مجدي ابراهيمعجباً .. لأخلاق الكاتب وهو "الأديب" "الفنان"..!

منذ زمن بعيد قرأتُ لروائيِّ معروف قوله: "نحن لا نمتلك في وطننا شرف الكتابة التي تقوم على المتعة العقلية المحضة، أو ما يُسمى فناً من أجل الفن!". إذ ذاك رحتُ أسأل نفسي: لماذا يا ترى؟ فإذا الجواب يجيء بعد لحظة صمت وتأمل ليست طويلة؛ لأننا لسنا قادرين على تقدير الكلمة ..!

ولأننا في زمن يلهج بخطف كل شيء على وجه السرعـة: خطف الأكل، وخطف الرزق، وخطف العلم، وخطف الفكر، وخطف العاطفة والشعور، وخطف الكلمة يتفوَّه بها مَنْ يدرك لها معنى ومَنْ لا يُدرك. وثقافة الخطف في بلادنا - ويا للأسف!- هى السائدة. ولن تقوم الكتابة الحقة على المتعة الذاتية المحضة، وثقافتنا العريضة والمتخصّصة خطفاً على خطف وقشوراً على قشور.

كان تولستوي الكاتب الروسي يقول: "الفن أسلوب خاص في نقل تجربتنا الفردية والاجتماعية إلى الآخرين بما في ذلك إدراكاتنا وميولنا ومفاهيمنا وإرادتنا ومعتقداتنا". والذي قاله "تولستوي" في عبارته هذه، هو الذي يقالُ عن صدق الكلمة وتقديرها. مناطُ الصدق فيها يقع على قدرة الكاتب على التصوير واقتداره - بأسلوبه الخاص - على نقل هذه المشاعر والميول والمفاهيم كائنة ما كانت أنواعها وأصنافها، فهو عمل الأديب الفنان الذي يملك القدرة الخاصّة على وصف شعوره وتجاريبه ونقل محتويات نفسه وذخائر طواياه بما فيها من آمال وآلام أو قوة وضعف إلى الآخرين؛ فإنّ عمل الفنان إنما هو عمل نفسي معنوي في أول مقام؛ بل هو عمل تتوفر فيه المقدرة على إفادة الآخر إفادة جادة تأتي قصداً لا عبثاً، وعمداً لا صدفة أو اتفاقاً، وصدقاً صدوقاً لا كذباً ونفاقاً أو تملصاً من الحقائق والمفاهيم.

والكاتب الذي يقتدر على الوصف والتصوير، ويتمكن من تجسيد المعاني وتمثيل المدركات - ما يدرك منها وما عساه يكون في طريق الإدراك - حقيقٌ بأن يكون فناناً صادقاً في الحس وفي الشعور؛ لأنه الفنان الذي يصور مدركاته وخبراته ويجسد معتقداته وآراءه ويجمع أطراف ما تفرَّق من قضايا حول قضية محورية هى بلا شك قضيته الكبرى التي يمثل فيها - وبإجادة التعبير بعد إجادة التفكير - الدوافع الكامنة في أعمق أعماقه وأكمن مكامن خفاياه.

غير أن للفن أساليب مختلفة واتجاهات متباينة وصوراً في درجات الإدراك والتذوق متفاوتة، فيها ما هو أرقى من المثال، وفيها ما هو أدنى من طينة المادة وأخس من بلادة المحسوس. وللفن الجميل بعدان: بعدٌ ذاتي وبعدٌ موضوعي، وبين البعدين تداخل وترابط ليس بينهما انفصام. لكن البعد الموضوعي فيه أهم وأبقى وأوفر للخلود والبقاء، فيه السّمات الإنسانية العامة، وفيه الحرية المطلقة التي لا تتقيد بجنس من الأجناس ولا بدين من أديان القبائل والشعوب، ولا بصك صادر من سدنة الأرباب وكهنة الزوايا والمحاريب. وهو يعلو على السطحية والعنصرية وقيود الأعراف، ولكنه يبتذل أشدُّ ما يكون الابتذال إذا لم تقيّده عبقرية الفنان، وإذا لم يكبحه جانب النبوغ الذاتي فيه.

وعلى ذلك لا يكون الفن إلا إلهاماً من وحي هداية السماء لا من وعز الإسفاف والابتذال. فالروح الإنساني هى التي تحرك مبدعات الفن الجميل، وهى التي تنفعل بالجمال وتصور الجمال على أنه "حيوية الروح" بقوة حافزة ومتجددة، وبنشاط إنساني فعَّال وبناء.

في الكلمة الصادقة جمال، وفي المعنى الخالد جمال، وفي النفخة الإلهية جمال، وفي السعي الدائب والعمل المستمر جمال، وفي تحقيق الذات جمال، وفي الفن العظيم، والرمز الخالد، والفكر الأصيل، والعظمة الحقة، والنبوغ العملاق ... جمالٌ وأي جمال؛ إذْ تذوق الجمال في هذا كله إنما هو "إحساس" من المتذوق بجمال "القيمة" يستوحيه من المعرفة ويستخلصه من بواعث الإحساس، في نفسه، بجمال الأشياء.

فإذا استمد الفن الجميل وجوده من مصدر الروح الإنساني، كان سمة عليا مشتركة بين الأمم والشعوب لا تعرف التفرقة بين النزعات والعناصر وتعدد الأجناس؛ فلا يكون - من أجل ذلك - الفنان الذي يعتمد على موهبته وعبقريته ونبوغه مخالفاً قانون الهداية الإلهية بحال. ولا يزال موضع الإلهام عنده هو ذلك القانون الإلهي الذي ذوَّدَه بقدرات الخلق والإبداع وحفظ فيه النفخة الإلهية العالية أو (الزائدة) لروح المبدع، وروح الموهوب، وروح النابغة، وروح الفنان.

فمرُّد البعد الذاتي إلى طبيعة التصوير عند الفنان، ذلك الذي يمتلك أداة التعبير امتلاكاً يستطيع أن يصور به ما كان قد تصوَّره فكراً على أكمل ما يبلغه مستطاع الكمال الإنساني من تصوير، أو لا يمتلكها فيبطش ذات الشمال وذات اليمين.

فإذا نحن طبقنا ذلك كله على "الكتابة"؛ وهى نوع من الفنون في مراحل تطورها بتطور الإنسان في مشاعره وانفعالاته واهتماماته، سنجد هذا النوع من الفن يختلف باختلاف الفنان وثقافته، والبيئة التي تفرزه وتكوِّن - من ثمَّ - فرديته المستقلة وبصماته الخاصّة. ولنضرب لك مثالاً على هذه الجزئية لتدرك معنا أن الكاتب الفنان ابنٌ لبيئته وثقافته، بنوُّةً تجيء تأكيداً على استقلاله الفردي وخصوصية بصماته:

قارن - إنْ شئت - جيل العمالقة والقمم الشوامخ من طلائع النهضة العامة في مصر والشام، وتوقف قليلاً عند الكتاب "الشّوام": الدكتور يعقوب صرُّوف، وجرجي زيدان، وشبلي شميِّل، وفرح أفندي أنطون، وغيرهم من هذا الطراز الفني البديع .. فماذا أنت واجد في كتاباتهم، بالقياس إلى ما كنت قد قرأت لجيل الرواد في مصر، والمحافظين منهم على وجه الخصوص أمثال: محمد عبده، وتوفيق البكري، وعبد العزيز جاويش، ومصطفى لطفي المنفلوطي، والرافعي، ومحمد فريد وجدي؟

لربما لاحظت اختلاف المنزع الثوري واختلاف الاعتقاد، ولربما وجدت عقولاً تضيء، وأرواحاً تخبر، وقلوباً تكشف عن ساتر المحاجيب، وأفئدة ثائرة على وضع مقلوب. ولربما رأيت تحدّياً بيّناً للسيطرة الروحية وللنفوذ الديني الجامع لزعامة الدين والسياسة والعلم في بيئة تختلف عن البيئة التي نشأ فيها جيل الرواد (المحافظين منهم) في مصر؛ ولأجل هذا، ومن أجل هذا، نشأت المعارك الفكرية ونشبت، لاختلاف المنازع واختلاف البيئات، وراح ضحيتها أبطالٌ كانوا ينزفون على الأوراق دماً لا مداداً، ومنهم "فرح أفندي أنطون"، الذي يلوح أن الشيخ محمد عبده كان قد قضى عليه في ردوده العنيفة، وبإثارته العامة ضده، والتسبُّب في كساد مجلته "الجامعة"، حتى صار ميؤوس الأمل في حمل القلم، ومات - رحمه الله - وهو على الكفاف!

فإذا عَرَفْتَ ذلك بعد الاطلاع والمقارنة، أدركت أن الكاتب ابنٌ لبيئته وثقافته؛ بل ابنٌ كذلك لفنه ومزاجه، ولأخلاقه وأفكاره، تشعل قلمه الثورة الثائرة في أعمق أعماقه، والوهج المنبعث في عقله وفكره وضميره لكل ما يكتب ويُبيِن.

أعود على ما بدأته فأقول: مَنْ يتأمل "ثقافة الخطف" كيف سَادتْ وانتشرت في مجتمعاتنا العربية، الأمر الذي أضحت فيه الكتابة لا تقوم في وطننا العربي على المتعة الذاتية المحضة بمقدار ما هى لا تقدِّم إصلاحاً على المستوى الفكري من شأنه أن يجيء بالضرورة تغييراً في زمن الإصلاح، يتفق معي في الفكرة التي أنا بصددها وهى رجوع انتشار "ثقافة الخطف" إلى افتقار الكاتب العربي إلى عنصرين أساسيين من المفترض أن يتقوَّم بهما. الأول: البُعد الفني. والثاني البُعد الخُلقي. وكلاهما يرتد معنا إلى فكرة "الحرية".

فلا معنى للفن الجميل، ولا معنى للقيم الخُلقية الأصيلة بغير الأجواء الحرة التي تنبت فيها تلك القيم، ويتكئ عليها الكاتب في كل ما يفعل أو يقول.

فما يسمونه اليوم بـ "حرية الكاتب"، ليس هو حرية "الدَّش" ورص الألفاظ في غير ضابط يؤهلها لتأدية وظيفتها الفنية، ولكنما "حرية الكاتب" تعني "حرية الفنان" على أوسع وأدق ما يمتلك هذا الفنان من حريّة. ولك أن تتصور فناناً مهملاً في عمله .. ماذا يمكن أن يقدِّم من صورة جميلة أو عمل بديع؟ لا شيء!

حرية الكاتب إنما هى صدقه في أن يعبِّر عن مشاعره وأفكاره، وينقل كوامن نفسه ودوافعها بما هو موجود فيها من نوازع وأهواء، أو من حقائق تكوَّنت في كيانه وابتعثت في وجوده فصارت منه وإليه، تصدر عنه فينسبها الناسُ إليه، وإنْ كان تلقَّاها عن آخرين؛ لأنه كان مزجها بعصارة عقله وخميرة ذوقه وحصيلة أعصابه وخلاياه؛ فإذا فرّغها على الأوراق صارت شيئاً جديداً من "ذات إنسانية" جديدة؛ اختارت أن تكتب بتلك الحرية المقصودة "والعفوية"؛ واختارت أن تكون ذاتاً حرة للتعبير عن شعورها بما ترى وتفكر، وتملك من مقومات الشعور والتفكير ما من شأنه أن يؤهلها لابتعاث مكنونات خفاياها وتصوراتها من غير قيود في ملكة الطبع أو في ملكة الاستعداد؛ فلا تعبأ بما تقع عليه من آثار لدى الآخرين إلا أن يكون شيئاً يخدم نظام الفكر ويضيف إلى خبراتها جديداً تتحرَّاه وتتولاه.

وهى كذلك لا تكترث لردود الفعل عند أحد من القارئين؛ بل عقيدتها الأولى والأخيرة هى أن تخرج ما في  جعبتها من لواعج ذلك الوجود "اللحوح" الذي يصدق عليه الصدق عينه، وتتوخى ذلك الوضوح كله، وتتحرى البيان بقدر المستطاع، فإذا هى تصور مغاليق النفس أكمل وأعجب ما يكون التصوير أمام نفسها أولاً ثم أمام الآخرين.

ولنذكر هنا مقولة لأحد المتأملين في هذه الطبيعة الفنية؛ وأظنه - إذا لم تخني الذاكرة - الشاعر المرحوم "أمل دنقل"؛ حين قال:" إنما الكاتب قلبٌ يخبر، وعقلٌ يفكر، وقلمٌ يسيطر؛ فحيث لاشعور لا فكر، وحيث لا فكر فلا بيان وحيث لا بيان فلا أدب".

إنما الكاتب مفكر يستهدي قريحته ثم يستوقد ناره المبدعة من شغاف فؤاده وخفايا ضميره، فيكتب ويبين. والكاتب الأريب يحوي الشعور والفكر والبيان والأدب جميعاً؛ لأنه يصور بشعور الشاعر، ويكتب بطريقة المفكر، ويصوغ صياغات الأديب، ويتناول بحذق ومهارة "ثورة الروح" عند هؤلاء جميعاً، فلا مناص من كونه أديباً مُبيناً مفكراً؛ يُشعرُ ويُحسِن التعبير عن شعوره، ويفكر ويجيد نقل أفكاره، ويبين ويقتدر على الإبانة والإفصاح لا لشيء إلا لأنه الفنان والأديب. على أن الكتابة الجيدة إنما هى روح صادقة تكمن في بلاغة التعبير عن اتساع الصدر بكافة الآراء. ولستُ أعني ببلاغة التعبير تلك الزخرفة الفارغة والألفاظ الضخام من غير معنى تحمله أو مدلول تستوحيه فتبلغه وتؤدِّيه؛ ولكنني عنيتُ أن بلاغة التعبير هى "خَاصّة الكاتب"، ومفرداته، وأدواته الفنية التي تهيئه لأن يكون صادقاً يحيا مع الأحياء وتظل أنفاسه خالدة ما بقيت الحياة.

وكلمة "الصدق" التي تكرَّرت معنا عمداً عشرات المرات هى أساس "ثورة الروح" في ضمير الكاتب؛ إنْ لم تكن على الحقيقة هى وتره الخالد يعزف عليه -  كلما أراد - آيات النغم الجميل؛ فهى - بلا شك - تحتاج إلى "إعادة نظر" لا بل "إعادة تثقيف" لعقول كاتبيها، مع ضرورة التمييز عندنا بين الكتابة الأدبية، وكتابة البحوث الأكاديمية؛ فإن معظم هذه الدراسات التي يُطلق عليها أكاديمية تكتب بغير روح، وكأنها "أداء مهمة" ينفض صاحبها منها يده بمجرَّد كتابتها ليفوز بنياشين الاستحقاق، حتى ولو سَرَقَ ونهب وتعدَّي وفاز بغير حق، وهو لا يستحق غير مذلة الاحتقار.

أقول؛ إنّ القدماء كانوا قديماً يقولون إنّ "الرجل هو الأسلوب". وأسلوب الكتابة وحده شيءٌ كفيلُ الدلالة على التفرقة بين كاتب وكاتب؛ لأنه كذلك شيء كفيل للدلالة على حرية الكاتب من جهة، وعلى قيوده وأغلاله من جهة ثانية.

فأما قيوده وأغلاله؛ فانسياقه كما تُساق السائمة إلى حيث يشتهي الآخرون، يكتب فيما لا يريد في الوقت الذي لا يريد، وعليه أن يُسَوِّد صفحات كانت بيضاء وكفى، بغير تقدير التبعة المُلقاة على عاتقه. أما حريته؛ ففي أسلوبه الذي يخرج معبراً عن أعمق وأدق مشاعر كاتبه؛ فيكون ممثلاً بالفعل فجاج فكر، ونزعات نفس، وعناء قريحة؛ فلا يدع حسَّاً إلا ويصوِّره، ولا معنى إلا ويورده موارد الصدق الصُرَاح بأطايب التعبير، ولا تصوُّراً إلا ويتعامل معه بريشة الفنان وإبداعه الأصيل: الخاطرُ الذي يتوارد على ذهنه، يهرع إلى تحليله وتفسيره باقتدار مُمَرن وحذق بارع وجميل. والفكرة - إذا هى غابت أو اتضحت - يذهب بصددها متعقباً أصولها مذاهبه في البحث والفهم والتعليل.

والنظرية يرجع إلى مصادرها وتاريخ جذورها ليقوم بتأصيلها وتأويل ما فهم منها. والواقع ينظر إليه برؤية العقل والنظر وعين الفكر البصير وَرُوِيَّة التدبر والتحقيق، ولا يمر عليه حدث من الأحداث إلا ويمنحه اهتماماً ويعيشه فكراً وكتابة؛ ليكون في يوم من الأيام - بهذا كله - شاهداً أصيلاً على عصره في غير ادعاء.

كان "توفيق الحكيم" أديبنا الكبير يقول في كتابه الممتع "تحت شمس الفكر" واصفاً هذا الأسلوب:" الأسلوب هو مزاج الفنان وطبيعته ووسيلته الخاصة في إظهار مكنون فكره .. أو هو الشخص - كما قال "يوفون"- هذا صحيح إلى حد ما: إنّ الكاتب إذْ يخلو إلى نفسه وقلبه، ويترك التصنُّع والتقليد يستطيع أن يهتدي إلى أسلوبه؛ لكن لا تظن الطريق هيناً: ذلك الطريق الوعر الطويل بين الإنسان وقلبه؛ إنّ القلب البشري لأعمق من أن يستكشف قراره من أول نظرة؛ إن قلب الإنسان بئر سحيقة رسِّخت فيها تجارب جنسه وأمته آلاف السنين، طبقة فوق طبقة، فعليه إذن أن ينزل طبقات هذه البئر..!!" (تحت شمس الفكر؛ نشرة مكتبة الآداب: ص104).

حقاً .. "إنّ كنوز قلوبنا العميقة لا قاع لها "..

إذا أستطاع الكاتب أن يقع على "الكنز"، أغترف منه بغير حدود، وتلقى عن قلبه مصادر هدايته هو أولاً، وكان في الوقت عينه مصدراً لهداية غيره من قارئيه: هدايتهم إلى الحقيقة المجهولة المغيَّبة، وهدايتهم إلى إعادة اكتشاف ذواتهم إزاء تلك "الحقيقة"، وهدايتهم إلى قرارة الوعي بالأسلوب الذي يَقِفَهُم على هذه الحقيقة إذا انفتحت قلوبهم بمفاتح المعنى وأسرار الهداية بكل معنى مفتوح لا ينغلق أمام فقه القلوب.

ومن أجل ذلك؛ لم يكن شاعرنا المرحوم "أمل دُنقل" مخطئاً ولا بعيداً عن الحقيقة، ولكنه أصاب كبدها عن وعي وجدارة كما يصيب المُلهَم الحقائق في لحظات الصفاء، وذلك حين قال:"إنما الكاتب قلب يخبر"؛ لأن الاهتداء إلى كنوز القلوب هو اهتداء إلى بواطن الشعور الدافعة إلى الفكر الدفَّاقة لخيال الملهَمِين. إذا اهتدى الكاتب إلى قلبه وخَلّص شعوره من شوائب الرواسب السلبية، كانت هدايته وخلوصه إخباراً بالحقيقة في كل حال فيما لو صلح القلب وأمدَّ صاحبه بالصالح الطيب على كل حال.

ذلك هو "الكاتب الرجل" الذي تجتمع فيه صفات الرجال على تفرِّقها: معدنه غير معادن الآخرين؛ لأنه "صاحب رسالة" وليس موظفاً في ديوان. وصاحب الرسالة من طراز من البشر ممتاز لا تكرِّره الدنيا كما تكرِّر تلك النسخ الآدمية ألوفاً تعقبها ألوف. إنّما هو معنى خالص من غواشي التكلف والادعاء -  أو هكذا ينبغي أن يكون - يكتب؛ لأنه يريد أن يكتب في الوقت الذي يريده، ويكتب لأن حوافز الحياة في بواطنه وأعماقه هى هى حوافز الحياة جميعاً لديه: قلبُ يخبر، وعقلُ ينير، ووجدانُ مدفوع بعوامل الخبرة وبواعث التعبير والإحساس والتغيير. وإرادة هى إنْ صدقت على شيء؛ فحريٌ بها أن تصدق على "الكاتب المفكر" الذي لا يدع عناءه يمضي دون أن يصوِّره بقلمه وأسلوبه، لكأنما يسلب من ذاته ما كان شق على غيره سلبه وتصويره وتبيانه.

وكيانٌ هو يملأ الإنسانية جمعاء ويزيدها في مخزون القيم رفعةً من جلالة المعنى وهبة الخلود. ولم تُعْرف الإنسانية في رقيها وتقدّمها إلا بمثل هؤلاء الرجال الذين يحفظونها من عيفانة الخمود والجمود والنكران وييسرون لها سبل البقاء والدوام.

قال أديبنا الكبير "توفيق الحكيم" - طيَّبَ الله ثراه - في كتابه المذكور: "القوة الحقيقية للقلم هى أن يستطيع أن يقول ما يريد، وقتما يريد أن يقول! والرجولة الحقيقية هى أن يبذل المرء دمه وماله وراحته، وكل عزيز لديه، في سبيل شيء واحد "الكرامة". والكرامة الحقيقية هى أن يضع الإنسان نَفَسَهُ الأخير في كفة، وفكرته ورأيه في كفة، حتى إذا ما أرادت الظروف وَزْنَ ما في الكفتين، رجحت في الحال كفة رأيه وفكره ..!

وكل عظماء التاريخ كانوا كذلك ..!".

هذه القوة تؤهل القلم للسيادة والعظمة والبقاء فيكون مداده أشرف من دماء الشهداء في سبيل الله، وأبقى من كنوز الدنيا ولو اجتمعت في يد أكرم الكرماء. أقْسَم الله تعالى بالقلم ولم يقسم بالمال، ولو كانت آثاره ليست بذات قيمة علوية باقية لما كان قَسَمُ الله به في كتابه بذي نفع شريف. قوة القلم في هذا الشرف العظيم؛ فإن لم يكن حامله مؤهلاً لتلك الأمانة العليا فليبحث له عن شيء آخر يحمله غير أمانة الأقلام.

*    *    *

يفقد القلم قوته إذا وجدت القوة التي ترغمه على قول لا يريده.

ويفقد القلم قوته إذا فرضت عليه الظروف أن يقول ما لا يريده.

ويفقد القلم قوته إذا لم يمتلك القدرة على قول لا يريده.

ويفقد القلم قوته إذا أختار الوقت الذي يقول فيه ما لا يريده.

ويفقد القلم قوته إذا قال ما يريده في غير الوقت الذي يريده.

ويفقد القلم قوته إذا لم يقل ما يريده في الوقت الذي يريده.

*    *    *

تلك هى حرية القلم فلنبحث لها عن وجود في هذه البلاد. يكفينا أسفاً شجياً ولوعة مخامرة أننا نعيش فيها بين إطمار الفاقة والجهل والكذب والنفاق والتلفيق؛ فلا تغير أقلامنا شيئاً ولا تقوِّم معوجاً ولا تنصف مغبوناً ولا تظهر حقاً؛ بل تطمس الحقائق وتقهر الإنصاف وتكره العدل والحق وتزور الكرامة الحقيقية وتُعلي من كرامة المنافقين والأفاقين وتُكَرِّم المأجورين ومصاصي الدماء في غير رحمة بشرف يحمله صاحب القلم الشريف.

قُلْ لي بربِّك: أين هذه القيم كلها من واقعنا الفكري والثقافي؟!

إذا نحن عرفنا للحرية الفكرية معنى، وقيمة، وريادة؛ فقد يسوؤنا مثل هذا العَسَف الضال يستشري في حياتنا بالمطلق، لا نستثني منها حياة من الحيوات؛ فقلَّ أن تجد شعاعاً من تلك الحرية يقفز على الساحة مطالباً بحقه في العقيدة والرأي وكرامة التفكير واختيار اللفظ الذي يعبر به عن رأيه واعتقاده، ولا تجد في الوقت نفسه ظلمات تحاول أن تكتمه كلما ظهر أو حاول الظهور، لكن شعاع الضوء آخر الأمر مصيره إلى ظهور مهما طال احتباسه وراء حجب القهر والتسلط والعَسَف والتضليل.

فمن استبداد الفكرة عندنا ألا نجعل لنقيضها وجوداً، ولا نعترف بما يقابلها؛ لأننا في حياتنا الفكرية والثقافية لا نؤمن بوجود نقائض لأفكارنا ولا قوابل لآرائنا؛ ولأننا نتصور غافلين أننا وحدنا الذين نملك حق خلق الأفكار وابتكارها، وغيرنا هم فقط الذين يجيدون فنون الاستقبال! مع أن الفكر ما سُمىَ فكراً إلا لأنه يحتمل "الفكرة" ونقيضها، والرأي وما يضاده أو ما يقابله.

ولا بدّ ممّا ليس منه بدٌ: أن تتلاقح الأفكار المتناقضة والمتعارضة كيما تثمر وتنتج، وأن يكون الحوار بيننا شريفاً عفيفاً بناءً ذا غاية نبيلة، منزهاً عن لوثة الأغراض الخسيسة والأهواء الوبيئة لكي تتولد - بعد هذا كله - حياة فكرية منتجة وخصبة وثرية.

         

  بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

علي المؤمنعند التأمل في كثير من مشاهد الحاضر، تتداعى في الذهن وقائع تاريخية مؤلمة، شهدت انهيارات شيعية اجتماعية وسياسية متراكمة، كان فيها التيار الديني الشيعي، يعين خصومه الطائفيين والإيديولوجيين على نفسه، ويساهم معهم ـ دون وعي ـ في تمزيق الواقع الشيعي وهضم حقوقه وتقهقره. وتتمظهر هذه الظاهرة في الصراع السياسي بين جماعات التيار الديني الإسلامي الشيعي، وانعدام الستراتيجيا المشتركة في قضايا الحكم والدولة والسياسة والمجتمع، وعدم وحدة القرار القيادي والمرجعي أحياناً وعدم نضوجه أحياناً أُخر، وتشتت الموقف الاجتماعي السياسي. وهو ما يؤدي إلى إشكاليات معقدة من الفساد والفشل والتراجع. وكلما كان الواقع السياسي رخواً ومترنّحاً؛ كان التفرق والشد المجتمعي يبرز بشكل أكبر.

ولعل نموذج ثورة المشروطة (الدستور) وانعكاساتها على المجتمعين الإيراني والعراقي بعد العام 1906 وحتى العام 1911؛ خير دليل على عمق هذه الظاهرة. ففي النجف انقسم المجتمع إلى قسمين متعارضين بشدة؛ بسبب انقسام قرار المرجعية العليا بين الشيخ الآخوند محمدكاظم الخراساني والسيد محمدكاظم اليزدي، فكان جزء من التيار الديني يؤيد الشيخ الخراساني فقيه «المشروطة»، وجزء آخر يؤيد السيد اليزدي فقيه «المشروعة» (أو «المستبدة» كما كان يطلق عليها الخصوم خطأً)، حتى بلغ الأمر مستوى الصراع المسلح والتفسيق المتبادل بين الطرفين (1). وانتهى الصراع داخل التيار الديني في النجف، بشقيه: جماعة المشروطة (الإصلاحية)، وجماعة المشروعة (الأُصولية)، إلى نفوذ التيار العلماني التركي في مفاصله الدينية والاجتماعية، وهو التيار الذي بات يتحكم بالتدريج بالدولة العثمانية منذ نهايات القرن التاسع عشر الميلادي، ويمد نفوذه في الولايات العثمانية التابعة، ومنها العراق، ثم سيطرت أحزابه على الواقع السياسي الإصلاحي في النجف بعد العام 1911، من خلال جماعة «تركيا الفتاة» ابتداءً، و«حزب الاتحاد والترقي» التركي العلماني فيما بعد.

