل السلطة التنفيذية وعلاقته بالدستور، تعتقد ان قوانين الحكومة وجهازها الإداري، الخاضع للدستور، هي قوانين لا حياة فيها، وان ما يبعث فيها الروح هي الهيئات غير الرسمية مثل الرأي العام والأحزاب السياسية، وان هذه الهيئات غير الحكومية هي قلب عملية الحكم، كما يقول Austin Ranney  في كتابه The Governing of Men.

ان الدستور والقانون بحاجة الى وسائل حماية لتطبيقهما . ويؤكد على ذلك الفرنسي آلان تورين في كتابه (مالديمقراطية) على انه لا يجوز للمجتمع المدني (أي الهيئات المستقلة) ان تسمح للمجتمع السياسي  الزحف على مجال عملها غير الرسمي، لأن احد اهم ضمانات حماية وتطبيق الدستور والقانون هي العمل المدني الموازي والمنافس للعمل الحكومي.

واذا قرأنا كتاب دافيد أو. ستيوارت المميز (الرجال الذين اخترعوا الدستور في صيف ١٧٨٧)، والمقصود هنا هو الدستور الأمريكي، سنحظى بمتعة الرواية الأكثر دقة عن اجتماع ونقاشات واشنطون وماديسون ومايسون وويلسون وفرانكلين وهاملتون وجيفرسون وبقية رفاقهم وسنجد ان النزاعات النهرية قبل اكثر من عام على اجتماع هؤلاء الرجال كانت الدوافع الأولى. ولكن بمجرد انعقاد الاجتماعات ظهرت قضايا اكثر حدة مثل العبودية، التي تحولت من قضية اقتصادية الى قضية أخلاقية، وصلاحيات الحكومات المحلية وصلاحيات الكونغرس. أي باختصار ظهر سؤال: كيف تحكم؟

الدستور أيضا،ومن جديد، هو منظمة لحل النزاعات سلميا وتجنب العنف. وهو اعتراف بحقوق المواطن وصلاحية الدستور ليكون الحكم عبر القضاء العادل والمستقل والمحمي هو الآخر بالدستور والرأي العام من خلال شبكة متنوعة من العلاقات والوظائف .

         

 

علي رسول الربيعييُعد مصطلح التعددية أحد المصطلحات الأساسية لنظام عالمي جديد يُلهم تنوع الثقافات وأنظمة المعتقدات والقيم كلاً من البهجة للتعبير البشري والرهبة من الصراع الذي لا يمكن التوفيق فيه. لقد أصبح الاحتجاج بالتعددية دعوة، وحثًا عاجلاً لمواطني العالم على التصالح مع تنوعهم. إن الصراعات بين السنة والشيعة داخل الإسلام أو تلك التي لا تنتهي بين المسيحيين والمسلمين، والهندوس والسيخ، والتأميل والبوذيين، والفظائع المصاحبة التي ترتكب ضد المدنيين الأبرياء، قد أدت إلى إلحاح شديد إلى الضرورة الأخلاقية المتمثلة في الاعتراف بالكرامة الإنسانية للآخر، بغض النظر عن ديانته. والانتماءات العرقية والثقافية.

هذه الحاجة الأخلاقية الملحة للاعتراف بالآخر هي نتيجة ثانوية للتطورات التكنولوجية المتصاعدة في مجال النقل والاتصالات. حتى وقت قريب، كانت الدول تعيش في عزلة نسبية عن بعضها البعض، ولم تكن المواجهات السابقة مع التنوع دائمًا ودية. في الواقع، كما تشير العديد من النزاعات حول العالم، يمكن أن تصبح الصدامات بين الثقافات المتنوعة مصدرًا رئيسيًا لتجريد الآخر من إنسانيته. يسعى كل تقليد، مسلحًا ببراءة اختراعه الممنوحة ذاتيًا عن الوحي الإلهي، إلى السيادة بدلاً من التكيف عند مواجهة عقيدة غريبة.

إن الاعتراف بالتعددية الدينية داخل مجتمع المؤمنين يعد بتعزيز مبدأ الشمولية (التي تشمل الجميع)، والذي من شأنه أن ينصح وينهض بالتوافق، وليس الصراع، بين الادعاءات المتنافسة حول الحقيقة الدينية في المجتمعات غير المتجانسة دينياً وثقافيًا. يجب أن تؤدي هذه الشمولية إلى إحساس بالإمكانيات المتعددة والفريدة من نوعها لإثراء البحث البشري عن الرفاه الروحي والأخلاقي.

هل الوعد بالتدين التعددي، والاعتراف المعزز بالاختلاف الروحي، هو نتيجة غير مقصودة للتقدم بالاعتماد التكنولوجي والاقتصادي المتبادل، مع ظهوره بشكل متزايد وأكثر من أي وقت مضى؟ أم أن هذا الأمل في المصالحة هو جزء قديم من التراث الإنساني، محفوظ في الخطاب الديني الكلاسيكي الذي كان عليه أن يتصالح مع ادعاءات مماثلة ومنافسة للخلاص الحصري فيما يتعلق بكل من الأديان الأخرى وداخل مجتمع المؤمنين كيف يمكن للمجتمع توفير الأدوات اللازمة للاندماج والشرعية دون حرمان الجماعات الدينية الأخرى من حصتها المستحقة في الهوية الدينية المتمحورة حول الله؟ هل يمكنها بناء نموذجها المثالي، وهو نظام عام عادل، دون خلق لاهوت جامع للتعامل مع مجموعة واسعة من المشاكل الناشئة عن اللقاءات بين المسلمين والأخرين من الديانات الأخرى؟

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

محمد العباسيكلنا نتعلم.. في كل لحظة من الحياة.. منذ الطفولة الأولى، نتعلم النظر من حولنا.. نتعلم الابتسامة للوجوه الباسمة.. نتعلم أن البكاء والعويل يجلب نحونا من نحب ويحبوننا.. نتعلم كيف نستدرج الأمهات ليطعموننا.. نتعلم أننا بحاجة لرعايتهم لنا طوال أوقات صحوتنا.. ثم نكبر قليلاً ونتعلم الإمساك بالأشياء.. نتعلم الحبو قبل المشي.. ونستكشف العالم الصغير من حولنا.. وأحياناً نتعلم من السقوط كيف نحاول تارة أخرى.. ونتعلم من الألم كيف نتفادى بعض الأمور.. وهكذا دواليك، حتى تتفتح بصائرنا ونزداد علماً غصباً عنا.

فالتعلم عملية لا يصيبها كلل أو ملل.. فالإنسان يتعلم بمشيئته أو دون إدراكه في كل لحظة من حياته.. طالما كان يرى ويسمع.. ويشعر بما حوله.. بل حتى الأحلام، نتعلم منها أموراً.. شيئاً من هنا.. تجربة من هناك.. نصيحة من هذا وذاك.. وهكذا.. نتعلم الكثير.. نتذكر القليل.. ونرفض أن يوصمنا أحد بصفة الجهل.. ونحن أعلم كم نحن جهلاء.  فكلما نزداد علماً نزداد جهلاً.. كيف ذلك؟  أرى أننا كلما تعلمنا من الأمور أكثر.. كلما علمنا أن مقدار جهلنا كان كبيراً.. وأدركنا أن ما لم نزل نجهل لا بد أكثر بكثير.. ومن المفروض أن نزداد تواضعاً.

يقول الأستاذ "محمد زهران "على موقع (الشروق) أن أول ما يتبادر إلى الذهن حين نسأل كيف نتعلم هو عبر تلقي المعلومات في قاعة المحاضرات والفصول الدراسية، ولكن هذا نوع واحد من التعليم.. هناك أنواع أخرى: تعليم نفسك مهارة جديدة أو معلومات جديدة، توصيل العلم للعامة بطريقة أكثر فعالية، تعليم الأهل لأبنائهم، توصيل معلومة لصانع القرار بطريقة جيدة.. إلخ..  بل ربما يمكننا أن نتخيل أننا نمتلك ذاكرتين: واحدة قصيرة الأمد وأخرى طويلة الأمد.. فعندما نريد تعلم شيء ما فيجب أن ننقله من الذاكرة القصيرة الأمد للذاكرة الطويلة الأمد لأن القصيرة الأمد لا تحتفظ بالمعلومات طويلاً ولا تحتفظ بمعلومات كثيرة.. وعندما نواجه شيئاً جديداً فإنه يدخل أولاً في تلك الذاكرة القصيرة، فكيف إذاً ننقله للذاكرة الطويلة الأمد؟ هناك عدة طرق لذلك يمكننا استخدامها كلها أو بعضها.

احدي هذه الطرق تتلخص في وجوب أن نربط ما نكتسبه للتو بما نعرفه من قبل، حيث أن العلم كل مترابط ولكل علم تأثيره على العلوم الأخرى ويتأثر بها.. هنا أيضاً نفس الشيء، فعندما نقرأ معلومة تاريخية مثلاً يقوم العقل بربطها بما نعرفه عن تاريخ تلك الفترة أو تاريخ تلك الأسرة أو الشخص أو البلد، فيكون الأمر كوضع لبنة في بنائنا المعرفي.. وكلما تعلمنا أكثر يرتفع الصرح أكثر.

و يمكننا أيضاً ترسيخ كل ما نتعلمه عبر إعادة مراجعة ما نعرفه على فترات متباعدة، فلا نتعلم شيئاً اليوم ونراجعه في اليوم التالي مباشرة، بل يجب ترك فرصة للعقل ليراجعه في اللاوعي ثم نراجعه بعد أسبوع مثلاً، وهكذا وبعد عدة مرات من المراجعة المتباعدة نأمل بأن تنتقل المعلومات للذاكرة الطويلة الأمد وسنرى أننا قادرون على استرجاع المعلومات أو المهارات الجديدة بعد وقت طويل بنفس الكفاءة.. وهنا يجب أن نذكِر الطلاب أن تعلُم شيئاً جديداً قبل الامتحان بوقت قصير لن يجعلنا بالضرورة أن نتعلمه ونحفظه بشكل كامل وبفهم متكامل، بل يجعلنا نحفظه لفترة محدودة حتى نضعه على الورق في الامتحان قبل أن نفقد حاجتنا المؤقتة لتلك المعلومات!

و يعتقد البعض بوجوب استخدام أمثلة كثيرة عند التعلم، وإن لم نجد أمثلة في البحث أو المعلومة التي نقرأها فعلينا أن نحاول أن نأتي بأمثلة من تأليفنا ومن مخزون تجاربنا.. فكلما زادت الأمثلة كلما سهل التعلم، وكما قيل في المثل العربي "بضرب المثال يتضح المحال"، وهكذا، يمكننا مثلاً أن نحاول أن نشرح المعلومة لشخص آخر لا يعرفها وهذا عادة يساعد على تأليف أمثلة متنوعة لتسهيل التعليم، وقد قيل أنه عندما يقوم شخص بتدريس شيئاً لشخص آخر فهناك شخصان يتعلمان.

و يرى آخرون بضرورة تنويع الأساليب واستخدام عدة وسائل لتوصيل المعلومة الجديدة مثل القراءة وفيلم تسجيلي مثلاً، أو القراءة ثم حضور محاضرة أو دورات تعليمية، أو حضور محاضرة مثلاً ثم مناقشة الموضوع مع شخص آخر، ويمكننا استخدام هذه الطريقة مع الطريقة الثانية (الاسترجاع) فنقرأ المعلومة ولكن نسترجعها عن طريق إلقاء محاضرة  بدورنا أو شرحها للغير عبر الرسوم البيانية أو الإحصائيات والصور حتى تترسخ في أذهاننا.

و يضيف الأستاذ "عبدالرحمن يوسف إدلبي" في موقع (كراكيب) رؤيته لموضوع التعلم بأن المتعلم يتلقى أو يتلقف المعارف والعلوم كما تُقدَّم له، فهي تُصب في ذهن المتعلم (أو المتلقي) صباً، وتكون وظيفة المعلم أو المربي حينئذ هي ملء ذلك الوعاء الفارغ الذي يحمله المتعلم فوق كتفيه بكل ما يستطيع.. وبالتالي فإن أي محاولة لإصلاح التعليم تركز على المعلم الذي هو العنصر الفاعل في العملية، بينما يبقى المتعلم عنصراً خاملاً مسؤوليته الوحيدة هي التأكد من كون "رأسه مفتوحاً" لتدخل المعلومات إليه وخالياً من الثقوب والشقوق كيلا تتسرب منه.

أما في الرؤية الثانية فإن المعرفة تُصنع أو تُبنى بناءً في الذهن، فالمتعلم هو العنصر الفاعل في عملية التعلم والمسؤول عنها، والتعلم عملية يحدث فيها تفاعل وتفاوض بين الخبرات والمعارف التي يتعرض لها المتعلم والمعارف والخبرات التي كوّنها سابقاً، فيربط ويحلل ويركب ويربط للخروج ببنية ذهنية متناسقة.. مما يعني أن المتعلمين المختلفين سيخرجون من الموقف أو الخبرة نفسها بنتائج متباينة تبعاً لخلفياتهم ومجموع خبراتهم السابقة.

قد يرى البعض بأن الرؤية الأولى بالية أو تقليدية وعفا عليها الزمن، وقد يبدو لهم أنه من البديهي إنكارها وتجاوزها.. صحيح أن أصل هذه الرؤية قديم (بل كلاهما في حقيقة الأمر كذلك)، ولكنها بعيدة عن أن تكون قد تجاوزها الزمن، سواء في الثقافة الشعبية أو حتى العمل الأكاديمي والإبداعي حسب المفاهيم الحديثة.

أما "أ. د. هشام العوضي" في موقع (القبس) فيتطرق للموضوع من باب أن الدراسات تبين أن لكل شخص طريقته أو اسلوبه في التعلم، وأن التحدي الذي يواجه المعلم مع طلبته أو أي شخص يتعامل مع شخص يتعلم هو أن يعرف الاسلوب الخاص لكل شخص في استقبال المعلومات وتعلمها، وأن يقوم بدوره بعرض المعلومة أو الفكرة على أساس هذه المعرفة.. فمن الناس من يتعلم عن طريق التجريب، ومن الناس من يتعلم عن طريق التأمّل، ومن الناس عن طريق التخيّل ومن الناس عن طريق التحليل.. وغالباً ما نفترض كل وسيلة من وسائل التعلم سمات ما في شخصية المتعلم، فالذي يتعلّم عن طريق التجريب غالباً ما يكون اجتماعياً وأكثر تفهماً وتقديراً لمشاعر الآخرين.. والذي يتعلم عن طريق التحليل غالبا ما يكون أكثر تنظيماً في ادارته للوقت وجمع المعلومات.

وتقول بعض الدراسات أن التحدي لم يعد هو معرفة تعدد أساليب التعلم فحسب، ولكن أهمية أن يمتلك المتعلم المرونة في تغيير اسلوب تعليمه بحسب طبيعة الموقف أو الظرف.. لذا يجب أن تربي المدارس الحديثة في المتعلم المرونة الكافية لأن يكون متمكنا من ممارسة أساليب التعلم المختلفة.. وهذا الأمر مهم جداً لأن طبيعة العصر وتعدُّد مصادر المعلومات يتطلبان هذه المرونة في القدرة على التنقل بين التخيل والتجريب والتأمل والتحليل.. فالتعليم لصناعة أجيال من القادة ليس أمراً يسيراً كما قد يتصور البعض، ولكنه مهمة صعبة، تطوّرت بتعقد عصرنا وتنوع طرق المعرفة وقنواتها، والدراسات التي تنشر عن التعلم والتعليم وكيفية اكتساب المعلومات والإدراك تتجدد باستمرار.

و يبقى السؤال الأهم: إلى أي مدى يكون المعلم في مدارسنا وجامعاتنا مؤهلاً لهذا التحدي، أو على الأقل قد تم إعداده أصلاً وتدريبه ليكون عنصراً فاعلاً في طريقه ليكون بدوره عاملاً مؤثراً ومؤهلاً في عملية التعليم والتدريب؟  ويضيف الأستاذ "سيد صلاح العلوي" في موقع (الأيام) بأن رعاية الموهوبين والمبدعين وتحقيق ميولهم، والوصول بهم إلى أرقى مستويات التفكير الإبداعي أمر لا يستهان به.. فكل هذا يحتاج إلى معلم مبدع في الأساس، قادرٌ على اكتشاف القدرات الكامنة في عقول الموهوبين ويعمل على تنميتها وصقلها، ويشبع حاجاتهم النفسية والاجتماعية والمعرفية.. فالمتعلم المبدع هو نتاج لعوامل كثيرة، ومن أهمها المعلم المبدع.

 

د. محمد العباسي

أكاديمي بحريني

 

اياد الزهيريتطرقنا في بحث سابق تحت عنوان (الاله في الأديان والأقوام البدائية) في جزئيه الأول والثاني عن الاله في زمن ما قبل الكتابة، كما شمل البحث الأقوام البدائية في المناطق التي لم تدخل لها الحضارة لحد الآن، والتي تعيش في مجاهل الأحراش والغابات النائية، أما في هذا الجزء فسوف نتطرق الى الاله في الحضارتين السومرية والبابلية، وهي حضارات تميزت بأن أنسانها قد أكتشف الكتابة، وسجل الكثير من معتقداته وأساطيره،وأحداثه ومنجزاته على ألواح طينية، وهي تعتبر اليوم وثائق تؤرشف له أعماله وحفظتها من التلاعب والتزوير، وهذا أنجاز قد سبب أنعطاف تاريخي في مسار الأنسانية وبيان درجة تطورها، كما جعل المعلومات عن أنسان هذين الحضارتين على درجة كبيرة من الموثوقية والأمانة، والسبب أن هذه الأعمال التي ثبتت على ألواح الطين قد حافظت على حالها كما هي ولم تتعرض للتغير والتحريف والفقدان كسابقتها التي تناقلتها الأجيال شفاهةً، مما جعلها عرضة للتغير والتبديل والزيادة والنقصان، وأن من أشتغل عليها وكتب عنها، أعتمد في أكثر الأحيان على الحدس والترجيح في كتابة المعلومة، ولهذا لم يكتسب تاريخ الأنسان لما قبل الحضارة درجة عالية من الموثوقية والأمانة، ولكن الباحثين لم يألوا جهداً في أنتزاع ما أمكن من هذا التاريخ العصي على الوضوح.

أن قضية الاله في الحضارتين السومرية والبابلية حظيت بأهمية قصوى لأنسان هاتين الحضارتين، ونالت من تفكيره الكثير، وهذا الأهتمام هو أستمرار لأنسان ما قبل الكتابة، ويمكننا القول منذ أن وعى الأنسان نفسه في هذا الوجود، ورأى نفسه عارياً في هذا الكوكب، ساعياً وبدواعي غريزة حب البقاء أن يحمي نفسه، ويؤمن حياته، وبعد ذلك سأل عن مصيره والغاية من وجوده في هذا الوجود الذي لم يأتي أليه بأرادته، هذه الأمور جعلته في خضم من المشاعر، وأنتابته الكثير من الهواجس لأنه أصبح وجهاً لوجه أمام متطلبات البقاء الضرورية لأستمراره، والتي تتطلب دفع الضرر عنه، وتوفير العيش وطلب الحماية له، بالأضافة الى نزوعه وأمله بالخلود . هذه المشاعر والهواجس، قادته الى تساؤلات، اولها هو معرفة هذا الوجود الذي يحيط به، والذي هو جزء منه، والذي أثارت فيه دقة الخلق وما أنعكس عليه منه من الرهبة والحيرة جعلته يفكر بكيفية الحماية من الظاهرة الكونية الرهيبة والعجيبة التي أثارة في نفسه المخاوف والتساؤلات، كما فكر بكيفية الأسترشاد بما يضمن له النجاح والتطور الأيجابي في مسيرة حياته أسوة بالموجودات التي يراها في هذا الوجود الغريب عليه. من هنا يمكننا الأنطلاق من حقيقة أن الأنسان القديم أتجه الى المسألة الألهية أنطلاقاً من التصور العميق بأن لا بد من أن يكون هناك مُوجِد لهذا الكون ولكنه لا يعرف ماهيته، وأنه هو حبل النجاة لكل هواجسه التي أنتابت كيانه كأنسان حائر في وجوده ويتطلع لمعرفته .

أن أختياري لحضارة وادي الرافدين لم يكن أعتباطاً ولكن لأنها أول الحضارات التي أكتشفت الكتابة وأن أثارها مليئة بالمسألة الألهية، فأنسان وادي الرافدين قد شغلته كثيراً المسألة الوجودية وخاصة الألهية . من الملاحظ أن أنسان هذين الحضارتين لا يختلف عن غيره من أنسان الحضارات الأخرى بأنه متعدد الألهه، وأنه يعتقد بأن كل اله مسؤول عن ظاهرة كونية معينة، فهناك اله للشمس واله للقمر واله للمطر واله للسماء وهكذا أيماناً منه بأن أله واحد لا يكفي أو غير قادر على خلق كل شيء، وأن أدارة هذه الظواهر تحتاج الى أكثر من اله يدير شؤونها، وهذه الفكرة أسقطها من نفسه على الألهه، لأنه يرى أن الأنسان الحاكم لشؤون المجمع غير قادر بمفرده لوحده بالقيام بكل هذه المهام الكثيرة والمعقده، أذن فلابد من وجود المعين، وهنا في هذه المرحلة ترى أنسان ذلك الزمن مايزال يعمل مقاربات بيه وبين الآلهه، وكما أن البلاد وأدارة المجتمع تحتاج الى بشر تنشأها وترعاها، كذلك هو الأمر نفسه مع الكون ومظاهره، يحتاج الى كائنات أخرى أكثر قدرة وذات أمكانيات متفوقة، وتمتلك ميزة الخلود، وهذه لا يمكن الا في كائنات أستثنائية سماها بالآلهة. أنه يشعر بالعجز أتجاه ما تراه عينه وأنطلاقاً من شعوره بقدراته المحدوده والقاصره، وأفتقاده للخلود مقابل قدرة كلية ومطلقة قادرة على هذا الفعل والخلق الكلي، و أن بساطة الأنسان وسذاجته البدائية لا تحتمل هذا التعقيد بالخلق بأن يصدر من قوة واحده، لذا آثر التعدد في الألوهية. هذا التصور هو من قاده الى تسمية اله انيليل للرياح والعواصف، وهناك من هو مسؤول عن المياه الجوفية والعذبه والذي أطلق عليه اله أنكي، وهناك اله مردوخ اله العواصف الرعديه والمسؤل عن خلق البشر، وهناك الكثير من الهه التي يمكن للقارئ الأطلاع عليها في كتب متخصصة في الحضارتين السومرية والبابلية.