وقسّم هذا التقسيم المجتمع الإيراني وتياره الديني بشدة أكبر؛ فكان آية الله الشيخ فضل الله النوري قائد «المشروعة» في إيران مدعوماً من المرجع السيد محمدكاظم اليزدي في النجف، وكان آية الله السيد عبدالله البهبهاني الغريفي قائد «المشروطة» في إيران مدعوماً من المرجع الشيخ محمدكاظم الخراساني في النجف. وانتهى الصراع بين الفريقين الدينيين إلى سيطرة التيار العلماني على ثورة المشروطة، وهو التيار الذي تقوده عناصر مرتبطة بالسفارة البريطانية، ومتحالفة مع عناصر ماركسية وعناصر مرتبطة بالمحفل الماسوني بطهران (بيت الصحوة). وقد تلخصت نتائج مصادرة جهود التيار الإسلامي الذي فجّر الثورة وقادها وحقق أهدافها؛ بإعدام الفقيه الشيخ فضل الله النوري في ساحة عامة بطهران في العام 1909 بعد إدانته في محكمة ثورية «مشروطية» ترأسها عالم دين ماسوني يعمل لصالح السفارة البريطانية، واغتيال الفقيه السيد عبدالله البهبهاني الغريفي في الشارع في العام 1910 على يد متطرف ينتمي إلى تيار «المشروعة» الديني، لكن الوثائق أثبتت أنّه كان مدفوعاً بدعاية التيار العلماني. وقام هذا التيار بتهديد القائد الثاني للثورة الفقيه السيد محمد الطباطبائي بالقتل، ما أدى إلى عزله. ثم سارع التيار العلماني إلى قتل المرجع الأعلى الشيخ محمدكاظم الخراساني بالسم في العام 1911 في النجف، بعد أن قرر الخراساني التراجع عن دعم المشروطة كلياً وإصدار فتوى ضدها، بعد أن تأكدت لديه سيطرة العلمانيين المرتبطين بالانجليز على ثورة

المشروطة (2)، بعد أن كان الخراساني يقود ثورة المشروطة من النجف بفتاواه وتوجيهاته، قبل أن تنحرف ويسيطر عليها العلمانيون المرتبطون بالسفارة البريطانية. وباغتيال مرجع النجف الأعلى، توّج التيار العلماني سرقته لثورة «المشروطة» وسيطرته على الثورة والبلاد؛ بتصفية قادة التيار الإسلامي باتجاهيه: المشروطة (الإصلاحي)، المشروعة (الأُصولي).

وتكرر هذا المشهد في العراق بعد حركات المقاومة والثورات التحررية التي فجّرها وقادها التيار الديني الشيعي في الوسط والجنوب ضد الاحتلال الانجليزي، والمطالبة بحكم وطني لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية. إلّا أنّ عملية الاستغفال الكبرى التي قام بها البريطانيون وعملاؤهم العلمانيون الطائفيون للشيعة وقياداتهم، أدت إلى إنهاء إنجازات مقاومة الجنوب في العام 1914 وثورة النجف في العام 1917 وثورة العشرين في العام 1920، وتصفية التيار الإسلامي الشيعي بالكامل، واستيراد شخصية سنية غير عراقية ليكون ملكاً على العراق، وتأسيس نظام علماني سني طائفي عنصري، يقوده الزعماء والضباط العلمانيون الطائفيون الذين سبق أن خدموا في الجيش التركي العثماني وحصلوا على رتبة «الباشوية» من السلطان العثماني، ثم تحولوا إلى الولاء للانجليز بالتعاون مع والي الحجاز الشريف حسين، وقفزوا على الثورة العراقية وسيطروا على الدولة التي كان ينبغي أن تنتجها الثورة (3).

وبادر النظام الجديد على الفور إلى تصفية التيار الإسلامي الشيعي وقادته ونفوذه السياسي بالكامل، وقد كان من بين إجراءات التصفية؛ تسفير قادة المقاومة والثورة من الفقهاء والزعماء إلى خارج العراق، وتحديداً إلى الهند وإيران.

وكانت أسباب انهيار التيار الديني الشيعي بعد العام 1920 تعود إلى عدم وضوح مشروعه، وافتقاره لستراتيجيا السياسة والحكم، وتناحر أطرافه وتشتت قرارهم، ورضا بعض الشيعة بالمناصب الوزارية مقابل السكوت على طائفية النظام وحكم غير العراقيين وخضوع العراق للانتداب البريطاني. فضلاً عن عمق التآمر الذي كان يقوده المحتل البريطاني، وينفذه بالتعاون مع عملائه الطائفيين العلمانيين (4).

وفي المقابل، هناك مشاهد معاكسة قائمة تتمظهر في التعاون والتعاضد بين المراجع والفقهاء وعلماء الدين وأهل الحكمة والخبرة والاختصاص، كما تتمظهر في الإذعان لزعامة مرجعية عليا واحدة كفوءة قادرة على توحيد المجتمع وتياراته الدينية، وفي وجود التخطيط والستراتيجيا الناضجة، وتوافر أدوات التنفيذ الفاعلة. هذه المشاهد هي التي منحت الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني فرص النجاح المتراكم، وظلت تمنع التيارات العلمانية والتيارات الدينية المتطرفة والجماعات المسلحة، من القفز على الثورة ومصادرة جهود التيار الإسلامي الذي فجر الثورة وخطط لها وقادها وقدم التضحيات حتى ظفر بها. وبذلك، استفاد التيار الإسلامي الشيعي من تجربة فشله واستغفاله في ثورة المشروطة في إيران وثورة العشرين في العراق.

وانسحبت هذه المشاهد على الساحات الشيعية الأُخر، كلبنان وأفغانستان والعراق واليمن وسورية والبحرين، ونجحت في تحقيق تعاون وتفاهم كبيرين بين مرجعياتهم وفقهائهم وزعمائهم وجماعاتهم، وفي تركيز حالات الوعي والحذر والفطنة والتخطيط والاستشراف. إلّا أنّ الساحة الإسلامية الشيعية الوحيدة التي شهدت تراجعاً وتفككاً هي الساحة العراقية، وذلك بعد العام 2009، وتفاقم الوضع فيها تحديداً بعد العام 2014، بعد أن ظلت متماسكة منذ العام 2003، برغم أن العراق وإيران هما أهم ساحتين شيعيتين على الإطلاق، وأنّ التراجع والتفكك فيهما يؤثر على الوضع الشيعي العالمي برمته، وهو ما يدركه خصوم الشيعة الإقليميين والدوليين، ولذلك نراهم يكرسون جهودهم لضربهما وتفكيكهما.

 

د. علي المؤمن

......................

الإحالات

(1) علي المؤمن، «الفقه والدستور: التقنين الدستوري الوضعي للفقه السياسي الإسلامي»، ص117 ـ 124. عبدالرحيم محمدعلي، «المصلح المجاهد الشيخ محمدكاظم الخراساني». الدكتور علي الوردي، «لمحات اجتماعية من تاريخ العراق»، ج5، ص101 ـ 107. رشيد الخيون، «النزاع على الدستور بين علماء الشيعة: المشروطة والمستبدة».

(2) عبدالرحيم محمدعلي، «المصلح المجاهد الشيخ محمدكاظم الخراساني»، ص94.

(3) أُنظر: حنا بطاطو، «العراق»، ج1، ص388. خليل فضل عثمان، «الطائفية في العراق: صناعة الدولة والأُمّة منذ عام 1920»، سعيد السامرائي، «الطائفية في العراق: الواقع والحل». حسن العلوي، «التأثيرات التركية في المشروع القومي العربي»، و«الشيعة والدولة القومية في العراق». علي المؤمن، «حكم المركب الطائفي القومي في العراق»، مجلة دراسات عراقية، 1999، و«سنوات الجمر: مسيرة الحركة الإسلامية في العراق»، و«صدمة التاريخ: العراق من حكم السلطة إلى حكم المعارضة».

(4) أُنظر: سعيد السامرائي، «الطائفية في العراق: الواقع والحل». حسن العلوي، «التأثيرات التركية في المشروع القومي العربي» و«الشيعة والدولة القومية في العراق». علي المؤمن، «حكم المركب الطائفي القومي في العراق»، مجلة دراسات عراقية، 1999، و«سنوات الجمر: مسيرة الحركة الإسلامية في العراق»، و«صدمة التاريخ: العراق من حكم السلطة إلى حكم المعارضة». صلاح عبدالرزاق، «المرجعية والاحتلال الأجنبي».

 

حقائق الوجود الاجتماعي تُمثِّل نظامًا إنسانيًّا قادرًا على تأويلِ الأنساق الثقافية وتجميعِ الإفرازات المعرفية، وتركيزِها في بؤرة الأفكار التي تتفاعل مع تفاصيل الحياة اليومية . وإذا انتقلت الظواهرُ النظرية ذات الطبيعة الفلسفية من التَّجريد إلى الواقع، فإنَّ معايير جديدة ستنشأ في المجتمع، وتُعيد صياغته وفق أساس عقلاني أخلاقي، يُوازن بين الشعور المعنوي باعتباره ماهيَّةً وجوديةً للتماسك الاجتماعي، وبين المصلحة المادية باعتبارها قُوَّةً دافعةً لأحلام الفرد وطاقاتِ الجماعة . وعمليةُ التوازن بين الشعور المعنوي والمصلحة المادية هي الضمانة لحفظ المجتمع كَجِسْم حَي وفَعَّال، يملك القُدرةَ على مُمارسة أنشطته الحيوية، وتحقيق الاستقرار الذاتي في المشاعر الإنسانية والأفعال الإبداعية والتطبيقات الواقعية، بدُون الحاجة إلى إسناد خارجي، أو البحث عن شرعية خارج حدود المجتمع، لأن المجتمع الحَيَّ والفَعَّال هو مانح الشرعية لِنَفْسه، وواضع القوانين لنظام حياته، ولا يَنتظر الشرعية مِن أحد، ولا يأخذ القوانين مِن غَيره. وهذه هي فلسفة الوجود الاجتماعي النابعة مِن طبيعة كِيانها، والعارفة بحدوده، والمُدرِكة لأبعاده .

2

الوجودُ الحقيقيُّ يقوم على رُكْنَيْن: الوَعْي المعرفي الذي يُكوِّن ضوابطَ التغيُّر الاجتماعي في ضَوء التطورات الثقافية، والقُوَّة الذاتية التي تُجسِّد الشَّرعيةَ والمَشروعيةَ، شَرعية الحُلْم الإنساني ومَشروعية تطبيقه على أرض الواقع. والوَعْي والقُوَّة مُتلازمان ومُندمجان، يُوجَدان معًا، ويَغيبان معًا . وإذا حدث انفصال بينهما، فهذا دليل على عَجْز المجتمع الإنساني عن تَوليدِ أنساق معرفية إبداعية، وتحويلِ الكلام إلى فِعْل، وتأسيسِ مبادئ منطقية تَحكم السلوكَ الفردي، وتتحكَّم بقوانين الجماعة . لذلك ليس غريبًا أن يكون الوَعْي هو قُوَّةَ الفرد، والقُوَّة هي وَعْي الجماعة، وهذا الترابط المركزي هو أساس التلاحمِ الإنساني، والالتحامِ بين مُكوِّنات النسيج الاجتماعي. ولا يُمكن تشييد البناء الاجتماعي على قاعدة الحرية والتحرر، حرية التفكير والتحرر من الخَوف، إلا بتجسيد الوَعْي في خصائص المجتمع الإنساني، لحمايته مِن التفكك والصراع مع العناصر الداخلية والصدام مع العناصر الخارجية . وبما أن الاستقرار شرط للإبداع، والإبداع طريق النهضة، كان لِزَامًا إنتاج أنساق ثقافية وظواهر اجتماعية، تُدرِك قيمةَ الوَعْي وأهميته، وتُوفِّر له حاضنةً شعبيةً، كي يصيرَ أسلوبَ حياةٍ وثقافةَ مُجتمعٍ . وعندما يحتضن الشعبُ فكرةً ما، فإنَّه سيُدافع عنها، ويَحميها مِن الاندثار، ويَمنحها شرعيةَ الوجود في قلب التفاعلات الاجتماعية . وبذلك تُصبح للفِكرة سُلطة قائمة بذاتها، وتأثير في المصالح الشخصية والمنافع العامَّة . وعندما تمتلك الفكرةُ سُلطةً ذاتية، تستغني عن سياسةِ الأمر الواقع، وسُلطةِ المعرفة المُستمدة من الإسناد الخارجي.والفِكرةُ الحقيقية هي التي تستطيع الصُّمودَ في الزمان والمكان وحيدةً، بدُون عوامل خارجية، ولا مُسلَّمات افتراضية، ولا حماسة المُدافعين عنها . وكُل ضوء لا يَنبع مِن ذاته، فمصيره الانطفاء عاجلًا أَمْ آجِلًا، ومَن انتظرَ طَوْقَ النَّجَاة مِن الآخرين فقد حَكَمَ على نَفْسه بالغَرَق، ومَن كانت شرعيةُ وجوده مُستمدةً مِن وُجود الآخرين، فسيجد نَفْسَه في نهاية المَطَاف وَحِيدًا بلا وُجود ولا شرعية.

3

العلاقاتُ الاجتماعية لَيست كُتَلًا وجودية صَمَّاء، أو قوالب حجرية جاهزة مُسْبَقًا، وإنما هي تيارات واعية ومنطقية، تُدرك طبيعةَ ذاتها، وتتدفق باستمرار في صَيرورة التاريخ، الذي ينتقل من الإدراك الشُّعوري إلى الفِعْل المادي . ووظيفةُ العلاقة في إطار التواصل الاجتماعي هي تأسيس منطقها الخاص، وتشييد طريقة التفاعل المُتَّزن والمُتوازن مع الإنسان والبيئة واللغة . وهذا يُسهِّل عملية تكوين نُظُم فكرية قادر على التَّكَيُّف معَ الظروف الصعبة التي تضغط على الحُلْم الإنساني، وتُهدِّد وُجودَه، وتُشكِّك في شرعيته ومَعناه وجَدْواه . وإذا استطاعت النُّظُمُ الفكرية استثمارَ منظومة الوَعْي والقُوَّة بكل تفاصيلها الزمنية وانعكاساتها المكانية، مِن أجل صناعة حالة اجتماعية عامَّة وشاملة تؤمن بأن الوَعْي هو قُوَّة الحُلْم الإنساني، والقُوَّة هي الوَعْي بالحُلْم الإنساني، فإنَّ الأحلام ستدخل في دائرة الحقائق الاجتماعية، والمشاعر ستدخل في حيِّز الأفعال التطبيقية .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

صلاح حزامطالما ارتبطت السياسة السعرية في اذهان الكثيرين بالنظام الاشتراكي المُخَطَط، لكن التطبيقات لا تقول بذلك.

في النظام الاشتراكي المخطط مركزياً، تكون مؤسسات الدولة هي التي تُنتِج وتستورد وبالتالي هي التي تضع الاسعار . ذلك السلوك حتمي بحكم ان المدراء لايستطيعون التسعير حسب تقديرهم لأن ذلك يجعل الرقابة المالية غير ممكنة ويفتح ابواب الفساد والتلاعب. كذلك فأن التخطيط المالي يصبح مستحيلاً لأن الايرادات المتوقعة تُصبِح غير معروفة من قبل المركز لأن اسعار البيع غير محددة مسبقاً..

وهكذا تُصبح سياسة التسعير المركزي امراً حتمياً.وليس ذلك يعود فقط لغرض التخطيط المالي وتخطيط الايرادات بل لممارسة نوع من التوجيه عن طريق اداة السعر لأستهلاك الناس ودفعهم نحو نمط الاستهلاك الذي تريده الدولة.. حيث تدخل اعتبارات مثل العوامل الصحية والاخلاقية والاجتماعية في عملية تحديد اسعار السلع والخدمات من أجل تشجيع او تحديد وكبح استهلاكها. كذلك فأن شحة بعض المواد او كونها كمالية ( وفق تقديرات السلطات في الغالب، بالطبع). يضعون تسعيرة للكهرباء مثلاً تدفع نحو التقنين والاقتصاد في استخدام الكهرباء.

في نظام السوق لايقولون عنها سياسة سعرية بشكل مباشر ، لكن تطبيقات سياسات الدولة المختلفة لاسيما السياسة المالية تؤكد وجودها.

فانواع الضرائب والمكس وضريبة القيمة المضافة توضع بهدف التدخل غير المباشر لمنع او تقنين الاستهلاك.

لقد تم رفع اسعار السجائر في بريطانيا بشكل كبير جداً لدوافع صحية ولجعل التدخين عملية مكلفة جداً .وجعلوا ايرادات الضريبة الأضافية على السجائر

تذهب للقطاع الصحي الذي يتحمل تكلفة معالجة ضحايا التدخين.

وقد اخبرني احد الاصدقاء المقيمين في بريطانيا ، ان ايرادات تلك الضريبة الاضافية تبلغ عشرين مليار جنيه استرليني.

العديد من الدول تمنح المنتجات الخاصة بالاطفال معاملة ضريبية خاصة .كذلك تُمنح انواع معينة من الادوية معاملة خاصة وكذلك مستلزمات المعوقين وكبار السن . رفعوا الضريبة على الوقود (البنزين والديزل ) للحد من استخدام السيارات الخاصة مع وجود نقل عام كفوء.

الكثير منها تطبِّق نظام التعريفة التصاعدية او المزدوجة على استهلاك الكهرباء لعقلنة استهلاك الكهرباء.

مؤخراً وفي عهد الرئيس الامريكي ترامب أستخدمت سياسة فرض الضرائب على المستوردات من دول مختلفة ولمختلف المواد بهدف تقليص الطلب عليها داخلياً ودفع الناس لشراء المُنتَج المحلي ، حيث ان فرض الضرائب يجعل الاسعار ترتفع عملياً..وذلك يقلّص الطلب..

لاتوجد دولة رأسمالية واحدة تتفرج اجهزتها على قوى السوق الحرة وهي تتصرف بالحياة الاقتصادية والاجتماعية كما تشاء.

الآن نعود للوضع في العراق، حيث ان هوية النظام الاقتصادي التي يراد لها ان تكون آلية السوق الحرة الرأسمالية، لم تتبلور بعد ولم تكتمل بنيتها المؤسسية والقانونية والثقافية.

ثقافة الدولة الراعية لازالت موجودة بقوة والاصوات التي تنادي بإحياء القطاع الاشتراكي لازالت عالية مع ان ذلك القطاع قد تحوّل في معظمه الى خردة سواء بسبب الاهمال او السرقة او التقادم الفني والفيزيائي.

الثقافة السائدة لم تزل غير قادرة على قبول فكرة السوق الحرة ووجود أثرياء وتمايز طبقي حاد . لازال الحنين قائماً للشعارات الرومانسية الاشتراكية التي تدعو للمساواة بين الناس.

الدعوات الى ضرورة وجود دولة قوية ومُسيطرة في ميدان السياسة والأمن، تنسحب ضمنياً على الاقتصاد ويريد الكثيرون وجود هيمنة حكومية اقتصادية تحمي الفقراء..

المشكلة ان الدولة الضعيفة في الامن والسياسة لاتستطيع فرض تشريعات او اجراءات تنظيمية في مجال الاقتصاد يحترمها الناس.. الناس لاتدفع فواتير الكهرباء مثلاً !! ولافواتير الماء !!

ولاتستطيع فرض ضريبة للحد من الكحول والتدخين لان التهريب والغش يحول دون ذلك..

الحلقة مفرغة تماماً..

اخبرني احد الاصدقاء من الاساتذة العارفين بالأمور خلال زيارتي للعراق، ان التجار الفاسدين يستوردون الكحول والسجائر لكنهم يسجلونها كحليب اطفال لكي لاتخضع للضريبة (بالتواطؤ مع المنافذ الحدودية)!! وبذلك لا أحد يعرف على وجه اليقين ماذا يستورد العراق بالضبط.

 

د. صلاح حزام

 

 

علاء اللاميلم ترد عقوبة قتل المرتد عن الإسلام في القرآن!

أمست قضية الرِّدة عن الدين ومتفرعاتها كاستسهال تكفير الآخر "رميه بالرِّدة عن الدين إلى الإلحاد أو إلى دين آخر" وإهدار دمه واستحلال ماله وعِرضه أمرا شائعا وخطيرا في عصرنا مع صعود الحركات الدينية التكفيرية التي تلصق نفسها بالإسلام؛ فما حقيقة هذه العلاقة وهل وردت عقوبة بقتل المرتد عن الإسلام في القرآن أو في الحديث النبوي؟ وما الموقف الفقهي المعاصر منها؟

لقد قرأنا الكثير مما كتبه العلمانيون العرب والعراقيون، وسواء كانوا علمانيين تقدميين مناهضين للغرب الإمبريالي ومدافعين عن استقلال بلدانهم أو علمانيين قشريين يروجون الثقافة الغربية المعادية للثقافات المحلية لشعوب الجنوب "العالم الثالث" وأديانها السماوية وغير السماوية، فهؤلاء العلمانيون القشريون جزء عضوي من المنظومة السياسية والثقافية البرجوازية الرجعية وهم يهاجمون ثقافات وأديان شعوبهم ويسكتون عن الرجعيات الدينية والقومية في الغرب الاستعماري، ظانين -عن جهل أو قصد - أن هذه هي العلمانية، وهي في حقيقتها ليست إلا نوعا من الدونية والخداع والتضليل.

واقعاً، فإن كتابات العلمانيين - من الصنفين - تأتي لتعكس آراء من كتبوها، بغض النظر عن نسبة مقاربتها للموضوع ولكنها تأتي عمليا من خارج الرؤية الدينية الإسلامية، وهي لذلك لا تخلوا من النزوع الأيديولوجي العلماني المنحاز قليلا أو كثيرا لمنطلقاته ومتبنياته الفكرية، وهي في ذلك لا تختلف عن آراء وكتابات الإسلاميين - تكفيريين وغير تكفيريين - وأيديولوجيتهم المنحازة للتكفير وإلغاء الآخر ماديا وفكريا، لكننا لم نقرأ إلا نادرا، كتابات تعريفية متوازنة لإسلاميين تحاول أخذ متغيرات العصر الذي نحياه بنظر الاعتبار في معالجة هذه الموضوعة "عقوبة المرتد والمتهم بالكفر"، ومن هذا النادر -الجريء نسبيا- أقترح عليكم أن نقرأ سوية دراسة مهمة - رغم عدم اتفاقي مع استنتاجها الرئيس، للباحث الإسلامي المستقل محمد سليم العوا، والذي  كان قد ترشح كإسلامي مستقل في الانتخابات الرئاسية المصرية سنة 2012 إلى جانب مرشحي اليمين الليبرالي والإخوان المسلمين والناصريين وغيرهم - دراسة بعنوان "قضية الردة هل تجاوزتها المتغيرات؟" نُشرت قبل أقل من شهرين: هذه مجموعة فقرات منتقاة من هذه الدراسة القيمة والمتوازنة والموثقة بالمراجع الإسلامية تليها مجموعة من الاستخلاصات التي خرجت بها من قراءتي الشخصية وأطرحها للنقاش:

فقرة1: ورد ذكر الكُفر بعد الإيمان -أي الرِّدة- في القرآن الكريم في بضع عشرة آية. عبَّر القرآن الكريم في بعضها بلفظ "الرِّدة"، وفي بعضها بتعبير "الكُفر بعد الإسلام"./ يورد الكاتب سبعة نصوص قرآنية.

فقرة 2: "جميع هذه الآيات الكريمة التي قدمنا نصوصها لا تشير من قريب أو من بعيد إلى أن ثمة عقوبة دنيوية يأمر بها القرآن لتُوقَّع على المرتد عن الإسلام، وإنما يتواتر في تلك الآيات التهديد المستمر بعذاب شديد في الآخرة، ويُستثنى من ذلك ما أشارت إليه آية سورة التوبة رقم: 74، التي يتضمن نصها الوعيد بعذاب أليم في الدنيا والآخرة. ولكن هذه الآية لا تفيدنا في تحديد عقوبة الردة في الدنيا؛ لأنها إنما تتحدث عن كفر المنافقين بعد إسلامهم. ومن المعلوم أن المنافقين لا عقوبة دنيوية محددة لهم؛ لأنهم لا يُظهِرون الكفر، بل يخفونه ويظهرون الإسلام. والأحكام القضائية في النظام الإسلامي إنما تُبنى على الظاهر من الأعمال أو الأقوال، لا على الباطن الذي انطوت عليه القلوب أو أسرَّته الضمائر".

استخلاصات:

1- لا توجد عقوبة محددة في القرآن للمرتد عن الإسلام والكافر به.

2- يوكل أمر المرتد والكافر بدينه الإسلام إلى الله ليعاقبه يوم القيامة.

3- العقوبة في الدنيا الواردة في الآية 74 من سورة التوبة خاصة بالمنافقين وليس بالمرتدين وهي لا تحتوي على عقوبة محددة.

* الفقرة 3: إن استنباط عقوبة المرتد أو تأسيسها على فهم بعض الآيات المتقدم ذكرها، التي تبين عقاب المرتد في الآخرة ينافي صريح قوله تعالى: "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" (البقرة: 256). وقد فطن ابن حزم -رحمه الله- إلى هذا التعارض بين تقرير عقوبة المرتد استناداً على بعض الآيات التي فيها وعيد المرتدين، وقوله تعالى: "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"، فذهب إلى أن هذه الآية الأخيرة من منسوخ القرآن.

* الفقرة 4: ولكن دعوة النسخ في هذه الآية غير مسلمة؛ فالنسخ لا يكون إلا بنقل صريح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو عن صحابي يقول: "آية كذا نُسخت بآية كذا". و "لا يُعتمَد في النسخ بأقوال عوام المفسرين، بل ولا اجتهاد المجتهدين... فالمقرر في أصول الفقه أن القرآن لا ينسخه إلا قرآن مثله، أو سُنة متواترة. وقد جمع السيوطي -رحمه الله- الآيات التي صح فيها عند العلماء أنها منسوخة وهي إحدى وعشرون آية، وليس من بين هذه الآيات قوله تعالى: "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ".

* الفقرة 5: وعلى ذلك فإن قوله تعالى: "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" محكم غير منسوخ، وهذا هو المتفق مع ما تكرر تقريره في القرآن الكريم من حرية الفكر والرأي والاختيار، على نحو يشعر بأن ذلك من أصول الإسلام التي لا يدخل مثلها النسخ ولا التبديل.

استخلاصات:

1-آية "لا إكراه في الدين" محكمة وليست منسوخة.

2-هذه الآية تضمن حرية الفكر والاختيار في القرآن لجميع الناس.

3-وهي أصل من أصول الإسلام لا يجوز فيها النسخ ولا التبديل.

*الفقرة 6: أما عقوبة المرتد وكونها من عقوبات الحدود "فيستند فيها إلى" بعض أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. وأكثر هذه الأحاديث تداولا ثلاثة أحاديث هي:

أ – حديث المحاربين من عكل وعرينة (وعُكْلٌ: قَبيلةٌ مِن قَبائلِ العرَبِ، وعُرَيْنةُ: حَيٌّ مِن قَبيلةِ بَجيلةَ ومنهما جاء رجال إلى النبي فبايعوه على الإسلام، ومرضوا في المدينة فنصحهم النبي بالخروج مع رعاة إبل المسلمين ليشربوا من ألبانها فتصح أجسامهم فخرجوا مع الفتيان الرعاة وقتلوهم قتلة بشعة جدا ومثلوا بجثثهم وسرقوا الإبل وهربوا. فأرسل الرسول في آثارهم بعض الصحابة فطاردوهم وقبضوا عليهم وجاؤوا بهم الى النبي فأمر بقتلهم بالطريقة نفسها التي قتلوا بها الرعاة الفتيان.