مع مرور الزمن وتطور ملكات الأنسان الذهنية وتراكم تجاربه، أصبح أكثر نضجاً وأعمق تصور، وذلك بسبب أستيطانه في المدن، حيث أصبحت حياته أكثر أستقرار، وذلك بتأثير الزراعة وتربية الحيوان، وهذه تحتاج منه أن يمسك الأرض ويفكر بتقلبات الجو، وتتابع الفصول، وهذا جعله أكثر تعلق بمظاهر الطقس، واكثر مراقبه للسماء وظواهرها الطبيعية مما جعله اكثر أنشغالاً وأهتماماً في أمور الشمس والقمر والأمطار . أن مشاهداته لهذه الظواهر الكونية جعلته يفكر فيها ملياً، ورأى أن دقة نظامها وأنضباط مواعيدها أثارت في نفسه الكثير من التفكير وتأمل بأن وراء هذه المخلوقات الكونية وما تحمله من برمجة غاية في الدقة والنظام،أن هناك خالقاً ومحركاً وفاعل لها،وهي من ترسم لها مقاصدها وغاياتها، وهي من تديرها في حركتها المتسقة، أعتقد أنسان هذه الحضارة،أن هناك قوة خفية ماورائية تختفي أو تتكثف في هذه المظاهر، لذلك تصور أن الأله يتجلى فيها،فجعل  القمر اله وسماه ننار أو يسمى أحياناً سن وأله السماء وسماه آن، واله للماء وسماه أنكي، واله للشمس وسماه أوتو وغيرها الكثير من المظاهر الكونية التي أختزنت ألهه في داخلها، ولها أسماءها المعروفه، وتوسعوا في تعدد الآلهه حتى دخلت في أمور عملية يتناولها البشر في أعمال الزراعة، ونراهم كلما تعقدة الحياة وأتسعت، نراهم يستحدثون الهه لها، أيمانا منهم بأن أدارة الكون تحتاج الى ألهه عديدة، حتى أنهم لشدة تقسيمهم للآلهه جعلوا حتى للمحراث اله،وهو من جاء بهذه الآله وهو من علم الأنسان أستعمالها للحراثة وقد سموه بالاله ( نينورتا)، كما أن تفكيرهم وصل الى أن الحياة بكل ما فيها وأدارتها ترجع الى الهه، فهي من تدير كل شيء، حتى وصلوا الى قناعه أن الآلهه هي من ترسم التاريخ، وهي من تحدد المستقبل، والقدر، لذا أمنوا بمسألة الأرواح بشقيها الخيرة والشريرة، حتى راجت عندهم عملية التعامل من الأرواح وراجت عندهم صنعة العرافين في قراءة المستقبل، وهؤلاء لهم حضوة عند الحاكم وخاصة في وقت الحروب حيث قبل أن يبدأوا الحرب يستشيروهم عن نتيجة  هذه الحرب أن دخلوها مع خصمهم. أن كل ما ذكرناه عن دور الألهه جعل أنسان هاتين الحضارتين يحرص على التقرب وأرضاء هذه الألهه عن طريق تقديم النذور والأبتهالات وتقديم القاربين تقرباً لها لغرضين أساسين وهما تجنب غضبهما وكسب رضاها، وهذا ما جعل هناك مذبحاً في كل معبد من معابدهم، وله مكان مخصص فية أملا بأن تقابلهم هذه الألهة بالعطايات الكثيره من غزارة الأمطار وديمومة الخصوبة وزيادة الولادات في حيواناتهم، بالأضافة ظهرت في هاتين الحضارتين السومرية والبابلية مسألة التمائم التي تبعد الشر والأمراض وأبعاد الأرواح الشريرة عنهم . من الأمور اللافتة للنظر  أن الأنسان البابلي والسومري ظهرت عليه علامات تكشف عن نزوعه الى التجرد والتأمل الماورائي، وأصبح أوسع خيالاً وأكثر تجريداً، لذا نزع لأسلوب المجازات والأستعارات في تصوير القوى الماورائية، والتي تعزى له المسؤولية عن هذه الظواهر الكونية، فهو بات يفكر أن الشمس والقمر والنجوم والأرض ليس الهه بذاتها، وأنما أن الألهه تتجلى فيها وكامنة فيها وأنها تمثلات مادية لها، لأن الأنسان على الرغم من أقترابه لدائرة التجرد الا أنه مازال يحن للمحسوس ولا يستطيع الفكاك من أسره، ورغم ذلك يعتبر أنسان هذه المرحلة وقد أنتقل نقله نوعية في  تفكيره العقلي، حيث التأمل والحدس في التفكير الذي ينقله خارج حدود المادة .

أن الأنسان السومري كما أخيه البابلي لا زال لا يستوعب أن يكون هناك اله واحد خالق كل شيء لأن عقله لا زال لا يمكنه أن يستسلم بأن هذا التلون والأختلاف بالطبيعة ترجع الى مصدر واحد، لذلك تراه يجعل حتى  للقصب اله وسماه الاله (انورو) وأن للسمك اله فسماه (نانشي) وللماء وسماه انكي وحتى هناك اله للزراعه والخضرة وسماه (دامو) وحتى  هناك اله  لخزن البلح وتسمى اينانا واله للحبوب ويسمى ازينو، لكن مع هذا التعدد الا أن هناك ما يسمى بالبانثيون أو مجمع الآلهة، حيث هو مجلس يضم كل الآلهه،الغاية منه عقد الصلة بين الآلهه، وأن منازلهم درجات، كل وحسب أهميته ومهامه،  وأن منزلته تقررها أهمية الظاهرة الكونية التي يمثلها،  ولكن نرى أنه أعطى المرتبة الأولى في سلم الأولويه الى أله السماء والرياح والمياه وتليها آلهة الكينونات الأصغر كالقمر والشمس، وأخيراً تأتي الهة العالم السفلي . يتضح لنا من خلال متابعة العقل السومري والبابلي، أن هناك تطور وتغير في بنيته الفكرية والذي أنعكس بشكل مباشر على طريقته العقائدية، فهو أبتدأ بتعدد للآلهه، وبعد ذلك جعل بين هذه الآلهه علاقة يجمعهم بانثيون أو مجمع الهي تتبوءه مجموعة من الآلهه الرئيسية، وهناك من الآلهه من هي بمستوى ثانوي، كما تطورت صورة الاله في ذهنيته، فنراه يرى اله المطر (نينجيرسو) بصورة حيوان طائر الرعاد، وبعد حين جعلوه على صورة بشري بالرغم من أحتفاظه بجناحيه، وهذا ما نشاهده حتى بالحضارة الرافدينية الآشورية حيث يكون الثور المجنح وهو اله اشوري برأس بشر وجسم حيوان الثور، فالرأس يرمز للعقل وجسد الأحيوان يرمز للقوة، كما نرى أن الحضاره الرافدينية القديمة أعتبرت تصوير الأله بالأنسان، يكون أكثر عظمة وجلال، وأن الأله الذي يكون على شكل أنسان أكثر ألتصاق بهم وأقرب لهم لأنه يقربهم بالمظهر بل ولعلهم أعتبوا شكل الأنسان وقابليته هو الشكل الأمثل، ولم يقفوا عند ذلك بل تطور الأمر في نظرتهم الى الآلهه بأن جعلوا منها شكلا رمزيا، فقد جعلوا هناك رموز يعبروا عنها، وهذه حالة تطور ذهني لديهم بأعتبار أن الأله حالة لا يمكن معرفة كنهه بالضبط، وهو طور تجريدي في طريقة تفكيرهم والتي تدرجت من المحسوس الحيواني الى نصف بشري وحيواني، وقد يكون هذا التحول هو من باب أيجاد حل للتناقض الحاصل بين الفاني والخالد، كما ينبغي التنويه الى أن السومريون لم يكتفوا بمجمع الآلهه، بل هناك الأله( آن) اله السماء بأعتباره الحاكم الأعلى لمجمع اللآلهه وهذه خطوه بأتجاه التوحيد بالحقيقة، وأن كانوا بين فترة زمنية وأخرى ينتقلون الى أله اأخر كرئيس لمجمع الآلهه،كما أعتقدو بالأله (انيليل) كزعيم مجمع الآلهه، وبعد ذلك وخاصة بالألف الأول قبل الميلاد جعلوا من مردوخ هو من يكون على رأس هذا المجمع وهو رب الأرباب، وخالق وحاكم هذا الكون، وهكذا بين زمن وآخر نرى رئيسا لمجمع الآلهه يتبنى هذا المنصب .

من الملاحظ أن اللاهوتيون السومريون أعتقدوا بأن مجمع الألهه هو المدير الحقيقي للكون وهو مشغله والذي يمارس مهمة الأشراف عليه، وأن هذه الآلهه هي ذات قدرات عالية وذات مستويات بالغة القدرة والقوة، وهي محجوبه عن أنظارهم، وأنها  كائنات من نوع خاص لا يفقهون حقيقتها،  ولا يتوصلون لكنهها رغم تصويراتهم المجسمه لها وأن شبهوها بشكلهم البشري أحيانا.

أن ما أود التوصل اليه أن اللاهوت السومري والبابلي قد توصل الى أمر مفاده أن هناك منطقا وراء هذا العالم، وأنهم بدأوا من المعلوم التي هي الطبيعة الى المجهول الذي هو الآله، وهذا عين السؤال الذي سأله الدكتور محمد الطائي العراقي الجنسية وأستاذ الفيزياء بجامعة اليرموك الأردنيه عندما سأل عالم الفيزياء البريطاني (ستيفن هوكينغ) في مؤتمر جمعه معه في كندا، فقال له، هل ترى هناك منطقا وراء هذا العالم، فرد عليه لاشك بأن هناك منطقا وراء هذا الكون، وعلى هذا الأساس رجح انسان سومر وبابل وبدافع هذا المنطق نفسه،أن وراء هذا العالم الكوني عالم ماورائي،هو السبب في نشوء وأدارة هذا العالم، ولكن هناك أختلاف في تصور هذا العالم الخفي بينهم وبين غيرهم من بني البشر، ولكن يبقى من خلال ما لمسناه أن أنسان الحضارة الرافدينية القديمة قد توصل بمنطقه العفوي والبسيط الى أن هناك أله أعلى خالق وحاكم ومدبر لهذا العالم على رأس مجمع الآلهه الذي يندرج تحته آلهه ثانويون يعاونوه بالمهمه الكونية.

 

أياد الزهيري 

 

عز الدين عنايةيحرص لفيفٌ من الكتّاب على نقلِ أعمالهم الإبداعية إلى اللغات الأجنبية، طمعًا في كسب وجاهَة في الداخل وأَلمعيّة في الخارج، أو كما لخصّ لي أحدهم الأمر "لِنيْل الشهرة وبلوغ العالمية، وقد بلغها من هو دونه باعًا وأبخس إنتاجًا". وكأنّ اللغة التي صاغ بها الكاتب نصّه عرجاء لا تفي بالغرض، ما لَم تتلحّف بألسنِ الأعاجم حتى يشقّ صاحبها غمار العالمية. الواقع أنّ في استبطان العربية، أو غيرها من اللغات محدودية، مع بعض الكتّاب، تكمن علاقة مضطربة وغير سويّة للكاتب مع ثقافته، ومع لسانه. تقوم على أساس تهميش ذاتي، ينبني على إعادة تدوير ثقافية بائسة لمفهوم المركز والهامش، يضع فيها الكاتبُ لسانَه وإبداعَه في خانة الألسن والإنتاجات الوضيعة. والحال أنّ الإبداع بأيّ لغة كانت، ينبغي أن يُثمَّن ويُقدَّر على ما هو عليه، بوصفه استجابة طبيعية لنداء باطني. واختيار أيّ لغة للكتابة، ليس مدعاة للفخر ولا هو سبب للنقيصة، لأنّ الإيمان باللسان الحامل للإبداع هو أوّل شروط التعامل السويّ. حيث يتصوّر الكاتب الواقع تحت إغراء العالمية، أنّ النصَ المدوَّن بلغات غربية تحديدًا، أو في مستوى آخر المترجَم إلى تلك اللغات، من شأنه أن يفتح الباب على مصراعيه أمام صاحبه لارتقاء المنابر العالية، وهي تهويمات خاطئة تتطلّب التفكيك والدحض.

سأستعين في شرحِ ما يتّصل بلوْثة العالمية، الشائعة في أوساط الكتّاب المعاصرين، بما يدور في مجال الأعمال الأجنبية المنقولة إلى اللغات الغربية. فبموجب انشغالي بمجال الترجمة أتابع صدى ما يُنقَل من الأعمال العربية إلى اللغة الإيطالية، وبالعكس أيضا، بهدف فهم أوضاع المثاقَفة بين اللغتين. إذ يلفت الانتباه، في كثير من الأحيان، واقع "السمسرة" السائد، وأقصد بالسمسرة ليس بُعدها المادي، ولكن بُعدها العلائقي المفتقر إلى التقييم الإبداعي الحقيقي. فغالبا ما تحظى نصوصٌ بالقبول، في أوساط عَرّابي الترجمة ووكلائها، لأنّ هذا الروائي، أو ذاك الشاعر، يملك شبكة علائقية ذات طابع زبائني، تُيسِّرُ له ترجمة إبداعه ومن ثَمّ تزكية نصّه لدى دُور النشر الأجنبية. وما الحديث عن مِهنيّة دور النشر الغربية وجدّيتها، سوى أمر نسبيّ، وهو ما لا ينطبق على كلّ الدُّور ولا على سائر الناشرين.

ففي الأوساط الثقافية الغربية، وأتحدّثُ هنا عمّا له صلة بالثقافة العربية، في مجالات الأدب والفكر والفنّ، التي أعرف طقوسها وأتابع مناخاتها، توجد في كلّ بلد غربيّ تقريبا طائفة من المستشارين تمثّل مرجعية لدى دور النشر، والمؤسسات الثقافية، والأوساط الإعلامية. وهي من تتولّى انتقاء الأعمال وتزكية الأفراد الذين يجوز وضعهم في دائرة الضوء، إعلاميا وإبداعيا، وترشيحهم إن لزم الأمر إلى نيْلِ الجوائز وحيازة التكريمات. وغالبا ما تكون الاعتبارات المحيطة بهذا الاحتفاء، ذات الطابع السياسي والأيديولوجي، حاضرة بقوة في هذا التقييم ومقدَّمة على القيمة الجمالية للإبداع، ولا تمتّ بصلة للعمل بمعزل عن صاحبه.

يشهد على ذلك أنّ ما تُرجِمَ من أعمال إبداعية عربية إلى اللغات الغربية، خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ليس هو أفضل ما جادت به قرائح الكتّاب والمبدِعين العرب، ولا أرقاها تمثيلًا لإبداعات الثقافة العربية، وإنما هي أوفرها حظّا وأمتنها علاقة مع الخارج وأكثرها استجابة للمعايير المطلوبة. ولذلك لا تعني الترجمةُ الحضورَ الإبداعيَّ في الساحة الثقافية الغربية دائما، بل قد تعني الغياب أحيانا، ومضاعَفة فائض الوهْم لدى أصحابها لا غير. يفضح ذلك إدراج الترجمات العربية في أقسام منزوية في المكتبات الغربية، تتجاور فيها مختلف أصناف الكتب الإيزوتيكية (الغرائبية)، التي يختلط فيها الأدب بالفلسفة، وعلوم الفلك بالمسكوكات، وغيرها من فنون الكتابة. ذلك بشأن النص الإبداعي العربي، وأمّا ما تعلّق بأصحابها فنادرًا ما تُتاح لهم فرص عرض أعمالهم بالشكل الذي يَعرِض به نظراؤهم الغربيون إنتاجهم الفكري والأدبي. إذ لا يُعامَل الكاتب العربي، الوافد على الغرب ضيفًا، ككاتب صاحب نصّ إبداعيّ وإنما كناشط سياسيّ مستنْفَر، تنهال عليه الأسئلة ذات الطابع الأيديولوجي والبعيدة عن مجاله، بشأن الأصولية، والموقف من المرأة، والعلاقة بالسلطة، حين يحاوَر. أذكر حين قدم المغنّي مارسيل خليفة إلى روما، في فترة سابقة، لتقديم حفل فني، اِنهال عليه الصحفيون بالأسئلة السياسية، فضجَّ من نوعية الأسئلة التي حوّلته إلى خبير سياسيّ في قضايا الشرق الأوسط ولم تسائل فنّه وأعماله.

إذ يتصوّرُ جملة من الكتّاب العرب أنّ الترجمةَ إلى اللغات الغربية هي بوّابة الولوج إلى العالمية، والحال أنّ نقْلَ الأعمال الإبداعية دون تثبّتٍ من قُدرات ناقليها، يتحوّل أحيانا إلى مقبرة للعديد من الأعمال الإبداعية، المميَّزة في لغاتها الأصلية، وهو ما لم ينجُ منه حتى كبار الكتّاب: في إيطاليا نصّ "موسم الهجرة إلى الشمال" للكاتب الطيب صالح، ونصّ "الكرنك" للكاتب نجيب محفوظ، ونص "ذاكرة الجسد" للروائية أحلام مستغانمي، جميعها أُنجزت ترجماتها من قِبل طلاب إيطاليين، ليست لهم دربة سابقة بالكتابة، ولغتهم الإيطالية غضّة، إن لم نقل هزيلة ولا ترتقي إلى مستوى تلك النصوص في لغتها الأصلية. ولذلك جاءت الترجمات هزيلة ولم تتجاوز مبيعاتها الطبعة الأولى، ناهيك عن أن دور النشر الصغيرة والمحدودة التوزيع هي التي عادة ما تتبنى نشر الأعمال العربية.

إذ لا يفوت الملمّ بأوضاع المجتمعات الغربية أنّ تصنيع النجومية، في مجالات الآداب والفنون، هو مجال خاضع للتوجيه والتوظيف والتوقيت. تُحشَد له جملة من العناصر والأدوات، وذلك بغرض إبلاغ رسالة معيّنة على نطاق إقليمي أو عالمي، أو تمرير خطّ أيديولوجي أو سياسي، أو ترسيخ نهج ذوقي أو قِيَمي، واضح الأهداف وجليّ المعالم. ولا ينال المرشَّح لذلك الدور تلك الدرجة، بمجرّد إنتاج عمل طائش، مهْمَا علا شأنه، وإنما بناء على مسار وسيرة يميّزان صاحبه، يعلِيانه إلى مصاف العالمية، ولذلك قلّة من المبدعين العرب تسنّى لهم القيام بهذا الدور وبات لهم حضور وازن في منابر الغرب. 

 

عزالدين عناية

أكاديمي تونسي مقيم في إيطاليا

 

 

محمد العباسيالمدينة الفاضلة كما تم التعارف عليها هي أحد أحلام الفيلسوف المشهور "أفلاطون" وهي مدينة تمنى أن يحكمها الفلاسفة، وذلك ظناً منه أنهم لحكمتهم سوف يجعلون كل شيء في هذه المدينة معيارياً، وبناءً عليه ستكون فاضلة.. فالمدينة الفاضلة عبارة عن مجتمع متكامل يجد فيه المواطن والمقيم والزائر أرقى وأكمل أنواع الخدمات وبأسلوب حضاري بعيداً عن التعقيد وبعيداً عن الروتين ومن غير تسويف، وبعيداً عن سوء التعامل أو التفرقة أو التركيز على الاختلافات والمفارقات.. وهكذا مقترح عبارة عن فكرة سامية لمدينة جديدة ومختلفة عن كل مجتمعاتنا، وليس الاختلاف في المظهر العمراني فقط، بل في كل شيء.. في المستوى الحضاري والسكاني والأداء الخدمي سواء كان حكومياً أو خاصاً أو اشتراكياً.

المدينة الفاضلة.. عبارة عن مقترح أو حلم لمدينة أساسها الإنسان نفسه سواء كان مسؤولاً أو موظفاً أو عاملاً أو مراجعاً، كبيراً أم صغيراً، رجلاً أو امرأة، مواطناً أو مقيماً أو ضيفاً زائراً، وبكل ما تحمله كلمة "الفاضلة" من معانٍ سامية في الشارع، في العمل الحكومي، في العمل الخاص، في المراكز التجارية، عند المسجد، والكنيسة والمعبد، وفي المطاعم، في الأسواق.. في كل موقع نجد معاني "الفاضلة" والكاملة والمثالية والواعية والراقية هي سماتها وتتجسد في كل وقت وبأرقى صورها.

ربما وعيت شخصياً لهذا المفهوم قبل أكثر من أربعين سنة مضت وبدأت أخط الأفكار فيما لو قُدر لي أن أتولى هذا الأمر بأن أشيّد هكذا مجتمع يتسم بالسمو والمثالية.. فكان الهم الأول لي حينها كيفية الدعوة لكل من يود خوض التجربة، وعمن سيكونون المؤهلين لنشأتها وتأسيسها والسكن فيها.. فهل سيكون مبدأ الحرية (المطلقة) هو أساسها، حيث يكون الجميع سواسية ويتمتعون بحرية كاملة في كل أمورهم دون حسيب أو رقيب؟ حرية المعتقد والآراء والممارسات بلا قيود ولا قوانين ولا رقابة ولا حاجة لرجال الشرطة والخدمات الأمنية كافة؟ ومنذ اللحظة الأولى تيقنت أننا نحن البشر يستحيل علينا التأقلم مع الحريات المطلقة بحكم نشأتنا عبر قرون ممتدة من الاختلافات والصراعات والأهواء الغير متجانسة.. بل يبدو أن وضع شرط الحرية كأساس للفكرة هو في حد ذاته "كشرط" يناقض فكرة الحرية المطلقة المرجوة.. فكيف نطالب بالحرية التامة للجميع بذات التوقعات وبحيث لا تتصادم الممارسات وتتعدي على حقوق وحريات الآخرين الآخرين.

لنأخذ مسألة العبادة مثلاً.. فهل ستحتوي المدينة شتى أشكال دور العبادة من مساجد وحسينيات وكنائس ومعابد ومزارات، وشتى أنواع دور العبادة لكافة معتقدات البشر؟ فأتباع المذاهب الإسلامية كمثال يختلفون ويتنوعون بين مذاهب السنة الأربعة الرئيسية وتلك الصوفية والإسماعلية والدرزية والبهائية وغيرها من جماعات وأحزاب ومجموعات دينية سياسية، وكذلك بين الشيعة وتفرعاتها والأباضية والزيدية، وهم جميعهم يتبعون نبياً واحداً وقرآناً واحداً.. ورغم ذلك هم عاجزون عن الاتفاق فيما بينهم.. وكذلك الأمر مع الكنائس المسيحية بين الكاثوليكية والبرتستانتية والأرثوذكسية والمعمدانية والمورمونية والقبطية، وهكذا دواليك مع كافة المعتقدات على كوكب الأرض ومنها البوذية والهندوسية والسيخية الكونفشيوسية وغيرها المئات من الأديان.. وبحسب الموسوعة المسيحية العالمية "باريت" طبعة 2001، فإن عدد الديانات في العالم عبر التاريخ بلغ حوالي 10000 دين متميز، منها 150 ديانة بلغ عدد المؤمنين بكل منها مليون فرد أو أكثر، أما بقية الأديان فعدد التابعين لها لم يتجاوز المليون عبر التاريخ، وقد تم رصد وحصر الديانات المعروفة بحوالي 4200 ديانة وعقيدة، ما بين ملل وفرق وكنائس ومعابد وطوائف ومذاهب وعشائر. فالمسيحيين على مختلف مذاهبهم ومللهم (2 بليون نسمة)، ثم الإسلام (1.3 بليون)، ثم الهندوسية (900 مليون)، ثم من غير المؤمنين بأي دين محدد ويشكلون (850 مليون)، ثم البوذية (360 مليون)، ومتبعو المذاهب القومية حول العالم (228 مليون)، فالأديان الوثنية الأفريقية (95 مليون)، ثم السيخ في الهند (23 مليون) ثم اليهودية (19 مليون).