والرأي السائد بين جمهور العلماء -وهو الصحيح من وجهة نظرنا- فهو أن النفر من عكل وعرينة لم يُقتلوا لمجرد الردة، وإنما قتلوا لكونهم محاربين... ولا يصح أن يكون مستنداً للقائلين بأن عقوبة الردة هي القتل حداً؛ لأن جريمة العرنيين لم تكن الردة فحسب وإنما كانت جريمتهم هي الحرابة؛ ولذلك عُوقِبوا بعقوبتهم. أو عُوقِبوا قصاصًا منهم لما فعلوه برعاة الإبل التي سرقوها، حيث إنهم قتلوا الرعاة ومثَّلوا بهم فاقتُصَّ منهم بمثل ما فعلوا.

ب – أما الحديث النبوي الذي يقول : "من بدل دينه فاقتلوه"، فسوف نورد ما ذكره الباحث حوله في الجزء الثاني والأخير من هذه المقالة، وفيه سأنشر روابط الفيديو والدراسة ومتعلقات أخرى... يتبع.

 

علاء اللامي- كاتب عراقي

 

محمد عمارة تقي الدينفي يقيني أن الاستبداد هو تهديد مباشر للأمن القومي للشعوب، هو قلق واضطرابات ومجاعات، هو مصارع الأمم ونهايتها.

والحقيقة أن الاستبداد لا يزال كظاهرة بشرية - وبالرغم من المؤلفات الهائلة التي نُسجت حوله - بحاجة لدراسات أكثر عمقاً لسبر أغواره وحصر آثاره القاتلة على المجتمعات الإنسانية .

وها هو الفيلسوف اليوناني أفلاطون يصف لنا بدقة ما يفعله الطاغية بشعبه من موبقات باعتبارها إستراتيجية كل طاغية للقضاء على الحرية وإخضاع الشعوب وقتل نخوتها واغتيال وعيها الجمعي، وكأن أفلاطون بحديثه القديم هذا يخاطب عالم اليوم وكأن التاريخ يعيد إنتاج نفسه بشكل رتيب.

وبحسب ما أورده الأستاذ إمام عبد الفتاح إمام في مؤلفه الرائع (الطاغية)، يقول أفلاطون واصفا بدقة إستراتيجية الديكتاتور، أي ديكتاتور، في حكم الشعوب :" يبدأ الطاغية حكمه بالتقرب من الناس ويجزل بعض وعوده ويتصنع الطيبة والود مع الجميع، وفي الوقت ذاته يبدأ في تكوين حرس قوي حوله بحجة المحافظة على مطالب الشعب ومراعاة مصلحة الشعب ذاته، ثم يبدأ في تأمين وجوده في الداخل والخارج، ففي الداخل يتخلص من المناوئين له وعندما يأمن هذا الجانب فإنه لا يكف أولا عن إشعال الحرب تلو الأخرى حتى يشعر الشعب بحاجته إلى قائد وكذلك حتى يضطر المواطنون الذين أفقرتهم الضرائب إلى الانشغال بكسب رزقهم اليومي بدلا من أن يتآمروا عليه، وعندما يجد زعيم الشعب نفسه سيداً مطاعاً فإنه لا يجد غضاضة في سفك دماء أهله، فهو يسوقهم إلى المحاكمة بتهم باطلة،إنه يحتقر القوانين، ولما لم يكن شيء يقف في وجه الطاغية المستبد فإنه يصبح عبد الجنون أو ينقلب حكمه إلى كارثة فهو يقتل المواطنين ظلما وعدوانا ويذوق بلسان وفم دنسين دماء أهله ويشردهم، عندئذ يصبح هذا الرجل طاغية ويتحول إلى ذئب "، ولكي يؤكد أفلاطون أطروحته نجده وقد استدعى واحدة من الأساطير اليونانية والتي تتحدث عن تحول الطاغية إلى ذئب وأن المرء إذا ما ذاق قطعة من لحم الإنسان ممتزجة بلحم قرابين مقدسة فإنه يتحول حتماً إلى ذئب، إذ أن الطاغية لا يرويه ولا يكسر ظمأه إلا دماء أفراد شعبه.

ويكمل أفلاطون حديثه عن مراحل تحول الحاكم إلى طاغية، فيقول: " فإذا شك أن لبعض الناس من حرية الفكر ما يجعلهم يأبون الخضوع لسيطرته فإنه يجد في الحرب ذريعة للقضاء عليهم، لهذا السبب كان الطاغية دائما مضطرا إلى إشعال نيران الحرب، وظلم الطاغية لا يعرف تفرقة بين المواطنين، وليس للطاغية صديق فهو لا يمانع في الغدر بالأصدقاء أو المعاونين إذا ما اشتبه فيهم... فهو إذا وجد من بين أولئك الذين أعانوه على تولي الحكم فئة من الشجعان الذين يعبرون عن آرائهم بصراحة أمامه وفيما بينهم وينتقدون ما يقوم به من تصرفات فإن الطاغية لابد أن يقضي على كل هؤلاء، وهكذا شاء طالعه أن يظل طوعا أو كرها في حرب دائمة مع الجميع حتى يطهر الدولة منهم، ويا لها من طريقة في التطهير إنها عكس طريقة الأطباء فهؤلاء يخلصون الجسم مما هو ضار فيه ويتركون ما هو نافع، أما هو فيفعل العكس ذلك أنه لا يستأصل إلا المفيد والنافع لأنه لا يقضي إلا على الشرفاء والمفكرين والشجعان والمخلصين الذين يرفضون نفاقه، وهو بدوره سيحتاج إلى حرس أكبر عددا وأشد إخلاصا ومن ثم يلجأ لأن يدفع لهم أجورا كافية، فالشعب الذي أنجب الطاغية يجد نفسه مضطرًا لإطعامه هو وحاشيته وحين يدرك الشعب ذلك سيكون هذا الطاغية أقوى من أن يستطيع الشعب إسقاطه وهذه هي الكارثة " ، ويؤكد أفلاطون أن : " الطاغية لا يتقاعد أبدًا، إما أن يموت أو يطيح به شخص آخر، وأنه كلما طالت مدة ممارسته للطغيان ازدادت هذه الطبيعة تأصلًا فيه".

والطاغية، وكما يذهب إمام عبد الفتاح إمام : " يجد الظروف المواتية له في عالم متخلف ترتفع فيه نسبة الأمية ويغيب الوعي"، متسائلا: " حتى لو افترضا أن للطاغية ايجابيات هائلة فما قيمة هذه الايجابيات إذا كان ثمنها تدمير الإنسان وتحطيم قيمه وتحويل الشعب إلى جماجم وهياكل عظمية تسير في الشارع منزوعة النخاع شخصيات تافهة تطحنها مشاعر الدونية والعجز واللا جدوى فإيجابيات الطاغية مهما كثرت فإن ثمنها باهظ جدا وهو ضياع الإنسان، وكما يقول السيد المسيح " ماذا يفيد الإنسان لو أنه ربح العالم كله وخسر نفسه".

والطاغية لا يمكنه أن يمارس طغيانه إلا في ظل وجود شعوب مستعدة لذلك ومتقبلة له، فقبل الطغيان هناك القابلية للطغيان، إذا جاز لنا أن نستعير من طرح الفيلسوف العربي مالك بن نبي.

ولا نريد أن نغادر تلك الفكرة من دون الإشارة إلى بعض الأطروحات الرجعية التي ذهبت إلى أن هناك شعوب بطبيعتها تفضل الانقياد للمستبد ولا يصلح معها النظام الديمقراطي، فهي ادعاءات عنصرية كذَّبتها الدراسات الحديثة التي غاصت في أكثر مستويات التحليل عمقاً والتي أكدت أن الحرية هي قيمة جوهرية نائمة في أعماق كل البشر،هي فطرة الله التي فطر الناس عليها، ولكن الشعوب تمر بمراحل تطور حتى تتفهم قيمة الحرية ومركزيتها في حياتها.

من هنا يمكننا وبلا مبالغة تصنيف الشعوب حضارياً بحسب موقفها من الحرية، فكلما تحضرت الشعوب كلما عظمت عندها قيمة الحرية، تأسيساً على ذلك يمكن أن نضع (بارومتر الحرية) لقياس مدى تحضر الشعوب ورقيها في سلم الحضارة.

وبالقطع لا ندعو لحرية مطلقة أو فوضوية بل حرية منضبطة يضع المجتمع نفسه أسس انضباطها تأسيساً على قناعاته الفكرية والدينية، حرية مسئولة يراقبها الشعب ذاته رقابة ذاتية عبر منظماته ونقاباته وتجمعاته المعبرة عنه ويضع من أجلها المواثيق الحاكمة والمؤطرة لها.

ومن ثم فعلى الشعوب أن تدرك أن الحرية قيمة غير قابلة للمقايضة بأي شيء آخر، وكما يقول بنيامين فرانكلين: " من يضحى بالحرية من أجل الأمن لا يستحق أي منهما " ونحن نقول لن يحقق أي منهما.

 

دكتور محمد عمارة تقي الدين

 

 

عصمت نصارلمّا كانت الحجة البرهانية أعلى درجات اليقين فقد تعمدنا الاستشهاد بالعديد من الأمثلة التي تقطع بوجود اضطراب وتناقض واضح في خطاب "الجابري"؛ بل وافتقاد الاتزان والاتساق والمسحة العملية التي تؤهله للأدراج ضمن المشروعات الإصلاحية في الثقافة العربية المعاصرة.

وقد أوضحنا مدى ضعف حجته في مسايرته لغلاة المستشرقين وإنكارهم (مسألة أميّة النبي) وأن الله، دون غيره، هو الذي أوحى إليه بأخبار الديانات السابقة وواقعات الأمم الغابرة واستشراف الأحداث اللاحقة. وبيّنا أيضاً أن ترديد "الجابري" بمثل هذه الادعاءات لم يضف سوى قلقاً أو تشويشاً لأذهان الشبيبة المسلمة والرأي العام التابع. وذكرنا أن أكابر الباحثين المسلمين العرب قد ردوا على هذا الزعم ومنهم البحاثة الطبيب محمد توفيق صدقي (1881-1920م) حول حقيقة أن النبي كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب وهي سلسلة مقالات على صفحات مجلة المنار عام 1905م. ومحمد فريد وجدي الذي قام بالرد على هـ. فرانك فوستر -عام 1936م على صفحات الأزهر- الذي ادعى أن النبي قد أضطلع على تراث الأقدمين وتعلم على كهنة ورواة ومؤرخين، وذلك في مجلة (the moslem world) التي تصدر في الولايات المتحدة الأمريكية. والسيد محمد الطاهر بن عاشور (1879- 1973م) عن معجزة الأمية على صفحات مجلة الهداية الإسلامية عام 1939م. وحسنين خليفة وحديثه عن النبي الأمي في مجلة منبر الإسلام عام 1948م. وأحمد بن حجر آل بوطامي (1915-2002م) في كتابه (الرد الشافي على من نفى أمية سيد الأوائل والأواخر) عام1968م.

وحريُّ بي في هذا السياق الإشادة ببحث الأستاذ خالد محمد عبده (نظرية النبي الأمي في التراث الإسلامي) المنشور في مركز البحوث المعاصرة في بيروت عام 2017م. وحسبي أن أوضح تهافت حجة "الجابري" على بطلان أميّة النبي بعد استعراضه لآراء رواد السيرة والمؤرخين والفقهاء والمفسرين القدماء التي لم تنتهي إلى رأي قاطع في المسألة، وبات الحكم على إثباتها أو إنكارها ظني لا يكفر قائله بالسلب أو الإيجاب. وانتهى أن علة هذا التخبط والاختلاف عدم اعتماد المتكلمين على دلالة اللفظ في سياقه (النبي الأمي) وذلك في ضوء أسباب النزول والمفهوم العام للمصطلح في القرآن، أي الاعتماد على تفسير القرآن بالقرآن. وأعتقد أن هذه الحل الذي يقترحه "الجابري" يختلف عن منهجه التفكيكي وذلك لأنه يعتمد على دلالة تراثية أو مفهوم ثابت ومع ذلك أن حديثه على هذا النحو ليس بالأمر الجديد. وهناك من المتكلمين القدماء أو المحدثين ذهبوا إلى أن ربط مسألة أمية النبي بزمن ورود الآيات يتضمن اعترافاً بأن الرسول كان في فترة زمنية أمي وفي فترة أخرى يكتب ويقرأ. وخلاصة ذلك أن "الجابري" في هذه المسألة مجرد ناقل فحسب. ويقول في ذلك (ليس في القرآن، إذاً، ما يدل على أن النبي محمد (ص) كان يجهل القراءة والكتابة. لقد أوضحنا أن وصفه ب(النبي الأمي) لا يعني أنه "أمي" بمعنى عدم المعرفة بالقراءة والكتابة بل لأنه من "الأمم" التي ليس لها كتاب منزل. وكذلك الشأن في لفظ "الأميين" الوراد في القرآن كقوله تعالى "هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم"؛ فالمقصود هم العرب في مقابل أهل الكتاب من اليهود والنصارى.

هذا من جهة ومن جهة أخرى بينا بتفصيل كيف أن قوله "وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذاً لارتاب المبطلون" لا يدل على أنه (ص) كان يجهل القراءة والكتابة، فهذا المعني يقع خارج سياق هذه الآية. ومع أن في ما تقدم ما يكفي في هذا الموضوع فإنه من المناسب هنا بيان كيف أن خصوم النبي من قريش لم يتهموه بكونه كتب القرآن. لقد اتهموه بكونه يتلقى ما ورد فيه، وخاصّة القصص، من أشخاص من أهل الكتاب "نصارى" كانوا في مكة وكان يجلس إلى بعضهم، ولكن لم يذكر أحد من الرواة أن خصوم الدعوة المحمديّة من قريش قد نسبوا إليه كتابة القرآن... عندما نبهت في الفقرة السابقة إلى خلو اللغة العربية من أصل للفظ "أمي" وما اشتق منه "أميّة" و"أميون"، وقلت إن هذه الكلمة مُعرَّبة وأن أصلها يرجع إلى لفظ "الأمم" الذي أطلقه اليهود على غيرهم ممّن ليس لهم كتاب منزل، لم أكن أنطق عن الهوي؛ بل كان ذلك عندي نتيجة بحث واستقصاء ترتب عليهما موقف نقدي لتلك الفكرة التي تلقيتها (لست أدري كيف ومتى!) والتي تربط اسم "الأمي" والمصدر الصناعي "الأميّة" بعدم معرفة القراءة والكتابة، وهو المعنى الذي نستعملهما فيه إلى اليوم من دون أن يكون لهذا الاستعمال أصل في اللغة العربية يسنده، سوى ما جرت عليه العادة.

وأضاف "الجابري" أن المعاجم اللغوية العربية قد تأثرت بالدلالة القرآنية للفظة "أمي" بتأييد المعنى الذي رجّحه الجمهور أي عدم معرفة النبي بالقراءة والكتابة. حجتاً في ذلك أن الأصل الاشتقاقي للفظة (أمية) ليست عربية. ويقول في ذلك (دليل ذلك أن أيّاً من المعاجم العربية لم تذكر شاهداً من الشعر أو النثر العربي قبل الإسلام، ورد فيه لفظ الأمي بمعنى عدم المعرفة بالقراءة والكتابة) وقد تأثر "الجابري" في ذلك بنهج "طه حسين" في مؤلفه (في الشعر الجاهلي).

كما أن هذا الزعم الذي أتى به الجابري مردود عليه من قبل علماء المسلمين ويراجع في ذلك الخليل ابن أحمد الفراهيدي (718-786م) في معجمه (العين). ويشير "الجابري" إلى خطورة المعتقدات الفاسدة على صلب العقيدة مبيناً أن هذه المسألة التي نحن بصددها أضحت ضمن مبحث النبوة عند المتكلمين ومثار قضايا عقدية عند المحدثين والمعاصرين.

وصفوة القول إن "الجابري" لم يقدم لنا حلاً لهذه المسألة؛ يبرر إعادة إثارته لها في حين أن في إمكانه القول بأن هذا القضية مفتعلة والغرض منها هو التشويش على الحقائق أو إثارة ما يؤدي إلى الارتياب على السيرة النبوية ثم الأحاديث ثم مصدر القرآن وأخيراً إلغاء الثابت والأصل في الدين. وعندي فمن اليسير مسايرة المعترضين على مفهوم "أمية النبي" (عدم الدراية بفن الكتابة والقراءة) بالقول أنه كان يقرأ ويكتب ولكن بآليات مختلفة عما يعتقدون، وتلك الآليات ربانية شأنها شأن المعجزات. كما يمكن مسايرة المثبتين لعدم تعلمه قبل وبعد البعثة على يد أحد ممّن كان يخالطهم، وذلك بدليل تشعب ما جاء به من معارف وأخبار ومن دقائق المسائل التي مازلنا نعجب من علمه بها.

أضف إلى ذلك كله، أن قوله - صلوات الله وسلامه عليه - "ما أنا بقارئ" لا ينقص من كلامه شيئاً؛ لأن معيار الكمال الإنساني يختلف عن معيار الكمال الإلهي؛ فمن ذا الذي يعلم كل شيء غيره عز وجل؟

ولمّا كان نهج "الجابري" هو المُسايرة والتكرار، وترديد مزاعم غلاة المستشرقين والشّكاك في العقيدة، فسوف نكتفي بهذا القدر من مناقشة ما جاء في كتابه (مدخل إلى القرآن الكريم) مثل حجته في إعادة ترتيب آيات القرآن حسب التنزيل، أو المقابلة بين القصص التوراتي والقصص القرآني، وعلة تباين لغة تناظر النبي (صلوات الله وسلامه عليه) مع الأغيار؛ فإنّ مثل هذه المزاعم تشير إلى أن ترتيب آيات وسور القرآن ليس توقيفياً أي أنه من صنع النبي (صلى الله عليه وسلم). في حين أنه يكرر ويؤكد ويقطع في مواضع عدة من هذا الكتاب أن القرآن هو كلام الله الذي مازال وسوف يظل محفوظاً شكلاً ومضموناً بمنأى عن التبديد والتبديل.

ويقول "الجابري" في ذلك "القصص القرآني ليس مجرد حكاية أخبار؛ بل هو بيان وبرهان: وسيلة في الإقناع تدعو للاحتكام إلى العقل بعيداً عن أساليب اللاعقل.

وحسبي أن أنبّه على دهاء وحرفية "الجابري" في صياغة الاستنتاجات والخواتيم ويتمثل ذلك في استخدامه عبارات تحمل الرأي ونقيضه، والتعبير بكلمات متعددة الدلالات، الأمر الذي يصيب المتلقي بتشويش الرؤى والارتياب في الأحكام. ويؤكد في الوقت نفسه تمكنه من استيعاب نهوج كتابات الاستشراق العقدي وسوف نبيّن ذلك في مراجعتنا العامة للقضايا المركزية التي أثارها في مشروعه المزعوم.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: عصمت نصّار

 

 

حاتم حميد محسنعندما نكون على الساحل، نأخذ قسطا من الشمس، نمرح في أمواج البحر ونسبح معها. ان الحضور هناك شيء بهيج بذاته، ولكن لماذا؟ ماهو الإغراء التأملي في ذلك المكان الذي يلتقي به المحيط مع الارض؟

على خلاف الانغلاق المرتب في داخل بيوتنا، او المناظر الطبيعية في الضواحي والمدن، نجد البحر يفتح مسافات هائلة دون عوائق. نحن فيه نغرق، يبتلعنا المشهد. كم الانسان صغيرا هنا، نبدو كما لو اننا جئنا وجه لوجه مع اللامتناهي. مع ذلك، اللمحات الانسانية لغير المحدود هي في الحقيقة اوضح تجلّي لمحدوديتنا. ما يتجسّد هو تعريف صارخ لحدود تجاربنا الخاصة. النظر الى ما وراء مجال رؤيتنا هو خط الافق، وحيث يلتقي المحيط مع السماء - الخط الأنقى والأشد استقامة الذي يمكن ملاحظته في الطبيعة.

عادة، خط الافق تحجبه أشياء كالأشجار والأبنية او الجبال والتلال. اما هنا، لاشيء عدى الهواء والضوء. مع اتساع الماء نحن نمتلك احساسا واضحا بالرحابة والوضوح، لكنها رحابة مقيّدة ووضوح محدود. نستطيع ان ننطلق في سفينة ونسافر باتجاه الافق، ولكن حتى عندما تتراجع الارض خلفنا، سيبقى الافق شاخصا هناك كما هو دائما. نحن نستطيع بالطبع المغامرة بعيدا حتى نلتقي بالشاطئ المقابل. مع ذلك، فان افق الادراك الحسي يبقى هو ذاته حتى عندما تتغير تلك الاشياء الكامنة في الافق – اشجار وتلال تحجب السماء المنفتحة. لكن مع وجود الافق المنكشف على الساحل، سنرى شيئا نادرا لم نره بطريقة اخرى وهو البداية والنهاية المحددة لنهارنا التي تبدو في شروق الشمس وغروبها. غروب الشمس يسرّنا ليس فقط بالحركة والألوان الساحرة والجميلة وانما ايضا بأهمية ما نرى: الدلالات الطبيعية لأيامنا المحدودة على هذه الارض. في هذا تأتي الى الوجود الزمانية الكاملة لتجربتنا نسبة الى الموقع الحالي للشمس عبر السماء. كذلك تأتي الى الوجود المكانية التامة لتجربتنا قياسا بأجسامنا . لذا فان ما يراه المرء على الساحل هو كيف تبدو الأشياء هنا وفي هذه اللحظة، وان الصعوبة التي يواجهها المرء في الساحل، هي الحضور المكاني هنا والوجود الزماني الآن.

الافق الزماني والافق المكاني، يعرضان ساحلا رائع جدا، وايضا يضيئان مزيدا من تجربة المشاة التي تتكشف في المناطق الحضرية واماكن الضواحي العادية. في الحقيقة، كل تجربة تستلزم آفاقا مكانية وزمانية. الأغاني التي نستمع لها فيها ملاحظات وكلمات تأتي الى الوجود من وراء افق وعينا الحاضر. كلمات صديق، تأتي الينا واحدة بعد الاخرى ببطء وبطريقة تسمح لفكر الصديق ان يظهر امامنا. وعندما تشرق كل ملاحظة وكل كلمة، تغرب ملاحظات وكلمات اخرى، فقط لتحتفظ بها ذاكرتنا. 2575 الافق الفينومينولوجي

الأشياء العادية ايضا تستلزم آفاقا للتجربة. في طعام مشترك مع صديق، مثلا، هناك حضور لكل صحن جديد، وتدفّق الأذواق يعمل في كل مضغ بما في ذلك االطعام الافتتاحي المنعش، الطعام الوسطي اللذيذ، والذوق الممتع الذي يتبقى بعد انتهاء تناول الطعام . وهناك حركة عالية ايضا، لأن الطعام (الافتتاحي) القليل يفتح الطريق الى قليل من قائمة الطعام، وهذا القليل بالنهاية يفتح الطريق للحلويات بالاضافة لحركة المحادثة من موضوع الى آخر. وحتى العناصر غير الديناميكية تستلزم آفاقا من الاستكشاف. طاولة الغداء، مثلا، لها جوانب حاضرة تواجهك وجوانب مخفية لن تراها، لكن قليل من الحركة من جانبك قد تغيّر محتوى التجربة – الجوانب الغائبة تصبح حاضرة، والجوانب الحاضرة تصبح غائبة – مع ثبات حقيقة ان هناك حدود للتجربة. بالطبع الساحل هو مكان ديناميكي، بينما تتقدم موجة بعد اخرى، ترتطم، تتراجع، بصوت عال ومتواصل. الأمواج هي جذابة ومخيفة معا من حيث قوتها المثيرة. حركة الموجة تعمل ايضا بالشكل المضاد كما لو انها تهددنا: تعال إلعب معي – ان كنت شجاعا كما يعلم راكبو الامواج، هناك تشويق ممتع للسباحة في الامواج، والتجذيف يصبح اكثر صعوبة في الموجة المرتفعة، وفي النهاية اذا كنت محظوظا، فان القوة الجامحة للموجة قد تحملك بلا عناء نحو الشاطئ.

بعض الأمواج تقدم لنا ألطف وامتع الجولات في حياتنا، بينما اموج عارمة اخرى تصدمنا وتسحقنا في غضبها. لكن كل موجة تبرز من وراء افق تجاربنا، سوف نتوقعها ونلتف معها. افق التجربة يمكن ان نلمحه في الافق وحيث تلتقي السماء بالبحر، هناك تجربة عند الساحل، تجربة لكل موجة. لامحدودية المحيط هي مؤشر لمحدودية التجربة الانسانية.

 

حاتم حميد محسن

 

كاظم لفتة جبران عملية التضاد التي تعتري حياتنا بين الحب والكره هي شبيهة لما يتميز به الكون من وجود المتضادات في مكوناته، فهل نحن جزء من صيرورة الكون ام صيرورة الكون جزء من حياتنا، إنها المفارقة التي تعتري كل شيء في الوجود بما فيها الأفكار و الموجودات المادية، فنحن البشر ايضا نتكون من نفس وجسد، وتقام حياتنا وتعاملاتنا مع الآخرين وفق لمفهوم الحب والكره، ففي البحث عن فكرة الحب ترى أنها تقابل الخير، وعن الكره ترى أنها تقابل الشر، فلو تابعنا التفسير والتحليل للحب والكره وفقا للخير والشر بوصفهما القيم الاخلاقية العليا التي تستند إليها الأفعال في حركتها الافقية والعمودية .

فالخير منبعه الله اما الشر فاعلة الشيطان، أما الحب والكره فهي من فعل الإنسان لكون يعتمد على تعاملاته مع الأخرين، فالخير والشر موجهه على الإنسان من الخارج، أما الحب والكره ينبع من داخل الإنسان، فالخير والشر ممتلئ به الكون، أما الحب والكره تتصارع به النفوس، فالحب شيء معنوي كونه فعل من أفعال الخير، والخير كقيمة مطلقة يتجلى من خلالها الله، أما الشر فهو مادي، لذلك يتم توجيهه الخير من خلال الحب، ويتم توجيه الشر من خلال الكره، فمفهوم الخير والشر اصلهما أفكار، أما الحب والكره أفعال، وتتجسد الفكرة من خلال الفعل، لذلك الحب والكرة تجسيد لأفكار الخير والشر، فيتشابهان من ناحية ان الحب معنوي والكره مادي، فيظن الكثير ان فعل الحب يدل على الخير، وأن فعل الكره يدل على الشر، فهما يلتقيان في الأفكار ويختلفان في الأفعال، فهناك من يحب لكره، وآخر يكره لحب، فالانا تحب هذا الشيء السيء يحدث لشخص تكره، وتكره ان يحدث شيء سيء لشخص تحبه وقد يكون العكس، فسيولة الحب والكره غير متوافق مع الشر والخير، كون الأول مفهوم تتحكم به صيرورة التغير في الماديات ويتجلى فيها كونه فعل، أما الثاني مفهوم تتحكم به الأفكار و المشاعر ويتجلى فيها لذلك يكون مطلق وثابت، فالخير خير والشر شر، وقد يكون الحب ليس حبا والكره ليس كرها، لأنهما نسوقهما وفقا الأفعال وتعاملات، وتختلف فكرتنا عن الحب والكره بحسب الأيديولوجيات التي تكون بنيات حياتنا منذُ الصغر إلى أن نكبر، في الأسرة والمدرسة والبيئة كل تلك العوامل تكون صيرورة النسق الفكري والتجسيدي لمفهوم الحب والكره لكونه مكتسب ويخضع للعاطفة، أما الخير والشر مفهومان نعرفهما من خلال العقل، وهما موجودان قبل أن يوجد الإنسان، أما الحب والكره أفعال وجدت مع الإنسان، بالسلوك الإنساني وحركة تعاملاته الافقية في الأرض تكون تبعا لمفهوم الحب والكره، اما حركة تعاملاته العمودية مع السماء تخضع لمفهوم الخير والشر، فالفعل الأخلاقي الإنساني بين الانا والآخر هل نصفه بالحب، واذا كان هذا الحب حركته الفعلية متغيرة بين انسان إلى آخر، ومن مجتمع إلى آخر، وكون الإنساني يخضع إلى التعاطف، فليس من الممكن أن يكون التعاطف جيدا في الانسانية الا اذا كان واجبا، والفعل الإنساني لا يكون واجبا من خلال الحب والكره، ويمكن أن نستعير نظرية فرويد في تفسير ذلك، بما ان الانسان يتكون من عقل وضمير واهواء وشهوات، والإنساني قائم على التعاطف يعني انه خاضع إلى منطقة الأهواء والشهوات، أما الخير والشر خاضع لمفهوم المفهوم الضمير، والعقل هو الذي يحاكم الأشياء عند الإنسان، ان الصراع الذي يحدث عن كل انسان قبل كل فعل يحدث بين منطقتين الضمير والأهواء والشهوات فالعقل هو الذي يتدخل لحسم الصراع لصالح المسيطر على النفس الانسانية ثم تذهب الأخرى لمنطقة الكبت وتظهر في اللاوعي أو اللاشعور لدى الإنسان . اذان يجب أن يكون الفعل الإنساني غير خاضع للتعاطف بل يجب أن يكون العقل حاضرا في تعقله وتحليله بوصفه واجبا.

 

كاظم لفته جبر

 

 

علي المؤمنمرّ النظام الاجتماعي الديني الشيعي، منذ نشوئه في العام الحادي عشر الهجري (632م)، بمراحل تاريخية كثيرة ومتنوعة في عناوينها ومضامينها، شهدت صعوداً ونزولاً، وانفراجات وانكماشات. ويمكن حصر هذه المراحل بستة عصور أساسية، لكل منها مؤسس وقائد تاريخي، مثّل ظهوره بداية عصر جديد من الصعود والانتشار والتألق العلمي والاجتماعي والثقافي والسياسي، ويعقبه أُفول تدريجي، وصولاً إلى حالة الانكفاء والتهميش المعتادة، حتى يظهر قائد جديد بعد فترة زمنية ليؤسس عصراً شيعياً جديداً. وقد بدأ تاريخ النظام الاجتماعي الديني الشيعي بعصر الإمام علي، وهو العصر الأول الذي شهد وضع حجر الأساس، ويعيش اليوم عصر الإمام الخميني، وهو العصر الشيعي السادس.

وما يعنينا في هذه العصور هو البعد الواقعي الحسي، وليس المعنوي والروحي، وليس شخصيات المؤسسين ومستويات قدسيتهم ومقاماتهم الدينية والعلمية، بل أدوارهم الواقعية التي مثلت بداية عصر جديد، وشکّلت منعطفاً تاريخياً. أي أنّ هذه العصور ليست عصوراً علمية أو فقهية أو سياسية، بل هي عصور شاملة لصعود النظام الاجتماعي الديني الشيعي واستحكام دعائمه وقوته الميدانية.

1ـ العصر الأول: عصر الإمام علي بن أبي طالب في المدينة والكوفة

وهو العصر الذي أسسه وقاده الإمام علي، ومثّلت شخصيته قاعدة نشوء النظام الاجتماعي الديني الشيعي. وكما ذكرنا سابقاً فإنّ الحدث المفصلي الذي أدى تلقائياً إلى ولادة هذا العصر هو إبعاد الإمام علي عن استحقاقه الشرعي في رئاسة الدولة الإسلامية وإمامة الأُمّة عملياً. واستمر هذا العصر (112) عاماً، أي منذ يوم السقيفة في العام 11 للهجرة (632م)، وحتى تبلور حراك الإمام جعفر الصادق إثر تأسيس الدولة العباسية في سنة 132هـ (750م).

وشهد هذا العصر نشوء الظواهر الأُولى للنظام الاجتماعي الديني الشيعي تدريجياً خلال حكومات الخلفاء الراشدين الثلاث، ثم خلافة الإمام علي والإمام الحسن بن علي للدولة الإسلامية، وإسقاط حكومة الإمام الحسن، ثم إمامة الحسين بن علي وواقعة كربلاء، وإمامة علي بن الحسين السجاد، وثورة المختار الثقفي، وإمامة محمد الباقر والمرحلة الأُولى من إمامة جعفر الصادق وثورة زيد بن علي وحراكات العلويين الأُخر ضد السلطة الأُموية.

2ـ العصر الثاني: عصر الإمام جعفر الصادق في المدينة والكوفة

بدأ العصر الثاني على يد مؤسسه الإمام جعفر بن محمد الصادق، في العام 132ه (750م)، إثر سقوط مدينة الكوفة بيد الحركة العباسية، وبدايات انهيار السلطة الأُموية، وهي المرحلة الثانية من فترة إمامة الصادق. وقد شهد هذا العصر تبلور المدرسة الفقهية الشيعية في ظل الحرية الفكرية والسياسية والاجتماعية التي تمتع بها الشيعة، والتي ساعدت على تحكيم قوة نظامهم الاجتماعي الديني بصورة كبيرة. كما شهدت ظهور الفرق الكلامية والمذاهب السنية الفقهية التي تخلّصت إلى حد كبير من سطوة الدين الأُموي واجتماعه السياسي الموروث، وبدت قريبة من المذهب الشيعي وإمامة الصادق (1)، وغير متضادة معهما.

وعاد الواقع الشيعي إلى عصر التراجع بعد تشديد السلطة العباسية قبضتها على الشيعة. وشهد هذا العصر إمامة موسى الكاظم وعلي الرضا ومحمد الجواد وعلي الهادي والحسن العسكري ومحمد المهدي المنتظر، وانتهى بغيبة الإمام المهدي وظهور زعامة نائبه الخاص الأول الشيخ عثمان بن سعيد العمري في العام 260هـ (874م)، أي أنّ العصر الثاني استمر (128) عاماً تقريباً.

3ـ العصر الثالث: عصر الشيخ عثمان بن سعيد العمري في بغداد

مؤسس هذا العصر وقائده هو الزعيم الشيعي عثمان العمري الأسدي، المعروف بالسفير الأول والنائب الخاص الأول للإمام محمد بن الحسن المهدي، وهو الذي أسس لواقع النيابة الخاصة للإمام المعصوم بتشريع من الإمام نفسه (2)، بعد بدء غيبته في العام 260هـ (874م). وإذا كان الإمام علي بن أبي طالب هو مؤسس النظام الاجتماعي الديني الشيعي في عصر الإمامة؛ فإنّ الشيخ العمري هو مؤسس النظام الاجتماعي الديني الشيعي في عصر الغيبة.

وقد شهد هذا العصر توالي ثلاثة سفراء على خلافة الشيخ العمري، ثم بداية الغيبة الكبرى، وتأسيس الحوزة العلمية في قم، وظهور مجموعة المحدثين والفقهاء المؤسسين، كالشيخ الصدوق والشيخ المفيد والسيد المرتضى والمرحلة الأُولى من زعامة الشيخ الطوسي. كما شهد هذا العصر ظهور الدولة البويهية الشيعية التي شكلت الحماية السياسية للنظام الاجتماعي الديني الشيعي في العراق وإيران، وكذلك مرحلة قوة الدولة الإدريسية الشيعية في المغرب والجزائر وتونس، والدولة الحمدانية الشيعية في شمال العراق وأغلب بلاد الشام، والدولة الفاطمية الشيعية في مصر، والدولة العلوية الشيعية في طبرستان إيران. واستمر هذا العصر (188) عاماً، أي أنّه استمر حتى تأسيس الحوزة العلمية في النجف الأشرف في العام 448هـ (1056م)، وهو يمثل أحد العصور الذهبية للشيعة؛ إذ تخلله سيطرة الحكومات الشيعية على أغلب العالم الإسلامي (3)، لكنه انهار انهياراً مدوياً على يد صلاح الدين الأيوبي، وطغرل السلجوقي، وبقايا الأُمويين في شمال إفريقيا (4).

4ـ العصر الرابع: عصر الشيخ محمد بن الحسن الطوسي في النجف

بدأ هذا العصر مع هجرة زعيم الشيعة ومرجعهم الديني الشيخ الطوسي من بغداد إلى النجف الأشرف وتأسيس حوزته العلمية في العام 448هـ (1056م). وتميز بالتألق العلمي الكبير للمذهب الشيعي، واستحكام الدعائم الفكرية والعملية للنظام الاجتماعي الديني الشيعي وهيكليته وامتداداته في الجوار الإقليمي (5).

ويمكن القول إنّ الشيخ الطوسي أول من أسس للمركزية في النظام الاجتماعي الديني الشيعي، كما كان في عصر الأئمة الاثني عشر، حيث بات الزعيم الديني للشيعة يشرف على الواقع الشيعي في أغلب البلدان بشكل مركزي، انطلاقاً من النجف. وبالتالي، فالنجف لم تكن مجرد حوزة علمية أو حاضرة دينية (6)، بل تحولت ولأول مرة إلى عاصمة مركزية للنظام الاجتماعي الديني الشيعي، كونها مدينة شيعية خالصة، وهو ما لم يكن متحققاً في بغداد، العاصمة السياسية للدولة والمدينة المختلطة. ولم يشهد هذا العصر ظهور دول شيعية قوية، بل کانت بعض الإمارات الصغيرة في العراق وإيران وتركيا ولبنان واليمن والبحرين وغيرها، والتي ظلت تعاني من موجات الغزو الطائفي من السلطات المركزية العباسية ثم العثمانية أو الإمارات السنية المجاورة. وقد استمر هذا العصر ما يقرب من (459) سنة، أي حتى ظهور الدولة الصفوية في العام 907هـ (1501م) على يد الشاه إسماعيل الصفوي.

5ـ العصر الخامس: عصر السيد إسماعيل الصفوي الموسوي في تبريز وإصفهان

بدأ هذا العصر على يد السيد إسماعيل بن حيدر الصفوي، وهو عميد السادة الصفويين في زمانه، وهي أُسرة علوية مهاجرة من أُصول عراقية ينتهي نسبها إلى الإمام موسى الكاظم. واتخذ السيد إسماعيل الصفوي لقب الشاه إسماعيل بعد أن أسس الدولة الشيعية الصفوية انطلاقاً من مدينة تبريز في العام 907هـ (1501م)، ثم انتقلت عاصمتها إلى مدينة إصفهان في عصر حفيده الشاه عباس الأول في العام 1006هـ (1598م). وهي أول دولة شيعية إقليمية منذ انهيار الدولة الفاطمية قبل ذلك التاريخ بثلاثة قرون ونصف، وهي القرون التي كان خلالها الشيعة يعيشون أوضاعاً صعبة من القمع والاضطهاد، فجاءت الدولة الصفوية لتقلب المعادلة الطائفية في المنطقة الإسلامية رأساً على عقب، وتنهي احتكار الدولة العثمانية السنية لحكم العالم الإسلامي (7). وكان البناء المذهبي للدولة الصفوية يقوم على جهود الفقهاء العرب (العراقيين واللبنانيين والبحرانيين)، الذين كانوا أئمة الدولة وقضاتها ومبلغيها. ولذلك فإنّ المنظومة العقدية والفقهية التي حكمت الدولة الصفوية؛ أنتجها علماء دين عرب (8)، وليسوا فرساً أو أذربيجانيين.

وقد شهد هذا العصر تطوراً شاملاً في الواقع الشيعي المحلي والدولي، وبات الشيعة يحكمون أغلب مناطق غرب آسيا وشرقها، بدءاً بإيران وأفغانستان وأجزاء من شبه القارة الهندية وانتهاء بالعراق وأجزاء من القوقاز والمناطق الخليجية. وشكلت الدولة الصفوية حماية أساسية للشيعة العرب بوجه المجازر التي كانوا يتعرضون لها على يد العثمانيين. وبات هناك تداخل كبير بين النظام السياسي للدولة والنظام الاجتماعي الديني الشيعي. كما شهد هذا العصر نهضة علمية وفقهية كبيرة جرت أغلب فصولها في النجف وإصفهان.

واستمر الصعود الشيعي السياسي والثقافي والاجتماعي هذا مدة (262) سنة، أي حتى انهيار الدولة الصفوية في العام 1763م. وأعقب سقوطها انهيارات متوالية في الواقع الشيعي، وتعرض النظام الاجتماعي الديني الشيعي إلى ضربات منظمة قاسية من الدولة التركية العثمانية، وكان أبشعها المجازر التي ظل يتعرض لها شيعة لبنان والعراق. وقد استمرت الانهيارات مدة (216) عاماً متواصلة (9)، أي حتى ظهور دولة الإمام الخميني في إيران في العام 1979م.

6ـ العصر السادس: عصر السيد روح الله الموسوي الخميني في قم وطهران

تخلل القرن الميلادي العشرين صحوات محدودة وثورات محلية ومشاريع ستراتيجية شيعية في العراق ولبنان وإيران وباكستان وغيرها (10)، بدأت منذ العام 1905؛ إلّا أنّها لم ترق إلى التأسيس لعصر شيعي جديد. بينما شكّل نجاح ثورة الإمام روح الله بن مصطفى الموسوي الخميني وتأسيس الدولة الإسلامية الشيعية في إيران في العام 1979م؛ بداية عصر جديد للنظام الاجتماعي الديني الشيعي. وهو ثاني مرجع ديني في التاريخ يؤسس لعصر شيعي بعد الشيخ الطوسي.

وتختلف الدولة التي أسسها الإمام الخميني اختلافاً جذرياً عن الدول الشيعية التاريخية التي سبقتها؛ لأنّ جميع تلك الدول كانت دولاً سلطانية وراثية متشبهة بالدول السلطانية السنية، ولم يتأسس نظامها السياسي على نظرية فقهية. أي أنّ الجمهورية الإسلامية في إيران هي أول دولة شيعية عقدية في عصر الغيبة تستند إلى مبدأ فقهي تأصيلي هو مبدأ ولاية الفقيه، وأول حكومة إسلامية عقدية إمامية بعد حكومة الإمام الحسن بن علي.

وترافقت مسيرة الدولة الإسلامية الشيعية في إيران مع نهوض شيعي شامل، ديني وعلمي وسياسي واجتماعي ودولي، منح للنظام الاجتماعي الديني الشيعي حمايةً وقوة وتمدداً غير مسبوق، منذ انهيار الدولة الصفوية، ليس على مستوى إيران وحسب؛ بل على مستوى جميع الدول التي تضم امتدادات للنظام الاجتماعي الديني الشيعي، ولا سيما العراق ولبنان وآذربيجان وأفغانستان واليمن ولبنان وسورية، وهي البلدان التي شهدت التحولات الشيعية الأبرز خلال العقود الأربعة من عمر العصر الشيعي السادس. وقد قلبت هذه التحولات الطاولة على النظم الطائفية التي ظلت تمارس أقسى ألوان التمييز والاضطهاد والقمع ضد الشيعة. ولذلك لم تتعرض أي دولة شيعية للغزو الطائفي بهذه الشدة والشمولية والكثافة كما تعرضت له جمهورية الإمام الخميني، في إطار محاولات نوعية إقليمية ودولية لإسقاط العصر الشيعي السادس (11).

 

د. علي المؤمن

..........................

الإحالات

(1) أُنظر: علي المؤمن، «من المذهبية إلى الطائفية: المسألة الطائفية في الواقع الإسلامي»، ص14 ـ 27. أسد حيدر، «الإمام الصادق والمذاهب الأربعة»، ج2.

(2) أُنظر: ترجمة السفير الأول ودوره وكذلك السفراء الأربعة: الشيخ الطوسي، «الغيبة». و«رجال النجاشي»، ص343. السيد محمد الصدر، «تاريخ الغيبة الصغرى».

(3) أهم الدول الشيعية التي تأسست في الفترة (172 ـ 567ه = 789 ـ 1172م) هي: الدولة الإدريسية في المغرب (172 ـ 305ه‍ )، والدولة العلوية في إيران (205 ـ 304ه‍)، والدولة الأُخيضرية في جنوب الجزيرة العربية (252هـ = 866م)، والدولة البويهية في إيران والعراق (321 ـ 447ه‍)، والدولة الحمدانية في العراق والشام (293 ـ 392ه‍ـ)، والدولة الفاطمية في المغرب العربي ومصر (296 ـ 567ه‍). انظر: محمدجواد مغنية، «الشيعة في الميزان»، ص۱۲۷ وما بعدها. سعيد رشيد زميزم، «دول الشيعة عبر التاريخ». الشيخ نجاح الطائي، «الدول الشيعية وعصرها الذهبي».

(4) أُنظر حول ما قام به صلاح الدين الأيوبي من مجازر وانتهاكات ضد المسلمين الشيعة: حسن الأمين، «صلاح الدين الأيوبي بين العباسيين والفاطميين والصليبيين». المقريزي أحمد بن علي، «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» المعروف بـ «الخطط المقريزية»، ج2.

(5) أُنظر ترجمة الشيخ الطوسي: الشيخ آقا بزرك الطهراني، مقدمة تفسير التبيان. الدكتور حسن عيسى الحكيم، «الشيخ الطوسي أبو جعفر محمد بن الحسن». العلامة الحلي الحسن بن يوسف، «خلاصة الأقوال في معرفة الرجال»، تحقيق: جواد القيومي. السيد محمدمهدي بحر العلوم، «الفوائد الرجالية»، تحقيق: محمدصادق بحر العلوم وحسين بحر العلوم. محمدرضا موسويان، «آفاق الفكر السياسي عند الشيخ الطوسي»، ترجمة وتحقيق: صفاء الدين الخزرجي.

(6) حول تاريخ النجف قبل هجرة الشيخ الطوسي إليها وخلال ذلك وبعده أُنظر: جعفر الدجيلي، «موسوعة النجف الأشرف». الدكتور حسن عيسى الحكيم، «المفصل في تاريخ النجف الأشرف». جعفر محبوبة، «ماضي النجف وحاضره»، و«تاريخ الأُسر العلمية في مدينة النجف»، مجلة تراث النجف، العدد 1، السنة 1، ربيع الأول1430هـ. علي أحمد البهادلي، «الحوزة العلمية في النجف: معالمها وحركتها الإصلاحية»، محمدعلي جعفر التميمي، «مشهد الإمام أو مدينة النجف». جعفر الخليلي، «موسوعة العتبات المقدسة» ـ قسم النجف، ط2. عبدالحسن الشافعي، «الأطراف الأربعة في النجف الأشرف». مجلة الولاية، النجف، العتبة العلوية، 4/5/2016. طالب علي الشرقي، «النجف الأشرف». السيد محمد الغروي، «مع علماء النجف».

(7) حول دور الدولة الصفوية في قلب المعادلة الطائفية في العالم الإسلامي، أُنظر: كولن تيرنر، «التشيع والتحول في العصر الصفوي»، ترجمة: حسين علي. حسن كريم الجاف، «موسوعة تاريخ إيران السياسي». كمال السيد، «نشوء وسقوط الدولة الصفوية»، ط. باقيات ـ قم / 2005. الدكتور عباس إسماعيل صباغ وإقبال عباس، «تاريخ إيران بعد الإسلام»، ترجمة: محمد علاء الدين. الدكتور علي الوردي، «الدولة الصفوية والتشيع». محمد أمحزون، «الدولة الصفوية في إيران: التاريخ والمنهاج»، مجلة البيان، العدد 251، 6/ 4 /2010. محمد سهيل طقوش، «تاريخ الدولة الصفوية». السيد محسن الأمين، «أعيان الشيعة»، تراجم ملوك العصر الصفوي.

(8) ومن هؤلاء: الشيخ علي بن عبدالعالي الكركي، والشيخ درويش محمد بن الحسن العاملي، والشيخ علي بن هلال الكركي، والشيخ حسين بن عبدالصمد الجباعي، والشيخ بهاء الدين العاملي، والشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي.

أُنظر في هذا المجال: كولن تيرنر، «التشيع والتحول في العصر الصفوي»، مصدر سابق. الشيخ جعفر المهاجر، «الهجرة العالمية إلى إيران في العصر الصفوي». الدكتور علي الوردي، «الدولة الصفوية والتشيع». نصر الله فلسفي، «إيران وعلاقاتها الخارجية في العصر الصفوي»، ترجمة: محمد فتحي الريس. السيد محسن الأمين، «أعيان الشيعة»، تراجم مراجع وعلماء العصر الصفوي.

(9) أُنظر: علي المؤمن، «سنوات الجمر: مسيرة الحركة الإسلامية في العراق»، (الفصل الأوّل).

(10) المصدر السابق نفسه.

(11) أُنظر: علي المؤمن، «الغزو الطائفي في مواجهة المشروع الحضاري الإسلامي».

 

 

عندما كتبتُ مقاليَ السابقَ "أُصُولُ الفَهْمِ بينَ علمِ أُصُولِ الفقهِ والهِرمِنيوطيقا"، اعترض عَلَيَّ بعضُ الاخوةِ بأَنَّ نصرَ حامد ابي زيد وكل الذين ذَكَرتَهُم في مقالِك، كانوا لايقولونَ بتأريخيّةِ النص القُرآني، وانما قالُوا بتأريخيّة الفهم، اي: فهم النَّصِ الدينيِّ، وليسَ تأريخيّة النص الدينيِّ نفسه . ليتهم قالوا بذلك، ولكنَّ نصوصَهم تحدثت عن تأريخيّة النص الديني لاتأريخيّة الفهم البشريِّ للدين .

 عندما يتحدثُ نصر حامد أبو زيد عن النصِّ الديني، فهو يعني النص القرآني وقد الف كتابه مفهوم النص) للحديث عن النصِّ القُرآنيِّ لاالفهم البشري . يقول أبو زيد وهو ينقُدُ التصورَ التقليديَّ في فهم النصِّ القُرآنِيِّ هذا التصورُ التقليديُّ يَفْصِلُ النَّصَ القُرآنِيَّ عنْ نَسِيجِ التياراتِ الواقِعِيَّةِ والتأريخِيّةِ ؛ وبالتالي فإنَّهُ يُبعِدُ القرآنَ عن طبيعَتِهِ الحقيقيَّةِ بِوَصفِهِ نَصاً لُغَوِيّاً ونتاجاً ثقافِيّاً وتاريخيّاً، ويُحولُهُ الى أَمرٍ مُقدَّسٍ وروحانيٍّ).(1)، ويقترحُ أبو زيد للخروج من هذا المأزقِ، يقولُ حامد نصر ابو زيد: (وللخُروجِ من هذا المأزق والوصولِ الى الوعي العلميِّ والتاريخيِّ بالنصوص الدينيّة، يتعيَّنُ علينا الانتقالُ الى الصِّفَةِ المُقابِلَةِ للخطابِ الدينيِّ الذي يعتبرُ اللهَ هو المتكلمُ والناطِقُ بالنصوصِ الدينيَّة، ويمنحُ النَّصَ الدينيَّ قداسةً وروحانيّةً، ويلبِسُهُ ثوباً ميتافيزيقيّاً . ومن هنا يجب علينا أنْ نُركزَ انتباهنا على الجانبِ التأريخيِّ والبشريِّ والاجتماعيّش والثقافيِّ الذي أحاطَ بالوحيِّ من جميعِ جَوانِبِهِ).(2)

ويرى حامد نصر ابو زيد: (أَنَّ النَّصَ القُرآنِيِّ في ذاتِهِ وَجَوهَرِهِ نتاجاً ثقافِيّاً ). (3)

وفي تفسره لظاهرة الوحي التي يراها جُزءاً من مفاهيم الثقافة السائدة، حيثُ يقول: (انَّ ظاهرةَ الوَحيِّ - لم تكنْ مُفارِقَةً للواقعِ الماديِّ أوتُمَثِّلُ وَثْباً عليه، وتجاوزاً لقوانينِهِ، بل كانت جُزْءاً من مفاهيمِ الثَّقافةِ، ونابعةً من مُواصفاتِها وتَصَوُراتِها).(4)

ومشكلة الدكتور ابو زيد ليست في ايمانِهِ بآلهيَّةِ النصِّ القُرآنِيِّ، ولكنَّ مشكلتَهُ في آلِيّاتِ ومنهجيّاتِ القراءةِ التأويلِيَّةِ الهرمنيوطيقِيَّةِ التي قادتهُ الى هكذا نتائج . يقول ابوزيد: (انَّ الايمانَ بالمصدرِ الإلهي للنَّصِّ ومن ثمَّ لامكانِيَّةِ أي وجودِ سابِقٍ لوجودهِ العَينِيِّ في الواقعِ والثَّقافَةِ أَمرٌ لايتعارضُ مع تحليلِ النَّصِّ من خلال فهم الثقافةِ التي ينتمي اليها ).(5)

ولم يقبل محمد اركون قراءة ابي زيد للنص القراني واعتبرها قراءة عاديّةً . (6)

ان هذه القراءات التي انطلق فيها البعض من قراءات ماركسيّة كالطيب تيزيني، وبعضهم آمن بالمصدر الالهي للنص القرآنيِّ، ولكن قراءاتهم الهرمنيوطيقية وتطبيق اكثر من منهج معرفي أوصلتهم الى هذه النتائج التي قدمت قراءة ادَّتْ الى حرفِ الاياتِ عن سياقاتها التي جاءت فيها وجرِّها الى سياقاتٍ أُخرى غريبة عنها .

 

زعيم الخيرالله

..........................

مصادِرُ البّحث

1- نصر حامد ابو زيد، مفهومُ النَّصِ، ص 10-12،ط2، بيروت، المركز الثقافي العربي، 1994.

2- نصر حامد ابو زيد، نقد الخطاب الدينيّ، ص 188-190، القاهرة، سيناء للنشر،1992.

3- بحث في علوم القران، ص 505-506، نقلاً عن ترجمة الى اللغة الفارسيّة .

4- نصر حامد أَبو زيد،مفهوم النَّص، ص 38.

5- نصر حامد ابو زيد، مفهوم النص، ص24.

6- المسكوتُ عنهُ في نقد حامد نصر ابو زيد، دراسة ماجستير، عبدالسلام يوبي.

 

 

ناجي ظاهرلفت انتباهي رأي عن الانتحار الفكري، قرأته منذ سنوات بعيدة، وما زال يلح علي، كلما رأيت أو قرأت عن إنسان مفكر يتراجع عن فكرة امن بها واعتبرها إنجازا حقيقيا له ولمجتمعه.

قرأت هذا الرأي في كتاب ألفه الكاتب العربي المصري الدكتور عبد الغفار مكاوي، طابت ذكراه، عن الفيلسوف الفرنسي ألبير كامي، عنوانه "ألبير كامي- محاولة لدراسة فكره الفلسفي".

ويفيد هذا الرأي الذي ضمنه ألبير كامي كتابه " أسطورة سيزيف" ويشرحه المكاوي، إنه يوجد هناك من المفكرين والكتاب من ينتحرون فكريا، ويوضح ما يعنيه هذا الانتحار عند كامي قائلًا، انه تنازل الإنسان المفكر عن رأيه خوف سلطة ما أو حكم ما، ويقدّم نموذجًا تطبيقيا لهذه الفكرة أو الرؤيا، من العالم الإيطالي جاليليو جاليلي (ت عام 1648)، حين قال بدوران الأرض حول الشمس، فقُدم إلى المحكمة، بدعوى انه يسئ إلى المعتقدات الدينية، أو ما إلى هذه، وحين شعر بان المحكمة قد تحكم ضده تراجع عن فكرته، حفاظا على حياته.