فهل سيتفق أهل المدينة الفاضلة المرجوة فيما بينهم ويتمسكون أو يلتزمون باحترام حريات الآخرين، أم سيتفقون على نبذ كافة المعتقدات وتبني فكرة "اللادين" ومسح كل موروثاتهم القديمة من الذاكرة؟ وهل ستكون أية مدينة فاضلة بلا الإيمان المشترك والمتفق عليه بمسألتي الثواب والعقاب وفكرة الحياة الدنيا والآخرة والعبادة المشتركة القابلة للتطبيق؟.. فكل الحضارات البشرية عبر التاريخ اعتمدت على الأديان لسن قوانينها وبناء مجتمعاتها والجمع بين أفرادها، وهي موروثات لن تختفي بجرة قلم.

ماذا عن اللغة المعتمدة في هذه المدينة الفاضلة؟ أي لغات الأرض ستكون أداة التواصل بين هذا المجتمع الجديد؟ فبمجرد الأخذ بأن لغة الأغلبية ستكون هي اللغة المعتمدة يتعارض مع مبدأ الحريات وحقوق الأقليات، مما يفسد الفكرة من أساسها.. فهل يجب التوافق على إنشاء لغة جديدة ويتوجب على الجميع تعلمها واكتسابها ونبذ كل ما دون ذلك؟ كم من الزمن ستحتاجها هذه المدينة الفاضلة حتى تتجاوز هذه المعضلة فقط، ومن سيتحمل مسئولية "اختراع" لغة التواصل والتعامل هذه من الصفر؟ نعم، لقد شهد التاريخ محاولات في إيجاد لغات مشتركة بالذات بين اللغويين في أوروبا للجمع بين تلك المجتمعات مع الأمل في توسعة رقعتها لتشمل العالم أجمع، لكنها ظلت محدودة وفشلت في الانتشار والتقبل من الجميع.

فقد وضع "لودفيغ أليعزر زامنهوف" لغة أسماها "الإسبرانتو" في أواخر عام 1870 وبدايات عام 1880 بعد ما يقارب العشر سنوات من التطوير، وطبع "زامنهوف" أول كتاب له نحو الإسبرانتو في1887 وازداد عدد المتحدثين بسرعة في العقود التالية، في البداية في الامبرطورية الروسية وأوروبا الشرقية، ثم أوروبا الغربية والأمريكيتين والصين واليابان.. الإسبرانتو لم تصبح قط لغة رسمية في أية دولة، لكنها باتت تُدرس في بعض الدول.. وربما تبنتها بعض المجتمعات لفترة كلغات رسمية لبعض الأقليات لبعض الوقت أو كلغات دولية إضافية بين بعض المجتمعات البهائية.. وهذه اللغة اعتمدت بطبيعة الوضع حينها على أبجديات معينة في أوروبا، دون أن تشمل أبجديات اللغات العالمية الأخرى كالعربية والهندية والصينية وغيرها، مما قد يكون العامل الأقوى في عدم تقبلها من الجميع وعدم اتساع رقعتها.. وعملية اختراع لغة جديدة جامعة للمدينة الفاضلة لا بد لها أن تشمل قدراً كبيراً من كافة لغات أهل الأرض ويجب أن تتميز بسهولة في قواعدها ونطقها حتى يتقنها الجميع بلا استثناء، وهذا قد يتطلب تنميتها وتعليمها وممارستها عبر أجيال حتى تصبح لغة عملية وناجحة ويتقبلها الجميع.

يبدو جلياً بعد النظر في مسألتين فقط تتعلقان بالمعتقدات واللغة، أن فكرة المدينة الفاضلة تبدو خيالية وغير واقعية في عالم موجود بالفعل ويتمتع بموروثات تاريخية وتجارب عبر آلاف السنين.. ربما يكون للموقع المزمع لهكذا مدينة نواة واقعية لنشأتها.. أن تكون في جزيرة نائية ليس بها أحد أصلاً وبحيث يتم إعداد شعبها في مواطنهم الأصلية قبل انتقالهم لربوع هذه "الجنة" الخيالية.. وهذا الأمر سيصطدم بشتى أشكال المعوقات، وأهمها تكمن في كيفية مسح كل الموروثات الفكرية والعقائدية واللغوية من ذاكرة الجميع بنفس القدر والتمكن قبل الانتقال الفعلي للعالم الجديد !!

نحن نعلم عبر كل علومنا الأنثروبولوجية (علم دراسة الإنسان) بأنه العلم الذي يدرس البشر في جميع أنحاء العالم، وتاريخهم التطوري، وسلوكهم، وكيفية تكيفهم مع البيئات المختلفة وتواصلهم واختلاطهم معاً. في الواقع، هذا تعريف محير، فمن الصعب استخلاص تصور واضح لماهية الأنثروبولوجيا اعتماداً على موضوعها وحده، الذي هو الإنسان، إذ تتخذ العديد من العلوم بالفعل من هذا الكائن موضوعاً لها، كما أن الجوانب المذكورة تنتمي إلى علوم شديدة التنوع والاختلاف، منها الدراسات العرقية والتاريخ والأحياء وعلم النفس واللغة والاجتماع! لكن الأنثروبولوجيا بالفعل أكثر العلوم التي تدرس الإنسان شمولية، تتقاطع مع كثير من العلوم الأخرى، منها الأحياء والتاريخ والمجتمعات والأدب والفلسفة والأديان، ولها اليوم فروع وتخصصات عدة، شديدة الثراء، فيها ما يتطلب بحوثا ميدانية، ومنها ما يتطلب جهودا تحليلية، ومنها ما يتطلب أبحاثا معملية طويلة الأمد.. وكل هذه البحوث تتفق أن كل فرد يتميز "بفرديته" وبالفروق الفردية بينه وبين الآخرين.. سواء بطبيعته البشرية أو عبر ما قد يكتسبه من معارف وتجارب ومدى تأثيرها عليه بشكل شخصي.. لذا كيف لنا أن نتجاوز هذه الفروق الفردية والجمع بين أفراد المدينة الفاضلة الجديدة رغماً عن كل محاولات تنميتهم وتدريبهم على الأفكار والمبادئ الجديدة المرجوة في مجتمعهم الجديد؟ كيف نمسح من ذاكرة الجميع بلا استثناء كل تاريخهم الإنساني ليتأقلموا مع واقعهم الجديد؟ كيف نتفادى في مستقبلهم أن لا تتغير أو تتطور مفاهيمهم الجديدة ونأمل بأن يتعايشوا دون روح المنافسة مثلاً، أو نمو الرغبة في التميز عن بعضهم البعض؟

ربما تكون الفكرة بشكل عام مجرد خيال وأماني نشأت بسبب ما شهده التاريخ البشري من ويلات وحروب ومجازر ومن ثم يأمل البعض في إيجاد مخارج لمستقبل البشرية بعد عصور من العبودية والمظالم وتسلط البعض وسوء التعامل بسبب اختلافات عقائدية أو اثنية أو حتى تلك المتعلقة بلون البشرة!! فالمدينة الفاضلة قد لا تحتاج لتنشئة عالم جديد بقدر ما تحتاج منا جميعاً إيجاد تلك النزعة والإرادة في أن نتقبل بعضنا البعض رغماً عن كل اختلافاتنا وطبائعنا.. فالمدينة الفاضلة تكمن فينا جميعنا وما علينا سوى التنقيب في دواخلنا لنكتشف كم نحن أسباب عدم الرضى عن بعضنا البعض فقط لأن هذا يؤمن بكذا وذاك قد هداه عقله وقناعته بما هو مخالف.. أو أليست هذه هي الحرية التي نرجوها من الحياة الفاضلة في ربوع "مدينة فاضلة" تجمع بيننا نحن معشر البشر.. بل الأجدى منطقياً أن نرضى بتقبل بعضنا البعض كنواة أولى لهذ الفكرة وأن نتعايش مع جمال تنوعنا وثراء لغاتنا وروعة اختلافاتنا.. فكيف لنا إذن فصل حياتنا عن كل ما قد مر بحياتنا وتاريخنا وإرثنا وتجاربنا لننسلخ عن كل ماضينا بحلوه ومره ونتوقع أن لا يعيد التاريخ نفسه، ولو خلقنا لأنفسنا تلك المدينة الفاضلة؟ وها نحن في القرن 21 ولم نزل في خضم حروب ومجازر وخلافات ونعاني من الجور والظلم والاستبداد والأوبئة والمجاعة والعطش والفاقة وموت الملايين من البشر بسبب نقص الغذاء والدواء !

 

د. محمد العباسي

أكاديمي بحريني

 

صلاح حزاملا يوجد ماهو أخطر على المجتمع من تفكك وتدمير منظومة القيم السائدة والمحُتَرَمة في ذلك المجتمع..

بدون منظومة قيم موحدة يحترمها ويخضع لها الجميع، يتحول المجتمع الى "تجمّع بشري"، لاتربطه رابطة ويشبه تجمّع واحتشاد الناس في قاعات الترانزيت في المطارات !!

صحيح انهم يجتمعون في نفس المكان، ويستخدمون نفس التسهيلات الموجودة ( facilities)، لكنهم ليسوا موحَّدين فيما يتعلق باهدافهم النهائية ولاتوجد بينهم روابط ثقافية ولايهتم أحدهم بأمر الآخر. كلٌّ ينتظر رحلته لكي يغادر هذا المكان .

بهذا المعنى، فأن الثقافة العامة السائدة وما تركز عليه من قيم عامّة مشتركة، تلعب دوراً اساسيا في ترسيخ وحدة المجتمع وتكامله مع بعضه ..

فاذا قيل هذا الشيء او الفعل حرام، اصبح معروفاً لدى الجميع انه حرام . واذا قيل عن فعل معين عَيب، أصبح عيباً متفقاً عليه .

في فترات من تاريخ العراق كانت الرشوة عاراً وسرقة المال العام عملاً مخزياً ولايجلب الاحترام لصاحبه..

ولم يكن أحد يستطيع الاعتراض او التشكيك في هذه المفاهيم ودلالاتها.

الآن يلاحَظ أن لكلِّ شخصٍ او جماعة معينة (جماعة حزبية او عرقية او دينية او مناطقية) قاموسه الخاص الذي يوفّر تعاريف خاصة للافعال والاشياء بما يتوافق مع مزاج او رغبات واهداف ذلك الفرد او تلك الجماعة.

- فالقتل جريمة، لكنها ليست كذلك لدى جميع تلك القواميس. قد يُبرر بانه جهاد او عقوبة رادعة مستحَقّة للحفاض على نقاء المجتمع !!

- الرشوة حرام وعيب وتتعارض مع شرائع الله، لكنها ليست كذلك بالنسبة للجميع لانها قد تكون حلالاً اذا ذهبت لغرض نبيل كما يعتقد البعض. ثم انها قد تُبرر باعتبارها هدية لقاء تسهيل أمور العِباد والسعي وبذل الجهود لتبسيط الإجراءات (قالها لي أحدهم عندما ذهبت الى بغداد قبل اربعة أشهر، لانجاز بعض المعاملات في دوائر التسجيل العقاري المُرعبة).

- سرقة المال العام جريمة كبرى لانها سرقة من كل المجتمع الذي هو المالك الحقيقي للمال العام وليست الحكومة . الحكومة وظيفتها ادارة المال العام بحكمة ونزاهة وكفاءة.

لكن تلك الجريمة بالنسبة للبعض ليست جريمة أصلاً لانها ليست سرقة من أحد معين، مع انها اكثر فداحة من الناحية الأخلاقية.