إن كامي وبعده المكاوي، أراد من فكرته هذه أن يقول لنا إن المفكر الذي لا يدافع عن فكرته خوف سلطة ما او تحسبًا لعقاب قد يناله، إنما ينتحر فكريًا ويغدو غير جدير بالتقدير والاحترام، فالمفكر الحق هو قدوة حسنة يتعلّم منها الآخرون ويحذون حذوها، ليس في عالم الفكر وحسب وإنما في عالم الممارسة اليومية أيضًا.

المفكر الحقيقي، عند ألبير كامي، وقد قرأته في حينه، لا يتراجع عن فكرته وإلا تنازل عن مصداقيته التي هي راس ماله، وقدّم بالتالي نموذجًا لإنسان اخرق كل ما يهمه هو المحافظة على وجوده الجسدي، الزائل طال الزمان بمكوثه في عالمنا أو قصر.

وهذا المفكر، ولأسمه مؤقتا مثقفا، كما هو عند مفكرنا الفلسطيني المرحوم ادوارد سعيد، في كتابه "صور المثقف" إنما يناضل من اجل فكرته ورأيه، وينافح عنهما، وهو في هذا النضال وتلك الحرب، أشبه ما يكون بالإنسان الذي يقرر الاستشهاد، إيمانا منه بان حياته لا تعني شيئا ما لم يتحقق له فيها من رأي، يريد أن يحدث عبره تغييرا ما في مصلحة البشرية.

ولعلّ مراجعة بسيطة لتاريخ الكتاب والمفكرين، ترينا أن العديدين من هؤلاء فضلوا الموت على الحياة، حينما شعروا أن خطرًا ما يتهدّد ما أرادوا تحقيقه من رؤى وأفكار، فكان الموت انتحارًا جسديًا، كما حصل في حالة الكاتب الياباني ذائع الصيت يوكيو ميشيما، الذي انتحر بطريقة الهيراكيري، هو المفر الأخير، حتى لا يتحصل لديهم ما رفضته نفوسهم ومجّته أفئدتهم، فتراجعوا بالتالي عن أفكار امنوا بها وعملوا من اجلها، فانطبق عليهم ما أطلق عليه ألبير كامي صفة الانتحار الفكري!!

هؤلاء الكتاب والمفكرون، وفي طليعتهم ميشيما ذاته، فضلوا الحياة الأبدية على الحياة الزائلة في هذا العالم، وكانوا يعرفون، ما عرفه الفيلسوف اليوناني الخالد سقراط، حينما " تجرع كاس الموت وما فر" حسب تعبير الشاعر العربي المصري صلاح عبد الصبور، في واحدة من قصائده المعبرة عن موقف مشابه للموقف الذي يدور الحديث عنه.

الكتاب والمفكرون الحقيقيون لا يتراجعون عما يرونه من أراء وأفكار بسهولة وتحت أي من الضغوط، وإلا اعتبر هذا التراجع انتحارًا فكريًا، وجعل كتابًا ومفكرين آخرين من أمثال كامي وبعده المكاوي، يسخرون منهم، ويدلعون إليهم السنة التساؤل، عن السبب الذي يجعلهم يتراجعون عن رأي أرادوا به تغيير الحياة أو المفاهيم الشائعة والمنتشرة بين ظهرانيهم.

وهؤلاء هم أناس طلائعيون يقولون كلمة الحق الذين يرونها بكل فخر واعتزاز، غير خائفين في قولهم سطوة مجموعة أو رهبة حاكم، وهم يقولون كلمتهم غير مترددين في قولها، كما يحصل للكثيرين من أشباه هؤلاء للأسف في فترتنا الراهنة.

الكاتب الحقيقي هو " محارب من اجل النور" كما قال الكاتب البرازيلي المعروف في بلادنا أيضا بول كويليو، في وصفه له وللإنسان المبدع، بصورة عامة، انه إنسانٌ مليء بكل ما هو خير ومحب للعالم ولأشيائه، انه يرفض الانصياع لأي من الناس، باستثناء إنسان واحد وحيد، هو ذاته، وهو يحافظ على فكرته، لأنها هي مبرر وجوده، وربما هو لهذا يرفض الانصياع لرأي غير رأيه، ولا يأتمر إلا بأمر إنسان واحد هو ذاته، ولضمير واحد هو ضميره.

هذا الكاتب المفكر حسب ألبير كامي، إنسان ذو ضمر حي، وهو يختلف بالحتم عن سواه ممن يلبسون لكل حالة لبوسها ويغيرون أفكارهم كما يغير الناس أحذيتهم.

مجمل القول إن الإنسان والكاتب الحقيقي، بصورة عامة لا يلبس لكل حالة لبوسها، ولا يتنازل عن آرائه وأفكاره تحت أي من الضغوط التي يواجهها، وإنما هو يمضي في طريق الحق، ولسان حاله يردد ما قاله الإمام على بن أبي طالب، عن عدم استوحاش طريق الحق لقلة السائرين فيه.

 

بقلم: ناجي ظاهر

 

سامي عبد العالعلى خلفية إطلاق (فتاوى التكفير وازدراء الأديان من وقت لآخر)، يهمنا إثارة قضية التعايش الثقافي داخل المجتمعات العربية. وما إذا كانت الفتاوى تمسُ تعايشاً تاريخياً يصعب النيل منه أم لا. فعملية (الافتاء الديني العام) لا تقف عند حدودٍ بعينها، إذ تقفز للعلّن مراراً وتكراراً كما في بعض البلاد (مصر والسعودية) ، حتى ظهرت في كل سياقٍ يخالف خصوصيتها. ولعلَّها بذلك عملية تثيرُ إشكالية الشرع والقانون ورسم المشاهد السياسية في متن الدولة المعاصرة.

لأنَّ الافتاء موقعٌ قد يحتاج إلى تأصيل دائم، موقعٌ غامضٌ بحسب الأنظمة الحداثية لإدارة الشأن العام. فأين يندرج مكانه – على سبيل المثال- إزاء مفاهيم الوطن والمواطنة والتنوع الثقافي والاختلاف الديني؟ ولماذا يوجد الإفتاء طالما أنَّ هناك أُناساً عقلاء وأحراراً كشرط للتدين والتخلُّق والمشاركة في بناء المجتمعات؟ وبأية صيغة سيأتي الإفتاء في هذه المساحة أو تلك من ثقافتنا؟ لأنه وسط التعددية الدينية، سيحتاج كلُّ دينٍ إلى مَنْ يتولى المهمة بأشكال مختلفةٍ، الأمر الذي سيجر (مع ثقافة الاغاظةِ والمكايدة الدينيةِ) صراع الأديان. 

 السؤال الرئيس إذن: ما مبرر وجود الافتاء في الفضاء العام ؟ ... هذا السؤال منطقي تماماً، لكنه حاد كحد السكين، لأنه سيقلب فكرة المجتمعات من حرية فاعلي العقد الاجتماعي والاعتناق المفتوح للعقائد وممارسة الإيمان الخاص إلى منطق الوصاية والهُوية. نظراً لوجود بعض المشايخ الذين صنعوا جلباباً من الشريعة يغطي كافةَ جوانب الحياة (بما فيها تغطية الآخر المختلف دينياً) .

وليس هذا فقط، بل جعل هؤلاء معنى الله جسداً مادياً يناوئ العالم (واقفين) على كتفيه لاصطياد الشاردين والواردين!! في عودة ظاهرةٍ إلى عصور غابرة من المراقبة الدينية والتفتيش في الضمائر وعقد محاكم لاهوتية لتتبع الإيمان وأداء الطقوس والشعائر. وربما سيخلق الإفتاء كيانات عامة غريبة، ليست من جنس الدولة لمحاسبة الناس (هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو من يقوم مقامها ضمنياً) .

 فالمُبرر وراء الإفتاء أيا كان ليس خاصّاً مثلما يطرحه الفقهاء بالنسبة للمؤمنين فقط، من كون الفتاوى تشرح وجوه الدين وتحُول دون الأخطاء وتُوجِّه الأفراد وتبين أمور الشرع في مسائل خلافية. كلُّ المبررات المذكورة تنحاز لفئة من المجتمع دون الفئات الأخرى، وتحدد ما على الإنسان فعله في دائرة عامةٍ رغم خصوصية منطلقاتها. كما أنَّها ستمس مشاعر غير المسلمين بالتأكيد، لأنَّها طالما ظهرت في المساحة المشتركة من المجتمعات، فهي تأخذ مواقف بالضرورة من مسائل عالقة ... مثل بناء دور العبادة لغير المسلمين وإقامة شعائرهم والأعياد الدينية الخاصة بهم ومعايير الاندماج الاجتماعي والثقافي.

إنَّ الافتاء الديني عادة آلية للمجتمعات ذات الأغلبية الإسلامية، لا ليوضِّح قضاياها ولا ليمنع الانحراف عنها وحسب، لكنه قد يطرح وجود تفسيرات دينية كحائط عالٍ أمام أية اتجاهات فكرية ومعرفية أخرى. ولقد رأينا ذلك بالفعل بصدد ما يُسمَّى (أسلمة العلوم) وأنَّ كل شيء علمي وغير علمي موجود في الدين ولا حاجة بنا إلى معرفة سواه وأن نموذج (الفقيه العالم) سيكون سائداً في الحياة مثلما هو في المعرفة والفكر. فهناك- من ثم- تجاهل لعناصر المجتمعات وتنوعها، التجاهل الذي هو أخطر من التعدي عليها مادياً.

يقول الافتاء في سرِّه: إنَّ تنوعاً ثقافياً ودينياً لن يستمر إلى نهايته، لأن الفتاوى ستتوجّه إلى هؤلاء المعتنقين لدين بعينه دون غيره وبالإمكان تسييسها إزاء الآخرين في سياقات المصالح والمآرب، وأنَّ الدين الغالب يؤكد هيمنته على كافة الأديان ولو كان أصحابها يعيشون الظروف والثقافة ذاتها. وبالتالي لا مانع من مزاحمتِّها في الواقع عن طريق إطلاق الفتاوى التي تنال من اتباعها وتعتبرهم غير مرغوبٍ فيهم. وبخاصة أنَّ بعض الفتاوى تنطلقُ وسط خطابات دينية تتحرشُ بكل مخالفٍ في الآراء، فما بالنا إذا كان الأمر بصدد مخالفي المعتقد!!

لهذا كان طالبو الفتاوى بمصر يتساءلون: هل يجوز مصافحة الأقباط وغير المسلمين؟ هل سيدخل أحدٌ من الأقباط الجنة مثل الأطباء والمهندسين والعلماء؟ هل إلقاء السلام على المسيحي يشوش إيمان المسلم ويكدِّر حياته؟ هل للمرأة أنْ تتولى مناصب عامةً وأنْ يكون لها قرار مستقل؟ هل أن لمسْ المسيحيين ينقض الوضوء (باعتبارهم نجَّسَاً) ، وبالتالي هم مشركون أباً عن جدٍ؟ هذه وغيرها تثار تلقائياً في التفاصيل اليومية وفي نفايات الأفكار والعلاقات وصور الحياة. وليس حقيقياً أنها أسئلة دخيلة على المجتمعات العربية (الطاهرة من الغلو والتحرش بالأديان كما يُقال) ، لأن ذهنية الناس العاديين تتأثر بالخطاب الديني المتشدد أكثر من أعضاء الجماعات الدينية أنفسهم.

 ثمَّ كثيراً ما تجئ الإجابات عن الأسئلة السابقة أوسع مكراً: أنَّ نجاسة المسيحيين ليست مادية بل معنوية!! وأنَّ البادئ بالسلام على أصحاب الأديان الأخرى هو الآثم لا الشخص المار مصادفةً!! فأية ذهنيةٍ تمسك بهذا الجلباب الفضفاض الذي يتم تفصيله بحسب المقاييس الرائجة، ذلك في واقعة واضحةٍ وضوحَ النهار باستبدال دائرة الدولة بدائرة السلطة الدينية. واصبحت العملية برمتها لعبة دوائر متداخلة ومتقاطعة مما أربك مفاهيم التعايش والاختلاف والمواطنة والتعددية.

وكأنَّ هناك حروباً نصية قديمة بين الدولة والفقهاء قد أتت من سحيق الزمان. وأخذت في الانتقام منها ضرباً على نسيجها الإنساني الحي. فالنجاسة المعنوية المشار إليها بسبب المسيحيين توعز إلى عدم الاقتراب من أي مسيحي ابتداءً. وتعنى عدم الاعتراف بالحياة الاجتماعية التي تحتويهم بين جنباتها. وإذا كان ذلك كذلك، فإنَّ السياسة لن تبتعد عن الفتوى ما لم تكن كل سياسة تنقلب إلى نوع من الإفتاء. بدليل أنَّ كلمة الإفتاء جرت على ألسنة الناس جريان المثل السائر، ولاسيما حين يُطلق شخصٌ كلاماً دون علمٍ ولا دراية (نقول له: كفى فتاوى.. كفى فتاوى) .

ولنلاحظ أيضاً اقتران التساؤل حول المرأة بالمسيحيين حصرياً في صيغ الفتاوى الشائعة. والسائل المنتظر خلف المواقف منهما ليس فرداً بعينه، بل روحاً لجماعة وظيفية قابعة داخل اللغة. فالمجتمعات العربية ترمي مثل هذه الأسئلة الاقصائية كرميات النرد، لأنَّ موضوعي السؤال (المرأة والمسيحيون) عامّان بما فيه الكفاية. بحيث أنه قد لا يُعنى أيُّ فرد خاص بمصيرهما، لكن لا تتركهما الثقافة الشائعة مهما ابتعدوا عن الآخرين.

من هذا الجانب، فإنَّ خطورة نصوص الفتاوى أنَّها تكمل بعضها البعض خارج حدودها حتى تبلغ أقاصي آفاق الدولة والمجتمع. أحكام الإفتاء تظل قابلة للانطلاق خلال أي لحظة بمجرد الشعور بسلطة التحكم في ماهية الاعتقاد. لعل أكبر سلطة في الأديان هي (سلطة (صح وخطأ) وهي التي توازي سلطة (التكفير والإيمان) وسلطة (الترهيب والترغيب) ، وسلطة (الجنة والنار) . لنتخيل أنَّ أصحاب الإفتاء يتحكمون في المسار الروحي للنفوس ويشرّعون أية تصورات ومعتقدات ستؤمن وماذا ستترك، ولعل السلطة الأبدية (الروحية في مقابل الزمنية) هي التي يقبض عليها رجال الافتاء مرةً واحدة.

 فلئن كان الافتاء حول المسيحي سلوكاً يجب أن يؤمن به الطرف الآخر المُسلم، فالمسيحية هي الموضوع المقصود للفتوى. ليدخل الإسلام وجهاً لوجه في الدائرة الصراعية التي قد يدخل فيها أي دين. وتصبح المرأة في هذه الدائرة قرينة هذا الرفض والصراع تجاه المغاير دينياً. وهنا ايعاز بتماثل الاختلاف الديني مع الاختلاف الجنسي والعرقي والطبقي. وتكمّل الثقافة الداعية إلى احتراب هذه العناصر اقصاء الطرفين المذكورين.

إنَّ تاريخ الفتاوى الدموية بالتحديد كان مليئاً باستباحة ساحة الطرفين (المرأة والمسيحية) . فالمسيحي العربي خاصة والغربي عامة مهدور الدم، ممنوع من الصرف بلغة النحو، مهمش، يتحسس مصيره (ورقبته) بين الفينة والأخرى. جرى ذلك في الأمس الربيعي القريب بالعراق وسوريا ومصر وتونس... والحبل على الجرار. وتأكدت الحالة القلقة أثناء الربيع العربي وعواصفه على أن المختلف دينياً أول الضحاياً وأخر والمقربين. فالمسيحيون كانوا أول من تمت التضحية برقابهم وتهجيرهم وهدم كنائسهم.

أمَّا المرأة، فهي مهدورة الارادة، ملحقة بالرجل، لا قيمة لها إلاَّ كلاماً، مقبورة سلفاً في براقع لا تنتهي. من بيت أبيها إلى بيت زوجها إلى قبرها الأخير دون صوت ولا استغاثة. ما بين هذه المراحل، لا قدرة لها على الاستقلال والحرية ولا حتى تستطيع أن تقول أنا. وتذهب إلى المجال العام عرضَّاً تحت ما يسمى بالكوتة الانتخابية (أي اختيار عناصر نسائية من قبل السلطة) لتمثيل بني جنسها في البرلمانات أو من قبيل تنصيب امرأة كاستثناء جنسي وسط الذكور. وليس مصادفة أنَّ يتم اختيار عناصر نسائية ومسيحية لشغل بعض المناصب العامة بهذا الشكل غير الديمقراطي. لأن الديمقراطية غير موجودةٍ أصلاً خلال مزاحمة الافتاء لفاعلية القوانين ومجتمع المواطنة والتعددية.

وهنا لأول مرةٍ ربما في تاريخ الفتاوى أنْ تتجسد النصوص الفقهية في وجود مادي (على غرار أكشاك الفتاوى في مصر) ، ليمثل الرأي الديني طبيعةً عموميةً ليست من طبيعته، أي سيدخل حيزاً خارج ذاته في إطار أوسع بين الناس بشكل ملموس. في تلك اللحظة لن يكون الرأي الديني معتبراً إلاَّ في مجالات بعيدة عنه مثل السياسة والاخلاق والثقافة، حيث فخاخ التوظيف والتلاعب به. 

وبخاصة أن الممسكين بجلباب الشرع يفصلُّون الأزياء لكافة الأحجام والأعمار والقوى. واسعة، ضيقة، طويلة، قصيرة، مهترئة، مهجّنة، مختلطة، مفتوحة، مغلقة، ... ويتم جميع ذلك كيفما تشاء السلطة الحاكمة. بينما سيظل بإمكان المجتمعات في المقابل تمزيق الأزياء الدينية الفارزة للبشر بسهولة، فهي كيانات كلية (أو هكذا يفترض)  تسير عبر التاريخ الجامع لأطياف الاختلاف الإنساني والديني. لكن يبدو أنه عادة ما ينسي هؤلاء الممسكون بالجلباب تلك الحقيقة البسيطة جداً. فالتاريخ يغير محتوياته من عصر لآخر ولا يثبت على وضع واحد، وقد يُحوِّل الأشياء ولا يقننها فقط، ويدمر ما كان راسخاً بخلاف الصورة النمطية عنه. التاريخ يرث (بمعناه البكتيري والجيني) جميع افرازات المجتمع من أحداث وأفكار وتقاليد وتحولات. إن التاريخ هو القائم بعملية (التحلُّل) لأية تراكمات صلدة بحسب قوانينه وتداعياته. وبخاصة تلك التراكمات التي تعلو (بالقيمة مثل الفتاوى والجماعات الدينية) خارج مساراته الزمنية المتغيرة.

وليس أقل تدميراً لحركة التاريخ من الاتجاه نحو الخروج منه على نحو ميتافيزيقي صرف. ففعل الإفتاء عمل لا تاريخي دون ريب، لكونه قد يقود مجموعات بشرية تُساق بآراء ونصوص وتأثيلات فقهية قديمة عليهم أن يقبلوها كما هي. وذلك يجري دون الاعتناء بحاضر المجال الذي يوجد فيه البشر ولا تفاعلاتهم الحية وثراء ثقافتهم المشتركة. إن النسيان هو آفة التاريخ الكبرى التي لم نتعلم منها، تلك الآفة التي تقرض كالجرذان حيويتنا الإنسانية. وستكون لعناتها هي الجانب الذي يحتِّم تكرار مآسيه في شكل المراقبة والاضطهاد الديني.

فالدواعش والجماعات الاسلامية كانوا نتوءات كارثية نتيجة تجاهل التاريخ. فيبدو العقاب فورياً بهذا الكم من القتل وسفك الدماء وتدمير المجتمعات وتفكيك أواصر التعايش المشترك. فلو كان العرب يجيدون قراءة التاريخ ما كانوا ليكابدوا الويلات تلو الويلات من اعادة انتاج العنف والقتل باسم الدين. ويبدو أنَّ تاريخنا السياسي مازال مقبرةً لإفراز هذا الانتاج من الأشباح التي تتجسد في أسماء الجماعات والتنظيمات الإرهابية. ومن أسفٍ أنَّ المقبرة تشمل جميع أطياف الواقع السياسي مهما تكن عناوينها الدينية والسياسية. حتى الدولة ذاتها غدت تمارس عنفاً محتكَّراً (على طريقة علم الاجتماع الألماني ماكس فيبر) وبنفس الكم المتاح لدى الجماعات الدينية. سواء أكان في اعلامها ومناهجها الدراسية التي تقمع الذكاء والحوار والفهم والتحرر كنوع من التنميط أم بفضل الوظائف السياسية التي تكرر أعمال السلطة وخططها الاجتماعية والاقتصادية.

بالمقابل يُفترض أنَّ الإنسان كائن تاريخي، لا حقيقة له سوى ما أنجزه عبر الزمن وما راكمه في قطاعات الحياة. والتاريخ هو الذي يتعلم منه كيف يوجد، كيف يعيش بحرية وسط الآخرين. فإذا فقد خطاه التاريخية يوماً ما، فسرعان ما سيفقد هذا الوجود، لأن الكائنات الأخرى لا تمارس الحياة مثلما يفعل البشر. جميع أزمنة الكائنات حاضرة في دائرة الطبيعة بحكم فاعلية الإنسان أيضاً. أمَّا هذا الإنسان، فينظر إلى ماضيه بوصفه حاضراً بل ومستقبلاً في احايين كثيرة. أي أن الإنسان سيكون لديه كامل الوعي بالزمن وتأثيره في الحياة.

وهنا ثمة سؤال تالٍ بالمثل: ماذا لو تحدثت الفتوى عن طبيعة الفضاء العام لحياتنا المشتركة؟ إنَّها الخُطوة التالية المنتظرة دوماً ... هنا ستكون الفتوى في مواجهة مباشرة مع تطورات الحياة. والحقيقة أنها ستفعل ذلك طالما دخلت المعترك السياسي. لأنها لا تتم كفتاوى إلاَّ بافتراض اتباع كل الناس لما تقول. وهذا الافتراض ليس اعتباطياً، بل بدلالة تأثير الإفتاء في مساحة من عمل الدولة والمجتمع. مثل تأثره في أوقات الانتخابات البرلمانية وحتى الرئاسية في غير بلد عربي، حيث تنتشر (تحذيرات افتائية) من اختيار أناس بعينهم على أساس ديني أو مذهبي.

 إذن المبررات المطلوبة وراء الافتاء يجب أن تستمد قوتها من طبيعة الفضاء العام وإلاَّ فلا مبرر لها على طول المدى. وطالما لا يستطيع الحصول على ذلك، فلا مبرر له، وقد تعتبر عملية الافتاء (في كل شيء وحول أي شيء) خطأ منطقياً في صلب الدولة إذا كانت ذات طابع نوعي. لأن منطق الإفتاء يتعارض وهذا الفضاء المشترك من حيث نقطة الانطلاق. فالإفتاء لا هوتي ووعظي وخطابي، بينما الفضاء المشترك مدني وعقلاني وتداولي، كما أن تأثير الافتاء يصر على تجزئته بحكم شخصانية التوجه والنتائج الدينية وتجاهل التنوع الثقافي.

 ولذلك تبدو الفتاوى في غير حالةٍ مدفوعةً بتسيس معين. حتى أنَّ جماعات العنف الديني كثيراً ما اعتمدت على تأثيرها المسيَّس هذا، فهم يفتون مبدئياً بأن المجتمعات جاهلة وكافرة وأن جيوشها جيوش مرتدة عن الإسلام ولابد من محاربتها قبل محاربة أعداء الخارج. وهم يعلمون أنه لا يوجد ما يكسر ظهر الدول الرخوة أكثر من الفتاوى التي تنخرها من الداخل. إن تكالب الدواعش على المجتمعات العربية كذباب الجثث كان بفضل فتاوى فقهية تكفر هذه المجتمعات. حيث تعلن مروقها من الدين وأنها أولى بالمحاربة والجهاد قبل أية مواجهة مع الكفار، بل يعتبرون أن تفكيك نظام المجتمعات (القائم من وجهة نظرهم على محاربة الإسلام) هو الطريق المؤدي لدولة الخلافة الراشدة.

 وبالمناسبة مهما تكن الأيدي الغليظة التي تمسك بالشرع، فإنها ستتلاعب بهذه الوفرة الرمزية للدين لصالح أيديولوجيا الدين والسياسة. فلا تخلو فتوى من إمكانية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن أنَّ الإنسان موضوع سلبي يجب الإمساك به وقيادته كالسوائم بلا عقل ولا روية. وعلى أنه لا يوجد في السياسة هذا الشيء نظراً لانعدام معايير (الصحة والخطأ) ، لأن كل السياسات وتأثيراتها مجرد بدائل وتجارب، فإنّ ذهنية الافتاء تؤكد إلزام الأمر معروفاً ومنكراً دون نقاش. أي في الوقت نفسه الذي قد يأخذ فيه الناس بالمعروف وينكرون المنكر، فإنَّ السلطة المتولدة دينياً هنا لا تتصادم بالضرورة مع سلطة القانون والتعايش فقط، بل تحطم أيضاً منطلقات الدين الإسلامي نفسه. حتى وإنْ كان الاثنان (الفتوى – القانون) صحيحين.

 فسلطة الافتاء تنتمي إلى جلباب الشرع ورمزيته. وهو جلباب خاص جداً مهما يكن كبيراً من جهة الاعتقاد والمقاصد العليا، بفضل توقفه على الإيمان وانتقاء المواقف والأعمال المتحيزة. وطالما كان ثمة سلطة ضمنية، فإنه ستكون هناك قفزة ضمنية أخرى باتجاه تديين الدولة. أي انزالها من كونها شخصية اعتبارية إلى مستوى الترديد اليومي لفتاوى الفقهاء وممارسة سلطتهم. وتلك المرحلة الأخطر في ممارسة الإفتاء، لأن الدولة ستتجرد من عموميتها لكل المواطنين وسيتم إلباسها ثوباً خاصاً. وهذا حلم كل جماعة دينية تسير في الطريق ذاته إن لم يكن دعوة لمزيد من الخلافات وظهور الفرق الناجية. وأيضاً هذا بخلاف طبيعة الديانة الإسلامية التي لم تؤهل جذرياً ولا ثانوياً أية جماعة كهنوتية للتحدث باسمها. ولم ترشح فقهاء لالتهام مجال هم عاجزين عجزاً إنسانياً ومعرفياً عن إدارته.

إنَّ الفتاوى القائمة ابتداء على التصنيفات الدينية ضد منطق التعايش الثقافي. لأن هذا التعايش والحوار والاندماج والمشاركة والمساواة أشياء تنمو بفضل ممارسات المجال العام. فالتعايش يعني اعتراف واجراءات وحوارات وتقاطعات بين جميع عناصر المجتمع ومكوناته الثقافية وغيرها. ليس مهما فيه الأحجام النوعية للجماعات وأتباع الأديان بقدر ما يكون المجال متاحاً أمام الجميع للتعبير عن الوجود والنشاط بكل حرية واختلاف وتمرد. وأنه المجال الذي يحمي عناصره بذات الوقت الذي يعطيهم تكافئاً لارتياد جميع الآفاق الحرة دون تناقض.

 

د. سامي عبد العال

 

يسري عبد الغنينؤكد هنا على أن هناك العديد من المصادر الأساسية للإبداع الفني في الرواية التاريخية، وعليه فلا يمكن للمرء أن يتصور كم يمتلك العرب بالذات على امتداد أجيالهم عبر التاريخ، وعلى امتداد قسمات بيئاتهم المتنوعة في جغرافيتهم من فضاء تاريخي غني جدًا بالتجارب والمعلومات والقصص والشخوص والبطولات والصور والألوان والملاحم والحوارات والأقوال والأمثال والشواهد والنصوص والمأثورات، التي يمكن للروائي أن يعيد إنتاجها أدبيًا وفنيا في منتج هائل وكبير ومتنوع من الروايات التاريخية الرائعة التي لم يقتصر توظيفها عربيا حسب، بل بإمكانها أن توظف عالميا أيضا

وهنا يمكننا نحن العرب أن نفيد بها أجيالنا العربية القادمة أولاً، ونفيد بها العالم كله ويمكننا أيضًا ليس في تربية أجيالنا الصاعدة في القرن الحادي والعشرين الذي نعيشه وزرع الثقة بإعادة إنتاج المعرفة التاريخية فنيا عند تلك الأجيال حسب، بل توظيف ذلك كله في بناء المجتمع العربي بإغناء ثقافته، وتقويم سلوكياته، وتصحيح اعوجاجا ته، وتعزيز ملكاته، وتقوية أدبياته ولغته وأساليب كتابات أبنائه كما يمكننا أيضًا ليس في تقديم أي شيء للعالم الذي يسمع بما كان للعرب في الماضي من أدوار وتاريخ ومأثور فحسب، بل توظيف ذلك كله في تقديم صورة تقترب من الحقيقة عن العرب، بدل الصور المشوهة والمأزومة والمتشنجة والعدائية ضدهم والتي تكتب وتصور وتنتج وتبث ضدهم منذ وقت طويل !

إن الرواية التاريخية: اشتمال لما يحكى في يوم متجدد عن مشاهد صورة الماضي ووقائعه وأحداثه وحركة شخوصه، وسمات معانيه، وتوصيف تشيؤاته الخ في داخل إطار من الزمن، وعلى أرضية معينة من المكان.

والرواية الأصل عند العرب القدماء: رواية شفاهية، غدت في عصر التدوين محررة ومكتوبة فالمصطلح له جذر قديم في ثقافتنا عندنا نحن العرب الذين اهتموا عصورا عديدة بـ " المرويات "، وتفوقوا فيها لوحدهم متميزين على غيرهم من الأمم، خصوصا وان تفوقهم كان شفاهيًا على امتداد تاريخ طويل كانت " الرواية " تكتسب مع توالي الزمن من المضامين المتعددة التي خدمت عصر التدوين والتكوين معا في حقول ومعارف وعلوم شتى وتعد الرواية خزينا متسعا من المعلومات والأفكار والمنصوصات والمأثورات الخ وتتضح قدرة العرب على الروي التاريخي، نظرا لاعتمادهم على ركيزتين أساسيتين اثنتين:

1 - الذاكرة القوية الفردية والجماعية العربية في احتواء قدر هائل من ثراء التاريخ

2 - ثراء تاريخ العرب بالمرويات والنصوص والأساطير والملاحم والبطولات وكنوز المخصوصات من المضامين التي لم تضطلع بها بقية الشعوب كالسلالات والأنساب والقصص.... الخ

هنا، يمكننا القول بأن الروي كان سمة أساسية عند العرب إلى جانب الشعر الذي يعد عنوانهم ورمز ثقافتهم 00 فإذا المسرح سمة للإغريق، والمصارعة سمة للرومان، والخزف سمة للصين، والحكمة سمة للهنود، والنقوش سمة بيزنطة، والسحر سمة الأفارقة 00 فان الشعر والروي سمة للعرب

معنى ذلك، أن " الروي " جوهر التاريخ وصفحته التسجيلية عند العرب الذي لم يكن يحتل قالب زمني محدد لحفظ شعر العرب حسب، لكنه كما يؤكد على ذلك المستشرق البريطاني المعروف السير هاملتون كب أنه: يحتوي مجموعة سرديات لحوادث ووقائع ومأثورات اعتمدت على المرويات فحفظت تلك " المرويات " أصولنا وأنسابنا ومواصفاتنا ومنصوصاتنا ومأثوراتنا وإشعارنا نحن العرب

وكان " الروي " من أهم ما اعتمد عليه المسلمون في ما بعد لتسجيل التواريخ وتدوين الحادث التاريخي والحديث النبوي وغيرهما كثير ..

نريد القول بأن " الروي" مهما كانت طبيعته مؤصل عند العرب، وقد أجادوا فيه إجادتهم للسرد منذ القدم في الشعر والنثر على حد سواء -كما أردت القول-، بأن هناك اليوم تصنيف من نوع آخر لـ " الروي " عند العرب المحدثين:

أولهما: رواية تاريخية يختص معناها بروي المعلومات التاريخية ضمن حزمة العلوم التاريخية . ثانيهما: رواية تاريخية يختص فنها الأدبي بالقص التاريخي ضمن حزمة الفنون الأدبية ويرتقي فن الرواية التاريخية إلى درجة عليا من الصنعة الفنية، والحبكة بالغة التعقيد، والأسلوب المزدوج والصعب في تجانسه بين لغة تاريخ الحدث ولغة تاريخ الرواية.

 

بقلم:د. يسري عبد الغني

 

 

صالح الفهديتابعتُ لقاءَ فتاةٍ لا تكادُ تصلُ العشرينَ من عُمرها، وقد حَمَّلتْ عقلها الصغير بوِقْرٍ ثقيلٍ من الأحمالِ التي نقلتها من مجتمعاتٍ غربيةٍ نشأت فيها أفكارٌ وحركاتٌ لها ظروفها المتعلِّقةُ بتلك المجتمعاتْ إمَّا في سيرورةِ ارتقائها، أو في هويِّة انحدارها وقد يحدثُ الإثنانِ في الأوانِ ذاته.

ويبدو أنَّ الفتاة لم تَبُح بكلِّ ما تستبطنهُ في عقلها الصغير، أو أنها لا تعي مخاطر ما تقوله، فهي تحسبُ أنها ترفعُ شعارات الحريَّةِ للمرأة والمساواة بينها والرُّجل، وهي شعاراتٌ ترفعها بعض الحركات الغربية ذات الأبعاد الشاذَّة، والمفاهيم المنحرفة، ثم تجدُ من يتبنَّى شعاراتها البرَّاقة في أصقاعٍ أُخرى من العالم، وتجدُ من يصفِّق لهذه الأبواق دون أن يعي بأنَّه يصفِّق لانحطاطٍ إمَّا يُرديه، أو يتبرأُ منه لاحقاً..! يقول عبدالوهَّاب المسيري: "الأيديولوجية هي أداة تعبيرية لتوصيل رسالة، بل هي قد تفلح عندما تخيب، أي عندما تشوه الواقع فتطمس بعض الحقائق وتعكس وتؤكد بعض الحقائق الأخرى، فتوصل رسالة مجردة للمؤمنين بها فتجندهم حولها". هؤلاءِ يدسُّون السمَّ في عسلِ الكلام، ويبهرونَ بعض الأغرار بخطابيَّةٍ جذَّابة، حينما يتَّهمون المجتمع بشتَّى أنواع الاتهامات، أو يحيلون إلى بعضِ القراءات لأفكار منحرفةٍ لشخوصٍ شاذُّون في أفكارهم، مضطربون في نفسياتهم.

هناكَ عدَّة أُمور خطيرة في هذا المنحى، أولها الخطرُ المادي، وهو أن تصل بعض الحالات في ذروة أزمتها النفسية، إلى اضراباتٍ تؤدِّي بها إلى إنهاءِ حياتها لأنها أرادت أن تبعث برسالة احتجاج خرقاء، لم تستطع أن تبعثها بُطرقٍ لا يسمح بها مجتمعها المحافظ، بل إن المجتمعات الغربية ذاتها تعارضها خاصَّة في التجمُّعات الرسمية.

ثانيها: خطر ممارسة الاعتقاد بعد تبنِّي أفكار شاذَّة لحركاتٍ منحرفة، والأمرُ في هذا يبدأُ من التقليعات والموضات التي تسوَّقُ على أنها عصرية، وقد ذكرتُ سابقاً أن نجم هوليود الشهير (سلفستر ستالوني) كان يروّج لقلمٍ في أحد أفلامه قائلاً: إنه القلم الذي يجلبُ الحظ، وكانت ترصِّعه جمجمةٌ في أعلاه، وهي شعار عبدة الشيطان..!

أما الخطرُ الثالث: فهو امتداد التغرير بعقول أُخرى غير ناضجةٍ، تحسبُ أنها تناصرُ ما فيه مصلحتها، وحريتها، فإذا بها توقِعُ نفسها في أشراكٍ، ومستنقعاتٍ قد لا تستطيع أن تخرجَ منها لاحقاً، أو أنَّها تخلِّفُ فيها عُقداً لا تفتأُ تلاحقها وخزاتها، واضطراباتها النفسية.

أمَّا الخطر الرابع فهو تبنِّي بعض المراكز التي هي مجرَّد صفحات على شبكة المعلومات الدولية، وتقدِّمُ نفسها على أنها تُعنى بحقوق الإنسان، وهي تتقصَّدُ في الباطن إفساد المجتمع، وإثارة الفتنة بين شرائحه، وشيوع الفاحشة بين مكوناته إنتقاماً وكراهيةً من المجتمع بأسره، له، أقول تبنِّيها لهذه الأفكار التي يدعو لها بعض الفتيات أو الفتيان من الأغرار، وتجدُ فيهم هذه المراكز وسائطَ لها لنشرِ أفكارها السَّامة التي تنقلها من حركاتٍ غريبةٍ، وأفكارٍ ملوثَّة، وتثيرها في مجتمعها ليس لأن المجتمع يعاني من تلك المشكلات تحديداً، وإنَّما لأنها هي ذاتها تعاني من اضطرابات نفسية، ولوثاتْ فكرية، فيحملها ذلك إلى نشرِ سمومها في المجتمع، وأنا على يقينٍ بأنَّها إن اجتازت هذه المرحلة (العمرية/الفكرية) فإنها ستخلعها كالثوبِ كما خلع الذين اعتنقوا الأيديلوجيات الماركسية والشيوعية واليسارية وغيرها أثوابهم، وردُّوا إلى صوابهم!.

وهنا فإننا لا ننادي بتقييد الأفكار، ولكن بتحصين النفوس، لأنَّ المجتمع يملكُ التحصين لكنه لا يملك إيقاف الإنسان عن تعريض نفسه للأفكار الهدَّامة، والمفاهيم المغلوطة. وحينما دُعيتُ ذات مرة لإحدى المدارس في مناسبةِ يوم القراءة، وقد تبيَّنَ لي أنَّ بعض الطلاب قد انغمسوا في قراءاتٍ لا أعتقدُ أنها مناسبةً لهم في تلك المرحلة، فكان أن وجَّهتُ لهم نصيحةً بالتدرُّج في القراءات وعدم القفز، لأن القفز ينتجُ عنه تخلخلٌ في البنية الفكرية، فإذا بأحدِ الحضور الذي يدَّعي أنَّه إعلامي يعارض نصيحتي فيقول لهم: اقرأوا ما شئتم، ولا أعتقدُ أن هذا الرجل انتبهَ إلى أن مثل هذه الدعوة ليست تطويرية للذات التي تستلزم التدرُّج حسب فهمي، ويؤيِّد كلامي هذا بحثٌ نُشر في مجلة (إسلامية المعرفة) جاء فيه:"إن عملية القفز والتجاوز التي تمارسها قراءات حداثية عديدة تمَّت، وتتم بصورة ثورية لا تطويرية، وبإتجاه التمرد والرفض من خلال الإزاحة والإحلال، ولعل هذه القفز جعل هذه القراءات تنتمي إلى بنية معرفية تكاد تكون مغايرة تماماً للبنية المعرفية الإسلامية، لا سيما في نظرتها تجاه الخالق والمخلوق والخلق، مما جعل أغلب القراءات الحداثية للنص والتاريخ والتراث تتيه في فلك منظومة تغاير المنظومة التي أُسست عليها الذات ليغدو صوتها نشازاً وتغدو مراجعتها للتراث، وقراءتها للنص القرآني واقعةً في باب استرضاء الآخر من خلال إشعار الذات بالنقص، أو واقعة في خانة المماحكات المعرفية، أو تصفية الحساب مع التاريخ والتراث من خلال تقويضه أو نبذه من خلال منظومة لا تمتُّ إلى الذات بصلة"(ص8/العدد63).

إننا هُنا ندعو إلى مواجهة مثلِ هذه الخطابات الملوَّثة، والأدمغة المغسولة بالنقاشات الهادئة، وبالرعاية الفكرية السليمة،  وهي أداةُ من أدوات التحصين، لأنَّ معالجة الأفكار لا يتم إلا بالأفكار، فالإشكالية تكمنُ في تبنِّي أفكار غريبة، وفي هذا يقول الكاتب بدر الغامدي في مقالةٍ له بعنوان "غرائب الأفكار: اعتناق وانعتاق":"إنَّ إِحدى مشكلات مدافعة الفكرة الغريبة أنها تستبطن فطرة ملوثة منحرفة، وحينها يكون الصراع أعمق، لأنك تحارب فطرةً وليس فكرةً"، وهذا يحتاجُ إلى تحصين إيماني عميق، تقوم به عقليات ذات تمتلك الذكاء العاطفي، وقادرة على تفكيك الأفكار الملوثة ودحض حججها، إذ يقول الكاتب نفسه في موضع آخر:"إنَّ كل نفس ليس لها نور من الوحي يضيء جوانبها؛ هي عرضة للقوادح الشيطانية الشاذة، مهما بلغت من الذكاء والعلم الدنيوي، وهو واقع مشاهد".

لا يمكن للمجتمعُ أن يتنصَّلَ من تصويبِ أبنائه، لكنَّه يجبُ أن يملكَ من أدوات الإقناعِ ما يستطيع تنظيف عقولهم من الملوثات الفكرية، كما أن عليه أن يتنبَّه إلى الأفكار السامَّة التي تسري في أوصاله عبر الإعلام، أو وسائل التواصل الاجتماعية، أو بعض المشاهير (شهرة التفاهات لا شهرة الاستحقاقات)، ولا يجب عليه تحقير هذه الأفكار واعتبارها من التفاهات، فأعظم النار من مستصغر الشرر، وما خُفي في العقليات المغسولة أعظم..!!

 

 د. صالح الفهدي

 

 

عبد الله الفيفيرأينا في المساق السابق موقف (الفرزدق) السَّلبي من المرأة.  وكذلك أنَّ (جريرًا) لم يكن بأحسن حالًا منه، وهو يُعلن موقفه منذ مطلع قصيدته المشهورة في وفاة امرأته:

لَولا الحَياءُ، لَعادَني استِعبارُ

ولَزُرتُ قَبرَكِ، والحَبيبُ يُزارُ

فهو في هذا المطلع يصرِّح أنَّه لن يستعبر على امرأته، فضلًا عن أن يبكيها، ولن يزور قبرها، على الرُّغم من أن قبور الأحبَّة تُزار عادةً! لن يفعل هذا ولا ذاك، والعياذ الله! وإنْ كانت تستحق الاستعبار والزيارة، كما سيُعقِب بيته الأوَّل.  والسبب: (الحياء).

إنَّ الحياء هنا هو الحياء من المجتمع الذكوري، ذي الأعراف العنصريَّة، الذي يَعُدُّ من العيب بكاء النساء، أو زيارة قبورهن.  أ فحقًّا، إذن، كان جرير في قصيدته يكسر النموذج السَّلبي في الموقف من المرأة؟ كلَّا، بل هو الآخَر يُعلِن التزامه باحتقار المرأة، وأن بكاءها بعد موتها، أو زيارة قبرها، يحول دونهما سيف الحياء، والالتزام بما تقتضيه رجولة الرجال. ومع هذا فهو يعترف بمنزلتها، ويُثني عليها، من حيث الأصل والفصل، والأخلاق، ثناءً قَبَليًّا، أشبه بالثناء على آبائها منه بالثناء عليها هي، ولذاتها.

أمَّا لماذا أطال جرير في الثناء على صاحبته هذه (أُمِّ حزرة: خالدة) من حيث الأصل والفصل والأخلاق؟ فذلك من أجل مفاخرة الفرزدق، لا أكثر.  لأنه كان في مقام مفاخرة الفرزدق بمكانة امرأته، وليس لسواد عينيها!  لكي يأتي هذا في مقابل هجاء امرأة الفرزدق، وهجاء أُمِّه أيضًا:

أَ فَأُمّ حَزْرَةَ يا فَرَزدَقُ عِبتُمُ

غَضِبَ المَليكُ عَلَيكُمُ القَهَّارُ

لَيسَتْ كَأُمِّكَ إِذْ يَعَضُّ بِقُرطِها

قَينٌ وَلَيسَ عَلى القُرونِ خِمارُ

حَدراءُ أَنكَرَتِ القُيونَ وريحَهُمْ

والحُرُّ يَمنَعُ ضَيمَهُ الإِنكارُ

قالَ الفَرَزدَقُ: رَقِّعي أَكيارَنا

قالَت: وكَيفَ تُرَقَّعُ الأَكيارُ(1)

ذاك هو سياق الملاحاة بين الرجلَين، مفاخرةً ومهاجاة، مقابل مفاخرةٍ ومهاجاة.  كلٌّ منهما يهجو امرأة الآخَر، ويتنقَّصها، فيردُّ الآخَر بتبرئة امرأته، وتفضيلها على امرأة صاحبه- وإنْ تحفَّظ، طبعًا، على ما يمكن أن يُمَسَّ به شرفه القَبَليُّ من ادِّعاء بكاءٍ عليها عند موتها، ومهما كانت منزلتها لديه، أو في قومها- ثمَّ يُتبِع ذلك، لتكتمل الملهاة، بهجاء امرأة خصمه.  وهكذا دواليك.

تلك كل الحكاية.  وهي حكايةٌ شِعريَّةٌ محكومةٌ بسياقاتها، وباستنطاق خطاباتها، لا بظاهرها الخدَّاع. وعليه، فلا فرق في النهاية بين الفرزدق وجرير في اتِّباعهما "مِلَّةً قَيسيَّةً" واحدة، تعود إلى جَدِّهما المشترك، وائد البنات- وإنْ كان، للمفارقة، مُؤذِّنَ المتنبِّئة (سجاح)، حسب بعض الروايات- أعني: (قيس بن عاصم المنقري)، المنسوب إليه أبيات منها:

أَضْحَتْ نَبيَّتُنا أُنثى نُطيفُ بهــا

وأَصبَحَـتْ أنبيـاءُ اللهِ ذُكـرانـا!(2)

ولأجل ذلك جاءنا جرير منذ أوَّل أنفاس القصيدة رافعًا راية البراءة من تهمة التمرُّد على النسق الذكوري، على الرغم من المسوِّغات الكثيرة التي ساقها لمثل ذلك التمرُّد: "لولا... لـ...".  وهي مسوِّغاتٌ تعزِّز بدَورها مباهاته بالصمود في وجه العواطف، حتى لا تستدرجه إلى أن يطرأ في باله مجرَّد الاستعبار، وليس البكاء، أو زيارة قبر امرأته، خالدة.  فدون ذلك خَرْط القتاد الاجتماعي.  ولكي يوازن بين (هجاء امرأة خصمه)، و(مفاخرته بامرأته هو)- مع الحفاظ على احترام الخطوط الحمراء الراسخة في موضوع ازدراء المرأة، والخروج من ذلك كلِّه بسلام، كالشعرة من العجين- رأينا كيف جاءت قصيدته، تقدِّم رِجلًا وتؤخِّر أخرى: "لولا... لـ.../ لـ... لولا..."!

وهذا برهانٌ على أنَّ هؤلاء ورثة القِيَم الجاهليَّة، وإنْ تَسمَّوا بالإسلام.

ويلفت النظر أنَّ هذه المواقف تجيء في مواجهة موت المرأة: (المرأة- والموت)، أ تُرثَى عند موتها؟ أم أنها أهون من ذلك؟  فما ظنُّك بما قبل الموت؟!

-2-

ولقد يُحسَب (لأبي الطيِّب المتنبِّي)- مع عروبيَّته الصميمة- أنَّه خالفَ بعض التمييز العنصري ضِدّ المرأة، الذي تجلَّى لدَى الشعراء وغيرهم، من سابقيه ولاحقيه، ومنهم (البحتري) و(المعرِّي)، فرثَى جَدَّته، ورثَى أُمَّ (سيف الدَّولة)، ورثَى أُخته. وقد تبيَّن أنَّ مثل هذا الحِسِّ الإنسانيِّ كان شاحبًا في الشِّعر العَرَبيِّ القديم بعامَّة.  القصيدة الأولى في رثاء جَدَّته، هي ذات المطلع:

أَلا لا أَرَى الأَحداثَ حَمْدًا ولا ذَمَّا

فَما بَطْشُها جَهلًا وَلا كَفُّها حِلْما

والقصيدة الأخرى في رثاء أُمِّ سيف الدَّولة، هي ذات المطلع:

نُعِدُّ المَشرَفِيَّةَ والعَوالي

وتَقتُلُنا المَنُوْنُ بِلا قِتالِ

والقصيدة الثالثة في رثاء أُخت سيف الدَّولة، هي ذات المطلع:

يا أُختَ خَيرِ أَخٍ يا بِنتَ خَيرِ أَبِ

كِنايَةً بِهِما عَن أَشرَفِ النَّسَبِ

وفي المساق التالي نواصل لتحليل هذه القصائد.(3)

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيـْفي

..................................

(1) جرير، (1986)، ديوان جرير، بشرح: محمَّد بن حبيب، تحقيق: نعمان محمَّد أمين طه، (القاهر: دار المعارف)، 3: 862- 875.

(2) انظر: الثعالبي، (2003)، ثمار القلوب، تحقيق: محمَّد أبي الفضل إبراهيم، (بيروت: المكتبة العصريَّة)، 1: 258؛ الأصفهاني، (2008)، الأغاني، تحقيق: إحسان عبَّاس وإبراهيم السعافين وبكر عبَّاس، (بيروت: دار صادر)، 14: 57؛ الزمخشري، (1992)، ربيع الأبرار، تحقيق: عبد الأمير مهنا، (بيروت: مؤسَّسة الأعلمي)، 2: 254؛ المسعودي، (د.ت)، مروج الذهب، عناية: يوسف البقاعي، (بيروت: دار إحياء التراث العربي)، 2: 465.  على أن البيت قد يُنسَب في غير هذه المراجع إلى غير (ابن عاصم).  وربما سِيق مع غيره في هجاء (سجاح)، لا في الثناء عليها، كما في (الزمخشري، م.ن).

(3) هذا المقال جزء رابع من ورقة بحث حِواريَّة قُدِّمت في (الصالون الثقافي بنادي جُدَّة الأدبي الثقافي)، مساء الأحد 28 فبراير 2021، بإدارة: (الشاعرة جواهر حسن القرشي).  للمشاهدة على موقع

 "اليوتيوب":

  https://www.youtube.com/watch?v=ZSZF936qzsY

 

عمرون علي إذا أردتَ أن تتمنى شيئاً لدكتاتور أو أن تدعو عليه، فادعوا الله أن يُسلّط

عليه كاتباً مثل يوسا يُخلّد قذارتهُ ويفضحُ فساده

مدخل عام

الكتاب المفتوح عقل يتكلم والكتاب المغلق صديق ينتظر والمنسي روح تسامح، اما الكتاب الممزق فهو قلب يبكي، هكذا تقول الحكمة الهندوسية، وهكذا كانت رواية حفلة التيس كتابا مفتوحا عن طاغية متسلط مغتصب يلقب بالتيس، رواية عن ديكتاتور استبد بثلاثة ملايين من الناس، عن حاكم مستبد مريض نصب نفسه طبيبا لمعالجة شعبه، سلبهم ارادتهم الحرة ومع ذلك كان اقل الناس حرية في دولة الدومينيكان ارض الشمس والشواطئ ارض الخوف والحزن، عن رافائيل تروخيو الدكتاتور الذي عجز عن حكم نفسه وتحديدا طاقته الشهوانية المتحررة من كل قيد، حكم الناس بالخوف وعاش في خوف، هي رواية تاريخية وفي نفس الوقت تحليل نفسي وقراءة فلسفية لشخصية الديكتاتور ومن دار في فلكه واحترق بناره.

حفلة التيس محاكمة جريئة لدولة الاستبداد والطغيان. رواية عن اورانيا الجميلة رمز الوطن التي اغتصبها التيس وهي في سن الرابعة عشر وقتل في نفسها وفي نفوس الاخرين كل ما هو جميل، اغتصبها بعد ان قرر الجنرال أغوسطين كابرال الموافقة على اقتراح عرض جسد ابنته على الرئيس لجذب انتباهه، ففي الأنظمة الاستبدادية تستمد السياسة طاقتها من شهوة القوة من الإيروس، وبداخلها تتقاطع الرغبات الجنسية الجامحة للمتسلط مع عقدة النقص عند الاخر، فيها تمتزج المازوخية مع الساديّة في شخصية الحاكم والمحكوم من خلال ممارسة العنف وتقبله في ذات الوقت.

على غلاف الرواية اللوحة الجدارية التي رسمها أمبروجيو لورنزيتي، يظهر رجل يرتدي حلة سوداء، مع قرون ومحاط بشخصيات داكنة ترمز إلى القسوة والخلاف والشر والاحتيال والغضب والاستبداد والجشع . وأيضا الى التفاهة والقذارة [1] وهناك خلف الصورة يمكن تخيل شخصية وزير الدولة العلاقات الخارجية في عهد الطاغية تروخيو وهو يصعد ويهبط من طائرات، ليجوب العواصم الأمريكية الجنوبية، منصاعاً لأوامر مستعجلة تنتظره في كل مطار، لكي يواصل ذلك الطريق الهستيري، مزعجاً الحكومات بذرائع فارغة. وكل ذلك من أجل ألا يعود إلى مدينة تروخييو بينما الزعيم يضاجع زوجته.

في احدى فصول الرواية امتزجت فلسفة صاحب الرواية مع تفكير أورانيا "هناك أشياء كثيرة من العهد استطعتِ فهمها؛ بعضها بدت لك في البدء غير قابلة للتفسير، ولكنك من خلال القراءة، والاستماع، والمقارنة والتفكير، توصلتِ إلى فهم كيف يمكن لكل تلك الملايين من الأشخاص المهروسين بالدعاية والافتقار إلى المعلومات، المخبولين بالتلقين العقائدي والعزلة، المحرومين من حرية الاختيار، ومن الإرادة وحتى من الفضول بسبب الخوف وممارسة التذلل والخنوع، أن يصلوا إلى تأليه تروخييو. ليس إلى الخوف منه وحسب، وإنما إلى حبه، مثلما يتوصل الأبناء إلى محبة الآباء المتسلطين، وإقناع أنفسهم بأن الجلد والعقوبات إنما هي لمصلحتهم"

العذراء أورانيا واغتصاب الوطن

رواية حفلة التيس. لماريو بارغاس يوسا*.ترجمة صالح علماني .440 صفحة، تنطلق من قصة أورانيا امرأة ممشوقة القامة لطيفة التقاطيع، ذات بشرة مصقولة، وعينين واسعتين سوداوين. أورانيا اسم حمل دلالة اعتباطية نحت وفق رؤية تعسفية لذلك كان المدلول رمزا لكل البلاد وشعبها الذي عاش ومات افراده بطريقة تعسفية، اسم حمل وحكى واختزل هوية شعب الدومينيكان المفقودة في ظل دكتاتورية تروخيو حاكم البلاد الذي اغتصبها واغتصب من خلالها حرية شعب بأكمله قدمها اليه والدها " السيناتور أغوسطين كابرال، الوزير كابرال، المخيخ كابرال" وزير الدولة، السيناتور، رئيس الحزب الدومينيكاني، هكذا كانت القابه فهو كلب الحراسة الوفي لسيده والذي اصبح يعيش منذ تم الاستغناء عنه واستبعاده من دائرة المختارين على كرسي متحرك، دون قدرة على المشي، على الكلام، معتمداً على ممرضة في أكله، نومه، لبسه، خلع ثيابه، قص أظفاره، حلاقة ذقنه، تبوله، تغوطه . نصحه أحد القوادين بفكرة مقايضة بكارة ابنته بالبقاء في منصبه " فالزعيم يقدر الجمال. وإذا ما قلتُ له: «مخيخ يريد أن يقدم، كدليل على المحبة والولاء، ابنته الجميلة، والتي ما تزال آنسة» فلن يرفضها. إنني أعرفه. إنه شهم، ولديه إحساس مرهف بالشرف. سيشعر بأنك قد لمست قلبه. سيستدعيك.