- الكذب، سلوك معيب ولا أخلاقي بكل المقاييس، ولكنه يمكن ان يُبرَر بكونه اسلوباً للتهدئة ونزع فتيل ازمات محتملة !!

- تفسير الاحكام الدينية فيما يخص الممنوع والمسموح اصبح عملية لامركزية بل وقد تصبح شخصية احياناً .. كلٌّ يفسر حسب مايشاء وبما يخدم مصالحه الشخصية او الفئوية.

لازلت اتذكر في التسعينيات واثناء فترة فرض الحصار على العراق، ان احدى الجهات الامريكية (لا اتذكر ان كانت صحيفة او مركزا علمياً)، طالبت الحكومة الامريكية بالعمل على رفع الحصار عن العراق لانه لم يعد له ضرورة .. والسبب هو ان الحصار أدى ماهو مطلوب منه في تدمير منظومة القيم في العراق .. بسبب الحصار ومانجم عنه من نتائج سيئة كالرشوة والسرقة والاختلاس وسرقة المال العام (هذه الامور كانت السلطات في وقتها تتكتم عليها وترفض الاعتراف بها لاسيما في سنوات الحصار الأخيرة).

تدمير منظومة القيم أخطر مايمكن ان تتعرض له المجتمعات لانها سوف لن تصبح مجتمعات بعد ذلك ابداً.

لن يحترم أحد القوانين العامة ولا الدستور ولا الضوابط ولا التعليمات، لن يحترم أحد رجال الأمن ولا الموظفين العموميين، هؤلاء جميعاً جزء من منظومة وكيان اسمه وطن ومجتمع، والناس عندما تنعدم لديهم القيم المشتركة يبدأون بالشعور بأنهم لاينتمون لهذا الكيان العام الذي اسمه وطن ومجتمع.

انهم يشعرون بانتمائهم لكيانات صغيرة كالقبيلة والحزب والطائفة والمنطقة الخ ...هذه الكيانات توفر لاتباعها الحماية والمكانة والمزايا والوظائف الخ .. في حين ان الكيان الاكبر الذي هو الوطن يعجز عن ذلك.

 

د. صلاح حزام

 

 

علي رسول الربيعيتمت الإجابة على السؤال المطروح في الحلقتين المتقدميتن، من قبل: الدكتور أستاذ محمد مسلم جمعة، نور الدين علوش، والدكتور محمد عبده أبو العلا، والدكتور علي رسول الربيعي، و الدكتورة أيمنة بن عودة، وأدناه جواب الاستاذ محمد رياض الدقداقي :

أما السؤال: هل يمكنكم تقديم تسويغًا لأيً من هذه النماذج كنظام دستوري يمكن أن يكون حلًا حيًاديًا أفضل أو معالجة دستورية تجدونها مناسبة للعلاقة بين الدولة والدين أو حتى نقدًا لكافة هذه الدساتير؟

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_users&id=5889&lang=ar&view=articles

جواب الأستاذ محمد رياض الدقداقي عن سؤال الدستور:

الدستور هو نص يتألف من مجموعة من التشريعات التي تنظم الاجتماع السياسي لمجموعة بشرية ما. فهو يعبر عن رؤيتها و تمثلها لمختلف الجوانب التي تخص تنظيم حياتها. تبقى المسألة الدينية بلا منازع هي الجانب الأبرز عند كتابة دستور أي بلد نظرا لحساسية المسألة في وعي مختلف مكونات المجتمع. صحيح هناك أكثر من تصور ينظم علاقة المجتمع بالدين كما تفضلتم بتعدادها.و هي كلها مقاربات مقبول و نسبية. ففي المجتمع المتدين يكون التنصيص في الدستور على أن الدين الفلاني هو الدين الرسمي للدولة و في المجتمع المعلمن أو العلماني لا يشار إلى أن دينا بعينه هو دين الدولة .بل إن هذه الأخيرة تتخذ موقف الحياد و تقف على نفس المسافة عن جميع الأديان و الدستور يكفل حرية المعتقد فمن شاء فليتدين و من رأى غير ذلك. فله ما يريد.و من الدساتير ما يعادي الأديان جميعا ليؤكد أن هوية الدولة هي الإلحاد كما كان الشأن في الاتحاد السوفياتي السابق. أعتقد أننا إزاء موجة الحريات العاتية التي ضربت العالم منذ ما يناهز الثلاثة عقود..و تزايد الأصوات المنادية بالتكريس الفعلي لحرية الضمير ،فقد بات لزاما على الدول كتابة أو تنقيح أو تعديل الدساتير على قاعدة ضمان حرية المعتقد.مع احترام موقف الأغلبية الساحقة في تخيل الدين الذي تعتنق أي بعبارة أوضح .في الفضاء العربي الإسلامي نعلم جيدا منزلة الإسلام فك ا و عقيدة و حضارة في افيدة الأغلبية العظمى من السكان.و لذلك يمكن الإشارة في الدستورالى أن دين الأغلبية و هو الإسلام لا يمنع أي مواطن من أن يعتنق غيره من الديانات كما من حقه ترك ديانته و اعتناق الاسلام كما له أن يكون بلا دين. أي ببساطة من خلق المواطن أن يؤمن و من حقه أن يكف و من حقه أن يغير معتقده. لأن الأمر شخصي يتعلق بقناعته الذاتية.

 

 

متاعب الحياة الكثيرة تضعنا في زاوية تتطلب منا تغيير احداثياتها للخروج من المازق .

لطالما نتعرض لمواقف محرجة في الحياة تجعلنا نرتبك او نعجز عن الرد تبعا لنوع الموقف وشدته،وتختلف المواقف باختلاف الاشخاص الذين نتعامل معهم سواء في محيط العمل او في مجمل العلاقات الاجتماعية الخاصة والعامة وعلى كافة الانشطة الحياتية التي تتطلب تعاملا مباشرا.

وفي حياتنا اليومية تصادفنا الكثير من المواقف المحرجة بقصد او دون قصد وتتنوع توجهاتها تبعا لنوع الموقف ،فنحن امام مشكلة  حدثت الان وتتطلب حلا سريعا تلافيا لذلك الموقف،خصوصا اذا  كنت من الاشخاص الحساسين جدا فان اي موقف مهما كان قد يؤثر عليك لوقت طويل .

ان التعامل اليومي مع اشخاص تعرفهم او لاتعرفهم في محيط العمل مثلا يوجب عليك احترام خصوصيتهم التي هي مفتاح شخصيتهم ،وكما نعلم ان لكل انسان شخصيته الخاصة فما يقبله فلان قد يستهجنه فلان وهوحق شرعي تمليه علينا طريقة التعامل السليمة التي تبني علاقات مجتمعية بعيدا عن الاحراج.

ففي المجلس الواحد سواء كان رسميا او اجتماعيا  يوجد الانسان الهادئ والمتحفظ والعصبي والمتهور والكتوم والمتنمر والسليط اللسان،وغيرهم فلابد هنا ان نتعامل مع كل شخصية بمفتاحها الخاص الذي نستطيع من خلالها التعامل مع هذه الشخصية اوتلك وفق مقاييس تحددها الشخصية اولا وطريقة التعامل معها ثانيا.

فمثلا نحن في مجلس ما وقد رايت صديقة لي وثانية وثالثة فما كان مني الا ان قلت جميل فستانك هذا انه رخيص الثمن لقد رايته بالمتجر الفلاني امس!

او انها لا تريدني ان اقول انها اقتنت شيئا ما ولا تريد الاخرين ان يعرفوا بذلك اصلا وهو حق مشروع لها ثم اقوم باخبار الجميع بذلك، هل تدرك ايها القارئ الكريم حجم الاحراج الذي وضعتها فيه ووضعت نفسي ايضا.

ثم هل صادفك انك قلت شيئا ما في وقت ما لياتي احدهم وبدون سابق انذار ويكرر ماقلت في مجلس ما ،فهل تعي حجم الاحراج!

ان هذه الامور وغيرها تضعنا في دائرة الاحراج محرِجين ومحرَجين ،فلذلك علينا ان ننتبه ونكون اكثر فراسة في ادارة المواقف.

ولتلافي الاحراج الذي نتعرض له في حياتنا اليومية او ان نعرض المقابل له بقصد او دون قصد ابتداءا من القاء التحية وحتى اخر كلمة علينا مراعاة الاتي:

- اختيار التحية المناسبة التي يفضلها فلان ويرفضها اخر وهي حق من حقوقه يجب ان نراعيها مادمنا نتعامل مع هذا الانسان كثيرا.

- الابتعاد عن (كيف ولماذا ومالسبب) خصوصا اذا كان التعامل رسميا فهذه التساؤلات التي تحرج المقابل ليس لها مبرر وقد يكون غير مستعدا للاجابة او انه لايسمح ا صلا بالتدخل في خصوصياته.

– الانتباه الى التفاصيل الدقيقة واظهار ردة فعل مختلفة قد  تنقذك من الاحراج.

- خذ من الموقف نفسه ادواتك التي تنقذك منه وداوها بالتي كانت هي الداء بطريقة ذكية.

- مراعاة ظروف المقابل الشخصية والاجتماعية والابتعاد عن التعمق بحياته التي لاتخصنا بشئ بل ان الالحاح عليه اورفع الحواجز قد يشعره بعدم الرضا وقد يرد بطريقة ما او انه يكتم مشاعره حفاظا علينا من الاحراج.

- عند احراج المقابل علينا ان نتدارك الامربان نغير الموضوع او نحاول ان نتلافاه بطريقة ذكية تجعل من الموقف اخف حدة.

-اذاكان الموقف يستوجب الاعتذار فعلينا ان نعتذر دون تردد لان الاعتذار ثقافة  بحد ذاتها لايدركها الكثيرين.

- تذكر ان ماحدث قد حدث ولن تستطيع تغييره لكن عليك الابتعاد قدر الامكان عن المواقف المشابهة التي حدثت وتركت ردة فعل داخلك.

- لكل انسان طريقة بالتعامل والحديث ومراعتنا لهذه الخصيصة تجنبنا الكثير من الاحراج.

- لا تتعامل مع الجميع على انهم شخص واحد فلكل شخصيته الخاصة وميوله المختلفة وتذكر ان اصابع اليد الواحدة مختلفة .

- في حال وجدت نفسك بموقف محرج ،حاول تغيير الموضوع بشكل عفوي يجعل المقابل ينتبه فيتوقف عن احراجك.

-هناك مواقف تحتم عليك الصمت لان الكلام او اي اضافة قد تزيد الطين بلّة وياخذ الموقف انعطافات اخرى،وقد يكون صمتك مؤشر على عدم الرضا الذي يجعل المقابل يفرمل.

هذه الامور وغيرها نتعرف من خلالها على الطريقة السليمة التي تبعدنا عن احراج انفسنا واحراج الاخرين،فبقليل من اللباقة والاحتواء الذكي للامور نجنب انفسنا والاخرين الكثير الكثير من المواقف المحرجة.

واخيرا اقول: انتبه لاقوالك وافعالك وتذكر انها كالسهم اذا انطلقت فلن تعود ثانية..

 

مريم لطفي

 

 

عبد الجبار الرفاعيمسارُ القلبِ غير مسارِ العقلِ التساؤلي التشكيكي الذي لا يهدأ. طريقُ القلب أقصرُ وأسهل وأجمل الطرق إلى الله، وأسرعُها حضورًا في ملكوته، طريقُ القلب يجعل الدينَ مُلهِمًا للمحبة والنور والفرح. ‏هذا طريقٌ يعرفه ذوو التجارب الروحية، وهو منبعُ طمأنينة القلب وسكينة الروح والسلام الذي يعيشونه في حياتهم.