سادية الطاغية تروخيو واستمتاعه بالتعذيب النفسي والجسدي لضحاياه، وغريزته الجنسية التي لا حدود لها ومضاجعة زوجات الوزراء وتلفظه وتلذذه بالكلام البذيء هو في الحقيقة انعكاس لرغبته في التملك حيث لا حدود بين العرض والأرض حاولت أورانيا الهروب من هذا الواقع المؤلم، بحثت لها عن وطن اخر سافرت هناك الى أمريكا وأقسمت ألا تعود لكنها عادت. الى مسقط رأسها كانت تحكي الرواية انها كانت مدينة أكثر صمتاً وأقل هستيرية مجرد مدينة ريفية، معزولة، هاجعة في الخوف والخضوع والمذلة، روحها منقبضة توقيراً ورعباً من الزعيم، الجنرال يسمو، المنعم، أبي الوطن الجديد، صاحب الفخامة الدكتور رافائيل ليونيداس تروخييو مولينا لكنها اليوم اقوى صخبا وأيضا اكثر رعبا.

يتم اغتصاب الوطن عندما تختفي قيم الشرف والفضيلة ويشيع التزلف والمبالغة في الخوف من الطاغية وتمجيد تفوقه فهو الكائن الخارق البطل القادر على ان ينكح من النساء ما يشاء في الوقت الذي يشاء ومع الشعور بعقدة النقص يصبح الشرف مباحا وبيع الوطن ممكنا.

وكما أن الفضيلة ضرورية في الجمهورية والشرف ضروري في الملكية لا بد من الخوف في الحكومة المستبدة، ولا ضرورة للفضيلة فيها مطلقًا، ويكون الشرف فيها خطرًا.....ولا يمكن المرء هنالك أن يعرض مخاوفه حول حادث قادم بأكثر من الاعتذار عن سوء نجاحه بهوى الطالع، ويقوم نصيب الناس هنالك على الغريزة والطاعة والعقاب كما هي حال الحيوانات. [2]

في أنظمة الطغيان حضور الغريزة الجنسية في اللعبة السياسية، يحمل دلالات عديدة بداية من شخصية الحاكم البهيمية، حيث الايروس هو محرك السلوك ومن ثمة الاشباع الغريزي يدخل في باب مغالطة الشعور الزائف بالتفوق وتضخيم الانا، والذي يصعد في اعلى مستوياته الى ما نسميه جنون العظمة ووصولا الى شخصية المحكوم المازوشية، ومع الاستخدام المفرط للقوة وتفقير الشعب وتجهيله تؤسس دولة الطغيان أركانها وتحافظ على وجودها واستمرارها " ولقد اشرنا في ما سبق الى بعض الوسائل التي يستخدمها الطغيان للاحتفاظ بسلطانه كلما امكنه ذلك القضاء على كل متفوق يرفع رأسه، والتخلص من الرجال اولي الالباب ومنع الموائد العامة والاجتماعات وحظر التعليم وكل ما يمت بسبب الى التنور اعني اتقاء كل ما يؤتي عادة الشجاعة والثقة بالنفس، ومنع ضروب الفراغ وجميع الاجتماعات التي قد يجد المرء فيها تسليات مشتركة وعمل كل ما من شانه ان يظل الرعايا يجهل بعضهم بعضا، لان العلاقات تجلب الثقة المتبادلة وفوق ذلك معرفة تنقلات المواطنين مهما قلت قيمتها واكراههم بوجه ما على الا يجوزوا ابواب المدينة حتى يكون الطاغية على علم بما يعملون وتعويدهم هذا الاستعباد المستمر الضعة ووجل النفس.....مبدأ اخر للطغيان هو افقار الرعايا حتى لايكلفه حرسه شيئا من جهة ومن جهة أخرى ان الرعايا وهم في شغل لتحصيل قوتهم لايجدون من الوقت مافيه يتامرون ...والطاغية يقرر الحرب ليشغل بها نشاط رعاياه ويلزمهم الحاجة الى رئيس حربي ...واباحة النساء داخل العائلات ان يخن ازواجهن واباحة العبيد ان ينموا على اسيادهم لان الطاغية ليس له ما يخشاه من العبيد والنساء" [3]

السادوماخية العنف والرضوخ أساس الحكم

يعرّف جان جاك روسو الطاغية عندما يتحدث في شطط الحكومة وفي ميلانها الى الفساد قائلا: " يحكم الطاغية بالعنف ولا يراعي العدل والقانون .و في المعنى الدقيق ينتحل الطاغية السلطة الملكية بغير حق . هذا ما عناه الاغريق بكلمة طاغية: فبها كانوا ينعتون بلا تميز الامراء الصالحين والطالحين ممن لم تكن سلطتهم مشروعة. وعلى هذا النحو، فان كلمة طاغية وكلمة مغتصب كلمتان مترادفتان كأفضل ما يكون الترادف. ولكي أسمي الأشياء بأسماء مختلفة فاني سأسمي طاغية مغتصب السلطة الملكية، واسمي مستبدا مغتصب السلطة السيادية" [4] في احد مشاهد الرواية وصف تروخييو نفسه بانه قادر على تحويل الماء إلى نبيذ وعلى تكثير الخبز، إذا ما خطر ذلك لخصيتيه. لقد ذكَّر ماريا بذلك في شجارهما الأخير: «إنك تنسين أن هذه الحماقات لم تكتبيها أنت يا من لا تعرفين كتابة اسمك دون أخطاء نحوية، وإنما الغاليسي الخائن خوسيه ألمونيا الذي دفعتُ له أنا.

الطاغية تروخييو تدرب على يد المارينز، وهكذا هو حال اغلب الطغاة هم عملاء، خاطبه الرقيب الأمريكي سيمون جيتلمان «ستصل بعيداً يا تروخييو». وفعل وصل الى حكم دولة الدومينيكان كما خططت وارادت أمريكا، وقد قلد هذا الرقيب وسام الاستحقاق خوان بابلو دوارتي، أرفع الأوسمة الدومينيكانية بعد ان وصل تروخييو الى الرئاسة، هو بالمحصلة صناعة أمريكية، ومن خلاله توصلت الولايات المتحدة إلى امتلاك عميل طوال احدى وثلاثين سنة. مشروعه السياسي ارتكز على خلق عدو وهمي قتل مابين 20000الى 30000 هايتي في مذبحة البقدوني، واغتال ثلاثة من الشقيقات الأربعة الأخوات ميرابال، الناشطات السياسيات والنسويات في جمهورية الدومينيكان. وكان ذلك في مساء 25 نوفمبر عام 1960، أثناء عودتهن من زيارة أزواجهن المعتقلين السياسيين.....مزج بين أسلوب القمع والتزوير في رسالة إلى وزارة الخارجية الأمريكية، كتب السفير الأمريكي تشارلز بويد كورتيس أن تروخيو حاز على عدد من الأصوات يفوق عدد المقترعين الحقيقيين. انزل شعبه الى مرتبة الحيوان " يمكن للدولة أن تمارس ضغطها الساحق في صور شتى كما في علاقتنا بالحيوانات سواء بتعليق الخروف بحبل وشده بعنف، أو عندما يلحق الحمار الجزرة مقتنعاً أن مصلحته في أن يفعل ما نريد، أو الحيوانات التي تتقن (التمثيل) وسطاً بين هذين الصنفين، أو بصورة مغايرة كما في قطعان الأغنام عندما نريد حملها الى البواخر فنجر قائد القطيع بالقوة فلا تلبث حيوانات القطيع الأخرى أن تسير وراءه راضية مختارة. وحسب (راسل) فإن: "حالة الخروف تتمثل في سلطان الشرطة والقوات العسكرية. وتمثل حالة الحمار والجزرة سلطان الدعاية. وتظهر الحيوانات الممثلة قوة التعليم فتؤدي الجماهير التحية للقائد البطل. أما القطيع الذي يتبع قائده المقهور على ارادته فيتمثل في السياسات الحزبية عندما يكون زعيم الحزب أو قائده موثوقاً الى زمرة من الناس [5]

أحاط نفسه بمجموعة من الفاسدين، حيث لا يتحرج أحدهم من يجامع الرئيس زوجته حتى في بيته وهو ينتظر خارج الغرفة، ولم تكن هذه القصص وليدة المخيلة بل هي حقائق مسجلة واعترافات موقعة من أقرب الناس الى الديكتاتور، ولهذا السبب أيضا نجد الطاغية يختار الفاسدين من البشر في نظام حكمه ليكونوا له أصدقاء، فهم عبيد النفاق والتملق، والطاغية تسره المداهنة وينتشي من النفاق، ويريد من يتملقه. ولن تجد إنسانا حرا شريفا يقدم على مثل هذا العمل. فالرجل الخير .يمكن أن يكون صديقا، لكنه لا يمكن تحت أي ظرف أن يكون مداهنا أو متملقا. [6]

اغتيال الديكتاتور

في كتاب عن العنف للفيلسوفة حنة ارندت وهي تفكك إشكالية العنف اشارت الى ان هناك علاقة تبادلية بين ارادة السيطرة ورغبة الخضوع وينسب هذا الموقف الى جون ستيوارت مل واكدت من خلال الغوص في عمق السلطة، انه من دون شعب او جماعة لن تكون هناك سلطة وللتمييز بين العنف والقوة ذهبت الى ان القوة طاقة ناتجة عن الحركات الطبيعة او الحركات الاجتماعية والفرق بين العنف و السلطة، يتمثل في ان السلطة تعتمد على راي الاغلبية في حين ان العنف لا يعتمد على راي الاغلبية او العدد بل يعتمد على ادوات القمع التي تزيد و تضاعف من القوة البشرية واستحضرت قول فانون :" الجوع مع الكرامة افضل من الخبز الذي يؤكل في العبودية "، ونحن هنا نقف عند هذا قول فرانز فانون لنبين ان العنف لا يولد الا العنف وان نهاية كل طاغية هي بالضرورة نهاية مأساوية لقد غرق فرعون وانتحر هتلر بالسم واعدم نيكولاي تشاوتشيسكو ولم يختلف مصير الطغاة على مر العصور عن هذه النهاية البشعة، وسواء نسبنا الفعل الى إرادة الانسان المقهور او الى إرادة متعالية وسواء كان الدافع هو تصفية الطاغية لضعفه وعجزه او لشعور المقهور بعقدة الذنب فان النتيجة واحدة فالتاريخ دائما يعلمنا كيف تكون النهاية مؤلمة للذين يسلمون انفسهم الى شهواتهم وبخاصة شهوة الاستبداد.

ان التحرر من الطغيان مطلب حيوي لكل مجتمع، حيث يحكى أن ليكورج (مشرع اسبرطة) قد ربى كلبين خرجا من بطن واحد ورضعا الثدي ذاته فجعل احدهما يسمن في المطابخ، وترك الآخر يجري في الحقول وراء أبواق الصيد، فلما أراد أن يبين لشعب بلدته (لاسيدمونيا) أن الناس هم ما تصنع بهم تربيتهم، جاء بالكلبين وسط السوق ووضع بينهما حساء وأرنبا فإذا احدهما يجري وراء الطبق والآخر وراء الأرنب فقال ليكورج ومع هذا فهما أخوان، هكذا علم شعبه تنشئة جعلت كلا منهم يفضل الموت الف ميتة على أن يختار لنفسه سيدا آخر سوى القانون والعدل. [7]

في رواية حفلة التيس تحدث ماريو بارغاس يوسا عن اغتيال الطاغية تروخييو، على أيدي من صنعهم وقربهم اليه، على ايدي وزير دفاعه المتزوج من ابنة أخته، و أحد حراسه، ومدير مخابرته السابق ومدراء بمؤسسات إقتصادية. كان سلفادور وآماديتو يشغلان المقعد الخلفي من السيارة المتوقفة قبالة الكورنيش وقد تبادلا الكلام نفسه مرتين على الأقل خلال نصف الساعة التي أمضياها هناك. وكان أنطونيو إمبرت يجلس وراء المقود، وأنطونيو دي لاماثا إلى جواره، يستند بمرفقه إلى النافذة، ولم يتدخلا للتعليق بأي شيء هذه المرة أيضاً. الأربعة ينظرون بجزع إلى السيارات القليلة القادمة من مدينة تروخييو والتي تمر أمامهم مخترقة الظلام بمصابيحها الصفراء، باتجاه سان كريستوبال. لم تكن بينها الشفروليه الزرقاء السماوية، موديل 1957، ذات الستائر على نوافذها، والتي ينتظرونها تساءل أحدهم هل سمعت بكلمة «المستبد»؟ الكنيسة تسمح بذلك في بعض الحالات القاهرة. لقد كتبَ حول الأمر القديس توما الأكويني. أترغب في أن تعرف كيف عرفتُ بذلك؟ عندما بدأت بمساعدة جماعة 14 حزيران وأدركت أنني قد اضطر إلى الضغط على الزناد في أحد الأيام، ذهبت لاستشارة مرشدنا الروحي، الأب فورتين. وهو راهب كندي، في سنتياغو. وقد رتب لي لقاء مع المونسينيور لينو ثانيني، القاصد الرسولي لقداسته. «هل إقدام المؤمن على قتل تروخييو خطيئة أيها المونسينيور؟» أغمض عينيه متأملاً. ويمكنني أن أكرر لك الكلمات التي قالها لي بلكنته الإيطالية. ثم أراني عبارة القديس توما في «خلاصة اللاهوت». ولو أنني لم اقرأ تلك العبارة لما كنت معكم هنا هذه الليلة.

عندما تحين لحظة نهاية الطاغية تجتمع خيوط كثيرة لتلتف حول رقبته فيصبح توظيف الدين مشروعا والحديث عن الوطنية مرشدا وتحالف قوى الفساد في الدولة العميقة شرطا واقتسام الغنيمة هدفا .

في كتاب تاريخ حياة طاغية لجون بول سارتر، وهو عبارة عن سيناريو في احد المشاهد التي تتحدث عن الطاغية جون اجيرا أصوات تتعالى من داخل الصالة التي تم تجهيزها كقاعة لمحاكمة الطاغية بداخلها نهض رجل ووقف على كرسي مطالبا بمحاسبة الطاغية : لقد وجه الثورة لمصلحته، واستبدل زعماء الحزب برجال من اعوانه . و رجل اخر كان يصرخ : لقد قضى على حرية الصحافة، واغتال لوسيان دريلتش، وقام فلاح من بين الحاضرين وصرخ لقد حرق قريتي، و فلاحة من خلف الصفوف تقول لقد نفى زوجي، اجتاحت الصالة زمجرة قوية .....وصرخ عامل في شركة البترول كل هذا لا يهم، المهم انه باع حقول البترول للأجانب .هذه اكبر جرائمه [8] . نعم عندما يسقط الطاغية يتحرر الناس من مخاوفهم لكنهم بجهلهم يعتقدون ان الحرية هدية تعطى وغنيمة تغتصب فيقعون من جديد في قبضة طاغية جديد وهذا حال الشعوب التي تفكر بالعاطفة وتفتقر الى منطق العقل، ان اغتيال الديكتاتور لا يعني بالضرورة نهاية الطغيان. ففي يوم 18 تشرين الثاني، أعلن التلفزيون أن قتلة الزعيم الستة، أربعة منفذين ومتواطئان قد هربوا، بعد أن قتلوا ثلاثة حراس كانوا يعيدونهم إلى سجن لافكتوريا بعد إعادة تمثيل للجريمة. في اليوم التالي لمغادرة الأخوة تروخييو البلاد، أُعلن عن عفو سياسي. وبدأ فتح السجون. وشكل بالاغير لجنة لتقصي الحقائق حول ما حدث «لمنفذي حكم الإعدام بالطاغية». وتوقفت الإذاعات والصحف والتلفزيون منذ ذلك اليوم عن تسميتهم بالقتلة؛ وسرعان ما تبدل لقبهم الجديد «منفذو حكم الإعدام»، ليصبح «الأبطال»، وبعد وقت غير طويل من ذلك بدأت تُطلق أسماؤهم على شوارع وجادات وساحات في كل أنحاء البلاد.ومعهم بدأ عهد جديد للطغيان

التحرر من الطغيان مشروط بتغيير ثقافي ونهضة فكرية ومبادئ أخلاقية، التحرر يحتاج الى روح متحررة متسامية، الى دولة مدنية تخضع فيها القوة الى القانون وتستمد فيها السلطة من الإرادة العامة لكننا اليوم نلاحظ على غرار الكثير من دول العالم سيطرة الدولة العسكرية، في مقال لأوريل كرواسون الجيش في أوقات الاضطرابات السياسية من يحرس الحراس ؟ كتب قائلا :"في الأنظمة الاستبدادية الاسيوية، كانت درجة عسكرة الدولة والمجتمع عالية، مقاسة من حيث نسبة الإنفاق العسكري في الناتج المحلي الإجمالي وحجم القوات بالنسبة للسكان. في جميع الأنظمة الاستبدادية، تم دمج الجيش في تحالف النظام الاستبدادي. في الأماكن التي مارست فيها القوات المسلحة حكمًا مباشرًا، مثل بنغلاديش وباكستان وتايلاند وكوريا الجنوبية، شرع الجيش توليه للحكومة مع الضعف المزعوم للمؤسسات المدنية، وطالب بدور قيادي في تحديث الدولة والمجتمع والاقتصاد، وشغل مناصب رئيسية في السياسة والإدارة والاقتصاد. حتى في الديكتاتوريات المدنية مثل تايوان والفلبين، كان للجيوش امتيازات بعيدة المدى" يبدو ان معادلة الاستقرار السياسي غير ممكنة في المدى القريب في الأنظمة الاستبدادية وان طريق التحول من الدولة العسكرية الى الدولة المدنية لايزال طويلا وشاقا.

 

عمرون علي - أستاذ الفلسفة

المسيلة – الجزائر-

.....................

الهوامش

[1]  يمكن العودة الى اللوحة من خلال هذا الرابط

http://www.travelingintuscany.com/art/ambrogiolorenzetti/goodandbadovernment.htm

[2] روح القوانين. مونتسكيو .ترجمة عادل زعيتر .مؤسسة هنداوي. ص87

[3] كتاب السياسة .أرسطو طاليس .ترجمه عن الاغريقية جورج بارتملي –سانتهيلير .نقله الى العربية احمد لطفي السيد .المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.ص510

[4] في العقد الاجتماعي او مبادئ القانون السياسي. ترجمة وتقديم وتعليق عبد العزيز لبيب. مركز دراسات الوحدة العربية. ص178

[5] يمكن الرجوع الى مقال. الدولة والعنف بين فوضى الغابة وطغيان الدولة ( بقلم د.خالص جلبي )

[6] الطاغية. دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي. أ.د.إمام عبد الفتاح إمام. عالم المعرفة عدد 183. ص123

[7] مقالة في العبودية المختارة. اتيان دي لابويسيه.ترجمة مصطفى صفوان .ص44

[8] تاريخ حياة طاغية. جون بول سارتر. ترجمة عبد المنعم الحفني. مكتبة مدبولي.ص 22

 

 

 

 

علي المؤمنترافق نشوء النظام الاجتماعي الديني الشيعي ومؤسسته الدينية مع نشوء المجتمع الشيعي والتأسيس لهويته العقدية والفقهية والثقافية والسياسية والاجتماعية شبه المستقلة عن هوية الدولة، وذلك بعد وفاة رسول الله وإنجاز واقعة السقيفة في المدينة المنورة في العام 11 للهجرة (623م) مباشرة، وهو تاريخ وضع أساس النظام الاجتماعي الديني الشيعي على يد الإمام علي بن أبي طالب. أي أنّ الحدث التأسيسي لهذا النظام هو مخرجات واقعة السقيفة، وتحديداً حدث إبعاد الإمام علي عن حقه في رئاسة الدولة الإسلامية وقيادة أُمّة الدولة واجتماعها السياسي والديني، والذي تسبب في فصل رئاسة الدولة عن إمامة الدين، وهو أيضاً الحدث المفصلي الأهم والأخطر في تاريخ الإسلام على الإطلاق. ولم يكن هذا الحدث حدثاً سياسياً من وجهة النظر الشيعية؛ وإن كان مظهره سياسياً؛ بل هو حدث مركب، ينطوي على بعد عقدي أساس، عنوانه: «الحق الشرعي»، المستند إلى وصية الرسول للإمام علي في خلافته، أي أنّه حق ديني وليس حقاً سياسياً، وهو العنوان الذي لا يزال ركيزة النظرية السياسية الإسلامية لمدرسة أهل البيت، والتي تعطي للحاكم الشرعي بعداً تأصيلياً دينياً وليس سياسياً وحسب (1).

وكان نشوء النظام الاجتماعي الديني الشيعي الرديف للنظام السياسي واجتماعه الحاكم؛ نشوءاً تلقائياً وليس قراراً سياسياً اتخذه الإمام علي؛ لأنّ شيعة علي بن أبي طالب لم يكونوا جماعة سياسية ولا كتلة منظمة تهدف إلى الوصول إلى السلطة؛ وإن كان هدف الوصول إلى رئاسة الدولة هدفاً مشروعاً لهم وبديهياً، بل هم كيان اجتماعي ديني وثقافي وسياسي يستند إلى موقف عقدي. وحينها بدأ يتبلور نظامان في داخل الأُمّة، الأول يقف على رأسه إمام الأُمّة وخليفة رسول الله، ممثلاً بالأئمة الاثني عشر، وهو نظام اجتماعي ديني، والثاني نظام سياسي يقف على رأسه رئيس الدولة والحاكم السياسي، ممثلاً ابتداءً بالخلفاء الراشدين الثلاثة ثم سلاطين بني أُمية وبني العباس ومن أعقبهم.

وحتى خلال خلافة الإمام علي للدولة الإسلامية، والتي وحّدت الإمامة الدينية بالخلافة السياسية في شخصه، لم تتوحد هويتا النظام الاجتماعي الديني الشيعي والنظام السياسي للدولة؛ لأنّ الاجتماع السياسي الذي أفرزته فترات حكم الخلفاء الراشدين الثلاثة، ظل رافضاً لإمامة علي وخلافته للدولة، وظل يعتقد بأنّه صاحب الحق السياسي التاريخي في السلطة. ولذلك؛ لم يسمح لسلطة الإمام علي بالاستقرار وإعادة البناء، وشنّ عليه كل أنواع الحروب السياسية والعسكرية والدعائية والمخابراتية، وكانت معارك الجمل وصفين والنهروان جزءاً من هذا التدافع بين الاجتماعين (2).

وإذا كانت هناك شخصيات سياسية وعسكرية وعلمية محسوبة على الاجتماع السياسي لفترة الخلفاء الراشدين الثلاثة، قد بقيت تعمل في إطار مؤسسات الدولة التنفيذية والقضائية والمالية والعسكرية في عهد خلافة الإمام علي، بمن فيها التي شاركت في الحروب إلى جانبه؛ فإنّها لم تصبح جزءاً من النظام الاجتماعي الديني الشيعي الخاص، أي أنّها لم تنتم إلى الهوية الخاصة للاجتماع الشيعي؛ بل ظلت تنتمي إلى الاجتماع السياسي الموروث للدولة، وتمارس عملاً وظيفياً في الدولة، سواء في ظل عثمان أو علي أو معاوية.

وتكرّست هويتا النظام الاجتماعي الديني الشيعي والنظام السياسي للدولة بعد إسقاط حكم الإمام الحسن بن علي وواقعة كربلاء واستئثار آل أُمية بالدولة ومقدراتها، وتحويل النظام إلى حكم مركب ثيوقراطي ديني (3) وعلماني سلطاني، متشبه بالنظام القسطنطيني الروماني المسيحي (4). وعملت السلطة الأُموية على الاحتفاظ ببعض المسوح الدينية لتضفي على سلطتها شرعية خلافة رسول الله، وحاولت إيجاد منظومة عقدية فقهية اجتماعية تحت عنوان «التسنن» أو «الاجتماع السني»، في مقابل «النظام الاجتماعي الديني الشيعي»، من خلال تحشيد الروائيين والمحدّثين والكلاميين والمؤرخين، لصياغة تلك المنظومة، عبر أدوات الوضع في الحديث الشريف والابتداع في سنة رسول الله (5). والهدف هو حماية النظام السياسي العلماني الذي يقوده السلاطين الأمويون؛ بمنظومة دينية اجتماعية. وبالفعل نجح الأُمويون في إيجاد هوية عقدية اجتماعية شبه موحدة للاجتماع السياسي للدولة، تقابل النظام الاجتماعي الديني الشيعي.

وهكذا، ظلت المؤسسة الدينية التي تقود النظام الاجتماعي الديني الشيعي ولا تزال، مستقلة عن المؤسسة الدينية الرسمية للدولة التي يصفها الفقه السياسي الإسلامي الشيعي بغير الشرعية. ففي عصر الأئمة الاثني عشر كان الإمام هو رأس هذه المؤسسة، وكان مسجده أو بيته هما حوزته العلمية ومقر مرجعيته الدينية والدنيوية، وفيهما يحضر تلاميذه، ويأتي إليه شيعته للتقاضي ولحل مشاكلهم العامة والخاصة، وتسليم أموالهم الشرعية وتبرعاتهم وتسجيل موقوفاتهم، ومنهما ينطلق الإمام في رعاية الشأن العام للأُمّة. وكان للإمام وكلاء ومعتمدون في جميع بلاد المسلمين، وعبرهم كانت تصله الاستفتاءات والأسئلة الدينية أو الأسئلة ذات العلاقة بالشأن العام، كما ترسل إليه الأموال الشرعية من أتباعه؛ لتكون القوام الاقتصادي المستقل لمدرسة أهل البيت ونظامها الاجتماعي، بعيداً عن الدولة وسلطانها وتأثيراتها الاجتماعية والسياسية.

وبعد انتهاء عصر الإمامة الظاهرة، بغيبة الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن المهدي المنتظر في العام 260 ه (874 م)، استمر النظام الديني الاجتماعي الشيعي، بقيادة زعماء الشيعة الدينيين في بغداد ابتداءً، ثم في النجف لاحقاً. وبات الفقيه المتصدّي هو الزعيم الديني والمرجع الاجتماعي والسياسي والقضائي للشيعة. ويمارس هذه الزعامة والمرجعية عبر الفتاوى والأحكام، وعبر مؤسسة الحوزة العلمية وفروعها، وعبر الكتب والدراسات، وعبر شبكة الوكلاء والمعتمدين والمبلغين في جميع بلدان المسلمين، وعبر دكة القضاء، وعبر شبكة مصادر الأموال الشرعية التي يمثلها تجار الشيعة غالباً.

هذه المنظومة المستقلة المتكاملة علمياً ودينياً واجتماعياً ومالياً، هي التي حفظت الشيعة كأفراد وكجماعة على طول التاريخ، كما حفظت تراث أئمة آل البيت، وخلقت للشيعة كياناً اجتماعياً دفاعياً منظماً، بالرغم من كل محاولات الاجتثاث والتمزيق والقمع والتصفية التي قام بها الحكام الطائفيون، منذ سقوط حكم الإمام الحسن بن علي، ولا يزالون حتى الآن.

وإذا كان هناك فضل لزعماء وفقهاء في تأسيس وتطوير النظام الاجتماعي الديني الشيعي في عصر نيابة الإمام (عصر غيبة الإمام الثاني عشر) وترشيده؛ فلا بد من الإشارة إلى ثماني شخصيات مؤسِّسة، تميزت بذكائها الاجتماعي الفائق، وعبقريتها الإدارية والتنظيمية، فضلاً عن مستواها العلمي المتفرد، وهم:

1- سفراء الإمام المهدي الأربعة: الشيخ عثمان بن سعيد العمري (مؤسس النظام الاجتماعي الديني الشيعي خلال عصر الغيبة الصغرى للإمام المهدي)، ومن بعده ابنه الشيخ محمد بن عثمان العمري، ثم الشيخ الحسين بن روح النوبختي، وأخيراً الشيخ علي بن محمد السمري، وهم تزعموا النظام الاجتماعي الديني الشيعي مدة (70) عاماً، وهي فترة الغيبة الصغرى (260 ـ 329هـ = 874 ـ 941م).

2- الفقهاء الأربعة: الشيخ الصدوق محمد بن علي، والشيخ المفيد محمد بن محمد، والسيد المرتضی علي بن الحسين، والشيخ الطوسي محمد بن الحسن، وقد استمروا بعملية وضع الأُسس وترشيد النظام وزعامته خلال الفترة (329 ـ 460هـ =941 ـ 1068 م).

وكان الحكام البويهيون يدعمون مسيرة الفقهاء الأربعة المذكورين، وخاصة ركن الدولة البويهي ومعز الدولة البويهي وعضد الدولة البويهي والصاحب بن عباد(6)، والذين حكمت دولتهم البويهية إيران والعراق في الفترة من (324 إلى449هـ = 936 ـ 1057م).

وعليه، يمكن القول إنّ المرحلة الأُولى من عملية التأسيس التي قادها السفراء الأربعة استمرت حوالي (70) عاماً. أما مرحلة التأسيس الثانية، والتي تمثل فترة الظهور الذهبية الاستثنائية للنظام الاجتماعي الديني الشيعي، فقد استمرت حوالي (125) عاماً، وخلالها كان الصدوق والمفيد والمرتضى والطوسي يتزعمون الشيعة، ويتلقون الدعم والحماية وتسهيل أعمالهم الدينية والعلمية والدعوية والاجتماعية من الحكام البويهيين الشيعة. أي أنّ مجموع فترة تأسيس النظام الاجتماعي الديني الشيعي في مرحلة ما بعد الإمامة، استمرت ما يقرب من (195) عاماً.

الزعماء الثمانية المذكورون (السفراء الأربعة والفقهاء الأربعة) هم خمسة عراقيين وثلاثة إيرانيين، ولولا جهودهم الاستثنائية وحماية الأُسرة البويهية الشيعية الحاكمة في العراق؛ لربما لم يستطع النظام الاجتماعي الديني الشيعي عبور مرحلة خطر التصدع والتشظي. ولذلك، عندما سقطت الدولة البويهية في بغداد في العام (449هـ = 1057م)، ثم هاجر الشيخ الطوسي إلى النجف وأسس حوزتها العلمية المركزية، ثم توفي في العام (460هـ = 1068 م)، كان النظام الاجتماعي الديني الشيعي قد تبلور وتجذّر وقوي بناؤه، ولم يتأثر بسقوط الدولة البويهية ووفاة شيخ الطائفة الطوسي.

 

د. علي المؤمن

.......................

الإحالات

(1) أُنظر: السيد محمدباقر الصدر، «الإسلام يقود الحياة». والشيخ محمدمهدي شمس الدين، «الاجتماع السياسي الإسلامي». وعلي المؤمن، «النظرية السياسية في الإسلام»، مجلة التوحيد، العددان 31 و32، 1987 و1988.

(2) أُنظر: طه حسين، «الفتنة الكبرى». السيد جعفر مرتضى العاملي، «الصحيح من سيرة الإمام علي». السيد محمدحسين فضل الله، «أسباب الحروب التي خاضها علي في خلافته»، http: //arabic. bayynat. org/ArticlePage. aspx? id=14172

(3) أُنظر: علي المؤمن، «بين الاستعمار الديني الأُموي والاستعمار الديني القسطنطيني».

www. Almothaqaf. com/a/qadaya2019/942843

و«الأُموية المعاصرة» https: //almasalah. com/ar/news/197440

(4) أُنظر: المصدران السابقان.

(5) أُنظر: علي المؤمن، «من المذهبية إلى الطائفية: المسألة الطائفية في الواقع الإسلامي»، ص14 ـ 27. أسد حيدر، «الإمام الصادق والمذاهب الأربعة»، ج2.

(6) أُنظر: الشيخ الصدوق، «عيون أخبار الرضا». الشيخ محمدجواد مغنية، «الشيعة في الميزان»، ص۱۳۸ ـ ۱٤۸. الشيخ رسول جعفريان، «الشيعة في إيران»، ص280 ـ 281. السيد محسن الأمين، «أعيان الشيعة»، تراجم الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الصدوق والشيخ الطوسي وركن الدولة البويهي ومعز الدولة البويهي وعضد الدولة البويهي والصاحب بن عباد. آدم متز، «الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري»، ج1، تعريب: محمد عبدالهادي أبي ريدة.

 

قحطان الفرج اللهيطرح المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي منذ فترة عدّة مفاهيم تثير الأسئلة أكثر من طرح الأجوبة، وهذا بحد ذاته جهدٌ فكري مهم. إن التفتيش عن السؤال يعني ديمومة التفكير، وكذلك يعني فتح آفاق كبيرة لا نوافذ ضيقة، صلابة علم الكلام القديم التي تتوقف عند "معرفة الله وصفاته وأفعاله" تسيل، إذا استعرنا مصطلح بومان بتصرف، نحو معرفة الإنسان نفسه، هل إنسان علم الكلام القديم هو ذاته إنسان العصر الحديث؟ هل طريقته وأدوات تفكيره هي ذاتها؟ بعد حل الكثير من شفرات الطبيعة وشفرات الإنسان وميوله ورغباته، وتحليل دوافعها، وسلوك الحياة بدلا من الغرق في بحار الميتافيزيقا التي صلبت الكثير من المفاهيم التي أصبحت بمرور الزمن "أصنامًا مقدسة". يكون الإنسان بتراكم المعارف والعلوم والأدوات ليس هو ذات الإنسان السابق. يقول الرفاعي: "لكلِّ عصرٍ عقلانيتُه وأسئلتُه وإجاباته، وحتى الأسئلةُ الوجوديةُ والميتافيزيقية الكبرى يعادُ طرحُها في آفاقُ هذه العقلانية ونظامها المعرفي ومنطقها ولغتها. آراءُ المتكلمين الأوائل تعبّر عن عقلانيةِ زمانهم، والنظامِ المعرفي لمرحلتهم التاريخية، والأسسِ والمعاييرِ المعتمدة لديهم في اكتشاف الحقيقة، وتمييز ما هو خطأ وما هو صواب، والمسلماتِ واللاوعي المعرفي الذي كان يتحكم في تفكيرهم آنذاك".

وبالعودة إلى فلسفة عالم الاجتماع البولندي "بومان" الذي يرى أن الحداثة هي مرحلة صلبة أيضًا معرفًا إياها بأنها "مرحلة سابقة من سيادة العقل على كلّ شيء، وظاهرة ما بعد الحداثة التي وصفها بأنها حداثة سائلة وهي حسب رؤيته مرحلة نعيشها حاليًا من تفكك المفاهيم الصلبة والتحرر من الحقائق والمفاهيم والمقدسات" وبذلك هو يقترب من مفهوم (الصلابة الهشة) القابلة للاذابة والتحرك بفعل العوامل الخارجية كأنها جبل جليدي ضخم ولكنه لا يقوى على مصارعة شمس تفكير الإنسان وتطور حياته المستمرة، وهذا الجبل سرعان ما يتصلب من جديد بتوقف عوامل الإذابة.

أما (الصلابة المآسية) التي وقع فيها علم الكلام القديم في تحجير المفاهيم  وعدم قبول تحركها بعوامل الزمن والتطور والمعرفة فهي عاجزة عن تحليل نفسها فضلا عن فهم حاجة الإنسان.

قد يجد بعضهم الحل في (التصوف) أو (البوذية) أو الديانات الروحية، مع التحفظ على هذه المقاربة، ولكن التصوف لم يطرح حلًا كلاميًا، بقدر ما طرح حلًا روحيًا متجرًا من فكرة (الترغيب، الجزاء) (الترهيب، والعقاب) إلى فكرة التوحد مع الخير المطلق من أجل الخير ذاته، وبذلك يكون طرحه فرديًا خالصًا لتجربة تختلف معطياتها من إنسان لآخر. وبهذا  المنهج يكون فهم العالم الخارجي غير قائم على صورة واحدة، فما يراه الحس غير ما يدركه الخيال وهو لا يقع تحت منظومة واحدة منسجمة، بل قد تكون متعارضة ومتقاطعة يفسرها الصوفي (بالكشف)، ويسترها بالكتمان والغموض الشديد.

معايير التميز في علم الكلام الجديد لا تعني استغناء الإنسان عن الله! فالرفاعي يعترف بافتقار الإنسان في طبيعته إلى الاتصال بوجود غني لا نهائي لا محدود كي لا يقع في الاغتراب الميتافيزيقي.

وهو يقر بحاجة الإنسان المستمرة للدين كحاجة روحية لايمكن الفرار منها، ومع ذلك يعترف بعجز الإنسان عن طرح الأجوبة الشافية "للاسئلة الميتافيزيقية الكبرى"، وبذلك هو يقف تجاه الأجوبة السابقة التي طرحها علم الكلام القديم موقف واضحًا حين وصف إجاباتهم (بالإجابات المرحلية) التي يجب أن تخضع لعوامل تغير الزمان والبيئة والثقافة، وعلى حد تعبيره:  "إن استئناف رسالة القران وتموضعها في سياق متطلبات المسلم -الإنسان- الروحية والأخلاقية، لن تنجزها أدوات النظر ومناهج الفهم القديمة، لأنها تمثل عبئًا ينهك دلالة النصوص، عبر تكرار المعنى الذي أنتجته في الماضي، ومصادرة تعدد الدلالة"، وبذلك يضع يده بشكل مباشر على تفعيل عوامل حركية النص الذي يتفاعل مع الإنسان، ولا يمكن أن يعيش دون أن يعطي الإجابات، أو يساعد في الوصول إليها بفعل اذابة الصلابة لا تحطيمها والتخلي عنها. ويشير إلى ذلك بقوله: "دخلت علومُ الدين في الإسلام حلقةً دائريةً تكراريةً منذ عدة قرون، بعد أن توقف إنتاج العلم الدنيوي في عالم الإسلام. واستبدّت الرؤيةُ الكلامية الموروثة للعالَم في حياة المسلمين، فحجبتهم عن رؤية العالَم خارجَ الأسوار المغلقة لعلم الكلام. وأضحت مجتمعاتُنا اليوم ضحيةَ رؤيةٍ ميتافيزيقيةٍ للعالم تتحدّث لغةَ الأموات، ينتجها علمُ كلامٍ قديمٍ لم يعدْ يتبصّر قلقَها الوجودي، ولا يدرك منابعَ ضغائنها".

وهنا يطرح الرفاعي عدة أسئلة ضمنيًا: هل خلقت الحياة من أجل النص (في البعد الدلالي الواحد)؟ أم خلق الإنسان صاحب العقل الذي يرى عدة وجوه؟ هل الدين مختلف بعامل التعدد؟ أم انه متعدد بعوامل الفهم؟ وهل الحل في التمسك بتحجير النصوص، أم البحث عن البعد القيمي للدين؟ كيف يمكن فهم الأبعاد الروحية في الدين كقواسم مشتركة؟

ويشدد على ما ينشده علم الكلام الجديد بقوله: (ينشد علمُ الكلام الجديد إيقاظَ المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الدين، بما يتواءم وحاجةَ الحياة للمعنى الديني في زماننا، ويسعى لاكتشاف القيم الكونية المشتركة في الإسلام مع الأديان الأخرى، ويعمل على الكفِّ عن إخراج الدين عن مجاله، وزجِّه في مجالٍ يفتقر للمعنى الذي ينشده. ولا يتحقق علمُ الكلام الجديد من دون تعدّد قراءات القرآن الكريم، واعادة تفسيره وكلّ النصوص الدينية، وتعدّد فهمها تبعًا لتعدّد الأحوال وتنوع الأزمان).

إن التخلي عن  فكرة (الفرقة الناجية) يفتح ابواب حياة للإنسان الحر نحو فهم النصوص وفهم نفسه، وتحرير اختياراته التي أساسها وجود خالق عظيم متعدد الصور، وبذلك يكون الإنسان واعيًا بالاختيارات التي يسلكها في حياته أي متمكنا من خلق قيمه الخاصة، من خلال استخدام أدوات المستمرة بالتصاعد، لا أدوات غيره القديمة. علم الكلام الجديد كما يرى الرفاعي: "يفكّر في آفاق العقل ومعطيات الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع والتأويل الحديثة، لأن تجديدَ علوم الدين وإعادةَ بناء علم الكلام يتكفله تجديدُ علوم الدنيا، فكلّما تطورت علومُ الدنيا وتجدّدت تطورت علومُ الدين وتجدّدت تبعا لها. وينشد علمُ الكلام الجديد إعادةَ رسم صورة الله تجعل صلةَ المسلم بالله لا خوفَ فيها. في ضوء هذه الصورة يعيد الكلامُ الجديد بناءَ هذه العلاقة فينقلها من علاقة مسكونة بالخوف إلى صلة تتوطن مقامَ المحبة. لذلك يهتم علمُ الكلام الجديد بالاستنارة الروحية، وهي أجملُ ما أنجزه العرفان في كلِّ الأديان. في الإسلام كانت الاستنارةُ الروحية منبعا غزيرًا لتحوّل الصلة بالله من علاقة يحكمها الخوف إلى صلة تتكلم لغة المحبة".

وهذا ما يعطي للبعد الروحي أهمية قصوى كما يقول (كيركيغورد): "إن الشيء الجوهري أن أجد أن حقيقة تكون حقيقة بالنسبة لي، وأن أجد الفكرة التي أرغب في الحياة أو الموت من أجلها، … وعلى الرغم من المشكوك فيه تمامًا والمليء بتناقضات ظاهرية لا نهاية لها، فإن اليقين العاطفي، والإيمان الأعمى بالله فقط يمكن أن يتجاوز اضطراب الوجود المحدود ".

 

د. قحطان الفرج الله

باحث وناقد عراقي.

 

 

عبد الجبار الرفاعيانهيارُ الحدود المكانية في العالَم اليوم، واختزالُ الزمان فيه إلى ما يقترب من الصفر، يصيّر هذا العالَمَ الكبيرَ صغيرًا جدًا. تحدياتُ العالَم اليوم، وتعدّدُه وتنوعُه واختلافُه وتعقيدُه ومشاكلُه وأزماتُه، بحجم العالَم الكبير جدًا، لكن تحولاتِ هذا العالَم ومنعطفاتِه وإيقاعَ الأحداث فيه بحجم العالَم الصغير جدًا. العالَمُ اليوم يجد نفسَه فجأةً وكأن الأرضَ انكمشت به فضاقت، بشكلٍ أمسى ينتظر الكلُّ فيه مصيرًا مشتركًا محتومًا، لذلك يمكن أن يسقطَ الكلُّ في جائِحَةٍ تغطي العالَمَ كلَّه، لحظةَ حدوث وباءٍ مباغت، أو كارثةٍ جسيمة تهشم البنى الأساسيةَ لمجتمع من المجتمعات، فما يؤذي مجتمعًا يؤذي العالَمَ كلَّه، وما يوهن مجتمعًا يوهن العالَمَ كلَّه، وما ينهك مجتمعًا ينهك العالَمَ كلَّه، وما يزعزع أمن مجتمع يزعزع أمنَ العالَم كلِّه.

توحّدت مصائرُ المجتمعات واقترنت مآلاتُها بما لم تتوحّد وتقترن به من قبل، وكأن كلَّ شيء فيها أمسى يجد صداه في كلِّ شيء. لم تعد جغرافيا التحديات التي تواجه الإنسانية اليوم خاصةً بما هو محلي، بعد أن اضمحلت الحدودُ المحلية، وامتدّ فضاءُ حضور الكائن البشري فأضحى مواطنًا عالميًا، ترتبط مصائرُه بمصائر الإنسان بوصفه إنسانًا. المصيرُ المشترك للكلِّ يفرض على الكلِّ قيمًا مشتركة.

استفاقت كلُّ المجتمعات البشريَّة فجأة على أن الكلَّ في سفينة كونيَّة واحدة، إن غرقت تغرق معًا، وإن نجت تنجو معًا. وباء كورونا وضع الكلَّ للمرَّة الأولى في مواجهة شكلٍ مختلف من الموت العابر لكلّ الحدود الجغرافيَّة والزمانيَّة والطبقيَّة. وضع وباءُ كورونا البشريَّة كلّها أمام مصير واحد، وفضحَ هشاشةَ العالَم، وأعلنَ عن الحاجاتِ العميقة للقيم في الحياة، وضرورتِها الأبديَّة لحماية مصيرِ البشريَّة المشترك. تنبَّهت البشريَّةُ في لحظة ذعر إلى أنَّ إعادةَ بناءِ نظام القيم الروحيَّة والأخلاقيَّة هو الضمان لتحقيق درجة عالية من الشعور بالمسؤوليَّة حيال الخلق، وبناء أسس راسخة لتضامن إنساني يكفل احتياجات الناس، وإشاعة روح التراحم والتكافل والتضامن في الحياة.

لذلك لم تعد منظومةُ الأخلاق المعروفة بالآداب الشرعية في الإسلام كافيةً لتأمين القيم الأخلاقية المشتركة للحياة في فضاء التحديات العالَمية، وما يفرضه على المسلم واقعٌ جديد أصبحت مشكلاتُه الكبرى وتحدياتُه العظمى شاملةً لكلّ الإنسانية، مثل: تلوث البيئة، والتغير المناخي، والاحتباس الحراري العالمي، والانفجار السكاني. وما تعدُ به هندسةُ الجينات، والذكاءُ الصناعي، من مكاسب متنوعة ومثيرة، مازالت تثري الحياةَ وتمكّن الإنسانَ من توفير احتياجاته وحلِّ مشكلاته، وما يمكن أن ينتج عنهما من آثار غامضة مريبة في الغد. على الرغم من أن هندسةَ الجينات والذكاءَ الصناعي فرصتان استثنائيتان توفران للإنسان إمكانات هائلة، إلا انهما يمثلان تحديًا مقلقًا في الوقت ذاته، إذ  يمكن أن ينتهي هذا الذكاءُ في المستقبل إلى الإفلات من قبضة الإنسان، فيحدث صدام للروبوتات يربك حياةَ الإنسان ويهشِّم أمنه ويغرقه في أحداث مباغتة لم تكن في الحسبان. يقول أحد الخبراء في هذا الحقل: "ليست ثورة المعلومات أقل دراماتيكية، سواء فُهمت على أنها ثورة ثالثة، من حيث إحداث الرخاء، أو ثورة رابعة، من حيث إعادة صياغة مفهومنا لأنفسنا. وسوف نكون في ورطة خطيرة، إن نحن لم نأخذ مأخذ الجد حقيقة أننا نبني البيئات المادية والفكرية الجديدة التي سوف تسكنها الأجيال القادمة... ينبغي أن يكون الإطار الأخلاقي أخلاقيات بيئة ألكترونية من أجل الإنفوسفير (الغلاف المعلوماتي) برمته"، فوريدي، لوتشيانو، الثورة الرابعة: كيف يعيد الغلاف المعلوماتي تشكيل الواقع الإنساني، ترجمة: لؤي عبدالمجيد السيد، ص 269 – 270.

تقدم هندسةُ الجينات للإنسانية الكثير من المكاسب الفائقة الأهمية، مثل امكانية التحكم بالجينات المسؤولة عن الأمراض الوراثية، والخلاص من لعنة هذه الأمراض المتوطنة لدى العائلات والسلالات البشرية. والخلاص من مشاكل العقم، وتطوير التلقيح الاصطناعي وانتاج الأجنة، وتحديد جنس المواليد، والعمل على انتقاء وتحسين صفاتهم الوراثية. كذلك تعدنا هندسةُ الجينات بمضاعفة الانتاج النباتي والحيواني، وتحسين أنواعه وتطوير كيفية أصنافه، بدرجة تقضي فيها البشرية على النقص الحاد في كل أنواع المواد الغذائية اللازمة لعيش الإنسان، وتجد حلًا لأزمة المجاعات في البلدان الفقيرة. والخلاص من مشكلات تلوث البيئة عبر المعالجة البيلوجية. هذه بعض المكاسب المهمة لهندسة الجينات.

أما ما يمكن أن تحدثه من نتائج سلبية وآثار غامضة، تتمثل في امكانية أن تعيد هندسةُ الجينات تشكيلَ الخارطة الجينية للإنسان، وربما تنتهي إلى تغيير لافت للطبيعة الإنسانية تبعًا لتحوير الجينات، وخطر التلاعب بها، بشكلٍ تظهر آثارُه المثيرة في الأجيال القادمة، وما قد تُحدثه من اختلافاتٍ واختلالاتٍ في طبيعة تكوين البشر بيولوجيًا وما يتركه ذلك من آثار مباشرة على دماغه وجهازه العصبي، وآثار مخيفة على تكوينه العقلي والسيكولوجي والعاطفي والروحي. مضافًا إلى ما يمكن أن ينتجه ذلك من اختلاف فاحش بين الناس، ينتهي إلى تمايز طبقي غريب، يضع البشر في تراتبية هرمية، يجلس فيها عمالقةٌ استثنائيون بكل شيء على القمة، وتتسع الفجوة بينهم ومن يقع تحتهم بصورة مذهلة، لو تفوق هؤلاء العمالقة على غيرهم بيولوجيا بدماغهم وذكائهم المدهش، وقدرتهم الفائقة على مقاومة الأمراض، وقوتهم البدنية التي لم يشهد لها تاريخ الإنسانية مثيلًا من قبل، وعدم تراجع قواهم بمرور الزمن، وامتداد أعمارهم، وتفوقهم في الجمال، وفي كل الصفات الإنسانية الأخرى، وغير ذلك من امكانات استثنائية تعد بها هندسةُ الجينات، مما يحدث زلزالًا يعصف بالتوازن في اطار الاختلافات الطبيعية الموروثة للبشر، ويخلق اختلافات مذهلة مباغتة، تضع أكثر البشر في مرتبة دنيا، وتقفز بأقلية إلى مرتبة العباقرة المتفوقين في كل شيء مقارنة بمن هم دونهم.

إن ما يقوم به خبراءُ الهندسة الجينية من تحويرٍ لجينات الكائنات الحية المتنوعة، وربما تلاعب البعض بها، قد ينتج هذا التلاعب آثارًا غريبة على طبيعة تكوين هذه الكائنات، وظهور تحولات عجيبة في وظائفها الحيوية، واختلال التنوع الخلّاق للكائنات الحية في الطبيعة، وحدوث مباغتات مزلزلة في التوازن الحيوي في الطبيعة، يقضي على أنواع معروفة ويخلق أنواعًا وسلالات جديدة من الكائنات الحية، والبكتريا والفيروسات الوبائية الخطيرة.

تلك تحديات عظمي تواجه المستقبل البشري، وتهدد عند عدم ضبطها بمنظومات القيم بتحولات معقدة في التوازن الحيوي للأرض، وربما تغيير عميق في الطبيعة الإنسانية. هذه التحديات تتدخل في اختياراتِ الإنسان الأخلاقية، ونمطِ وجوده في العالَم، وتؤثر على كلِّ مجالاتِ حياته العقلية والروحية والأخلاقية والجمالية، وعلومِه ومعارفه وثقافته وآدابه وفنونه، وأنماطِ علاقاته الاجتماعية، لأنها لا تختصّ ببلد أو إثنية، بل تشمل الجغرافيا الإنسانية كلَّها. واذا حدثت مثل تلك التحولات، تحتاج الإنسانية الى منظومات قيم مشتركة تضبط صلة الإنسان بالله، وتحدد استغلاله للطبيعة، وترسم اطارًا لعلاقته بغيره من البشر، يتناغم مع ايقاع تلك التحديات التي لا ندري ما تنتهي اليه غدًا.

الأرض تنتقم لنفسها بعدَّة أشكال، وتواصل انتقامَها حتى يعود الإنسانُ لنظام القيم الذي يضبط عمليَّة الإنتاج وتوجيهها إلى ما ينفع الإنسان، ويشعره بالسكينة والأمان، ويرسِّخ العدالةَ في التوزيع، بشكل يضيق فجوةَ التفاوت الفاحش بين الطبقات، ويُرشِّد الاستهلاك، ويحمي حياةَ الإنسان بأنظمة عادلة تضمن الأمنَ والسلمَ والعيشَ الكريم والتعليم والصحةَ للفقراء، وتهتمّ بتأمين احتياجاتهم الأساسيَّة.

عندما تمرض الأرضُ يمرض كلُّ شيء فيها. أتمنَّى ألا تكون البشريَّة هذه اللحظة على أعتاب نمطِ وجودٍ مختلف في العالَم، يتباطأ فيه التقدّمُ العلمي، أو يتقهقر فيفشل في إنجاز وعوده، التي كنَّا نحلم بأن تجعلَ معاشَنا أسهلَ وحياتَنا أجمل.

إن مشاكلَ الطبيعة لا يحلّها إلا العلم، ولم يمكّن الإنسانَ من الطبيعة، واكتشاف قوانينها وتسخيرها واستثمارها في إعمار الأرض، وجعل حياة الإنسان أسهل، إلا العلم، ولم يمكّن الإنسانَ من التحكّم بالآثار الفتَّاكة للكوارث الطبيعيَّة، والأمراض المُمِيتة والأوبئة، وكل ما يفسد الأرض، إلا التطوّرُ العلمي، والذكاءُ الصناعي، وبناءُ مجتمع المعرفة.

العلمُ هو مَنْ يكتشف لقاحات الأوبئة، العلمُ هو مَنْ ينتج الأدوية لمختلف الأمراض.

لسنا هنا بصدد الحديث عن أخلاقيَّات العلم، والقيم الضابطة للتقدُّم العلمي، والآثار الجانبيَّة السلبيَّة للتكنولوجيا، مثل: الانبعاثات الحراريَّة الفتَّاكة على المناخ، وتدمير الأرض، وإبادة التنوّع الحيوي، والتلاعب بالجينات، وغيرها. حضورُ القيم الأخلاقيَّة الموجِّهة للتقدّم العلمي، وتفادي الآثار السلبيَّة الجانبيَّة للتكنولوجيا، ضرورةٌ تفرضها حماية الإنسان والبيئة والأرض من آثارها المدمِّرة.

إن ضروراتِ العيش في عالم أصبح فيه الإنسان مواطنًا عالميًا تفرض عليه قيمًا أخلاقية بسعة العالَم الذي يعيش فيه، وبحجم مشكلات هذا العالَم الكبرى وتحدياته الهائلة، لأن من يصبح مواطنًا عالميًا تتطلب حياتُه قيمًا تتسع لما يفرضه عليه حضورُه الفاعلُ والمؤثّر في العالَم.

 

د. عبدالجبار الرفاعي