الإيمانُ نورٌ يكشفُ للإنسان وجودَ الله ويوصله به، ويشكّلُ المنبعَ الأغزرَ لمعنى وجود الإنسان ولحياته ومصيره وأمله بالخلود، وهو حالةٌ يعيشها الإنسانُ وحقيقةٌ يتذوقها، هذه الحقيقة أمرٌ وجوديٌ، وهي تختلف عن التصور الذهني أو الشعور النفساني. الإيمانُ نورٌ ينعكس فيه تجلي الإلهي في البشري، وشهودُ البشري للإلهي، "وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ". يقول خافيير زوبيري: "كلُّ وجود انساني هو تجربةٌ للألوهية... العقلُ يعجز لوحده عن الادراك المباشر لله، فلا يُتمثَل اللهُ عن طريق العقل وحده، لكن أيضا عن طريق التجربة". "أقوى برهان على وجود الله هو إمكانُ تجربته وإدراك حضوره. الله معطى تجريبي، ومضمون محسوس للتجربة، وحالة روحانية"، حسب تعبير المتصوّف الهندوسي رادها كريشنان.

الإيمانُ ليس فكرةً نتأملها، أو معرفةً نتعلمها، أو معلومةً نتذكرها. الإيمانُ حالةٌ للروح نعيشها، وتجربةٌ للحقيقة نتذوقها، ثمرةُ الإيمانِ تُعرف بمقدار إثرائه للسلام الباطني. تبتهجُ للإنسانِ الأرضُ لحظةَ يبتهجُ قلبُ الإنسان بأنوار الإيمانِ. الإيمانُ يختزنُ كنوزَ الله في القلب، أجملُ وأرقّ لغة يتجلى فيها الإيمانُ هي لغةُ القلب. لغةُ القلب تتسعُ لحالاتٍ لا تتسعُ لها الكلماتُ، إنها أعذبُ لغة مشتركة بين كلِّ الناس في كلِّ زمان ومكان.

يحتاج الناسُ إلى من يتعلمون منه كيف يستمعون الى نداء قلوبهم. القلبُ هو الطريقُ إلى الله، مادام القلبُ يحتضنُ الإيمانَ فلا جدوى من تكرار محاججات المتكلمين غير المنتجة لطمأنينة القلب وسكينة الروح.كلُّ دليلٍ على الله لا يمكن أن يوصلنا إلى الله بالشكل الذي يوصلنا فيه القلبُ إلى الله، يعجز الدليلُ خارج القلب عن كشف الصلةِ الوجودية للخلق بالحق، ولا تنكشفُ في مثل هذا الدليل تجلياتُ جمال الله في الوجود، ولا يمكن أن تشرق بواسطته أنوارُه على القلوب.

ورد في دعاء عرفة المروي عن الإمام الحسين "ع": "اِلهى تَرَدُّدى فِى الآثارِ يُوجِبُ بُعْدَ الْمَزارِ، فَاجْمَعْنى عَلَيْكَ بِخِدْمَة تُوصِلُنى اِلَيْكَ، كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِما هُوَ فى وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ اِلَيْكَ، اَيَكُونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهُورِ ما لَيْسَ لَكَ، حَتّى يَكُونَ هُوَ الْمُظْهِرَ لَكَ، مَتى غِبْتَ حَتّى تَحْتاجَ اِلى دَليل يَدُلُّ عَليْكَ، وَمَتى بَعُدْتَ حَتّى تَكُونَ الاْثارُ هِىَ الَّتى تُوصِلُ اِلَيْكَ". مَنْ يحاول الاستدلالَ على الله بمخلوقاته، كمَنْ يحاول الاستدلالَ على النور خارج النور، النورُ يكشفُ عن نفسه، وينكشفُ فيه كلُّ شيء غيرَه. "اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ"، "أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ". اللهُ هو الدليلُ على اللهِ، لا دليلَ أجلى منه عليه، ولا طريقَ أقرب منه إليه، هو القريبُ في بُعده، البعيدُ في قُربه. الكلُّ مدعوون للقاءِ الله، لا البُعد يُقصيهم، لا القُرب يُدنيهم. ما أكثف شذرة النفري وأغناها وهي تكشف للإنسان عن توهمه بوجود مسافة وبُعد مكاني يبعده عن الحقّ: "القُربُ الذي تعرفه مسافةٌ، والبُعد الذي تعرفه مسافةٌ، وأنا القريبُ البعيدُ بلا مسافة". ويرسم جلال الدين الرومي صورة بهيجة لشهوده لله: "هو الذي توطّن مدينةَ القلب فأين أُسافر. هو الذي سكنَ حدقةَ العين فإلام أنظر". أما عبد الحق بن سبعين فيوبخ الإنسانَ المستريب: "يا هَذَا، غُضّ بَصَرَ إدراكِكَ عن غيرِ اللهِ، ثم قُلْ لنفسِكَ: يا خَسِيسَةَ المنزلة، متى ثَبَتَ سِوَاهُ حَتَّى تستريبي فيه، وتَغُضِّي بَصَرَكِ عنه؟! هو الله! فلا هو إلا هو، ولا يمكن غيرُ ذلك".

اللهُ هو الدليلُ على اللهِ، يُعرَف هذا الدليل على وجود الله ببرهان الصِّدِّيقين. أول مَنْ صاغ هذا البرهانَ ابنُ سينا، وهو من أطلق عليه هذه التسمية، وأعاد بيانَه فلاسفةٌ مسلمون، وفلاسفةٌ مسيحيون، مثل: توما الأكويني، وفلاسفةٌ يهود، مثل: موسى بن ميمون. وأخيرًا أعاد بيانَه بتصويرٍ جديد ملا صدرا الشيرازي، وواصل بيانَه ملا هادي السبزواري، ومحمد حسين الطباطبائي.

الإيمانُ كما يعيشُهُ ويتذوقُهُ أصحابُ التجارب الروحية المضيئة مسعىً أبدي لاستبصارِ تجلياتِ الحبِ والخير والجمال في كلماتِ الله التدوينية والتكوينية. الإيمانُ ظاهرةٌ تفشلُ وسائلُ الكشفِ العلمي المتاحة عن إدراك كنهها وتحليلِ جوهرها، وإن كانت تدرسُ آثارَها المتنوعة في حياة الفرد والمجتمع. الإيمانُ من جنس الحالات الوجودية، و"قوالب الألفاظ والكلمات لا تتسع لمعاني الحالات"، حسب تعبير محيي الدين بن عربي.

الإيمانُ تجربةٌ روحية، كلُّ تجربةٍ روحية هي تجربةٌ وجودية تفشل اللغةُ في التعبير عنها، وإن تحدثت عنها فإنها تخون دلالتَها في التوصيل والإيضاح، لأنها لا تستطيع أن تتحدث عنها إلا بكلمات وعبارات ضبابية مبهمة غامضة. الرموزُ أشدُّ دلالةً على الإيمان، وعلى كلّ تواصلٍ وجودي مع الله والغيب، بل إن الكلماتِ والعبارات عندما تتحدث عن الله أو الغيب تستعير دلالةَ الرموز، لأنها تشير إلى ما هو مجرّد عن المادة وآثارها، الغيبُ لا يتمكن الإنسانُ أن يتواصل معه بالمعاني الظاهرة للغة القاطنة في فضاء الزمان والمكان والحواس.

الطريقُ العقلي إلى الله لا جذوةَ فيه، ولا ينتج سكينةَ الروح وطمأنينةَ القلب. لا يتمسك فلاسفةٌ مشاهيرُ بطريق العقل، ويرون أنه يخذلنا ولن يوصلنا إلى الله، أمثال: إيمانويل كانت، وسورين كيركيگورد، وغيرُهما. ولا يعبأ عرفاءُ في مختلف الأديان بطريق العقل، أمثال: محيي الدين بن عربي، وجلال الدين الرومي، ومايستر إكهارت، وغيرُهم. يقول جلال الدين الرومي: "إن قدمَ أصحاب العقل والاستدلال قدمٌ خشبيةٌ مهزوزة غير ثابتة". و"يروى أن الفخرَ الرازي مرَّ في الطريق وحوله أتباعه وتلامذته الكثيرون، فرأته عجوز مؤمنة في جانب الطريق فسألت: من هذا؟ فقالوا: هذا الفخر الرازي، الذي يعرف ألف دليل ودليل على وجود الله تعالى، فقالت: لو لم يكن عنده ألف شك وشك لما احتاج إلى ألف دليل ودليل، فلما سمع الفخر الرازي بذلك، قال: اللهم ايمانًا كإيمان العجائز".

الإيمانُ حالةٌ روحية متسامية، الإيمانُ جوهرةٌ كيفية لا تخضع لقياسات كمية مادية، إنه شروعٌ في سفر وجودي للعروج نحو الحقّ. حينما لا يحيا الإنسانُ الدينَ كصلة حيّة متوثبة بالحق، بل يُقدّم للمرء بوصفه مقولات ومفاهيم وأفكارًا وشعارات، يجب أن يعتنقَها الكلُّ، ويحفظَها الكلُّ، ويتطابقَ فيها الكلُّ، فلن يرتوي القلبُ بالإيمان ولن يبتهج بلذة وصال الحق. يصير العقلُ مستودعًا يختزن مجموعةَ محفوظات، هي بمثابة مومياءات محنطة مفرّغة من أية شعلة روحية متوهجة. يكتب محيي الدين بن عربي: "إن الإيمان نور شعشعاني، ظهر عن صفة مطلقة لا تقبل التقييد، والمؤمنون فيه على قسمين: مؤمن عن نظر واستدلال وبرهان، فهذا لا يوثق بإيمانه، ولا يخالط نورُه بشاشةَ القلوب، فإن صاحبَه لا ينظر اليه إلا من خلف حجاب دليله، وما من دليل لأصحاب النظر إلا وهو معرّض للدخل فيه والقدح ولو بعد حين، فلا يمكن لصاحب البرهان أن يخالط الإيمان بشاشة قلبه، وهذا الحجاب بينه وبينه. والمؤمن الآخر الذي كان برهانُه عينَ حصول الإيمان في قلبه، لا أمر آخر، وهذا هو الإيمان الذي يخالط بشاشة القلوب، فلا يتصور في صاحبه شك، لأن الشكَ لا يجد محلًا يعمره فإن محله الدليل".

الإيمانُ لايتحقّق بالنيابة، خلافاً للفهم والمعرفة، ففي عملية الفهم يمكن أن يتلقى الإنسانُ معارفَه من شخص آخر، أو يقلّد غيرَه في آرائه، الإيمانُ تجربةٌ تنبعثُ في روح الإنسان، إنه صيرورةٌ تنبعثُ بها الروحُ وتتوهجُ.

كما أن القلبَ هو الطريقُ إلى الله، هو أيضًا بوصلةُ بناء وترسيخ أثرى العلاقات الإنسانية في الحياة وأخصبها، وأغناها بالحميمية والتراحم،كعلاقات الأمهات والآباء بالأبناء، وكلِّ العلاقات الإنسانية في إطار العائلة الواحدة.كلُّ علاقة إنسانية أصيلة لا يمكن أن تنمو وتتغذّى وتتجذّر إلا بعواطف ومشاعر نبيلة تستقى من القلب.

 

د. عبد الجبار الرفاعي

 

حاتم حميد محسنلماذا تجعلنا التكنلوجيا أقل انتاجية؟ طبقا لدراسة جديدة ووفقا لقانون ميتكالف القديم(1)، فقد اتضح ان التكنلوجيا هي حقا تقتل الانتاجية. فريق من Bain & company حلّل بيانات عن الكيفية التي ينفق بها الناس أوقاتهم اثناء العمل. بعد ان ربطوا هذا مع المخرجات المتحققة واجمالي عدد الموظفين، كانوا قادرين على رؤية تأثير التكنلوجيا على العمل.

" يمكن ان تكون للتكنلوجيا منافع هائلة في ميدان العمل"، حسبما يذكر مايكل مانكينز، وهو احد الشركاء في شركة Bain & company، بمقال له في مجلة هارفرد بزنس رفيو. " ولكن من الإنصاف السؤال عما اذا كنا وصلنا الى نقطة تناقص المردود في بعض المجالات".

لماذا تجعلنا التكنلوجيا نتحرك ببطء؟

رائد التكنلوجيا (روبرت ميتكالف) تنبأ بان قيمة الشبكة تزداد مع مربع عدد المستعملين لها. غير ان، قانونه له سلبياته ايضا. كلما تقل التكاليف، يزداد عدد التفاعلات أضعافا مضاعفة. جميع هذه التفاعلات تأخذ وقتا. لنتصور الموقف قبل ثلاثين سنة. اذا كان المدير بعيدا عن مكتبه،فهو سيجد  مذكرة تقول هناك مكالمة فائتة – ربما 1000 مكالمة فائتة في السنة. هذا اصبح لاحقا على شكل بريد صوتي voicemail – حوالي 4000 في السنة. حاليا ومع مجموعة واسعة من وسائل الاتصال (ايميل،سكايب،رسائل فورية،هاتف)،ارتفع هذا العدد الى 30 ألف اتصال.

الجانب المظلم لقانون ميتكالف

المدراء التنفيذيون اليوم يستلمون حاليا اكثر من 30 ألف اتصال خارجي كل سنة. هذا بدوره ينطبق على الاجتماعات. عقد الاجتماعات كان مهمة اكثر تعقيدا. الان، تقترح البيانات ان 15% من الوقت الكلي للشركة يُنفق في الاجتماعات. وهي نسبة تزداد كل سنة منذ عام 2008.

كل هذه المسائل تشير حقا الى ان التكنلوجيا هي استنزاف وهدر للانتاجية بدلا من ان تكون مساعدا لها.

ماذا تقول البيانات؟

بحوث Bain & company تؤكد ذلك. بافتراض 47 ساعة عمل في الاسبوع، فان المشرف او المدير المتوسط  يُتوقع ان تكون لديه أقل من 7 ساعات عمل متواصل اسبوعيا، حيث وجدت التحليلات ان متوسط الساعات المخصصة للاجتماعات هي 21 ساعة، و 11 ساعة لإرسال وقراءة  الايميلات والاجابة عليها. اخيرا، هناك جزء كبير آخر للوقت الضائع في كلا جانبي الاجتماعات وفي الايميلات الناتج عن تركيز الانتباه. كل هذا يساهم مجتمعا بخفض العمل المتواصل(عمل بدون انقطاع او صرف انتباه) الى أقل من 7 ساعات اسبوعيا.

ان المهام اليومية ايضا تأخذ وقتا أطول. طبقا لدراسة حديثة، 60% من العمال كان عليهم استشارة على الأقل عشرة عمال آخرين يوميا فقط لكي يؤدوا أعمالهم بالشكل الصحيح. نفس الدراسة تقترح ايضا انه في الخمس سنوات الأخيرة، قفز وبشكل كبير مقدار الوقت المطلوب لإنجاز الأعمال. التعيين في الوظائف يحتاج الى عشرين يوم أطول مما كان عليه في عام 2010، بينما الوقت المطلوب لإنجاز مشروع IT للمكتب زاد بمقدار شهر في الفترة بين 2010 و 2015.

ماذا يجب ان نعمل؟

يقترح ماكنز خطوتين لنتأكد من نجاح التكنلوجيا في الأعمال وان لا تعمل ضدها.

1- يجب على المنظمات ان تنظر في ما اذا كانت التكنلوجيا توفر وقت الناس ام لا. اذا كانت فقط تقلل التكاليف، فلابد اذاً من النظر اليها بشك.

2- حسبما يرى مانكنز فان الشركات يجب عليها ان تنظر في السلوك الخاص بها بدلا من محاولة العلاج السهل للتكنلوجيا. "العديد من الاستثمارات في التكنلوجيا الجديدة هي في الاساس حلول للسلوكيات السيئة او الاجراءات المبسطة المتعلقة بتقاسم المعلومات".

هو يستنتج ان المزيد من الاعتبارات حول تأثير التكنلوجيا على مكان العمل وخاصة الانتاجية،سيكون لها تأثير ايجابي على الأعمال، ولكن ايضا ربما نرى رفضا للاستثمارات الجديدة في التكنلوجيا .

 

حاتم حميد محسن

............................

* World Economic Forum, 7 march 2016

الهوامش

(1) قانون ميتكالف Metcalfe’s law يؤكد ان قيمة شبكة الاتصال هي تناسبية مع مربع عدد المستخدمين للنظام. اول منْ صاغ القانون هو جورج غلدن عام 1993 ثم نُسب بعد ذلك الى روبرت ميتكالف فيما يتعلق بالايثرنيت. قانون ميتكالف يصف العديد من تأثيرات شبكة الاتصالات التكنلوجية والشبكات الاخرى مثل الانترنيت وشبكات التواصل الاجتماعي و الشبكة العالمية الواسعة WWW. الرئيس السابق للجنة الاتصالات الفدرالية الامريكية (ريد هندت) ذكر ان هذا القانون يوفر أعظم فهم لعمل الانترنيت. جرى توضيح القانون أول مرة  باستعمال مثال عن ماكنة الفاكس: ماكنة الفاكس الواحدة ليس لها أي قيمة، ولكن قيمة كل ماكنة فاكس منفردة تزداد مع العدد الكلي لمكائن الفاكس في الشبكة، لأن العدد الكلي للناس الذين يرسل لهم المستعمل ويستلم منهم وثائق سيزداد، وكذلك في التواصل الاجتماعي، كلما زاد عدد المستخدمين للخدمة، كلما اصبحت الخدمة اكثر قيمة للجالية. في الأصل جرى التعبير عن القانون رياضيا على الشكل التالي:

N(n-1)/2 حيث N تشير الى عدد المستخدمين للوسيلة او الشبكة. فاذا كان لدينا جهاز تلفون واحد فليس له أي قيمة. اما 2 جهاز تلفون يمكنهما عمل اتصال واحد. بينما 5 أجهزة تلفون تعمل لنا عشرة اتصالات. وكذلك 12 جهاز تلفون ينتج عنها 66 اتصال، حيث حسب القانون يكون لدينا  (12-1)/212، ويساوي 132 بالقسمة على 2 = 66.

 

الثقافةُ الحقيقية في المجتمع لا تقوم على مفاهيم مُجرَّدة أو مَاهِيَّات غامضة أو تعابير هُلامية، وإنما تقوم على حقائق واقعية وأفكار واضحة وسلوكيات مُستقيمة، ومُهمة الأنساق الثقافية هي طرح الأسئلة بلا مُجاملة، وتكوين المشاعر الإنسانية القادرة على تغيير البُنى الاجتماعية بلا تلاعُب . والمجتمعُ لا ينهض إلا بتكريس الأسئلة المصيرية وتغيير المشاعر السلبية . وإذا استطاعَ الإنسانُ تغييرَ نظامَ حياته إلى الأفضل، فإنَّ أنظمة اجتماعية مُتقدِّمة ومنظومات فكرية جديدة ستنشأ وتنتشر في تفاصيل المجتمع، وتُعيد بناءَ الوَعْي الكُلِّي والعقل الجمعي على قاعدة تحمُّل المسؤولية ومواجهة الأزمات، وليس تبرير الأخطاء والالتفاف حولها ودفن النار تحت الرماد وترحيل الملفات إلى الأجيال القادمة .

2

الإشكاليةُ الصادمة في المجتمعات الخائفة من الحقيقة، تتمثَّل في تحوُّل الثقافة إلى قناع خادع، وأداة لتزيين الواقع، ووسيلة تخديرية للناس، وعملية ميكانيكية لرشِّ السُّكَّر على المَوت . والهدفُ من الثقافة ليس تجميلَ المَوت، وإنما تجميل الحياة، ونقل الأنساق الاجتماعية المَيتة إلى قلب الحياة . ووظيفةُ المثقف ليست تزيين الماضي بالشعارات، وإنما تزيين الحاضر بالإنجازات، واستلهام أمجاد الماضي، وصناعة أمجاد جديدة قادرة على دفع الناس إلى اقتحام المستقبل بثقة وإصرار . وشرعيةُ الثقافة تنبع مِن قُدرتها على صناعة أزمنة جديدة، وتشييد أمكنة فريدة، بعيدًا عن استعادة الأزمنة الماضية، واستعارة تجارب الآخرين، لأن كُل إنسان ابن زمانه، وكُل مجتمع له خصوصية مُتفرِّدة وماهيَّة ذاتية، وهذا يعني عدم وجود فائدة من تقليد الآخرين ونسخِ سلوكياتهم . وعلى المجتمع أخذ الحِكمة والعِبرة والمعنى الرمزي من إنجازات الأمم الأُخرى وتجاربها، ثُمَّ صناعة ظروف مُناسبة لإمكانياته وقُدراته، وإنشاء عوالم خاصَّة قادرة على احتضان نقاط قُوَّته ونقاط ضَعْفه.

3

الخَيَّاط الماهر، يهتم بنوع القُماش، لكن تركيزه على عملية تفصيل القُماش، بحيث يصير ثيابًا أنيقة تتلاءم مع تفاصيل جِسْم الإنسان، وكذلك المُثقف الحقيقي يهتم بنوع الأفكار، لكن تركيزه على عملية تفصيل الأفكار، بحيث تصير منظومةً إبداعية تتلاءم مع تفاصيل كِيان المجتمع . وكما أنه لا فائدة من الثياب النظيفة على جِسْم مُلوَّث، كذلك لا فائدة من الأفكار الرائعة في بيئة قاتلة للإبداع . وامتلاكُ البِذرة القوية    لا يعني مُجتمعًا قويًّا، ينبغي أن تتوفَّر تُربة صالحة لاحتضان تِلك البِذرة . ومنظومةُ (البِذرة / التُّربة) تُشبه منظومةَ (الثقافة / المجتمع). والثقافةُ لا تُؤَثِّر في المجتمع إلا إذا قامت على الابتكار والتجديد، بعيدًا عن الاستعادة والاستعارة . وكُل تأثير إيجابي يُمثِّل مشروعَ خلاصٍ للعقلِ الجمعي، وعمليةَ إنقاذ للعلاقات الاجتماعية، وطَوْقَ نجاةٍ للمشاعر الإنسانية. وقُوَّةُ التأثير تابعة لمركزية النسق الثقافي في الإدراكِ الحِسِّي، والتفاعلِ الرمزي، والسُّلوكِ الاجتماعي. وإذا امتلكَ النسقُ الثقافي أُفُقَه ومَدَاه، تحرَّرَ مِن سَطوةِ اللحظة الآنِيَّة، وسَيطرةِ الأهواء الذاتية، وهَيمنةِ المصالح الشخصية، وتحوَّلَ إلى ظاهرة ثقافية قائمة بذاتها، ومالكة لقرارها، ومُعْتَرَف بها معنويًّا وماديًّا . وكُل ظاهرة ثقافية مُتجذرة في شرعية المجتمع مسارًا ومصيرًا، لديها القدرة الذاتية على التكاثر، وتَوليدِ الأشكال الاجتماعية، وتحميلها بالمضامين المعرفية المنطقية . واتحادُ الشكل والمضمون يَمنع التَّشَظِّي وبَعثرةَ الجهود، ويُؤَسِّس نظامًا تكامليًّا يُمكِّن المُثقفَ مِن بناء عَالَمه الإبداعي لَفْظًا ومَعْنى .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن