رضوان ضاويبقلم: غيرهارد شتاجون

ترجمه من اللغة الألمانية: الدكتور رضوان ضاوي.


 يمثل الأشخاص المتدينون في بعض الأحيان وجهة النظر التي تقول بأن علم الطبيعة- على خلاف غيره- يمكنه أن يكون مساعداً في البحث عن الحقيقة. ومن المحتمل أن يكون العكس هو الصحيح؛ ذلك أن علم الطبيعة يكون مزعجاً فقط أثناء البحث عن الحقيقة، لأن هذه الأخيرة توجد عند الله، ولم يكن الله في يوم ما موضوعاً لعلم الطبيعة. ويجب علينا أن نعترف بأن هذا الأمر ليس خاطئاً تماماً.

الواقع أن علم الطبيعة لا يملك أية وسيلة تمكنه من الاستدلال على ما هو إلهي أو تفنيده. فالله هو الجوهر الروحي الوحيد الذي لا تتعرض له قوانين الطبيعة. ولكن ألا يمكن اعتبار هذا الأمر تعبيراً عما هو ربّاني؟ كان هذا هو سؤال (جوته) العظيم من قبل، وهو: أليس في استطاعتنا تقصي الله أولاً عبر الطبيعة؟ ولهذا فإن المحصلة الأخيرة هي أن صورة العالم قد بلورت صورة الله في علم الطبيعة.

وفي الحقيقة، كلما تعمق المرء في علم الطبيعة، كلما امتلك روحاً كونية بشكل واضح. ولا شيء يعارض النظر إلى الروح الكونية على أنها روحُ للخالق. وتعبر روح الخالق هذه عن نفسها بلغة مجردة وواضحة وصارمة – ويمكن للمرء أن يعبر هنا أيضاً عما هو إلهي في الطبيعة. وهذه اللغة هي بالضبط لغة الرياضيات، التي بها يستطيع المرء وصف الطبيعة بشكل دقيق ضمن حقول معرفية واسعة. فلغة الرياضيات هي لغة الله. وعلى هذا النحو يمكن لنا أن نقول في النهاية بأن الله هو الرياضي الحتمي والسامي على الإطلاق. وليس معنى هذا أنه لم يتم التعرف على الله إلا في هذه اللغة، فحتى الموسيقى يمكن أن نفسرها على أنها لغة إلهية. ولكنها لغة بُنيت رياضيّاً أيضاً. ومع هذا كله لا يبذل الله جهده فيما هو رياضي خالص.

إن الله هو ذلك السر الأخير الذي لم تبلغ فيه الرياضيات أيضاً أقصى حد في مستوياتها العليا. وهذا أمر رائع. فمن يريد أن يعيش في عالم خال من الأسرار؟ “فعندما يغيب عن الإنسانية الشعور بأن العالم يضم بين جنباته سرّاً ما، ينتهي كل شيء”، كما قال عالم الأدب اليهودي جرشوم سوليهم Gerschon Scholem (1897-1982). وفي الأخير يشترك الدين مع علم الطبيعة في الهدف ذاته، وهذا الهدف هو “فتح أبواب الإدراك والمعرفة، وبالتالي يصبح الإنسان واعياً بوجوده الخاص في هذا الكون، وواعياً بمكانته الخاصة في العالم”.

إن معرفة الذات هي القوة الدافعة للدين وللعلوم الطبيعية. كما أن الملاحظة والتجربة التي تقدمها العلوم الطبيعية هي دائماً عبارة عن ملاحظة الذات Selbstbeobachtungوالبحث في الذات Selbsterfahrung. إن كل نظرة إلى النجوم- ولا يهم هنا إن كانت بالعين المجردة أو عبر التلسكوب- هي نظرة في ذات ما، وهي أيضاً سبب لكي تحركنا هذه النظرات بشكل عميق وتجعلنا نصاب بالدهشة أيضاً. و يصدق نفس الشيء على النظر عبر الميكروسكوب في عالم الأشياء الصغيرة جداً. ويختفي التحجر في كلمة “الدهشة” بالنظر الى الظهور الذي يتحدث فيه إلينا شيء ما، والذي لا يدل سوى على فيزياء الظهور.

ولهذا السبب يضعنا، هكذا، علم الطبيعة في حالة متواصلة من التعجب والاندهاش بالنظر إلى شيء يكون دائماً أكثر غنى وأكثر دقة، وأكثر إلغازاً من النظرية التي تدور حوله. ويتعلق الأمر في علم الطبيعة أيضاً بالاحترام والتوقير، إلى جانب الملاحظة الدقيقة والمعنى الموحد لموضوع الملاحظة (للملاحَظ). ولا يتوافق علم الطبيعة مع ما هو روحي فقط، بل هو نفسه مصدر غير مخلوق للروح. وتلتقي نوعيات الجودة الدينية والفكرية تماماً على دائرة معارف العلم من تلقاء نفسها.

ويُفهمنا علم الطبيعة بوضوح أنه لا يستطيع أن يقول أي شيء عن الله نفسه أو عما هو إلهي في الوقت ذاته. ذلك أنه يعرف بدقة متناهية مجال صلاحياته، ولا يخجل بأن تعطى إلى جانب ما هو معرفي وتفسيري، بعض ما هو لامعرفي ولاتفسيري. ولم يُضمر علم الطبيعة قط العداء لما هو ديني. وهذا ما يلاحظه المرء عندما يستعرض جل علماء الطبيعة الكبار- من بيتاغورس Pythagoras وكوسونوس Cusanus، وكبرنيكوس Kopernikus، وجاليلاي Galilei، ونيوتن Newton، وداروين Darwin، وحتى بلانك Planck، وأينشتاين Einstein، وشرودينغر Schrödinger، ومايزنبرغ Heisenberg، أو كارل فريدريش فون فايتسزيكرFriedrich von Weizsäcker-Carl – الذين كانوا و ما يزالون أشخاصاً متديّنين. فالتديّن لا يُعرقل روح الباحث في العلوم الطبيعية، بل تستطيع المعرفة في مجال العلوم الطبيعية تعميق التديّن الموجود.

لقد أعطى الانسان لنفسه اسم “الانسان العاقل” Homo Sapiens، ويمكن للمرء ترجمة هذا الاسم بـ”الانسان العالم”، أو من الأفضل ترجمته بـ”الانسان الحكيم”، لأن الحكمة تتجاوز المعرفة بكثير. إنها تضم التجربة، وبالخصوص تجربة الإيمان. وكان يسود الاعتقاد في تاريخ الإنسانية أن المعارف الطبيعية والإيمان الديني قد ظهرا في نفس الوقت.

يمكن للمرء أن يقول إن الله أعطى للإنسان عقلاً كبيراً لكي يستعمله من أجل التوصل الى معرفة العالم وخالقه؛ ذلك أن الفهم الأصلي للطبيعة كان فهماً دينيا. وقد شُبّه العلماء في المجتمعات التي تنتمي إلى ما قبل التاريخ برجال الدين، لأنهم كانوا حكماء، وقديسين، وأولياء، في نفس الوقت.

وإذا نظر المرء الى الـ 5000 سنة الماضية من تاريخ الإنسانية، فإنه سيتولد لديه الانطباع، كما لو كان الايمان بالعقل، قد أقصى الإيمان بالله وبالآلهة. وعندما يفتح الباب أمام الحداثة يتم دائما غلق الباب المؤدي الى الإيمان، وتحل المعرفة مكانه. والطريق الذي سارت فيه أوروبا نحو التنوير، هو طريق لا يمكن التراجع عنه.

يجب إعادة تفسير الصور الدينية القديمة، سواء في القرآن أو في الإنجيل، من جديد. فما كان مقدساً بالنسبة للإنسان قبل 2000 سنة يجب أن لا يكون اليوم مقدساً. فحتى المقدس يتغير. فلم نعد نفهم البرق والرعد كعلامة على الألوهية، كما كان يفعل الناس قديماً.

لا يضعف التنوير والعقل إلا جزءاً من الإيمان الديني الذي يتناقض بشكل كبير مع المعرفة الحداثية. إلا أن هذا الإضعاف هو أمر صحي، فالإيمان الجاهل هو إيمان ضعيف جداً. وقد قدم الإسلام حالياً هذه التجربة بشكل واضح.

كانت جماعة المسلمين في الماضي قوية، لأنها كانت مكاناً للتكوين. تقول صلاة محمد: اقرأ. ولم يحدد القرآن ما يجب أن يقرأه المرء. وقد قرأ مسلمو العهد الإسلامي المبكر أعمال علماء الطبيعة اليونانيين، والرياضيين، والفلاسفة، ودرسوا أعمال الفرس والهنود والصينيين القدماء. والنتيجة أن العلوم الطبيعية والرياضيات بلغت أوج عصرها الذهبي في العالم الإسلامي. وطور المسلمون علم فلك جديد، كما طوروا الجغرافيا وفروعاً جديدة في الرياضيات.

وفي القرن الخامس عشر بدأ علماء الدين المسلمين بوضع حد للعلوم الطبيعية. وبعدها تَوَجّب الاعتماد فقط على ما جاء في القرآن. وكانت النتيجة هي تراجع فكري تام في عصر كانت فيه أوروبا قد دخلت عصر النهضة وبدأت المعرفة في العلوم الطبيعية ومعرفة الرياضيات تتملك أوروبا، مما قمع المسيحية حتى الآن بشكل واضح. ومازال العالم الإسلامي يغرق في عدائه إلى اليوم للعلوم ويفقد التواصل مع العالم المعاصر الذي أسس نفسه على العلم. مع أنه يوجد في القرآن بأن الله يساعد الذين يوسعون أفقهم الفكري في كل الاتجاهات.

وحسب التفسير الطبيعي الحداثي للعالم، أصبح الله أكبر، وأصبح مبهماً، على ما كان يظهر عليه في أساطير الإنجيل. ويعتمد الله أساساً – إن صح التعبير – على كل الأسئلة التي يحاول العلم المعاصر الإجابة عنها. ولا ينغلق الدين الحقيقي على علم الحداثة، لأن الله يعلن عن نفسه بطريقة واضحة في هذه المعرفة. ويجب على الدين أن يعرف بأن علم الطبيعة لا يمكن التغلب عليه، حتى بواسطة التكذيب الديني.

وهناك أمر أكيد أيضاً، هو أن حقائق العلوم الطبيعية ليست حقائق شاملة، بل هي آخر حقيقة، توجد عند الله. وهو ما يعرفه العلم أيضاً. فأيُّ نوع من الحقيقة هذه؟- هذا ما لا نعرفه.

 

** المترجم: أستاذ اللغة الألمانية وباحث في الدراسات الثقافية المقارنة، الرباط، المغرب.

..................

*مقال: “هل علم الطبيعة عدو للدين؟” (ص. 62-66) من كتاب “إذا كان الله خيراً، فلِمَ يوجد الشر إذاً في العالم؟ أسئلة في الدين”. لـغيرهارد شتاجون، دار النشر هانزر، ميونيخ، 2006. (عدد صفحات الكتاب 207).

Ist die Naturwissenschaft ein Feind der Religion ?: Im «Wenn Gott gut ist, warum gibt es dann das Böse in der Welt? Fragen an die Religion». Gerhard Staguhn, Hanser-Verlag, München 2006. (207 Seiten).

 

 

فادية سمير السيدمفهوم الولاء من المفاهيم التي تثير في العقل البشرى معانى سياسية وأخلاقية يرجع ذلك إلى أن مفهوم الولاء مرتبط بالسلطة والحرب، كما أنه مرتبط بالأهداف العامة للسياسة العامة والقوانين الأساسية خاصة في النظم العسكرية، وأخيراً فهو مرتبط بالدولة ونظامها وسياستها.

ورغم أن الولاء هو أحد القيم الأخلاقية التي يجب على الفرد التمسك بها، فإنه دائما ما يثير مشكلات كثيرة منها ما يتعلق بماهيته، وما مدى الحاجة إليه، وما القضايا التي تتعلق به، وهل الشعور بالولاء فطرياً أما مكتسباً؟ فمع تتطور المجتمعات، وتشعب العلاقات بين الأنظمة المجتمعية، أصبح لمفهوم الولاء أهمية كبيرة لعلاقته بتماسك المجتمعات وتطورها.

فالإنسان في العصر الحاضر يعانى الحيرة والارتباك تجاه المثل العليا - ومنها الولاء- والواجبات المهمة، وانتشر الشك في الأحكام الأخلاقية،  كما زادت المطالبة بتغير القيم تغييرًا جذريًا.

وإذا كان الولاء يعنى (إيمان الفرد بقضية معينة والتفاني من أجلها) وبرغم أن مفهوم الولاء قد يبدو مفهوماً بسيطاً فإنه عميق لكونه متصلًا بقلوب وعقول الناس، كما أنه متصل بالوجدان الجمعي. فهو شعور يتنامى بداخل الفرد، ويتراكم عبر التجارب الحياتية ويزاد عمقاً وثقة على مدى العمر الإنساني.

وما نقصده بمبدأ الولاء هو حق الفرد في الولاء ولكن بدون تحطيم ولاءات الآخرين، حيث يسمح لكل مواطن مهما كان وضعه أن يحقق ولاءه، فعندما يفهم المواطنون هذا المبدأ للولاء فإنه من شانه أن يوحد بينهم ويذيب الفوارق بين الطبقات.

بالنظر إلى المجتمعات السياسية على مدى العصور نجد عوامل الفرقة والتفاوت بين الطبقات سمة من سماته ولعل ذلك يرجع إلى الاختلافات في المستويات المادية والثقافية والاجتماعية بين أفراد الطبقة الواحدة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، أتساع الاختلاف بين الرجل والمرأة، فالرجل يسعى لإحكام سيطرته على المرأة ،والمرأة بدورها تسعى إلى مزيد من الحرية، فكل هذه الصراعات هي في جوهرها صراعات بين الولاءات.

يحقق الولاء الانسجام بين الأفراد وخاصة عندما يكون ولاؤهم، ولاء لقضية الولاء ذاتها. لأن من أسس القضية الجديرة بالولاء مشاركة أكبر عدد ممكن من الأفراد فيها، وخدمتها لغاية اجتماعية عامة، فبذلك يمهد الولاء الطريق لوحدة الوطنية، وهذا ما يحتاج إليه المجتمع السياسي الصحي والسليم.

فالولاء رغم كونه موضوعًا لنظرية الأخلاقية، فانه يلقى بأثره على الوضع السياسي، فإذا كانت قضايا الاقتصاد والتنمية ومشكلات البطالة ذات أهمية كبرى، فإن مشكلة الوحدة الوطنية لا تقل أهمية عن هذه المشكلات، ولن نستطيع الدخول لهذه المنطقة الساخنة من المسرح السياسي وحل ما بها من مشكلات دون أن يكون حاضرًا في عقولنا مفهوم الولاء على مستوى النظري والعلمي.

ويبدو لى إن مفهوم الولاء يجمع بين البعد الأخلاقي والبعد السياسي، فالولاء يتقاطع ويتشابك عبر مستويين جوهرين وهما: مستوى الشعور الإنساني العميق أو الباطني بإعجابه أو بحبه أو بإيمانه بقضية معينة وهذه المرحلة الأولى التي من الممكن أن تحمل الطابع الأخلاقي الباطني، وهى ما قد نطلق عليها الضمير الأخلاقي الذى يواجه سلوك الفرد ويحاسبه، إلا أن مسألة القول بهذا الضمير الأخلاقي ليس حدًا فاصلًا حيث أنها مسألة لا تخضع لتحقق، كما أننا لا نعلم مصدرهذا الضمير الأخلاقي غير أنه يمثل في ثقافتنا العربية الخوف من الله، كما أنه نسبى مختلف من فرد لآخر، كما أن وجوده ليس مسألة حتمية؛ لأن الواقع يفيض بالأفعال المشينة والمحرمة التى حرمها الله، فالضمير الأخلاقي ليس نهاية المطاف.

وهنا تأتى المرحلة الثانية وهى العمل على خروج إيمان الفرد من حيز الشعور والاحساس الكامن في الضمير الأخلاقي إلى التطبيق الفعلي الملموس، وإن كان االمستوى الأول أخلاقياً خالصاً فأن المستوى الثاني مختلف، فقد يكون سياسيا أو اجتماعيا أو دينيا، حسب موضوع الولاء. وهنا يلازمنا القول أن تحول الولاء من المفهوم الأخلاقي إلى مفهوم سياسي تتحكم فيه عوامل كثيرة منها شخصية الفرد وسلوكه وطبقته وكذلك مصلحته الخاصة والعامة.

وإذا نظرنا إلى مشكلة العلاقة بين السلطة والولاء في المجتمع سنجدها علاقة نسبية؛ فعندما تنفصل السلطة عن الشعب من خلال عدم مشاركة الفرد في القرارات السياسية المهمة، ومن ثم عدم مراعاة السلطة التنفيذية لمصالح الأفراد، يؤدى ذلك إلى شعور الفرد بالاغتراب، وتقل درجة ولائه، وتتحول السلطة بالتالي إلى قوى طبيعة لا تبالى بالإنسان في أعمالها، وهنا يسعى الفرد للتخلص منها. فإذا أتسمت منهجية القديمة فى السياسة فى بناء الكيانات السياسية بعدم حضور مفهوم الولاء، ولم تلتفت بالتالي إلى القيمة العليا للولاء التي يمكن من خلالها الانجاز والكفاءة. وعلى الرغم من أن العقود الماضية التى تم الاعتماد فيها على المؤسسات التقليدية التي أوجدت نوعًا من التنوع المحدود داخل حدود الكيانات السياسية، فأن سنوات العقدين الأخيرين شهدت نوعًا من التفريغ الشديد غير المسبوق في الكيانات السياسية. فهل يكون الولاء للدولة بصفتها الوطن، أم للسلطة السياسية، بصفتها نظام سياسي يحتمل الصواب والخطأ؟ وهل النظام السياسي يحمل ولاء حقيقياً يشبه ولاء المواطن لذاته ولوطنه؟ ومن الذى يعيش حالة الشك والقلق: هل هو  المواطن الذى يمتلك قوة ونفوذ للتغير، أم النظام السياسي الذى يملك المال والقدرات والأجهزة، ويتخذ كل القرارات التى قد تفضى إلى هلاك الدولة؟

هناك فارق يجب علينا ونحن نحاول البحث عن الإجابة أن نقف أمامه، ونعنى به الفارق بين الدولة وبين النظام السياسي بشكله القائم، فالدولة هى الكيان ذو الطابع السياسى، الذى يتكون من مجموعة من الأفراد، يمارسون نشاطهم على إقليم جغرافي محدد، ويخضعون لنظام سياسي معين متفق عليه فيما بينهم. أما النظام السياسي فهو يقوم بالعديد من الادوار أو الوظائف المتعددة استنادًا إلى السلطة المخولة له، والتي يمكن أن تتبدل أو تتغير مع تغير الأحوال والأوضاع الخاص بالشعب أما بشكل سلمى أو بأشكال أخرى مثل الثورة  أو الانقلاب أو العنف الشعبي. مما يعنى أن النظام السياسي هو الأضعف فى المعادلة السياسية، ويرجع ذلك إلى خوفه من انتزاع السلطة منه بأى شكل من الاشكال المشار اليها.

فمن الأفضل أن يكون ولاء المواطنين فى دولتهم لأوطانهم ولأنفسهم ولتاريخهم؛ فكل الأنظمة التى طالبت بالولاء السياسى كشرط رئيس للحصول على المنافع والفوائد والأمن مقابل مصادرة الحرية وحقوق التمثيل الحقيقى ،فاجأها التاريخ كما حدث فى أوروبا الشرقية أو الثورات فى العالم العربي، ففي الدول الأكثر ديمقراطية أصبح الولاء هو ذلك الذى يحمله النظام السياسى لبرنامجه ولسياساته وللمواطن وللدولة بشكل مطلق.

كما أن محاولة جعل الدين مصدرًا للولاء تعد من أخطر ما يتعرض له الولاء في أى مجتمع؛ لأن الولاء الديني يميل إلى التعصب والعنف والعيش في الماضي، والتنازل عن العالم الواقعي مقابل الاكتفاء بالبحث عن العيش فى يوتوبيا مفقودة. كما أنه يرتبط بالعنصرية والفاشية وضيق الأفق، ويمهد الطريق للحروب بين أفراد المجتمع الواحد من جهة  بين والدول الأخرى من جهة أخرى. وهذا ما فعله تيار الإسلام السياسي (الإخوان المسلمين) في مصر بعد الثورة.

هذا النوع من الولاء الديني يجعلنا أمام مشكلة أخرى هي: أيهما يجب علينا أن نختار: الولاء للوطن أما للدين ؟ إن مسألة تصنيف الولاء هل هو وطني أما ديني هي من أخطر المشاكل التي تهدد بقاء الولاء ذاته ؛ لأنها تعمل على تضيق المجال أمام الولاء، فالولاء الدينى يجعلنا نترك الواقع ونسعى إلى الآخرة وحسب، كما أنه ينفى الولاء للوطن، ويكفى أن نشير إلى أن الولاء الديني كان فى فترات تاريخية عديدة سببًا في الحروب الصلبية ونشأة الدولة الصهيونية، أما الولاءات الوطنية أدت إلى حربين العالميتين.

فالولاء في العصر الحديث لم يعد قاصرًا على الولاء بالمعنى الديني أو الوطني؛ لأن هذا المعنى ضيق جداً وإنما أصبح يواجه ولاءات كثيرة، ولا تقل أهمية عن الولاء التقليدي للدين أو للوطن، حيث أن حصر الولاء في المفهوم الخاطئ وضيق مفهومه وحصره فى قضايا جزئية  لا يؤدى إلا إلى مزيد من صراع الولاءات.

وكما أشار لذلك زكى نجيب محمود بقوله ".. إن الولاء يعنى تجسيد الأبدي في الافعال التي تقوم بها الذات الإنسانية " (قيم من الثراث ص 39).

فالولاء ليس مجرد الانتماء لفكرة أو مجرد الاعتقاد في شيء أبدى، وإنما هو التعبير عن هذا الاعتقاد في الحياة العملية للإنسان .

و أخيرًا يمكننا إن نقول أن الولاء هو حلقة الوصل بين الأمة وتاريخها ويحقق التواصل بين أجيالها، ويوحد بين الشعب وقادته، فبغض النظر عن القضية التي يخلص لها القائد، فالقضايا لا تموت بموت القادة؛ لأن الولاء يحافظ على وجودها وبقاءها، فالقضايا التي بدت ميؤوسًا منها وخاسرة في لحظة تاريخية معينة ،كان الاستمرار والبقاء من نصيبها في لحظة تاريخية أخرى.

فالولاء يمد القضايا بمقومات الحياة، وهذا هو المعنى الذى نحتاج إليه في مصر المعاصرة من الإيمان بالقضية بعيدًا عن بقاء القائد أو رحيله، فإيماننا بالأفكارلا الأشخاص، فالأفكار باقية والأشخاص يرحلون.

 

د. فادية سمير السيد

باحثة دكتوراة فى الفلسفة السياسية

 

 

محمود محمد علينعود وننهي حديثنا عن قراءتنا الفلسفية لأسرار دولة الألتراس، حيث نقول: وهناك مصطلح روح الألتراس  Spirit Ultras ؛ حيث تعتقد مجموعات الألتراس حول العالم في وجود ما يسمى بروح الألتراس، وهي روح يولد بها أعضاء الألتراس، ولا يكتسبونها مهما حدث، ويصفونها بأنها " تلك الروح المقدامة المثابرة، العاملة في صمت وجهد؛ لتحقيق أهداف عظيمة، لا يتم إنجازها إلا إذا انصهرت أرواح أفراد المجموعة في كيان واحد تحت علم ناديها"، ضد الجميع من وسائل الإعلام التي تهاجمهم، ولذا تطلق ً باستمرار، وضد الفرق المنافسة، وأحيانا ضد المخربين من أبناء النادي أنفسهم مجموعات الألتراس على نفسها "خط الدفاع الأخير"، الذي يدافع عن كرامة واسم النادي الذي ينتمون إليه، ويحملون على عاتقهم الحفاظ على الصورة المشرفة لجماهير ذلك النادي الذي عشقوه وترجموا هذا العشق بأفعال يشهد الجميع بها.

ومجموعات أولتراس عادة ما يكون لها ممثل يتولى الاتصال مع أصحاب الأندية على أساس منتظم، ومعظم هذه الاتصالات تكون من أجل التذاكر، وتخصيص مقاعد معينة بمكان جلوس المجموعة أو ما يسمى الانعطاف أو (الكورفا أو الفيراج)، وأماكن لتخزين الأعلام والرايات (الدخلات في تونس و الجزائر والطلعات في المغرب). بعض النوادي توفر للأولتراس أرخص التذاكر وغرف تخزين اللافتات والأعلام، والوصول المبكر إلى الملعب قبل المباريات من أجل الإعداد للعرض. غير أن بعض المشجعين الذين لا ينتمون للأولتراس ينتقدون هذا النوع من العلاقة. وينتقد آخرون الأولتراس لعدم الجلوس على الإطلاق خلال عرض المباريات وإشهار الرايات والأعلام، حيث يمنع ذلك رؤية المباراة من قبل المشجعين الذين يقفون وراءهم. انتقد آخرون الأولتراس لقيام بعضهم باعتداءات جسدية أو تخويف من لا ينتمي للأولتراس.

وتعتمد مجموعات الألتراس على التمويل الذاتي من خلال بيع منتجات الألتراس مثل تي شيرت "، والإيشاربات، والقبعات ...إلخ، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن تقبل ُ الألتراس أي إعانة من أي مصدر. أما مسألة عضوية الجماعة فتتم حينما يفتح باب العضوية سنويا ويحصل العضو على اسم ورمز يتم تسجيلهما على بطاقة، وحينما يكون  العضو منضما لمجموعة فإنه يتم تسجيل اسم ورمز المجموعة أيضا على بانر (يطلق عليه باتش) رسمي خاص بالمجموعة.

ولا يوجد لمجموعات الألتراس رئيس بعكس جميع أنواع روابط التشجيع، بل تتكون من مجموعة من المؤسسين الذين سرعان ما ينزوي دورهم بعد أن تصبح المجموعة قادرة علي الوقوف علي أرض صلبة، ويدير العمل داخل الألتراس مجموعات عمل صغيرة الـTop Boys والتي تختص كل منها بتنظيم أنشطة المجموعة من تصميم وتنفيذ اللوحات الفنية وقيادة التشجيع داخل المدرجات وتنظيم الرحلات والإشراف علي مصادر تمويل المجموعة والتي يتسابق فيها أفراد الألتراس لتقديم كل إمكانياتهم وخبراتهم في الحياة العادية لخدمة المجموعة ولإنجاز العمل المكلف به علي أكمل وجه.

وتنظم الألتراس العديد من الحملات للمطالبة بحق تقرير المصير في قضية الجلوس الإلزامي للمشجعين أثناء المباريات، وضد الارتفاع الملحوظ في أسعار تذاكر المباريات والتي عانت منه جميع طوائف المشجعين وحتي في مصر التي أصبحت أسعار التذاكر فيها علي حسب مزاج الأندية ترتفع وتنخفض بدون سابق إنذار، كذلك انتشار استوديوهات التحليل في القنوات الفضائية والتي تنقل تحليلات ومناقشات للمباريات وتري مجموعات الألتراس خطورتها الكبيرة علي جماهيرية كرة القدم لتتحول من مباريات جماهيرية لبرامج ترفيهية منزلية تافهة تدفع المشجعين للمكوث داخل منازلهم والابتعاد عن مناصرة أنديتهم داخل المدرجات، لتخسر تلك الأندية الدعم المباشر من قبل مشجعيها والتي تري مجموعات الألتراس أنهم أساس اللعبة وأن كل ما يتعلق بالرياضة هو ملكية خاصة صنعت لمتعتهم وترفيههم ويقول جون كينج الصحفي الامريكي: «وسائل الإعلام المختلفة لا تعير اي اهتمام لعنصر الجمهور في لعبة كرة القدم رغم أنها بدون الجمهور لا شيء.. إنها تعبر عن الإخلاص والانتماء والذي بدونه ستكون كرة القدم عبارة عن 22 لاعبًا يركضون داخل قطعة أرض خضراء يضربون الكرة بالشلوط. يا له من شيء ممل حقا.. الجماهير هي التي تجعل من هذا الشيء الممل شيئا يستحق المشاهدة».

وتعتبر هذه الحملات وثقافة الألتراس بوجه عام إحدي الأسباب الخفية في هجوم وسائل الإعلام المختلفة علي مجموعات وفكر الألتراس الذي يتعارض بشكل أو بآخر مع مصالح القنوات الفضائية وما تقدمه من تحليل قبل وبعد المباريات والتي تجني عن طريقه أرباحا خرافية مستغلة شعبية كرة القدم.

والسؤال الآن: متي دخل الألتراس الدولة المصرية ؟

دخل الألتراس الدولة المصرية عن طريق جماهير الأهلي، حيث أرخ أعضاء جروب ألتراس أهلاوي بدايتهم كالمعتاد في عالم الألتراس بظهور أول بانر رسمي عليه شعار واسم الجروب، وفى حالة ألتراس أهلاوي كان هذا التاريخ فى ١٣ ابريل ٢٠٠٧، في المباراة ضد إنبى، فى بداية الدوري عام المصري. وحينما تم عمل بانر ً وتم رفعه فى مباراة الإسماعيلي وانبى، وتحديدا في ٢٧ أكتوبر ٢٠٠٧،أُعتبر هذا التاريخ  ًعيدا رسميا لإنشاء الألتراس الإسماعيلي، والذى أضاف قيما كثيرة لحركة الألتراس المصرية، فكان أول من قام بعمل "بايرو شو"، وأضاف فى رسوم الدخلات، وكان صاحب أول cd تجارى لأغانى الجروب، وكان أول جروب يقوم بعمل عضويات للمنتمين له، فى إطار معرفة أعدادهم الفعلية وتنمية الموارد بجمع اشتراكات، كما كان أول جروب قام بعمل نظام فعلى داخل أركانه، واعتمد على فكرة اللجان المتخصصة وتحديد مهام كل فرد داخل الألتراس، كما كانوا أصحاب أول فكرة لإقامة "ستاند" للكابو في مصر، وهو أول جروب في مصر يهتم بالقضية الفلسطينية بإحياء ذكرى النكبة الـ٦٠؛ حتى أن الصيغة التعريفية التي طرحها الجروب لنفسه وقوانينه تم نسخها في العديد من المجموعات الأخرى، وقد رفعوا ً رموزا ثورية مثل جيفارا وأعلام فلسطين.

ومن هنا جاء الربط بين الانتماء وكرة القدم فكانت اللبنة الأساسية التي تقـوم عليها فكرة الألتراس هي الانتماء الشديد للنادي /الوطن، الذي تستشعره من أول لحظة تتحدث فيها مع أي فرد ينتمي للألتراس كفكرة وكتنظيم، فهذا الانتماء الشديد قد نجد تفسيره في في استقطاب دعاة الإسلام السياسي لكثير من شباب الألتراس مع بداية ثورات الربيع العربي في 2010، حيث تم اختراقها من من جانب الإخوان المسلمين عن طريق "خيرت الشاطر"، والسلفية الجهادية عن طريق "حازم صلاح أبو إسماعيل"، حيث جندوهم لخدمة أهدافهم، وأصبحت نواة حقيقية لهذه التنظيمات المتطرفة، وظهروا بكثافة فى اعتصامى رابعة والنهضة، وهتفوا ضد الدولة ومؤسساتها الحامية.

وبالوقائع والأدلة، ومن خلال المشاهدة على الأرض خلال المرحلة الانتقالية للدولة المصرية، وخلال حكم الرئيس المخلوع " محمد مرسي"، فإن بعض روابط الألتراس أفسدت الرياضة في مصر، وحولت الألعاب الرياضية المختلفة وفى القلب منها كرة القدم من التسلية والترفيه، إلى خراب ودمار وموت؛ حيث إنه فى 2007 كان أولى أسباب انتكاسة الكرة المصرية بعد تكوين روابط الألتراس واستغلال الإخوان لهم، لإثارة الفوضى فى الملاعب، ونتذكر كوارثهم فى استاد بورسعيد أو الدفاع الجوى، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل ظهرت صور لهم مع الإخوان فى رابعة العدوية وفى ميدان النهضة، وفى أكتوبر 2012 صرح بهاء أبو رحاب رئيس اللجنة الرياضية فى جماعة الإخوان عن تواجدهم بداخل أفراد الألتراس فى مختلف الأندية وعلى رأسهم الأهلى والزمالك، وبات الأمر منذ تأسيس الألتراس فى أبريل 2007، أن اختفت الأسرة المصرية من المدرجات وهى التى كانت تجد فى المباريات متنفسا وفسحة ترفيهية عن الأسرة، وحل بدلا منها الشماريخ والسباب والشتائم.

وتكشفت وجوه بعض روابط الألتراس أنها ليست مجرد روابط لتشجيع كرة القدم، وأنها واجهات لجماعات متطرفة بشكل واضح جلى، خاصة عندما رفضوا ثورة 30 يونيو، وساندوا بكل قوة جماعة الإخوان الإرهابية، ومع مرور الوقت تحولت مدرجات الملاعب إلى منصات، ومنابر لتنظيمات إرهابية، تعادى الدولة، والمؤسسات الأمنية، وتعمل على إثارة الفوضى، وإسالة الدماء، وتوظفها "الإخوان" كمظلومية يتاجرون بها فى المحافل الدولية لإحراج مصر.

وقد بدا في مباراة الأهلي وكفر الشيخ الودية مطلع عـام ٢٠١٠ اصطدمت مجموعـة ألتـراس أهلاوي بالشرطة التي حاولت منع دخول الشماريخ، وتم القبض على سبعة مـن ألتراس أهلاوي وتوجيه تهم لهم بالإتلاف العمدى للمال العام، وإثارة الفوضى

وهنا بدأت المناوشات بين الدولة والشرطة والاعلام من جهه وبين روابـط الألتراس من جهة أخرى خصوصا إذا ما وضعنا في الاعتبار أن عقيـدة الألتراس تقـوم على التمرد على أي محاولات لفرض السيطرة عليهم خاصة من جانب السلطة، وعلاقتهم بالشرطة وأفراد الأمن أبرز مثال على هذا التمرد.

ثم ازدادت المناوشات بين الألتراس والداخلية، فألفت رابطة الوابت نايتس التابعـة لنـادي الزمالك اغنيتها الشهيرة (مش ناسيين التحرير) والتي تحتوي على سباب للداخلية واظهار عداءهم للثورة ثم أغنية أولتراس أهلاوي ( كان فاشل في الثانوية) والتي تحقر من شأن ضباط الداخلية ونعتهم بالفشل والجهل .

ثم كانت المشادة التي حدثت بين أعضاء من مجموعة ألتراس أهلاوي وعدد من النشطاء السياسيين في المسيرة التي دعت إليها المجموعة أمام وزارة الدفاع في الخامس عشر من شهر فبراير الماضي من أجل التذكير بأن المسؤول عن التخطيط لمجزرة بورسعيد هو المجلس العسكري بقيادة المشير محمد طنطاوي ورئيس الأركان الفريق سامي عنان، بالإضـافة إلى قيام مجموعة الوايتس نايتس بسب "باسم يوسف" في مباراة الزمالك مع فريق جازيللي في إستاد برج العرب.

ثم انتقلت الأحداث من التوتر بين الروابط وبعضها إلى التوتر بينها وبين أنـديتها خصوصا مع نجاح المستشار "مرتضى منصور" في انتخابات رئاسة نادي الزمالك واصطدامه بأولتراس وايت نايتس ودخوله في معارك قضائية معهم،وكانت البداية إقامتـه لدعوى قضائية لحظر روابط الاولتراس وهو ما أدى لصدور حكم قضائي في ١٦مـايو ٢٠١٥ بحظر روابط الاولتراس في مصر .

ثم سرعان ما هدأت الأمور وأدركت كل جماهير الألتراس أن الولاء لمصر هو الأساس ومن ثم انتهت كل الأزمات مع عودة جماهير الألتراس للمدرجات في أواخر أكتوبر 2021، ومع تجاوب الرئيس عبد الفتاح السيسي مع جماهير الألتراس من خلال مؤتمرات الشباب، فإننا نريد دولة ترعى الشباب ومستقبله، فمن يتكلم كثيرا لا يفعل شيئا، وفى نفس الوقت وجب التفاعل معهم وتوجيه طاقتهم للعمل والروح الرياضية والاعتدال في تقييم الأحداث بلا عنف، والأهم من كل ذلك هو تأمين مستقبلهم وضمان تشغيلهم إذا كنا حقا نعتبرهم أولادنا ..!

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

..................

الهوامش

1- د. إيمان نصرى داود شنودة: الألتراس بين الحركة الاجتماعية والتنظيم الإرهابي دراسة استطلاعية على عينة من الألتراس والأمن والجماهير بمحافظة القاهرة الكبرى، مجلة بحوث الشرق الأوسط، العدد التاسع والثلاثون (الجزء الثاني).

2- عبد الله محمد محمود خليفة (كوماندوز)، الاسم ألتراس حين يصبح التشجيع فكرا واسلوب حياة، دار المصري للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ٢٠١٣.

3- محمد فوزى، ظاهرة شغب الملاعب الرياضية من الظواهر المؤرقة على المستوى الأمني والاجتماعي والقانوني، المؤتمر الدولي الرابع، الرياضة في مواجهة الجريمة، دبى، ٢٠١٣.

4- مركز هردر: أزمات الأولتراس .. بين الرياضة والسياسة، مركز هردو لدعم التعبير الرقمي، 2016.

5-  ألتراس: من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

6-  نوفل الشرقاوي: "ألتراس" المغرب... من ملاعب الرياضة إلى ميادين السياسة، الاندبندنت، الخميس 4 فبراير 2021 12:17.

 

محمود محمد عليفي هذه الورقة نحاول أن نكشف عن حقيقة فلسفة الألتراس"Ultras Philosophy of، والهوية الحقيقية لتلك الحركات، حيث نجيب هنا عن التساؤلات المطروحة حول نشأة الألتراس، وتطورهم، وانتماءاتهم، ومصادر تمويلهم، وعلاقتهم بالمجتمع المصري، ومستقبلهم؟.. وهل الألتراس تمثل حركات رياضية؟، أم سياسية؟، أم إرهابية؟.

وهنا يمكن القول بأن ظاهرة الألتراس قد شغلت الرأي العام العالمي منذ تبلورها وظهورها كأحد أشكال تطور حركة التشجيع الرياضي داخل ملاعب كرة القدم الأوروبية في النصف الثاني من القرن العشرين, وانتقال عدواها إلى مجتمعاتنا وملاعبنا العربية في مطلع الألفية الثالثة وبروزها في المجتمع المصري في الآونة الأخيرة, حيث أثارت جدلاً كبيرًا جعل من دراستها ضرورة وأهمية قصوى من أجل فهمها والتنبؤ بمستقبلها ومحاولة التحكم في حركتها.

وكلمة ألتراس هي كلمة لاتينية تعني الشيء الفائق أو الزائد، وهي فئة من مشجعي الفرق الرياضية والمعروفة بانتمائها وولائها الشديد لفرقها، وتتواجد بشكل أكبر بين محبي الرياضة في أوروبا وأمريكا الجنوبية، وحديثا في دول شمال إفريقيا. أول فرقة ألتراس تم تكوينها عام ١٩٤٠ بالبرازيل، وعرفت باسم تورسيدا  Torcida ، ثم انتقلت الظاهرة إلى أوروبا،وبالتحديد إلى يوغوسلافيا عام ١٩٥٠، ثم كرواتيا، وبالتحديد جمهورHajdukSplit ،  الذي كان أول من أدخل هذا النوع .

ويعد "الألتراس" تجمعاً لأشد معجبي فريق معين، ويهدف لتنظيم وتأطير تشجيع فريقهم المفضل، وكان أول ظهور لتلك الظاهرة خلال ثلاثينيات القرن الماضي في البرازيل، ثم انتقلت إلى باقي دول أميركا الجنوبية، وانتقلت بعد ذلك إلى أوروبا، وتمكنت التجربة الإيطالية التي انطلقت في بداية الخمسينيات من منح الظاهرة زخماً جديداً، حينما شرعت مجموعات من مساندي بعض فرق كرة القدم العريقة بإنشاد أغان حماسية على أنغام الطبول مع التلويح بأعلام الفرق، ومع مرور الوقت، أصبحت تلك الظاهرة أكثر تنظيماً عبر ظهور قواعد تأطيرية جعلت من "الألتراس" فريقاً موازياً للنادي الذي يشجعه، يضم لجاناً مختلفة في شكل مجموعات وله موازنة خاصة.

وتميل هذه المجموعات إلى استخدام الألعاب النارية، أو الشماريخ، كما يطلق عليها في دول شمال إفريقيا، وأيضا القيام بالغناء، وترديد الهتافات الحماسية؛ لدعم فرقهم، كما يقومون بتوجيه الرسائل إلى اللاعبين. وتقوم هذه المجموعات بعمل دخلات خاصة في المبارياتً الهامة، وكل ذلك يضفي بهجة وحماسا على المباريات الرياضية، وخاصة في كرة القدم.

بدأت ظاهرة الألتراس في الدول العربية من خلال دول المغرب العربي، بداية من نادي الإفريقي التونسي، الذي شهد تأسيس أول ألتراس تحت مسمى ،الأفريكان وينرز، في عام ١٩٩٥ ، ثم انتقل الأمر إلى باقي الأندية التونسية، مثل نادي الترجي التونسي الذي يضم ثلاث مجموعات ألتراس، هي: المكشخين – السوبراس- والبلود آند جولدي، وانتقلت الفكرة بعد ذلك إلى المغرب، حيث يضم أكثر من ٥٠ مجموعة ألتراس تتقدمهم مجموعة ،الوينرز winners ، التي تشجع فريق الوداد، و“الجرين بويز “التي تشجع فريق الرجاء البيضاوي).

وفي مصر تأسس أول ألتراس في ٢٠٠٧ وهو ألتراس وايت نايتس المنتمي لنـادي الزمالك وفي نفس العام تأسس ألتراس أهلاوي المنتمي لنادي الاهلي وتـبعهم بعد ذلك باقي روابط الألتراس للأندية المصرية، وكانت روابط الألتراس في البداية تهتم بالرياضـة فقـط وخصوصا مباريات كـرة القـدم ثم باقي اللعبات الجماعية .

ولم يظهـر لهم اي انتماء سياسي أو تدخل في الشأن العام ، وفي البداية رحب الجميع بهذه الظاهرة لما ادخلوه من طرق جديدة في التشجيع وخصوصا ما يطلق عليه الدخلات وهي رسالة تظهر كل بداية مباراة تغطي مدرجات كاملة .

وبرغم أن الألتراس من مشجعي الفرق الرياضية تعتبر ظاهرة حديثة على حياتنا ومنذ نحو 12 عاما فقط، على سبيل التقليد الرياضي القديم عالميا ، إلا أن هذا التقليد دخل إلى بلادنا منتقصا من الروح الرياضية التي نحتاج تدعيمها بإيجابية، فجعل بعض المستغلين لهذه الطاقة الشبابية، لتوظيفها في الأعمال السياسية والتدميرية في داخل الوطن ، والتي ظهرت جيدا في أحداث العنف التي ساقت إليها الجماعة الإرهابية ورجال أعمال، عندما اعتمدوا في حملاتهم الانتخابية على تلك التجمعات من الالتراس، ثم شكلت رياح "الربيع العربي" نقطة فارقة في واقع "الألتراس" التي أصبحت منذ العام 2011 تعتمد خطاباً سياسياً، وباتت تحوي في معظمها منذ ذلك الحين رسائل سياسية تضم مطالب معينة، وتنتقد الأوضاع الاجتماعية.

وقد بدا هذا واضحا من خلال مظاهر التعصب الشديد فـي إحدى مباريات كرة السلة بين فريقي الاهلي والزمالك، حيث قام أفراد مـن ألتراس الأهلي بحرق مشجع من مشجعي الزمالك، وهو ما مثل صدمة قوية للجميع، خصوصا أنه تصرف غير مسبوق ويعبر عن تعصب مبالغ فيه إذا استمر سيؤدي إلى نتائج لا يمكن توقعها .

واستمرت حالة الشد والجذب بين المجتمع والرياضيين والاعلاميين والشرطة من جهة وبين روابط الألتراس من جهة اخرى فالبعض يحاول استمالتهم وكسبهم والاخر يهاجهم هجوم عنيف، إلى أن قامت ثورة ٢٥ يناير (المنكوبة) فكانت روابط الألتراس جزء من الميدان وعنصر رئيسي في تأمينه ، حيث كان لهم دور فعال في يوم موقعة الجمل .

إلى أن كانت الحادثة المفجعة في بورسعيد بعد انتهاء مباراة المصري البورسعيدي والاهلي والتي راح ضحيتها حوالي ٧٢ شاب من مشجعي الأهلي والمنتمين لألتراس أهلاوي، وما تبعها من القبض على بعض جماهير المصري وصدور حكم بإعدام ١١ شخص وكان وقت صدور الحكم هناك اعتصاما لرابطة أولتراس جرين ايجلز المنتمية للنادي المصري البورسعيدي أمام سـجن بورسعيد وهو ما أدى لحدوث اشتباكات أدت الى مقتل ٥٣ شخصا من بورسعيد .

وعلي إثر ذلك توقف النشاط الرياضي في مصر بعد حادثـة بورسـعيد ثم عاد مرة أخـرى بدون جمهور عدا بعض المباريات وعندما قررت الدولة السماح للجماهير كانت أول مباراة بين الزمالك وانبي في استاد الدفاع الجوي وقبل المباراة حدثت اشتباكات أدت إلى مقتل عشرون من جماهير الزمالك وتوقف النشاط الرياضي مرة اخرى ثم عاد بدون جمهور، واستمر بدون مع دخول جائحة كورونا التي أدت إلى التباعد والعزل ، ثم رجعت في بداية افتتاح الدوري المصري في أواخر أكتوبر 2021.

ومن الملاحظ أن حركة الألتراس المصرية قد بدأت بوجه رياضي مبهر, لكنها بمرور الوقت تحولت إلى وجه عنيف قبيح, ولم تتوقف عن تبديل وجهها باستمرار فنجدها تنخرط في حركة اجتماعية احتجاجية أثناء الثورة مطالبة بالعيش والعدالة الاجتماعية, ثم مبرزة لوجه سياسي بمشاركتها في التظاهرات المطالبة بالحرية وإسقاط النظام, هذا بخلاف الوجه العنيف الذي برزت فيه كميليشيا مسلحة تتبادل العنف مع الأجهزة الأمنية، وهذه الوجوه والأدوار التي أبرزتها حركة الألتراس كانت تتبدل وتتغير باستمرار فالحركة التي بدت ذات شكل رياضي خالص في البداية بدأت تتنقل إلى أشكال أخرى اجتماعية وسياسية حيث تتمدد أحيانًا وتتبدل وجوهها وتتقمص أدوارًا جديدة بفعل الحراك الشعبي والجماهيري والمجتمعي بشكل عام, وفي أحيان أخرى تنكمش وتتراجع عن هذه الأدوار وتكتفي فقط بالوجه الرياضي في حالة استقرار المجتمع والشعور بالخطر الداهم الذي يمكن أن يهدد وجودها.

وتستخدم مجموعات الألتراس، مصطلحات خاصة بها لا يفهمها إلا أعضاء الألتراس، من بينها مصطلحي الباتش  Batch ،  أي "اللوجو" الخاص بالألتراس، وهو ً عبارة عن لافتة كبيرة يصل طولها إلى ١٠ أمتار أحيانا، تحمل شعار المجموعة وألوان الفريق. ويتم اختيار الشعار بعناية من قبل الأعضاء، ويعلق بالمدرجات للتعريف بهم. وهناك مصطلح التيفو  Tifo ،  وهي كلمة إيطالية تعني " المشجع"، وهي عبارة عن دخلة ًتقوم بها مجموعة الألتراس لتعبر عن رأي أو فكر، وغالبا تكون في بداية المباراة .

وللألتراس أربعة مبادئ:

المبدأ الأول : عدم التوقف عن التشجيع والغناء طوال التسعين دقيقة من عمر المباراة أيا كانت النتيجة. ويقود التشجيع عادة قائد تشجيع «كابو - Capo » والذي يكون مسئولا عن اختيار الأغاني والهتافات وتوقيتها وحركات الأيدي والتشكيلات وعادة ما يخصص بالاستادات مكان مرتفع للكابو ليتمكن المشجعون من متابعته والالتزام بتعليماته أثناء سير المباراة، ولا تتوقف مجموعات الألتراس عن الغناء أثناء خسارة فريقها حتي بنتيجة ثقيلة فتشجيع الفريق واجبة للحفاظ علي هيبة اسم النادي ومكانة وقوة مدرجاته، ولإبراز الوفاء المنقطع النظير.

المبدأ الثاني : لا يجلسون طوال المباراة عدم الجلوس نهائيا أثناء المباريات: مجموعات الألتراس تحضر مباريات فريقها لهدف واحد فقط التشجيع والمؤازرة المتواصلة حتى صافرة نهاية المباراة، لا يذهبون من أجل متعة الفرجة والمتابعة اللذين يعدونهما من أفعال المشجعين العاديين غير المنتمين للألتراس، وفي الغالب يقضي أفراد المجموعة أغلب أوقات المباراة ظهورهم للملعب منهمكين في التشجيع والغناء فالاستاد بالنسبة لهم مكان للتشجيع فقط لا غير!

المبدأ الثالث : الترحال لحضور جميع المباريات الداخلية والخارجية أيا كانت التكلفة والمسافة: يعتبر الترحال «أو التنقل كما يطلق عليه في دول الشمال الأفريقي» خلف الفريق إحدى الواجبات الأساسية لمجموعات الألتراس والتي تقوم بتنظيم وحشد الجماهير لحضور المباريات خارج مدينة الفريق مستخدمة أرخص وسائل النقل، وتقوم مجموعات الألتراس بعمل cortege موكب أو مسيرة تضم أفراد المجموعة خلف الباشbatch أو اللافتة التي تحمل اسم وشعار المجموعة لإعلام أهل المدينة الأخرى أن لفريقهم مشجعين أقوياء يسافرون خلف فريقهم في أي مكان وأيا كانت التكلفة كما تساعد أيضا على زيادة شعبية الأندية وانتشار ثقافة الألتراس وحب كرة القدم بوجه عام.

المبدأ الرابع : الكورفا سود الولاء والانتماء لمكان الجلوس في الاستاد: لما كانت مهمة مجموعات الألتراس التشجيع وليس متابعة سير المباريات فكان لزاما عليهم اختيار منطقة مميزة داخل المدرجات يبتعد عنها المشجعون الكلاسيكيون وتنخفض فيها أسعار التذاكر، المنطقة العمياء أو الكورفاCurva بالإيطالية والفيراجVirage بالفرنسية هي ذلك المنحني خلف المرمي الذي اختارته مجموعات الألتراس ليكون مكانا خاصًا للتشجيع والمؤازرة وتعليق الباش Batch أولافتة المجموعة التي عادة ما تحمل اسم وشعار المجموعة وتحمل أكبر من ذلك «شرف المجموعة نفسها»، وتنقسم الكورفا إلي كورفا نورد Curva Nord أو الكورفا الشمالية والكورفا سود Curva Sud أو الكورفا الجنوبية... وللحديث بقية ..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

.........................

الهوامش

1- د. إيمان نصرى داود شنودة: الألتراس بين الحركة الاجتماعية والتنظيم الإرهابي دراسة استطلاعية على عينة من الألتراس والأمن والجماهير بمحافظة القاهرة الكبرى، مجلة بحوث الشرق الأوسط، العدد التاسع والثلاثون (الجزء الثاني).

2-عبد الله محمد محمود خليفة (كوماندوز)، الاسم ألتراس حين يصبح التشجيع فكرا واسلوب حياة، دار المصري للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ٢٠١٣.

3- وجيه الصقار: لعنة ..الألتراس، جريدة الأهرام المصرية، الأحد 28 من ربيع الآخر 1437 هــ 7 فبراير 2016 السنة 140 العدد 47179.

 

 

 

مراد غريبيلا تزال محنة الإنسان العربي تتفاقم وتزداد تعقيدا مع كل إشراقة صباح، متسائلا: لماذا ينجح هم ونفشل نحن؟ سؤال قديم متجدد او بحسب تعبير المرحوم مالك بن نبي إنه من أسئلة مرحلة ما بعد الموحدين الملحة!!

 هناك مأزق ثقافي عميق ومترامي الأطراف في الحياة العربية لا يزال يؤرق المجددين والمثقفين والعلماء المتنورين، مأزق ثنائيات ومقابلات وإسقاطات وإغتراب وقابليات ورهانات وطائفيات وهلم جرا، فالفضاء المشكلاتي العربي غني بنماذج التخلف والتزلف والتأفف والتكلف وايضا التعالم والتطرف بحيث لا يمكنك رؤية نماذج التنوير والتجديد والتقدم والتطور، فالأسباب متعددة من كل أقسام الحياة العربية لكن منبعها واحد مشكلة كبيرة عميقة متجذرة إنها فوضى الثقافة في حركة الواقع، هذه الفوضى التي تفاقمت مع إنفجار الهويات المادية وليس الروحية الانسانية، لأن أي هوية تختزن أخلاقها بداخلها وتتجه بإتجاه محدداتها الداخلية التي تشكل المقصد أو المقاصد، لذلك ثقافة الهويات عندنا لاتزال حبيسة الفهم المادي المتصلب المتوجس، ثقافة تزداد تحورا كلما حاولت ثقافة الروح الإنسانية الاقتراب من الواقع، ولست أبالغ في هذا لأن الفوضى الاجتماعية بشتى صورها تعكس حقيقة الثقافة المادية المتحكمة في أخلاقيات الناس النابعة من فهمهم لهوياتهم فهما متعصبا، سواءا اثنيا أو دينيا أو مذهبيا أو حتى أكاديميا هناك تموجات وطبقات من التكلس الثقافي المادي التي تغطي الروح الثقافية للوعي الحضاري عربيا وإسلاميا، مما أنتج فوضى ثقافية لا يمكن فهمها الا من خلال فوضى التفاهة التي تنتشرفي أدق تفاصيل الواقع، فالتافه هو كل فكرة أو شيء أو مشروع يفتقد القيمة والأصالة والأهمية، فثقافة أي شعب عندما تخترقها الفوضى تصبح حركتها تافهة بلا جدوى وبلا وجهة ولا حكمة، والأخطر من ذلك هو تثقيف الفوضى أي جعل الفوضى سمة من سمات هذه الثقافة، دون أن نغفل عن العلاقة الجوهرية بين التفاهة والفوضى فالأخيرة هي تفاضل للأولىى من قبل سماسرة التفاهة ثقافيا لتكتسح جل مجالات الحياة المختلفة..

تعليم الفوضى أو فوضى التعليم:

الملاحظ عربيا وإسلاميا أن مؤسسات التعليم من أكثر المؤسسات تخلفا من حيث المبنى والمنهج والمقصد والإدارة والإستراتيجية، والأكيد للفوضى سبق في ذلك، من خلال تشخيص حالات الراهن التعليمي والتخطيط والتنظيم والتوجيه والإرشاد وما هنالك، ليس هناك تعاون بين المتفاعلين لأن المسألة التعليمية عربيا تعتبر ثانوية من الدرجة "ن" ، المناهج معلبة والإدارة متلاعبة والتخطيط مؤجل والإرشاد مؤدلج، إنها فوضى ترسخت لدى أجيال من القائمين على الشأن التعليمي أنتجت أجيال مشبعة بالفوضى فكرا وسلوكا وتطلعا، والتعليم مركز ثقل الأمم التي تحترم نفسها، به ترفع رايات العدالة والصحة والاقتصاد والسياحة والأمن كله، فإذا ما بقيت الفوضى حاضرة في تفاصيل التعليم فعلى الأمن الاستراتيجي السلام..

إعلام الفوضى أو فوضى الإعلام:

من أهم الظواهر في المجالين العربي والإسلامي، هي ظاهرة الإعلام التي تنامت مع الموجة الثالثة للقابلية للإستدمار، ترسانة من وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب، بأسهم بينهم شديد، لو حاولنا مقاربة الظاهرة الإعلامية ليس في سياساتها أو أهدافها أو خلفياتها،  وإنما خلال الفترة ما بين غزو العراق وما سمي بالربيع العربي، كيف كان أداء هذه الطاقة الإعلامية العربية وفيما استثمرت وماذا أنتجت وكيف تعاملت مع قضايا الإنسان العربي المركزية، لا يمكننا الاتفاق سوى على خلاصة وحيدة إعلام الفوضى، الحوار أصبح صراع والحرية انفلات، والخاسر الأول والأخير هو الإنسان العربي الذي بدل أن يزداد نباهة ووعيا وانفتاحا على إخوته في الوطن والدين والمذهب والانسانبة، ازداد ضراوة وتفاهة وعزة بالإثم في كل ميادين واقعه، هذا الإعلام الذي يشتت ويوسوس ويدنس ويفسد الواقع أكثر من الرقي بفكر الإنسان وتطلعه ووحدته وتكافله، إنه ينتج الفوضى لأنه صنيعتها وما ادراك ما الإعلام وأثره العميق في اللاوعي الإنساني، كلما كان مبدئيا نزيها مستقلا منفتحا كان مجتمعه إنسانيا ومتمدنا وراشدا، الإعلام المدني كالمجتمع المدني لا يحتاج لرقيب أو لجنة ضبط ومتابعة، لأنه صاحب ضمير حضاري يقلب موازين الإنحراف ويصحح المسارات وينبه الفاعلين الاجتماعيين إلى سبل الأمن الاستراتيجي، إنه السلطة الرابعة التي لا تكون مستقلة دون ضمير ونزاهة وشرف..

تدين الفوضى أو فوضى التدين:

لا ريب أن مجتمعاتنا العربية مجتمعات دينية بإمتياز، تتدين بفوضى الثقافة الدينية أكثر من الدين ذاته، فلا عجب أن تجد الطائفية والتكفير والتضليل والتفسيق حاضرة بقوة في ربوع اجتماعاتنا العربية لأن الدين تعصب وليس انفتاح ، حقد وليس تسامح، كراهية وليس حب، عداوة وليس أخوة، حسد وليس تآلف ورحمة، مصلحة وليس إحسان، للأسف شهدت مجتمعاتنا العربية والاسلامية خلال ثلاث عقود الأخيرة ما لم تشهده في زمن الاستدمار الغربي وما قبله فيما يخص وعي التدين، من فوضى التعليم الديني والإعلام الديني، مما كرس منظومة عطلت روح الدين وأخلاقه وقيمه وعلاقته بالعقل والعلم والتمدن، فبدل أن يكون التدين ضد الفوضى أصبح مسوقا لها، فلا يمكنك أن تكون متدينا اذا لم تكن طائفيا متزمتا شرسا ومزاجيا لمصلحة وهم الدين الذي تحمله، هكذا ترسخت معالم فوضى التدين الشكلي والمغلوط أو المغشوش كما يسميه المرحوم الشيخ محمد الغزالي، مما أحدث فصل بين مقومات التدين على شاكلة الفصل بين السلطات لكن ليس لتنمية التوحيد الذي اساسه الحرية والاستقلال وتنمية الوعي المعرفي الديني وإنما لتعطيل الوعي الديني وتعقيد التجديد، هذه المقومات المتمثلة في حقائق العقيدة والأخلاق والشريعة التي تتكامل في إنتاج طاقة الوعي الإنساني للدين، استطاع دعاة التعليم الديني المزيف وسماسرة الإعلام الديني الأسطوري والمتزلف أن يفككوا عراها كي يبقى التدين الشكلي هو السائد لأن التدين السليم كما رسمه القرآن وصحيح السنة الشريفة يهدد امبراطورية الفوضى المستحكمة في مفاصل الواقع العربي الإسلامي، مما جعل الدين محل تهمة بينما الحقيقة الأبدية أنه مركز التحرر والتنوير وعنوان النهضة والكرامة والحضارة الإنسانية إذا ما تحرر الواقع من تدين الفوضى الذي حرم الإنسان العربي حقه في العيش الحضاري الكريم في ظلال سماحة الإسلام المحمدي..

من فوضى الثقافة إلى عقلانية الثقافة:

لقد ذهب أغلب المفكرين العرب إلى أن المدخل إلى النهضة يكون عبر مجتمع المعرفة، هذا المدخل أسه عقلانية الثقافة، لكن نتساءل عن أي عقلانية نتحدث عربيا؟ العقلانية الكلاسيكية أو الرشدية أو السينوية او الفلسفية الحديثة أو الغربية التواصلية أو الدينية المعتزلية من جهة، أو من جهة اخرى عن علاقتنا بمسألة العقل والعقلانية عربيا التي لاتزال مضطربة كما يرى المفكر عبد الإله بلقزيز أو ضرورة الحذر عند استحضارها كما يوصي طه عبد الرحمن أم لابد أن نبتكر عقلانيتنا من خلال تجذير الفعل النقدي لواقعنا في اشتغالاتنا الفكرية والثقافية كما يرى الأستاذ زكي الميلاد..

 لعل بعض المثقفين دعاة العقلانية في راهننا العربي لا يقبلون نقد أفكارهم وتوجهاتهم وارتياطهم بالعقلانيات الغربية كما ناقش ذلك المفكر طه عبد الرحمن في كتابه سؤال الأخلاق، بدعوته لتجديد النظر في مسألة العقلانية، والتي اراها ضرورية بالاضافة لدعوات هاشم صالح التي لابد من تلقيحها بمعرفة نقد العقلانية في الغرب، لكن الأهم في هذا كله هو صياغة جديدة للعقلانية عربيا وإسلاميا كما يلح دوما زكي الميلاد في العديد من مقالاته ودراساته حول العقلانية والحداثة والمدنية، من هذا كله نستلهم أن مأزق الفوضى في ثقافتنا هو في: كيف نجددها عبر عقلانية ذاتية منفتحة على الاستفادة من إيجابيات العقلانية الغربية مع التأسيس لنقد الذات، لأننا ما بقينا نتحسس النقد كثقافة ونحاربه، لا مجال للحديث عن مجتمع للمعرفة لأن المعرفة تواصل وتفاعل وتجدد وليست جدل عقيم وإستعارة للمناهج والمفاهيم والفانتازيا الثقافية..

وتبقى ثقافتنا مشكلتها المركزية دوغما الانحياز المعرفي بدلا عن نسبية الحقيقة ضمن معادلة الإبداع المعرفي المتواصل والمستمر...

 

بقلم: أ. مراد غريبي

كاتب وباحث في الفكر والثقافة

 

 

سارة طالب السهيلاليوم ونحن في الالفية الثالثة للميلاد في أشد الحاجة الى الحرية والتحرر من ثقافات الكراهية التي غزت شعوب العالم الا ما رحم ربي، وفي اشد الحاجة الى التحرر من عداء الاخر الى قبوله والتعايش معه، بل التزاوج بين فكرنا وفكره لصالح المجتمع الانساني القائم على المحبة والتعاون.

فدور الثقافة بشكل عام في قبول الاخر أعم وأشمل واعمق، فنظرية الثقافة كما عرفها "إدوارد تايلور" في كتابه (الثقافة البدائية) بأنها: "كل مركّب يشتمل على المعرفة والمعتقدات والفنون والأخلاق، والقانون والعرف، وغيرها من الإمكانيات والعادات التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضواً في مجتمع".

ومن هذا المنطلق يمكننا القول بأن الثقافة كمركب معرفي شامل للاداب والفنون والاخلاق يمكنها ان تلعب دورا رئيسيا في قبول الاخر من خلال ما تقوم به الاداب والفنون من تهذيب للسلوك الانساني وتعميق المشترك الانساني وما تحققه من سمو روحي يعلو فوق شبهات الماديات وشبهات التمييز العنصري أوالثقافي.

فمعزوفة موسيقية مبدعة تصبح قادرة على  جذب اسماع جموع غفيرة من ثقافات انسانية متعددة تحلق بهم في سماوات الحرية المنشودة وفردوس السلام العالمي، ولوحة تشكيلية ترسم بالكلمات الاف المعاني التي يحتاجها بنو البشر لايقاظ ضمائرهم وتطهيرهم من الداخل، ونص روائي قد يعبر البحار والمحيطات ليعبر عن عذابات انسان هذا العصر ويحقق لكل من يقرأه في العالم شرقا أو غربا  تنفيس وجداني عن احباطاته واحلامه حين يشعر القارئ بأن الهم الانساني واحد، وان المشترك الانساني في الاحلام والألام واحد ايضا.

فكلما ادركت الشعوب عبر ثقافاتها حقيقة السنن الكونية التي خلقها الله في عالمنا وانها قائمة على الاختلاف، وأن الانسان مهيئ  بفطرته للتعايش والتكيف مع كل ما هو مختلف، ومن ثم يصبح قبول الاخر امرا سهلا ولينا بل وقد يحقق لنا السعادة.

فتعايش جماعات البشرية من مختلف الاعراق واللغات والثقافات ولكن فرقة موسيقية عازفيها من مختلف دول العالم  ومن مختلف الاديان، نجدهم يجتمعون لانجاز العمل الموسيقي الذي يسعد الجماهير رغم انهم مختلفين، ولكنهم مشتركين في عمل جماعي يحبون ويتبادلون الود فيما بينهم عن طريق هذا المشترك الانساني. كذلك في المستشفي قد نجد فريق من الاطباء والممرضين ينسون ذواتهم الانسانية الخاصة جدا وطبقتهم الاجتماعية خلال تعاونهم في جراء عملية جراحية لاحد المرضى، وقد تفشل العمليةالجراحية اذا لم يحبوا ما يقومون به واذا لم يتعاونو ويتحابوا فيما بينهم.

كذلك فان الاعمال الفنية الدرامية والمسرحية والسينمائية وغيرها اذا لم تكرس قيم التسامح والعفو والحب بين بني البشر على اختلاف ثقافتهم واعراقهم، فانها في المقابل تدق ناقوس الخطر في قلب المجتمعات لأنها في هذه الحالة ستتحول الى النقيض وهو تكريس ثقافة الكراهية بحق الاخر.

ولعل  المعزوفة الروائية للكاتب الكويتي سعود السنعوسي " ساق البامبو " التي حصدت جائزة بوكر العربية عام 2013 ، تعد أنموذج صارخا على سطوة المفاهيم الاجتماعية والثقافية المتحجرة على قيم قبول الاخر بل واقصائه وتهميشه ونبذه داخل جذوره ووطنه فالرواية " ساق البامبو " تتحدث عن هذا التابو الاجتماعي بين الطبقة الثرية والخدم، وان التزاوج بينهم أمر يرفضه المجتمع كلية وكأنه نص ديني مقدس لا يجب الاقتراب منه، وخاصة اذا كان الخدم ايضا من ثقافة اخرى.

تتحدث الرواية عن مذكرات شاب كويتي فلبيني، أمُّه فلبينية تزوَّجت من والده الكويتي ثمَّ أعادها هي وولدها إلى بلدها الأصلي الفلبين، وبعد سنوات عاد الشاب للبحث عن والده ووطنِه ويطالب بحقوقه بأن يكون كويتيًّا ، لكنَّه لم يجد  أباه الذي قتل أثناء الغزو العراقي للكويت ، و وجد وطنا يرفضه وينبذه بسبب  ملامحه الفلبينية وطبقة أمه الاجتماعية .

هذا النص الادبي الرفيع قدم أنموذجا صارخا على  رفض قبول الاخر نتيجة قدسية الطبقية الاجتماعية واعلائها فوق القيم الانسانية المشتركة في الحب والسلام ونبذ الكراهية للاخر .

وصحيح ان الانسان يسعى بطبعه للتمايز عن الاخرين والتفوق عليهم ، فهذه ايضا فطرة ، لكنه بالمقابل لايستطيع الانعزال عن هذا الاخر والتفاعل معه بل والاستفادة منه ، باعتبار الانسان كائن اجتماعي بالاساس، وانه يستفيد في نموه العقلي والمعرفي والوجداني بهذا التنوع الذي يخلقه الاختلاف.

وأيضا فان الانسان بطبيعة تكوينه يسعى الى التمييز عن الاخر وان يعيش في عالمه الافتراضي، وفي نفس الوقت هو كائن اجتماعي من حيث بنائه الفسيولوجي يسعى الى تكوين علاقات اجتماعية مع الاخر، وبدون هذا الاختلاف لما شعرنا بمعاني الثراء الذي نحققه نحن والاخر، ولما شعرنا بمعنى السعادة الحقيقية.

فالحياة كلها قائمة على هذا التفاعل البديع بين الأنا والأخر، كلما زادت جيوب المعرفة الانسانية، فان الانا والاخر ينصهرا معا لصنع السعادة للبشرية، فأنا في علاقتي المحبة للطبيعة احافظ على البيئة وجمالها وأتمتع بعبير ازهارها ونسائم هوائها.

وفي علاقتي باصدقائي المختلفين في عاداتهم وتقاليدهم ومشاربهم الثقافية تتسع دائرة معرفتي الانسانية وتنضج تجربتي الحياتية والوجدانية واكون اكثر وعيا بقيم الاختلاف الثقافي.

فالامم والشعوب حققت نهضتها بانفتاحها على الاخر وقبوله، وهذا ما حدث في الحضارة الاسلامية التي امتدت شرقا وغربا وقبلت ثقافات الشعوب الرومانية والفارسية وهذا الانفتاح والقبول هو الذي مكنها من حركة الترجمة العظيمة التي نقلت بها علوم الرياضيات والفنون والاداب والفلسفة اليونانية القديمة، وهضمتها وبنت عليها الحضارة الانسانية الموسوعية.

في المقابل، فان سيطرة ثقافة اللون الواحد والغاء الاخر وتهميشه واقصائه تؤدي الى التفكك المجتمعي وانتشار العنف  الطائفي اوالمذهبي بين أبناء الشعب الواحد وهو ما يؤدي ايضا الى زيادة مشاعر الكراهية بين ابناء الوطن الواحد  فيتأكل من داخله وتتسرب اليه عوامل الانهيار بل والاختفاء من الخريطة الكونية.

أعود لدور الاداب والفنون

فنجد ان الفنون والاداب تسهمان في التقريب بين الشعوب والحضارات بما تنقله من تجارب انسانية وفكرية مبدعة جديدة قادرة على تجديد الافكار وتطويرها بما يناسب معطيات الزمن، وخلال ادائها هذا الدور، فانها تنقل للعقل البشري حقيقة، ان هذا العقل ناقص بطبعه ومن ثم فانه لا يملك الحقيقة كلها، وان علاج هذا النقص يتم بالانفتاح على عقل الاخر ليكمل نقصه ويكمل معرفة الحقيقة ، وبقدر ما نحتاج الاخر ليكمل نقص معرفتا البشرية، فاننا بالضرورة لا يمكننا ان نحتقر الاخر او نكرهه او نقصيه لاننا نحتاجه ليكمل معنا مسيرة المعرفة ورحلة الحياة.

والحقيقة انني وجدت في التصوف الاسلامي -اذا لم يحيد- أدبا انسانيا رفيعا يحمل في طياته قيم قبول الاخر والحوار والتكامل معه على ارضية من الحب، فطريق الحب في الصوفية يقهر اي اختلاف ويذيب جمود العقول والقلوب ما يتجلى في نصوص أحد أقطاب التصوف محيي الدين ابن عربي  في ابياته الشعرية الرائعة التي يقول فيها:

لقد كنت قبلَ اليومَ أُنكر صاحبى               إذا لم يكُنْ دينى إلى دينه دانى

وقَدْ صار قلبى قابلاً كل صُورةٍ                فمرعى لغزلانٍ وديـرٌ لرهبانِ

وبيتٍ لأوثانٍ وكعبـةِ طائـــفٍ                 وألواحِ تـوراةٍ ومُصحفِ قُرآنِ

أُدينُ بدينِ الحبِّ أنَّى توجَّهـت                   ركائبه فالحبُّ دينــى وإيمانى

 

أعتقد أن هذه الأبيات البديعة، لشيخ الصوفية الأكبر محيى الدين بن عربى (المتوفى 638 هجرية)  تكرس لثقافة الحب والمحبة لتكون سلوكا اجتماعيا وعلاجا شافيا لمجتمعاتنا التي تعاني الكراهية ونبذ الاخر، فثقافة الحب هي التي تجعل الاحجار والجبال تنفجر منها الانهار فتروي العطشى من الانسان والحيوان والزرع، وهي تجبر ألام المريض وتربت على كتف المسكين وتمسح دمعة يتيم محزون ، وتعين الارامل على تحمل مسئولية رعاية الايتام .

فالحب مفتاح لكل داء وزرعه في ثقافتنا  اليومية عبر الاعمال الفنية والادبية ضرورة للنجاه من التعصب الاعمى وامراض الطبقية والفاشية الدينية والاجتماعية التي قلبت حياتنا جحيما، وأحالت ارضنا وسماءنا الى ساحات للاقتتال والحروب ـ وبدلا من تروي الارض بالماء لتنبت زهرا ، رويت بدماء الشهداء والابرياء فأنبتت صبارا.

تأثير ابن الرومي

والمشهد العالمي اليومي يموج بصراعات دينية وفكرية متعصبة وعنيفة، ولا سبيل للخلاص منها دون تحرير انفسنا من اغلال الطاووس الذي يسكن في داخلنا يعمينا عن رؤية الحقيقة وطريق السعادة، وهو ما يتحقق بالحوار مع الاخر واحترام اختلافه عنا.

وكما قال الشاعر والفيلسوف  جلال الدين الرومي: "تعال وكلمني ولا يهم من أنت، ولا إلى أي طريقة تنتمي ولا من هو أستاذك، تعال لنتكلم عن الله" فنتحاور بالاداب والفنون والموسيقى لنتعلم من خلالهم فنون  المحبة والتسامح وقبول الآخر المختلف.

واعتقد ان العالم بات يدرك نيران التعصب والكراهية ودماء الابرياء ثمنا باهظا لها، لذلك فطن الي اهمية  تجربة  الشاعر جلال الدين الرومى، وصار ينهل من منابع حبه وشعره وفلسفته، وأصبحت أقواله منتشرة حول العالم، بل ان العديد من  المراكز البحثية والعلمية تدرس فلسفته وحكمته.

ففي عام 2007، نظمت "اليونسكو احتفالا خاصا بالرومي بمناسبة مرور 800 عام على ميلاده، وجاء في إعلانه "أفكار وآمال الرومي يمكن أن تكون جزءاً من أفكار وآمال اليونسكو".

ووصفت "بي بي سي" جلال الدين الرومي بأنه أكثر الشعراء شعبيّة في الولايات المتحدة، مع الإعلان عن حصول مؤلفات الرومي على لقب "الأعلى توزيعاً" بين كتب الشعر، في الولايات المتحدة لثلاثة أعوام متتالية من 2004 إلى 2006، لاسيّما ديوانيْه "المثنوي" و"التبريزي".

وذاعت شهرة الرومي أكثر واكثر  بعد رواية المؤلفة التركية "إليف شافاق" ، "قواعد العشق الأربعون"، التي صدرت في الولايات المتحدة عام 2010، وتناولت حياة الرومي ولقائه مع التبريزي، وقدمت شرحاً مبسطاً لحكمته،. وفي عامي 2014 و2016، أعلنت صحف أمريكية عن نيل الرومي صفة الشاعر الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة.

 

ولعلنا ندخل ساحة العشق الانساني بين الأنا والاخر في اقوال خلدها التاريخ من اقول جلال الدين الرومي ومنها:

* كم هم سعداء أولئك الذين يتخلصون من الأغلال التي ترسخ بها حياتهم.

العشق يزهر من تلقاء نفسه بإرادة مستقلة.. فالعشق لا يمكن أن يكتسب أو يلقن.

لا تجزع من جرحك.. وإلا فكيف للنور أن يتسلل إلى باطنك؟.

استمع إلى صوت الناي.. كيف يبث آلام الحنين يقول:

مُذ قُطعت من الغاب وأنا أحن إلى أصلي.

يا أخي أنت مجرد فكر.. وما بقي منك عظام وجلد.

ليس العاشق مسلما أو مسيحيا.. أو جزءا من أي عقيدة.. دين العشق لا مذهب له.. لتؤمن به أو لا تؤمن.

أينما كان النور فأنا الشغوف به.. وأينما كانت الزهرة فأنا الفراشة.. وأينما كان الجمال فأنا العشاق.. وأينما كانت الحكمة فهي ضالتي.

فقط حين تفعل ما تمليه عليك روحك.. تشعر بهذا النهر العذب يتدفق داخلك.. إنها البهجة الخالصة.

حين تختلف مع أحدهم أو تتعرض للنقد.. تنمو في قلبك نملة من الكراهية.. إن لم تسحقها في الحال ربما تحولت تلك الحشرة الضئيلة مستقبلا إلى ثعبان أو وحش قبيح.

إن هذه الحياة أقصر من شهقة وزفيرها.. فلا تغرس بها سوى بذور المحبة.

حين يخلد الجميع للنوم.. لا يبقى سوى العشاق يحكون حكايا عشقهم للمولى فيسمعهم.

دين الحب منفصل عن كل أشكال الديانات.. العاشقون أمة واحدة ودين واحد وهذا هو الله.

وهكذا فان المتصوفة مثل  جلال الدين الرومي نبذوا الانغلاق وانفتحوا المختلفين معهم  بمنهج الحب والتسامح. ولذلك فان ابرز تجليات قبول الاخر نجدها في الفكر الصوفي، الذي انفتح على الاديان والثقافات الاخرى وتبادل التأثير والتأثر، وهو ما نجده في استشهادهم بنصوص مأخوذة من الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل.  وجاءت ابداعهاتهم الشعرية ترجمة حقيقية وصادقة لقيم قبول الاخر بل وحبه.

وختاما، فانه ـ كما ان الدين ليس حكرا على شعب دون غيره، كذلك الفنون والآداب والعلوم ليست حكرا على شعب دون غيره، والحقيقة الكاملة لا يمتلكها احد  او جماعة دون غيرها، وانما هي قطرات من ماء المطر تشكل مع  زخاتها وبمرور الوقت انهارا من المعرفة والتكامل والحكمة والابداع،  ويجري النهر لمسافات بعيدة وقد يشكل جداولا ومصابات جديدة يكتشفها ويفيد منها،  من يتعاون مع الاخر للعيش في سلام مشترك.

 

سارة طالب السهيل

 

نبيل عودةكلمة ابستمولوجيا- نظرية المعرفة (بالإنجليزية - Epistemology) تستعمل للدلالة على علم المعرفة. وهي مؤلفة من جمع كلمتين يونانيتين: logos بمعنى دراسة وepisteme بمعنى: معرفة. أما في العربية، فاختلف العلماء على استعمال كلمة علم كبديل عن المعرفة.

فلاسفة الغرب أطلقوا عليها تعريف اضافي بانها "دراسة نقدية للمعرفة". اما "علماء العرب" (معظمهم شيوخ دين يسمون ب "العلماء") فاختلفوا على استعمال كلمة علم كبديل عن المعرفة لأنهم "بانفتاحهم الهائل" يتقيدون بعلمين فقط: علم قديم هو علم الله، وعلم محدث وهو مكتسب عن طريق التعلم (اقرأ التلقين) وكفي الله العرب وعلمائهم شر علم المعرفة لمليون سنة أخرىّ!!

هذا الموقف يطرح إشكالية العلاقة بين المنطق المعرفي والوحي كطريقة للمعرفة!!

نحن في هذه الحلقة أمام فرع فلسفي يتناول مضمون وحدود المعلومة، بإطار أسئلة مركزية: ما هي المعلومة؟ كيف تكتسب؟ وما هي العلاقة بين الواقع والمعلومة؟

تاريخ الفلسفة مليء بمذاهب مختلفة ومتعددة ومتناقضة حول المعرفة.بدءا من الفلسفة الإغريقية وبأبرز فيلسوف سقراط الذي كان يعتقد بأن فطنة الكائن البشري إنما علَّتُها تلك الروح العاقلة القوَّامة على الجسد ويعتبر سقراط أول منظر للعقلانية ومؤسس علم الأخلاق.

فلسفة المعرفة عند الفارابي (870-950)

 لم يضع الفارابي نظرية خاصة ومستقلة في المعرفة الإنسانية، أفكاره في نظرية المعرفة جاءت منثورة التوزيع بين طيات مؤلفاته.

في كتابه "الجمع بين رأي الحكيمين" يكتب على إن المعرفة التي تحصل عليها النفس البشرية تكون عن طريق الحس. فالحواس هي إدراك الجزئيات، ومنها تحصل الكليات التي هي التجارب على الحقيقة. حتى العقل عند الفارابي ليس شيئاً غير التجارب وكلما كانت هذه التجارب أكثر كانت النفس أتم عقلاً.

مثلا ديكارت الذي يعتبر أبو الفلسفة الحديثة شكك في المعرفة الحسية سواء منها الظاهرة أو الباطنة، وكذلك رفض المعرفة المتأتية من عالم اليقظة، وله قول يعبر عن فلسفته للمعرفة: "كلما شككت ازددت تفكيرا فازددت يقينا بوجودي".

الماركسية أحدثت قفزة في نظرية المعرفة ببداية طريقها، النهج كان التحرر من الوعي الإيديولوجي المقلوب. والطريق إلى ذلك هو قلب المقلوب وهذا بالضبط هو المقصود بعبارة ماركس الشهيرة: " ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم الاجتماعي، بل وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم ".

 بهذا القلب للعلاقات الواقعية المقلوبة، يكون ماركس قد أحدث ثورة هامة في نظرية المعرفة البشرية. عن طريق هذه الثورة المعرفية الجذرية، استطاع ماركس الانتقال من دائرة الايديولوجيا إلى دائرة علم التاريخ... لكن علم التاريخ الماركسي المشهور أكثر بصيغة المادية التاريخية خلفته التطورات التاريخية وراءها. وهو موضوع يحتاج إلى تضافر جهود واسع لفهم إشكالية نظرية التاريخ عند ماركس.

النقاط الأساسية التي تعالجها نظرية المعرفة هي العلاقة بين طبيعة المعلومة وبين الانجازات الحقيقية، الصادقة والمبررة. موضوع آخر هو هل يمكن بشكل عام ان نعرف شيئا، أي هل الشك هو صحيح والى أي مدى؟

إليكم قصة حاولت فيها ان انهج على أساس نظرية المعرفة الديكارتية والتي تتطلب الحصول على مثبت يقيني حول الجريمة التي يحاكم على أساسها المتهم، بامتحان صعب عن طريق التفكير الديكارتي الذي يقتضي ان يكشف إذا كان يوجد شيء ما يمكن ان يكون واثقا منه، من هنا فضل ديكارت العقل المستقيم عن العقل الإلهي كمصدر للمعرفة.. السؤال القضائي هنا ليس كون المتهم الذي يحاكم هناك شك ما بتهمته، إنما هل يوجد إثبات مرجح انه ارتكب الجنحة؟

نجح الدفاع  وفشل المتّهم !!

وجهت لصالح تهمة قتل مراد عمداً. كانت التهمة واضحة ومثبتة بالتأكيد في الكثير من تفاصيلها. هناك شهود ادعاء سمعوا التهديد وشاهدوا الضحية برفقة المتهم في ليلته الأخيرة. بعدها لم يعد مراد إلى البيت واختفت آثاره.

المشكلة التي واجهت المحكمة ان جثة مراد، الذي من المفترض انه قتل حسب الادعاء، لم يعثر عليها. مراد اختفى والجثة غير موجودة. ليس من عادة مراد ان يتأخر عن البيت بدون اتصال للتبليغ عن سبب تأخره، كما يقول أبناء عائلته.

إذا وقعت جريمة قتل فأين الجثة؟ أين أداة القتل؟

كل الدلائل والشهادات المجموعة تشير إلى ارتكاب جريمة قتل.. ولكن لا أثر لارتكاب جريمة، لا الأداة ولا الجثة... ولا اعتراف من المتهم!!

صالح قال انه سيخفي مراد عن الوجود. وهذه الأقوال مؤكدة من عدد من شهود الادعاء. وكانت محاولة من صالح لقتل مراد في السابق. عوقب عليها صالح بالسجن لمدة سنة ونصف السنة، تحت بند الاعتداء العنيف. ولكن رغبة صالح بإخفاء مراد من الوجود لا تعني تلقائياً انه قتله.

أين اختفى مراد إذا كان حياً؟

كل الإعلانات في الصحف، والبحث عنه في الأماكن التي اعتاد على ريادتها لم تسفر عن شيء.

وجد مع صالح مسدس، تبين انه مرخص، أثبت الكشف ألمخبري انه استعمل قبل فترة تقع ضمن الفترة التي اختفى فيها مراد. بل ووجدوا بقعة دم صغيرة جداً على ملابس صالح، بيّن فحص الحمض النووي انها من دم مراد.

إذن شبهة ارتكاب جريمة قتل مسألة واردة.

هل تكفي الأدلة التي بيد الشرطة؟

الشرطة تدعي انها إثباتات كافية لارتكاب جريمة، خاصة وان المتهم صالح، وحسب كل الأدلة، هو آخر من كان برفقة مراد.

صالح يصرّ انه أطلق رصاصتين أثناء الصيد عندما هاجمه خنزير برِّي وشهد على صحة أقواله صيادان كانا برفقته.

هل يمكن محاكمة قاتل بلا جثة بالاعتماد على دليل لم تثبت جهة استعماله في جريمة ما؟

لست رجل قانون لأجيب على هذه الأسئلة. إنما يهمني ما حدث فعلا في سير المحاكمة.

صالح حافظ على صمته وموقفه انه لا يعرف شيئاً عن مصير مراد بعد ان تركه في تلك الليلة، حيث التقيا وتصافيا عن خلافات الماضي، وقد شاهدهما الكثيرون سويةً يتضاحكان، كما أفاد صالح في أقواله وأكد ذلك شاهدان أيضا...

أوكل الدفاع عن صالح لأحد أفضل محامي الجنايات.

النيابة العامة كانت واثقة انها عبر الدلائل التي تملكها، وعبر الشهود، بأن المحكمة ستدين صالح بالقتل عمداً. حتى بدون وجود الجثة، اعتماداً على وجود بقعة الدم على ملابس صالح... التي ادعى صالح انه لا يعرف كيف وصلت قميصه، لأن مراد كان معصوب الأصبع مسبقاً من جرح، وان وجودهما معا في تلك الليلة، التي شوهدا فيها سوية يتضاحكان، كانت إشارة واضحة إلى انتهاء الخلاف بينهما.

محامي الدفاع أصرّ انه بدون جثة كل الدلائل بلا قيمة.. وتعتمد على تأويلات وليس على حقائق مثبتة.

في جلسة التلخيص لجأ محامي الدفاع إلى مقلب معين ليثبت براءة موكله صالح. قال في مرافعة دفاعه:

- المحكمة الموقرة.. اليوم سأفاجئكم. خلال دقائق سيدخل قاعة المحكمة من بابها السيد مراد الذي يُتهم موكلي بقتله. رجاء انظروا إلى مدخل القاعة، ها هو مراد يدخل.

نظر المحامي إلى مدخل القاعة، كذلك نظر القاضي. ووقف ممثل النيابة ونظر نحو المدخل. ونظر الحضور في المحكمة نحو المدخل.

وبعد نصف دقيقة من الانتظار دون ان يظهر مراد، تابع محامي الدفاع:

- بالطبع لم يدخل أحد.. أوهمتُكم بأن مراد سيدخل إلى القاعة، لأنكم غير واثقين من مقتله. كلكم نظرتم نحو باب المدخل. كلكم توقعتم ان يدخل مراد، لذا أدعي أمامكم، انه في هذه المحكمة، يوجد شك معقول بأن أحدا ما قُتل. وانأ أصر ان تصدر المحكمة قراراً ببراءة موكلي.

 جاء يوم إصدار قرار الحكم. دخل القاضي، جلس مكانه، قرأ تفاصيل الملف ورقمه، ثم قال انه قرر إدانة المتهم صالح بقتل مراد عمداً...

لم يستطع محامي الدفاع الصبر:

 -كيف يجوز يا سعادة القاضي ذلك، ألم تنظروا جميعكم إلى باب المحكمة توقعاً بدخول مراد؟

رد القاضي:

- حقا.. هذا صحيح. كان لدينا شك في القتل، نظرنا كلنا نحو باب قاعة المحكمة. لكن المتهم صالح هو الوحيد الذي لم ينظر نحو الباب!!

 

نبيل عودة 

 

 

قاسم حسين صالحتوطئة: في (20/تشرين الثاني/ 1989)، اعتمدت الجمعية العامة هذا اليوم يوما عالميا لإعلان حقوق الطفل، وقدم العالم تعهداً للأطفال (بأن نبذل قصارى جهدنا من أجل حقوقهم في البقاء والنماء وفي التعليم والتحرر من العنف وسوء المعاملة وفي المشاركة وإسماع الصوت..). وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة اوصت في عام 1954 بالقرار 836 بان تُقيم جميع البلدان يوماً عالمياً للطفل وتركت حرية الإختيار لها، واعتمد الاول من حزيران من كل عام يوما عالميا للطفل تحتفل فيه اغلب دول العالم بضمنها العراق.

*

منذ (41) عاما واطفال العراق ضحايا مفجوعون صامتون.كان اول ما استلب منهم هو حياة الطفولة بمرحها وبهجتها والعابها واغانيها، يوم نشوب الحرب العراقية الأيرانية (1980).اذكر انني كنت عام (1978) عضو لجنة مشرفة على برامج الاطفال في تلفزيون بغداد تضم ايضا الروائية لطفية الدليمي والكاتب باسم عبد الحميد.كانت برامج (الكارتون) تنتقى من مناشىء مختلفة: تشيكوسلفاكيا، بولندا، الاتحاد السوفيتي، اليابان، وامريكا.وكانت البرامج المحلية المخصصة للاطفال هي الاخرى ممتازة مثل: لغتنا الجميلة، سينما الاطفال، الشاطر، وبرامج تعليمية اخرى.وكانت اغاني الاطفال تعبّر عن عالم الطفولة ومفرداتها، منها اغنية تقول: (شوفو شحلو بيدي الطباشير.. شوفو شحلو ارسم عصافير.. رسمت وردة.. وفراشة عالحقل اتطير). 

أطفال العراق.. أكثر أطفال العالم معاناة من الخوف والجوع والفقر

وكان اخطر خلل سيكولوجي حدث للاطفال المولودين عام 1980 وما بعده، ان تشكّلت لدى هذا الجيل (يؤلف حاليا بحدود 70% من المجتمع العراقي) صور ذهنية ومعتقدادت ومدركات مشوهه بخصوص نفسه والاخرين والعالم والحياة، وأخرى غير سوية بمواصفات الصحة النفسية. ففي السنوات الثمان للحرب العراقية الايرانية تشكّل لدى الاطفال مفهوم ان العالم عدائي وان الاخرين يريدون افناءه. وبمشاهدته لجثث قتلى الحرب بدءا من برنامج ( صور من المعركة) في الثمانينيات، الى مشاهد التفجيرات اليومية في المدن العراقية التي صارت تستهدف المدنيين، الى بشاعة جرائم قطع الرؤوس.. تراجعت لدى هذا الجيل (قيمة الحياة) التي كانت مقدسة.

اذكر حين كنت طفلا بالخمسينيات، وانا ابن قرية، حضرت موكب تشيع رجل توفي وهو في السبعين من عمره.. كان الجميع يشعر بالأسف والحزن على وفاته. هكذا كان ذلك الجيل (الكبار حاليا الذين لا تتجاوز نسبتهم 30%)، يحترم قيمة الحياة التي انعدمت لدى جيل الشباب.والى هذا السبب نعزو جرائم القتل وبشاعة قسوتها في الاحتراب الطائفي التي قامت بها مليشيات من الشباب.

كنّا نأمل ان تنتهي استلابات الطفولة بسقوط الدكتاتورية ويعود للطفولة عالمها الذي يشبه عالم العصافير.. لكن ما حصل للاطفال في الزمن الديمقراطي كان افضع وابشع. فبحسب تقديرات وزارة العمل (2010) فان (4,5) مليون طفل فقدوا والديهم او احدهما. (بالمناسبة، يتيم الحرب لا يعرف من قتل اباه فيما يتيم الاحتراب الطائفي يعرفه، ولهذا ينشأ لديه دافع الاخذ بالثأر ولن يخف دافع الانتقام لدى هؤلاء اليتامى ما داموا احياء).

وتشير منظمة اليونسيف الى ان اطفال العراق يعدّون اكثر اطفال العالم معاناة من الخوف والجوع والفقر جراء العنف والارهاب والتهجير والاهمال منذ وقوع العراق تحت الاحتلال، وان اكثر من (360) الف طفل يعانون من امراض نفسية، فيما افادت ممثلة الامين العام للامم المتحدة قبل عشر سنوات ان 50% من طلبة المدارس الابتدائية لا يرتادون مدارسهم ، و 40% منهم فقط يحصلون على مياه شرب نظيفة.. فيما صار حالهم الان اقسى واوجع بعد التهجير القسري لثلاثة ملايين عراقي!

العراق وطن بلا طفولة

ولأول مرّة في العراق تم استخدام الاطفال في اعمال اجرامية بقتل ابناء وطنهم، بدأت بمنظمة طيور الجنة التي شكلتها القاعدة ووصلت الى قيام داعش بتشكيل افواج من الاطفال ، لاسيما في مدينة الموصل، بتدريبهم حتى على قطع الرؤوس. ولأول مرّة ايضا تم بيع اطفال العراق قبل عشر سنوات في دول الجوار واخرى اوربية، وأجبرت فتيات بعمر الصبايا على الدعاره، وعرضن للبيع في سوق النخاسه كالفضيحة التي بثها التلفزيون السويدي عام (2013).. لتصل فيما بعد الى بيع الفتيات بعمر ست سنوات بمئتي دولارا للأيزدية الواحدة!.

ومع كل هذه المصائب ، فان بين السياسيين من يعدّ موضوع الاطفال قضية ثانوية ازاء وطن منكوب وشعب موجوع مفجوع، مع انه اهم ثلاث قضايا الى جانب الامن والخدمات، لسببين:لأنهم اكثر الفئات الاجتماعية التي يجب ان تحظى بالرعاية في اوقات الازمات والكوارث، ولأن هذا الجيل الصامت الان، والمأزوم نفسيا، هو الذي سيحدد مستقبل العراق.

لكن واقع الحال يشير الى انهم مهملون.والمفارقة ان المسؤولين في حكومات ما بعد التغيير ليسوا جميعهم جهلة، بل بينهم من جاء من مجتمعات متقدمة لا سيما المجتمع البريطاني.. يعرفون ان الطفل في بريطانيا يخصص له راتب يوم يولد، يوضع في البنك ويستلمه حين يكمل السابعة عشرة مع الارباح المتراكمة، فضلا عن تأمين صحي واجتماعي، فلماذا ما تعلموا هذا العمل النبيل من بريطانيا التي عاشوا فيها سنين ويحملون جنسيات تؤكد انتماءهم لمجتمع متحضّر؟

لا تفسير لهذا الاهمال سوى ان الذين صاروا بالسلطة وفّروا الرفاهية لأطفالهم وامّنوا مستقبل حتى احفادهم، وما عاد يعنيهم بؤس وشقاء ملايين الاطفال.. بل ان لديهم من قساوة القلب وموت الضمير ودناءة النفس انهم يسرقون مخصصات النازحين.. وعجبي كيف ان الممثلة الامريكية، انجلينا جولي، بكت حين شاهدت اطفالنا النازحين.. وما اهتزت شواربهم على اطفال اهلهم وكأن الغيرة العراقية.. مسحوها من جبينهم بورق التواليت.

اللعنة منّا عليكم.. مباشرة وبالوجه.. واخرى مؤجلة.. تأتيكم من جيل الاطفال هذا يوم تغادرون السلطة والدنيا.

 

ا. د. قاسم حسين صالح

 

عبده حقيترجمة: عبده حقي

هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن ينقذ الصحافة في المستقبل، أو أنه سيتولى بعض ممارسات التحرير ويقصي المزيد من الوظائف؟

من وجهة نظر متفائلة، يمكن أن يكمن مستقبل الصحافة في الذكاء الاصطناعي، وفقًا لكتاب جديد لفرانشيسكو ماركوني، أستاذ الصحافة في جامعة كولومبيا في نيويورك، وهو أحد صانعي الأخبار، والذكاء الاصطناعي، والخبير في مستقبل الصحافة. كان رئيسا لمختبر الإعلام في وول ستريت جورنال ووكالة أسوشيتد برس، إحدى أكبر المؤسسات الإخبارية في العالم.

إن عالم الصحافة التقليدية لا يواكب التقنيات الجديدة، لذلك تحتاج غرف الأخبار إلى استخدام ما يمكن أن يقدمه الذكاء الاصطناعي والتوصل إلى نموذج أعمال جديد، كما يقترح باتريك وايت، أستاذ الصحافة بجامعة كيبيك، الذي كتب يقول: "يجب أن يكون الذكاء الاصطناعي في قلب نموذج عمل الصحافة في المستقبل"، مشيرًا إلى عدة أمثلة على كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار اليوم. لقد طورت وكالة الأنباء الكندية بريس نظامًا لتسريع الترجمات يعتمد على الذكاء الاصطناعي. من جهتها وكالة الأنباء الفرنسية (أ ف ب) صارت تستخدم الذكاء الاصطناعي للكشف عن الصور المزورة.

يقول وايت: "الذكاء الاصطناعي ليس موجودًا ليحل محل الصحفيين أو يلغي بعض الوظائف"، مشيرًا إلى أنه من المتوقع أن يتولى الذكاء الاصطناعي أكثر من ثمانية إلى 12٪ من المهام الحالية للصحفيين. سيعيد المحررون والصحفيون توجيههم نحو الصحافة الطويلة والحوارات والتحليل والصحافة القائمة على البيانات والصحافة الاستقصائية التي لم تتمكن الآلات من إنتاجها حتى الآن.

في وكالة أسوشايد بريس على سبيل المثال، تقوم روبوتات الذكاء الاصطناعي بأداء المهام الأساسية مثل كتابة من فقرتين إلى ست فقرات عن النتائج الرياضية وتقارير أرباح الأعمال الفصلية. من جانبها تساعد روبوتات الذكاء الاصطناعي صحيفة واشنطن بوست في تحرير نتائج الانتخابات ونتائج الألعاب الأولمبية. لدى بلومبيرغ نيوز روبوتات تقوم بمسح قواعد البيانات الكبيرة فيما يقرر المراسلون أيهم يتابعون، ويقومون بعمل التأكد من الحقائق، ووضع المعلومات في سياقها وإجراء الحوارات. إن "الذكاء الاصطناعي بالكاد يمكن أن يحل محل كل هذا. وبهذا المعنى، يجب أن يظل البشر مركز العملية الصحفية بأكملها "، كما يقول وايت.

وهو يتفق مع ماركون في أنه يجب على وسائل الإعلام تطوير نماذج أعمال جديدة والاستفادة مما يقدمه الذكاء الاصطناعي.

تشمل النماذج الجديدة : الاشتراكات المدفوعة، وجداول الاشتراك، والرسائل الإخبارية، والأحداث، والبودكاست، ومقاطع الفيديو. يضيف وايت: "بهذا المعنى، يعد الذكاء الاصطناعي جزءًا من نموذج عمل جديد قائم على تحطيم صروح وسائل الإعلام".

أما الخبر الأقل تفاؤلاً هو الأنباء التي تفيد بأن مايكروسوفت قد قطعت الطريق مؤخرًا على حوالي 50 مقاولًا لإنتاج الأخبار يعملون في MSN وتخطط لاستخدام الذكاء الاصطناعي لاستبدالهم، وفقًا لتقرير صدر مؤخرًا في سياتل تايمز. تم إخطار المقاولين مؤخرًا بأن خدماتهم لن تكون مطلوبة بعد 30 يونيو.

ونقل عن متحدث باسم مايكروسوفت بشأن هذه التغييرات: "مثل جميع الشركات، نقوم بتقييم أعمالنا على أساس منتظم. يمكن أن يؤدي هذا إلى زيادة الاستثمار في مكان ما ومن وقت لآخر، وإعادة الانتشار في أماكن أخرى ".

سيتم الاحتفاظ بمنتجي الأخبار الذين يعملون بدوام كامل من قبل مايكروسوفت، لأداء وظائف مماثلة لتلك التي تم إصدارها على ما يبدو. كما صرح بعض المتعاقدين دون الكشف عن هويته إن الذكاء الاصطناعي يستخدم الخوارزميات لتحديد الأخبار الشائعة من عشرات شركاء النشر، ويساعد في إعادة كتابة العناوين وإضافة صور أفضل أو عروض شرائح لمرافقة المحتوى.

ونُقل عن أحد المقاولين الصحفيين الذين تم إنهاء خدمتهم قوله: "إنه لأمر محبط أن تعتقد أن الآلات يمكنها أن تحل محل البشر ولكن ها أنت ترى."

مذيعو الأخبار الافتراضية بالذكاء الاصطناعي أصبحوا ينتشرون يوما بعد يوم في الصين. فقد أصدرت وكالة الأنباء الصينية "شينخوا" مؤخرًا أحدث مذيع إخباري ثلاثي الأبعاد للذكاء الاصطناعي، لتوسيع قائمة متزايدة من مقدمي العروض الافتراضية التي تطورها الوكالة .

ووفقًا لشركة محرك البحث "سوغو"، التي شاركت في تطوير هذه التقنية، تستخدم مرساة الذكاء الاصطناعي الجديدة أداة "التعرف على الوسائط المتعددة والتوليف والتعرف على الوجه والرسوم المتحركة ونقل التعلم".

في مؤتمر الإنترنت العالمي في عام 2018، عرضت بعض الشركات مذيعي أخبار مختلفين للذكاء الاصطناعي، متطابقين في المظهر، لكن أحدهما يتحدث الإنجليزية والآخر لغة الماندرين الصينية.

ومن أجل تطوير النماذج الأولى، تمت دراسة ساعات من لقطات الفيديو لتكرار الحركات والتعبيرات والميزات الأخرى لمثبتات الحياة الواقعية . وصرحت شينخوا في تقرير صدر في عام 2018: " لقد أصبح مذيعو الذكاء الاصطناعي أعضاءً رسميًين في فريق التقارير في وكالة أنباء شينخوا". وقد تم استخدام المراسي الافتراضية في قنوات بما في ذلك تطبيقات "وايشات" و"ويبو" وغزانهويا" باللغة الإنجليزية والصينية.

 

 

سناء عبدالقادر مصطفىللإجابة على هذا السؤال من الضروري في البداية التعرف على ماهية التخطيط الاقتصادي ومن ثم القاء نظرة سريعة على مسار التخطيط الاقتصادي في الاتحاد السوفيتي سابقا والعراق.

1- ماهية التخطيط الإقتصادي

يعرف التخطيط الاقتصادي بأنه حصر الموارد الاقتصادية في البلد من أجل رفع المستوى المعاشي للشعب بواسطة خطة اقتصادية لمدة خمسة سنوات على الأقل.

ولهذا فإن تخطيط الاقتصاد الوطني هو الطريقة الأساسية لتحقيق السياسة الاقتصادية الموجهة لرفع قوى المجتمع الانتاجية في جميع الاتجاهات واشباع الحاجات المادية والروحية للشعب في بلد ما انطلاقا من منهجية الاقتصاد الوطني والنهج الذي يسير عليه (رأسمالي أو اشتراكي او مختلط أو اسلامي ..الخ) كما هو مثبت في الدستور. ولكن الدستور العراقي لم يثبت في طياته المنهج الإقتصادي الذي يسير عليه البلد كما ورد في المادة 25 :تكفل الدولة اصلاح الاقتصاد العراقي وفق اسس اقتصادية حديثة وبما يضمن استثمار كامل موارده وتنويع مصادره وتشجيع القطاع الخاص وتنميته (1). وبالنتيجة فإن السياسة الاقتصادية للبلد كانت مبهمة منذ العام 2003 وغير معروفة للمواطنين. وهذا كله بسبب الوضع السياسي غير المستقر، لذا فإن كل معالجة لأية مشكلة اقتصادية في البلد تعد ناقصة لعدم وجود فلسفة اقتصادية يرتكز عليها الإقتصاد الوطني.

2- الخلفية النظرية للتخطيط الاقتصادي

وبمساعدة التخطيط تدير الدولة سير العمل الاجتماعي المعقد فهي تنظم وتؤطر العمل الى جانب تبادل وتقسيم الخيرات المادية معتمدة على النظرية والمنهج الاقتصادي الذي يسير وفقهما البلد لتوسيع اعادة الانتاج انطلاقا من الاستخدام الواعي للقوانين الاقتصادية الموضوعية.

ويسمح تخطيط الاقتصاد الوطني حسب قاعدة الخطة الواحدة بالتطوير المتناسق لجميع الفروع الانتاجية والخدمية والعلمية والثقافية باستخدام الموارد المالية والمادية والعملية بالتناسب مع القضايا الاجتماعية-الاقتصادية المهمة لتلك الفترة الزمنية وتثبيت النسب الضرورية للفروع الانتاجية القطاعية والداخلية في كل قطاع انتاجي بترشيد توزيع القوى الانتاجية مع ضمان فعالية اقتصادية عالية للانتاج الاجتماعي.

وبفضل البرهنة العلمية يخلق التخطيط امكانية موضوعية حديثة لاظهار حجم وتركيب الحاجات الاجتماعية والتقييم الصحيح للموارد المتاحة لاشباع تلك الحاجات اشباعا كاملا.

يقود مبدأ التخطيط العلمي صراعا حازما ضد مفهوم حق التحريف المدافع عن اقتصاد السوق وتطور الاقتصاد العفوي الرافض لدور تخطيط الاقتصاد الوطني في ظل التخطيط المركزي. هذا ويتنافى التخطيط العلمي مع مذهب الارادة الحرة والتركز البيروقراطي ايضا.

وتفترض الإدارة المخططة للاقتصاد الوطني الاستخدام الفعال للعتلات الاقتصادية للتأثير على زيادة الانتاج الاجتماعي بواسطة نظام الاستقلال الاقتصادي للمشاريع الصناعية المنتجة القائم على مؤشرات السعروالربح والقروض واشكال التشجيع المادي لخلق الظروف الاقنصادية المناسبة لنجاح أعمال المشاريع المنتجة وضمان التقييم المبرهن علميا لنتائج أعمالها وكذلك حث المشاريع على اعتماد الخطط القوية والأكثر ترشيدا في استخدام الموارد المادية والعملية مع رفع انتاجية العمل وتحسين نوعية المنتجات.

ان تنظيم وانضباط الحلقات الانتاجية المختلفة والعاملين فيها مسـألة ضرورية لتحقيق الخطط المرسومة والتي هي شروط التقدم المطرد للمجتمع، وهذا لا يخلق نزع جديد لشخصية الفرد كما يزعم أعداء التخطيط العلمي للاقتصاد الوطني ولكن يخدم الفرضيات الضرورية لتطوير جميع أعضاء المجتمع. كما توضع خطط لتطوير المشاريع من قبل جميع العاملين في الانتاج او ما يسمى بكادحي الانتاج، أما خطط تطوير الفروع الانتاجية وجميع قطاعات الاقتصاد الوطني فهي تخدم الشعب بأجمعه وهي الوسيلة المهمة لمساهمة الكادحين في ادارة اقتصاد االبلد ورفع  نشاط المواطنين الانتاجي والاجتماعي - السياسي.

ومن المبادىء الأساسية لبناء وتأدية وظائف التخطيط الاقتصادي هو مبدأ الديمقراطية المركزية الذي صاغه فلاديمير ايليتش لينين(2) ويقترح المزج العضوي بين قيادة التخطيط المركزية والتطوير الأقصى لمشاركة الكادحين الفعالة في ادارة الانتاج من جهة واظهار المبادرات المختلفة للإدارات المحلية في البناء الاقتصادي والثقافي مع المصالح الاقتصادية للمنتجين في تنفيذ الخطة من جهة أخرى. وتتغير أشكال ومنهجيات تنظيم تخطيط الدولة حسب مقدار تطور القوى المنتجة وتطور العلاقات الانتاجية وكذلك تغير القضايا الحقيقية الملموسة وظروف البناء الاقتصادي.

3- أشكال التخطيط الاقتصادي

أفرزت الممارسة العملية للتخطيط العلمي ثلاثة أشكال من تخطيط الاقتصاد الوطني حسب طول الفترة الزمنية للتخطيط: بعيدة الأمد وتمتد من 10- 15 سنة والمتوسطة 5 سنوات والجارية سنة واحدة. تعكس الخطط البعيدة المدى الاتجاهات الرئيسة للتطور الاقتصادي والتقني والاجتماعي للمجتمع وتوضع الحلول المتعاقبة للمشاكل المهمة للاقتصاد الوطني. وهي تضمن تعاقب وتتابع وتناسق المراحل المختلفة للسياسة الاقتصادية. كما تدقق في الخطة  السنوية الجارية قضايا الخطة الخمسية الناجمة من الخطط البعيدة المدى آخذين بعين الاعتبار سير تطبيقها والمتطلبات الجديدة للمجتمع والانجازات العلمية والتقنية. ان مزج هذه الأشكال من التخطيط تكوًن المبادىء الرئيسة في تخطيط الاقتصاد الوطني. وعلى سبيل المثال كان تحقيق تخطيط الاقتصاد الوطني في الاتحاد السوفيتي سابقا بشكل مباشر من قبل الهيئات المركزية التالية:

1-  لجنة تخطيط الدولة والوزارات والمؤسسات

2- لجان التخطيط في الجمهوريات الاتحادية والجمهوريات ذات الحكم الذاتي

3- هيئات التخطيط المحلية: لجان التخطيط في الأطراف والمقاطعات والمدن ومجالس ممثلي الكادحين في الأحياء السكنية.

4- أجهزة التخطيط في المشاريع الاقتصادية المادية وغير المادية.

توضع خطة تطوير الاقتصاد الوطني انطلاقا من المبدأ الذي ينص على أن "جميع خطط الفروع الانتاجية المستقلة يجب أن تكون متناسقة بدقة ومتصلة ببعضها وجميعها تضع تلك الخطة الاقتصادية الواحدة التي نحن بأمس الحاجة لها" ( ف . أ. لينين . مجموعة المؤلفات الكاملة، الطبعة الخامسة، الجزء 42 ، ص154 باللغة الروسية) (3).

ان الحلقة الرئيسة لكل نظام تخطيط اقتصاد وطني هي خطة المشاريع الانتاجية (المؤسسة الانتاجية). وتوضع هذه الخطة من الأسفل، وهذا يعني انها توضع في المشاريع الانتاجية ومن ثم تساق الى قاعدة البيانات والتعليمات (التوجيهات) التي تصل من الأجهزة العليا (الادارات العليا، الوزارات، المؤسسات العليا) مع الأخذ بعين الاعتبار اقتراحات المشاريع نفسها.

وتنبثق خطط أجهزة الاقتصاد الوطني المركزية (الوزارات والإدارات) من قضايا الدولة العامة وتمثل بنفسها خطط متكاملة لتطوير هذه الفروع.  ويقتضي في الخطط المتكاملة للجمهوريات الاتحادية تطوير جميع فروع الاقتصاد الوطني في الجمهورية ومن ضمنها المشاريع الصناعية في الجمهوريات الاتحادية والتابعة لها والمندرجة ايضا في خطط انتاج المنتجات في مشاريع وزارات الاتحاد السوفيتي عموما الموضوعة باقتراح من الجمهوريات نفسها.

تحتوي خطة الاقتصاد الوطني نظام كامل من المؤشرات التي تعكس القضايا السياسية والاقتصادية للخطة والاتجاه الرئيس لتطور الاقتصاد الوطني وأجزائه المركبة وعمليات الانتاج المتعلقة ببعضها وأخيرا توزيع واستهلاك المنتجات. تستخدم هذه المؤشرات لإقامة وتائر ضرورية لتطورالاقتصاد والثقافة ورفع فعالية الانتاج الاجتماعي وتوازن وتناسب  تطور الاقتصاد الوطني. إن نظام مؤشرات خطة الاقتصاد الوطني هي واحدة وملزمة لجميع الأجهزة والحلقات الاقتصادية.

ان خطط تطوير الاقتصاد الوطني تحمل صفة الاوامر المرسلة الى جميع القطاعات الاقتصادية. ويصادق عليها في دورة مجلس السوفيت الأعلى (وهو ما يعادل البرلمان في الدول الأخرى) لتصبح بعد ذلك قانونا واجب التنفيذ ليس في المشاريع الاقتصادية فقط ولكن في الأجهزة العليا كذلك.

ويمكن تغيير الخطط المقررة للمشاريع في الحالات الاستثنائية فقط من قبل مجلس وزراء الاتحاد السوفيتي. وفي حالة اعادة النظر في المهمات والمسائل المخططة يجب تعديل جميع المؤشرات المتعلقة بالخطة في نفس الوقت وكذلك جميع حسابات المشاريع في ميزانية الدولة.(4)

ان خطة الاقتصاد الوطني هي عتلة قوية لتعجيل تقدم الانتاج التقني والاتحاد العضوي لمنجزات الثورة العلمية التقنية وتفوق النظام الاقتصادي، إذ يقوم تحضير الخطة على أساس برنامج متكامل لتطوير التقنية والتكنولوجيا يصاغ سلفا. ويعتبر اسلوب التوازن في التخطيط أحد أهم اساليب اثبات واعداد خطط الاقتصاد الوطني المعتمدة على منهجية الاقتصاد الوطني لإعادة الانتاج المستخدم من الناحية العملية في وضع الخطط الخمسية والسنوية لتطوير اقتصاد البلد بالكامل. هذا ويحدد وجود الموارد المادية والبشرية والمالية بمساعدة أنظمة الموازنات السنوية في خطة الاقتصاد الوطني وكذلك ترسم وتائر مضاعفتها وتثبت النسب الاقتصادية الضرورية العامة وكذلك النسب بين الفروع الانتاجية وداخلها في حين تعكس النسب الاقتصادية العامة التناسب الأكثر عمومية في الانتاج بالاضافة الى استخدام المنتوج الاجتماعي والدخل الوطني. أما النسب التي ما بين الفروع فهي التي تحدد النسب الاقتصادية العامة وتظهر التركيب الفرعي للاقتصاد، في حين تفتح النسب التي داخل الفروع محتوى العلاقات الاقتصادية والافق التقني-الاقتصادي لاعادة الانتاج بشكل تفصيلي واسع. هذا وتبرز مراعاة النسب في أي مجتمع يلتزم بالتخطيط الاقتصادي العلمي كعنصر للتخطيط والتوازن والتطور. وفي ظل هذا من المهم ليس فقط الربط الكمي العام لعوامل الانتاج ولكن المطابقة القصوى لتراكيب انتاج الطلب الاجتماعي. وهنا يجب أن تساعد البرهنة العلمية لخطط تطوير الاقتصاد العلمي على ايجاد الاحتمال الأمثل لحل المشاكل الاقتصادية. إن هذا يعطى امكانية توفير رفع فعالية الانتاج الاجتماعي والتي تعتبر المقياس الأساس في بلوغ نتائج أكبر للمصالح الاجتماعية في ظل هذه الموارد.

4- التنبؤ الاقتصادي

يستند التخطيط الاقتصادي البعيد المدى بالدرجة الأولى على التنبؤات العلمية للحاجات الاجتماعية والموارد الاقتصادية وكذلك على تنبؤات تطور العلوم الأساسية والتطبيقية والتجسيد التقني الناجمة منه التقديرات الاقتصادية الملموسة.

يتكون أساس التوقعات الاقتصادية من تنبؤات الموارد الطبيعية والتقدم العلمي-التقني والتطورات السكانية والاجتماعية. وهذه كلها في الحقيقة تقرر العناصر الأساسية للتنبؤ الاقتصادي التي هي اعادة انتاج القوى العاملة والاحتياطيات الانتاجية ومستوى حياة السكان ووتائرالتطور الاقتصادي والتغيرات التركيبية والعلاقات بين الفروع الانتاجية في الاقتصاد الوطني وتوزيع القوى الانتاجية وما شابه ذلك. وقد أغنى التطور العلمي التخطيط الاقتصادي بسلاح نظري وذلك بوضعه نماذج اقتصادية-رياضية فعالة ونظام تحليل متكامل. وترتأي منهجية التخطيط الحديث بتبصر رفع دور الحسابات الاقتصادية العامة في المراحل التمهيدية لوضع الخطة المستقبلية. وقبل البدء بعمل تخطيط مفصل لجميع قطاعات الاقتصاد الوطني يوضع نموذج تمهيدي موحد للخطة يشمل العوامل الأساسية ومؤشرات وتائر ونسب اعادة الانتاج المادي الموسع. وهذا يساعد على تحديد الكميات المتغيرة لخطة المستقبل مع حساب مستوى التطور المنجز لقوى الانتاج وصياغة القضايا الاقتصادية-السياسية للفترة الزمنية القادمة. ويعرض نموذج الاقتصاد الرياضي انعكاس تخطيطي للارتباطات المتبادلة الواقعية في الاقتصاد التي تسمح بدراسة دائرة كبيرة من المؤشرات وتأثيراتها المتبادلة. وتستخدم نماذج الاقتصاد الرياضي في الغالب لإعداد الخطط الخمسية.

أجري في الكثير من دول العالم المتقدمة وبعض الدول النامية في سبعينيات القرن الماضي عمل كبير بتطوير القاعدة المادية الحديثة للتخطيط  وكان في المقدمة الاستخدام الواسع للحاسبات الالكترونية الضخمة للحصول على كميات كبيرة من المعلومات والبيانات الاحصائية ومن ثم معالجتها وتحليلها وبعد ذلك اعداد الكثير من احتمالات الخطة وايجاد الحلول المثلى لها. وقامت كثير من دول العالم في خلق واقامة نظام حكومي مؤتمت عام لجمع ومعالجة المعلومات لمراقبة وتخطيط وإدارة الاقتصاد الوطني على أساس نظام حكومي للمراكز الاحصائية وشبكة علاقات مؤتمتة واحدة للبلد كله.

وقد احرز نظام تخطيط الاقتصاد الوطني في جمهوريات الاتحاد السوفيتي سابقا والدول الاشتراكية على سمعة كبيرة واعتراف في جميع دول العالم. وبظهور النظام الاشتراكي العالمي توسع مجال تأثير قانون التطور الممنهج والتناسبي للاقتصاد الوطني الذي اكتسب ميزة دولية.

توجهت الكثير من الدول المتحررة من النظام الاستعماري (الكولونيالي) الى الأخذ بتجربة الاتحاد السوفيتي والدول الإشتراكية في التخطيط الاقتصادي واقامة اقتصاد وطني مستقل. وقامت الأجهزة والمؤسسات السوفيتية بتقديم المساعدة في وضع وتحقيق الخطط وتدريب الكوادر المتخصصة للقيام بعملية التخطيط (تجربة العراق في بداية سبعينيات القرن الماضي). وأظهرت تجربة الاتحاد السوفيتي امكانية التطور الممنهج للاقتصاد والفائدة المشتركة في المجالات الكبيرة والتعاون مع جميع الدول ومن ضمنها الدول الرأسمالية المتطورة وكذلك فتح المجال لآفاق جديدة في الطريق الملائم لتقسيم العمل الدولي.

ومن المسائل الواجب التطرق لها هنا هي طريقة حساب الدخل القومي ومعدل دخل الفرد التي تختلف انطلاقا من الخلفية النظرية للباحث الاقتصادي والتي لها علاقة بالتخطيط الاقتصادي. اعتمدت المدرسة الاشتراكية وبالأخص الاتحاد السوفيتي سابقا على حساب الدخل الوطني والناتج الوطني في قطاعات الانتاج المادي فقط وقسم من خدمات قطاع النقل الذي يقوم بنقل منتجات القطاعات المادية. ونتيجة لهذا يحصل انخفاضا في قيمة الدخل الوطني والناتج الوطني قياسا مع طريقة حساب الدخل القومي والناتج القومي في الدول التي تعتمد طريقة حساب هذه المؤشرات في الدول الرأسمالية بجمع قيمة الدخل الوطني والناتج الوطني في قطاعات الانتاج المادي وغير المادي وبادخال قيمة الخدمات. أما المدرسة السويدية التي يمثلها الاقتصادي بالم داته (Palm Date) فإنه يدخل قيمة الاعمال التي تقوم بها ربة المنزل من طهي وتنظيف ..الخ أو رب المنزل من تغيير قفل في باب المنزل على سبيل المثال في حساب الدخل الوطني. وبالنتيجة نجد تأثير على انخفاض او ارتفاع مستوى دخل الفرد ومستوى المعيشة.

5- تفكك الاتحاد السوفيتي والمنظومة الإشتراكية

وهنا لابد من الاشارة الى أن فترة تسعينيات القرن الماضي وتفكك الاتحاد السوفيتي في الفترة الزمنية 1990- 2001 وتغير النظام الاقتصادي في الكثير من الدول الاشتراكية في اوروبا الشرقية باتجاه اقتصاد السوق ادى الى انخفاض مستوى المعيشة وانخفاض معدل النمو السنوي لحصة الشخص الواحد من الناتج المحلي الاجمالي بالاسعار الثابتة بسبب مرورها بالمرحلة الانتقالية من النظام الاشتراكي الى اقتصاد السوق على الرغم من وجود قطاع خاص فيها ولكنه لم يملك ثقل نوعي ومؤثر كما هو موجود في الدول الرأسمالية. وانعكس ذلك في بيانات جدول رقم 1 .

جدول رقم 1

معدل النمو لحصة الشخص الواحد من الناتج المحلي الاجمالي بالأسعار                     الثابتة % لعدد من الدول الاشتراكية سابقا

الدولة  1990- 2001         1999-2007

أوكرانيا         -7.4               -0.7

هنغاريا          2.1            3.3

رومانيا          -0.1            2.3

أستونيا          1.6              5.3

روسيا الإتحادية-3.5           1.2

لاتفيا   -1.0                     4.7

جورجيا      -5.5              1.8

ملدوفا           -8.2            -1.3

الصين          8.8              8.9

.......................

(5) المصدر: البيانات مستلة من مقالة د. علي مرزا: ملاحظات على التخطيط في العراق، مجلة دراسات اقتصادية ، بيت الحكمة ، بغداد العدد 25، 2011 .  وكذلك:

 -6World Bank, The East Asian Miracle, Economic Growth and Public Policy, Washigton D.C. 1993

ومن نظرة فاحصة لبيانات الجدول نرى أن الصين استطاعت أن تحقق معدل نمو ايجابي خلال الفترتين الزمنيتين الموضوعة البحث 1990-2001 و 1999-2007 من 8.8 الى 8.9 %  بسبب تشجيع الدولة للقطاع الخاص منذ تسعينيات القرن الماضي وكذلك روسيا الاتحادية من -3.5 الى 1.2 % وكذلك جورجيا ومولدوفا كما هو وارد في الجدول أعلاه.

أدى تفكك الاتحاد السوفيتي وتحول العديد من الدول الاشتراكية الى نظام السوق مثل روسيا الاتحادية وأوكرانيا ومولدوفا وجورجيا ودول أسيا الوسطى وشمال القفقاس  ودول بحر البلطيق مثل استونيا ولاتفيا ولتوانيا ورومانيا وجيكوسلوفاكيا (انقسمت الى جمهوريتي الجيك وسلوفاكيا) ويوغسلافيا (انقسمت الى صربيا وكرواتيا وسلوفينيا والبوسنا والهرسك ومن ثم نشوب الحرب الأهلية هناك بين صربيا وكرواتيا والبوسنة والهرسك) الى انهيار النظام الإداري والمؤسسات الحكومية وشيوع الفساد الاداري الذي كان له تأثيرا كبيرا على تدني العلاقات الاجتماعية وانهيار الأمن وانتشار العصابات الإجرامية التي قامت بخطف وطلب الفدية من رجال الأعمال والناشطين السياسيين والمدنيين أو تصفيتهم جسديا اذا لم يقوموا بدفع الفدية التي تبلغ ألاف الدولارات الأمريكية وكما أدى سوء الأوضاع المعاشية الى شيوع ظاهرة المتاجرة بالمخدرات والكحول وحتى باليورانيوم من قبل أفراد أو عصابات محلية ودولية.

6- تجربة التخطيط الإقتصادي في العراق

لم بشهد العراق تخطيطا اقتصاديا بالمعنى العلمي الكامل لهذا المصطلح كما شرحنا آنفا، وإنما كانت هناك برامج تنموية ومحاولات في وضع خطط لرفع المستوى المعاشي للسكان ابتداءا من برامج مجلس الإعمار في خمسينيات القرن الماضي قبل ثورة 14 تموز 1958 ومرورا بفترة الستينيات حتى السبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. وبعد تأميم شركات النفط الأجنبية في حزيران العام 1972 وحصول العراق على مداخيل بيع النفط الخام قامت الحكومة العراقية بدعوة خبراء في التخطيط الإقتصادي من الإتحاد السوفيتي من لجنة الدولة للتخطيط في الإتحاد السوفيتي  (GOSPLAN USSR - ГОСПЛАН СССР). عمل الخبراء السوفيت لمدة ثلاثة أشهر في سنة 1974 في وزارة التخطيط إذ قاموا بجمع البيانات والإحصائيات اللازمة لكتابة خطط اقتصادية بعيدة المدى لمدة 20 سنة. بذل الخبراء السوفيت جهودا كبيرة في الحصول على معلومات صحيحة من أجل وضع خطة اقتصادية صحيحة ولكن مع الأسف جوبهت هذه اللجنة بعراقيل كبيرة وعدم تعاون من قبل مدراء الأقسام في وزارة التخطيط والجهاز المركزي للاحصاء حتى اضطر رئيس الخبراء الاتصال مباشرة بنائب رئيس الجمهورية (الذي قام بنفسه بدعوتهم من الإتحاد السوفيتي) والذي حضر في اليوم التالي وقام في اجتماع واسع  ضم جميع موظفي وزارة التخطيط والجهاز المركزي للإحصاء حضره وزير التخطيط أنذاك الدكتور جواد هاشم وكافة مدراء الأقسام ووكلائهم بتوبيخهم على موقفهم السلبي من الخبراء السوفيت وعدم تزويدهم بالمعلومات اللازمة (معلومات مستقاة من الأستاذ قاسم عباس محمد الذي عمل مترجما مع الخبراء السوفيت لمدة ثلاثة أشهر في العام 1974) (7). ترك الخبراء السوفيت عشرون مجلدا ضخما يحتوي على تفاصيل خطة اقتصادية ضخمة لتطوير العراق من ضمنها مشروع النقل النهري في نهر دجلة بدلا من اقامة قطار الأنفاق في بغداد الذي اقترحته الحكومة العراقية والسبب هو وجود المياه الجوفية تحت مدينة بغداد الذي يعيق اقامة المشروع وكذلك توسيع خطوط السكك الحديدية في بغداد وضواحيها لتساهم في حل أزمة النقل التي بدأت تستفحل في العاصمة العراقية وقتذاك بالإضافة الى اقامة العقد الطرقية المرتبطة بشوارع الخطوط السريعة (مثل الخط السريع الذي يحمل اسم محمد القاسم في بغداد وغيره في الوقت الحاضر) الى جانب حلولا عملية للمشاكل التي قد تجابه تنفيذ هذه الخطة.  ولكن مع الأسف لم تنفذ هذه الخطة بالشكل المطلوب وإنما نفذت مكانها الخطة الإنفجارية في العام 1974 التي تزعمها وزير التخطيط وقتذاك جواد هاشم والتي أسفرت عن استيراد 30 مصنعاً من الخارج دون التخطيط لها من حيث مكان  اقامتها ونصب مكائنها والكادر الفني الذي سوف يقوم بتشغيلها وصيانتها وإنما رميت في مخازن أبو غريب التابعة الى مديرية كمارك بغداد. كانت أول ردة فعل من قبل المرحوم الأستاذ كامل الدباغ الذي كان يعد ويقدم برنامج العلم للجميع في  التلفزيون العراقي حين انتقد هذه الخطوة الغير مدروسة. كان جواب المسؤولين السياسيين على ذلك أن أوقفوا بث البرنامج ومن ثم اعتقل كامل الدباغ لفترة زمنية.

كان يشوب العمل في وزارة التخطيط العراقية وقتذاك تنافس حاد بين خريجي الدول الرأسمالية والدول الاشتراكية الذي ترك مع الأسف بصماته السلبية على مستقبل التخطيط الإقتصادي في العراق دون النظر بجدية وحزم إلى هذا الموضوع انطلاقا من المصلحة الوطنية وتطوير الإقتصاد الوطني العراقي.

اولت الخطة الخمسية للسنوات 1976-1980 اهتماما بانتاجية العمل في كافة قطاعات الاقتصاد الوطني وعقدت الكثير من الندوات والاجتماعات على مستويات عالية من المختصين بالشؤون الاقتصادية  كما رفعت شعارات اشتراكية خاصة بانتاجية العمل في ربيع العام 1976 وذلك من أجل اعطاء الخطة الانفجارية اهمية خاصة وكذلك بيان تأثير الاستثمارات الكبيرة في مشاريع البنية التحتية ورفع المستوى المعاشي للسكان ولكن لم يؤخذ التضخم وارتفاع الأسعار المفاجىء للحاجات المادية وغير المادية بعين الاعتبارالذي حدث بما يقارب الشهرين قبل استلام الزيادة في الرواتب والأجور في القطاع العام والذي اثر سلبيا على مستوى دخل الفرد العراقي.

أما الخطة التي وضعت في نهاية العام 1980 للفترة 1981- 1985 واثناء فترة الحرب العراقية-الإيرانية فقد اتصفت بزيادة الانفاق العسكري الذي التهم الاحتياطي من العملة الصعبة لدى البنك المركزي العراقي وقد بلغ حوالي 80 مليار دولار أمريكي. ومما فاقم الوضع المالي المتردي للعراق هو انخفاض انتاج النفط الخام وتصديره بسبب العمليات الحربية. ولهذا السبب اهملت مشاريع الخطة الاقتصادية لصالح المجهود الحربي وتحولت الخطة الخمسية الى خطة لتغطية النفقات العامة الجارية والميزانية العامة السنوية، في حين انحسر دور وزارة التخطيط ومجلس التخطيط لصالح وزارة الصناعة ومؤسسة التصنيع العسكري وانخفض الوزن النوعي للإدارة الاقتصادية وتأثيرها في الاقتصاد الوطني في الفترة الزمنية 1991- 1996 مع زيادة حدة التضخم في البلد. وفي سنوات تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء من قبل الأمم المتحدة بداية من العام 1997الى 2003 كان دور وزارة التخطيط وتأثيرها ضعيفا على تطوير الاقتصاد الوطني ولا يرتقي الى عمل هيئة ولا حتى وزارة.

7- التخطيط الاقتصادي في العراق بعد العام 2003

لم يستند تخطيط الاقتصاد الوطني في العراق على نظام إداري وتنظيمي مستقر حتى يمكن وضع سياسة اقتصادية رصينة تنسق بين النفقات العامة والإيردات العامة وانما وقع تحت تأثير أهواء ومصالح سياسية محلية وأجنبية ولهذا من الضرورة بمكان الإشارة الى النقاط التالية:

1- مارست الهيئات الدولية مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي تأثيرا في وضع السياسة الاقتصادية للبلد وذلك من خلال تقديم الاستشارات والمقترحات ومتابعة تنفيذ القرارات بخصوص القروض ومؤشرات عجز الميزانية المزمن واصلاح هيكل الإدارة الاقتصادية في مؤسسات الدولة.

2- تلعب هيئة النزاهة دورا مهما في كشف الفاسدين والمرتشين في دوائر الدولة ولكن تدخل الكتل السياسية في البرلمان تحول دون اكمال عملية التحقيق مع الموظفين الحكوميين المطلوبين للقضاء.

وقد كشفت هيأة النزاهة عن مجمل إنجازاتها للربع الأول من العام الجاري 2017، مُؤكِّدة استرجاعها وإيقافها صرف ومنع هدر أكثر من اثنين وتسعين مليار دينار، فيما بلغ عدد البلاغٍات والإخبارات والقضايا الجزائيَّة قرابة أربعة آلاف واستصدرت قرابة خمسمائة أمر قبضٍ وأكثر من ألفٍ وخمسمائة أمر استقدامٍ ومائتين وخمسين أمر توقيف بحقِّ مُتَّهمين، منهم وزراء ومن بدرجتهم (8 - الموقع الرسمي لهيئة النزاهة العراقية في الانترنيت).

3- واجه ديوان الرقابة المالية الإتحادي في العام 2016 الكثير من المصاعب التي تحول دون أداء عمله بالشكل الصحيح ومنها على سبيل المثال لا الحصر( 9 – الموقع الرسمي لديوان الرقابة المالية الاتحادي في الانترنيت):

أ - تأخر وزارة المالیة في اتخاذ الاجراءات اللازمة لحسم موضوع البیانات المالیة للسنة المنتهیة فـي 31/12/2014.

ب  - كثرة العقود التي یكلف الدیوان بتدقیقها وانعكاس ذلك على باقي مخرجات العمل الرقابي حیث انجز الـدیوان 1168  تقریـراً فـي مجـال تدقیق العقود من أصل 1711 .

ت  -التأخر في الاجابة على تقاریر الدیوان واتخاذ الاجراءات اللازمة لمعالجة المخالفات.

ث-  ضعف أداء العاملین في الادارات الخاضعة لرقابة الدیوان.

ح  -التحدیات التي یواجهها الرقیب في تلك الادارات الأمر الذي یتطلب دعم الرقباء بما یكفل الحفـاظ علـى سـلامة وحیادیـة واسـتقلالیة وأمن الرقیب.

ج -  تــأخر الإدارات الخاضـــعة للرقابــة عـــن تقـــدیم بیاناتهــا فـــي المواعیــد المقـــررة لتقـــدیمها.

4- انخفاض فعالية عمل المفتشين العموميين وتعثره بسبب الفهم الخاطيء لدورهم وكذلك المعوقات التي يواجهها في حالة طلب معلومات معينة وخصوصا اذا كانت تتعلق بفساد إداري ومالي، كما ان خوف الناس من الاخبارعن الفساد الاداري والمالي الى الجهات المعنية لازال مسيطر على الكثيرين منهم وهذا ما يؤدي الى استمرارية ذوي النفوس الضعيفة والذين يتبوؤن مناصب عليا في الدولة باستغلال مناصبهم لجمع الاموال بطرق غير شرعية(10).

الخاتمة

وعلى الرغم من صدور قانون وزارة التخطيط رقم 19 في العام 2009 التي تسعى بموجبه الوزارة الى تحقيق الأهداف المرجوة منه في مجال اعداد ومتابعة تنفيذ خطط التنمية الاقتصادية المتوسطة والبعيدة المدى في البلد بالتنسيق والتعاون مع جميع الوزارات والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية ومشاريع قطاعي العام الخاص وكذلك القطاع المختلط ومنظمات المجتمع المدني، إلا أنه يجب القول اذا لم يكن هناك تعاون وثيق بين الجهات الواردة الذكر أعلاه فلايمكن تنفيذ أية خطة تنموية لأن الخطة الاقتصادية يجب ان تناقش على كافة المستويات الرسمية والشعبية وفي كافة المشاريع العامة والخاصة- المصانع والمعامل والورش الصناعية وفي جميع وحدات القطاع الزراعي العامة والخاصة والمختلطة ولأن الخطة توضع وتناقش في المشاريع الانتاجية ، أي في أسفل السلم الاجتماعي-الاقتصادي وبعد ذلك ترسل الى قاعدة البيانات في وزارة التخطيط وتناقش من قبل أجهزة الدولة العليا وتعطى على ضوئها التعليمات والتوجيهات والأوامر لتنفيذها مع الأخذ بمقترحات المشاريع الانتاجية في القطاعات المادية وغير المادية. وخلاف ذلك سوف تبقى الخطة الاقتصادية حبر على ورق. ويجب أن لا ننسى أنه لا تخطيط بدون احصاء ولهذا يجب تقوية الجهاز المركزي للإحصاء ورفده بعناصر علمية كفؤة للقيام بالعمليات الإحصائية الميدانية والمكتبية المتعلقة بالتعداد السكاني والصناعي والزراعي وتأمين المعلومات والبياناتت وتحليلها حتى تخدم عملية التخطيط والتنمية والتطوير والبحث العلمي. وفي الخاتمة نفول لم يفقد التخطيط الاقتصادي قوته في الوقت الحاضر وإنما فقد القائمون عليه الجدية والحزم في تطبيق مبادئه المذكورة أعلاه.

 

أكاديمي وخبير اقتصادي

........................

هوامش ومصادر البحث:

1- الدستور العراقي الدائم الذي صوت عليه البرلمان في 15 تشرين الأول 2005.

2- ف . أ. لينين . مجموعة المؤلفات الكاملة، الطبعة الخامسة، الجزء 42 ، ص154 باللغة الروسية.

3- نفس المصدر السابق ص 165.

4-  يفيموف، ألكساندر نيكولايفيتش. معنى كلمة تخطيط الاقتصاد الوطني، موقع الموسوعة العلمية السوفيتية الكبيرة باللغة الروسية.

5- المصدر: البيانات مستلة من مقالة د. علي مرزا: ملاحظات على التخطيط في العراق، مجلة دراسات اقتصادية ، بيت الحكمة ، بغداد العدد 25، 2011 . وكذلك شبكة الاقتصاديين العراقيين.

6- World Bank, The East Asian Miracle, Economic Growth and Public Policy, Washigton D.C. 1993

7- معلومات مستقاة من الأستاذ قاسم عباس محمد الذي عمل مترجما مع الخبراء السوفيت لمدة ثلاثة أشهر بوزارة التخطيط في العام 1974.

8- الموقع الرسمي لهيئة النزاهة العراقية في الانترنيت.

9- الموقع الرسمي لديوان الرقابة المالية الاتحادي في الانترنيت.

10- شعيا، د. سامية يوسف، دور المفتش العام. مقالة منشورة في موقع النهرين بالانترنيت. www.cese.iq/sada_alnahrayn/

11- كجةجي ، صباح. التخطیط الصناعي في العراق أسالیبه، تطبیقاته، وأجھزته الجزء الأول للفترة الزمنية 1980 – 1921 ، شبكة الاقتصاديين العراقيين.

 

 

حاتم حميد محسنعند الأزمات تتصاعد الأصوات لإتخاذ إجراء حكومي. هذه الأزمات تغذّيها اليوم موجات الهجرة، التغيرات الهيكلية الناتجة عن التكنلوجيا، العولمة، الخوف من تقلبات المناخ والقلق من كساد كبير. التطورات هذه تحفز الاندفاع نحو القومية والحمائية. الدعوات لإتخاذ فعل ما تأتي من الأسفل ومن الأعلى. جميعها تميل الى خلق المزيد من سيطرة الحكومة. افكار التخطيط الاقتصادي جرى استعادتها مجددا وزجها في ساحة المعركة.

يمكن انتقاء بعض الدروس من فترة ما بين الحربين العالميتين. بعد الكساد الكبير عام 1929،تزايدت الطلبات الى تخطيط اقتصادي في العديد من الدول مقابل "فوضى" السوق. الثلاثينات من القرن الماضي كانت فترة الشعبوية والحمائية والتدخل الحكومي ومحاولات خلق اقتصاديات مخططة. نحتاج فقط لنتذكر الخطط الخمسية في الاتحاد السوفيتي،والخطط الرباعية في المانيا النازية، والتخطيط النقابي في ايطاليا الفاشية والولايات المتحدة، والعديد من المبادرات في بريطانيا العظمى.

خلال العشرينات من القرن الماضي، بدأت تتكشف نقاشات الحسابات الاشتراكية في المانيا حول القارة الاوربية،متحفزة بعمل لودفيج فون ميز (1881-1973) Gemeinwirtschaft. أبرز معارضيه كان الاقتصادي البولندي اوسكار لنك (1904-1965). وفي الثلاثينات، اتسع النقاش الى العالم الانجلوامريكي، وبشكل رئيسي من خلال عمل فردريك هايك (1899-1972) التخطيط الاقتصادي الجماعي. هايك واجه معارضة من زميل مهني في مدرسة لندن للاقتصاد وهو دوربين (1906-1948) الذي حشد جداله لأجل التخطيط،. معارك الأربعينيات من القرن الماضي حول التخطيط الاقتصادي كانت حامية متأثرة بالإدّعاء بنجاح تخطيط زمن الحرب، لكن الحجج الاساسية كانت مأخوذة من فترة ما بين الحربين.

وفي بلد آخر وهو السويد،جرى نقاشا حادا حول التخطيط الاقتصادي  ولكن لم يتأثر بميسز ولانك وهايك او دوربين. الحجج الرئيسية في هذا النقاش جاءت من اربعة اقتصاديين يمثلون اجيالا  مختلفة وهم : جوستاف كاسل (1866-1945)، وايلي هيكشر (1879-1952) كانا كلاسيكيان مؤيدان لليبرالية السوق عارضا التخطيط الاقتصادي. وتلميذيهما الاكثر شهرة جونار ميردال (1898-1987) و بيرتل اولين (1899-1979)، وهما، اشتراكي، و "ليبرالي اجتماعي"، يدعوان الى التخطيط. الأسئلة في هذه المقالة هي: ما هي الحجج الرئيسية لهؤلاء الأربعة؟ ما هي مصادر الهامهم؟ كيف يمكن مقارنتهم بهايك و دوربين؟

الحجج الرئيسية:

في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، كان جوستاف كاسل و الي هيكشر اقتصاديين سويديين شهيرين ومؤثرين. كانا كلاهما يمثل ليبرالية السوق وصنّاعا نشطين للرأي العام. هما حشدا الجدال ضد التخطيط الاقتصادي في اواسط العشرينات عندما تصورا هناك تهديدا من الديمقراطي الاجتماعي السويدي،الشيوعية السوفيتية والفاشية الايطالية. هيكشر زار روسيا في عام 1925 واستطاع ملاحظة الفوضى هناك بام  عينيه.

حجج كاسل وهيكشر:

1- اقتصاد السوق ليس فوضويا وانما هو شكل من التخطيط اللامركزي.

2- لا وجود لمخطط مركزي يستطيع استيعاب الكمية الهائلة من المعلومات التي يعالجها  نظام السعر الحر (اليد اللامرئية).

3- السياسيون غير مناسبين ليكونوا مدراء اقتصاديين.

4- البيروقراطية هي "كابح للعجلة".

5- المخططون المركزيون لايمكنهم السماح بالاختيارات الحرة للعمال في أعمالهم، او الاتحادات العمالية او الإختيار الحر للمستهلك في السلع.

6- تجارب التخطيط تكشف عن اللاخطة، والحكومة لاتستطيع ادارة بعض واجباتها الاساسية مثل الاعتناء بالنظام النقدي.هيكشر توقّع جدالا كبيرا حول حجة الخيار العام: لا يستطيع المرء تعيين حالة نظرية تامة لتصحيح اللاكمال في السوق الواقعي. في العالم الواقعي هناك  فشل في كل من الحكومة والسوق. كاسل طرح فكرة مشابهة عندما  رفض "الايمان بالعقلانية المطلقة وبفاعلية ادارة الدولة للتجارة والصناعة".

التصور الشائع هو ان جونار ميردال،"المهندس الاجتماعي" الشهير،الى جانب وزير المالية الديمقراطي الاجتماعي ارنست ويغفورس، كانا المحرّض الاساسي لأفكار  التخطيط الاقتصادي في السويد. لكن، بيرتل اولين بدأ هجومه على ليبرالية السوق،متحفزا بالليبراليين البريطانيين الجدد عموما وجون ماينرد كنز خصوصا، قبل عدة سنوات من ظهور ميردل على مسرح التخطيط. رسالته هي ان "التنظيم المخطط، وضمان العقلانية والفاعلية بدلا من نظام المجتمع القديم في الحرية الاقتصادية، اصبح نظام اليوم". العقلانية كما سميت، كانت اكثر اهمية من الحرية.

في عام 1930،رسّخ هيكشر النقاش حول التخطيط الاقتصادي من خلال هجومه على اجراءات التدخل التي اريد بها مساعدة الفلاحين والتي وصفها بـ "تخطيط اقتصادي بدون خطة،بعد النموذج المألوف في روسيا السوفيتية". النقاش بلغ ذروته عام 1934.

التخطيط ،حسب ميردل، كان فكرة"تزحف في كل مكان" ولكنها كانت حقا "شيء أقل نجاحا". عندما أعقب ميردال  كاسل كبروفيسور في الاقتصاد في جامعة ستوكهولم،  ألقى محاضرة افتتاحية رفض فيها المعلمين الليبراليين وايمانهم في السوق كـ "مدينة فاضلة عفا عليها الزمن يغذيها الحالمون الطارئون". اولن و ميردل اكدا بان الظروف الاقتصادية تغيرت،من خلال الوحدات الاقتصادية الكبيرة والذهن الهندسي الذي استلزم اطارا سياسيا جديدا ومؤسسات جديدة. الأزمة الاقتصادية استلزمت مجموعة من تدخلات الحكومة – الخيار البديل كان الثورة والدكتاتورية – وهذه التدخلات يجب ان تُنسّق بطريقة عقلانية وفعالة.

الحجج الموسعة للمعارضين للتخطيط 

1- المخططون سوف يفضلون مصالح المنتج.

2- الحكومة ستكون مرهقة

3- سلطة التخطيط سوف لن تكون قادرة على التصرف بسرعة كافية بوجه الظروف المتغيرة

4- هناك ستكون اسواق أقل عددا ولكن اكبر حجما

5- التخطيط القومي يعني ان جميع إجراءات الأعمال تصبح فعلا سياسيا

6- النتيجة النهائية ستكون الدكتاتورية

هيكشر جرى تذكيره بفرانكشتن "الذي خلق الوحش والذي وقع هو ذاته ضحية له". اثناء نقاش شهير في مؤسسة الاقتصاد السويدية سخر من أصغر زملائه كـ "متحمس بقوة للاقتصاد المخطط" وأضاف: "انوفهم امتلئت بهواء جديد الى النقطة التي بدا فيها لا هواء آخر للتنفس". ميردل عزل نفسه عن "الوصف المرعب"لـ"الاقتصاد المفروض وغير المنظم وبلا خطة" الذي رسمه هيكشر، واولن قد لا يفهم الصورة التي اضفيت على "بعض انواع الاقتصاد الموجّه الغامض والمتطرف".

الداعون والمعارضون للتخطيط يشتركون بفهم أساسي. وهو ان جميع الظروف الاقتصادية – حجم الوحدات الاقتصادية وديناميكيات الاقتصاد العالمي – بالاضافة الى الذهنية الشعبية قد تغيرت. لكن، هم لايتفقون كليا حول كيفية معالجة هذه التغيرات. الداعون للتخطيط رغبوا باطار عقلاني طويل الأمد. المعارضون رغبوا بالاحتفاظ بأكبر حصة ممكنة من قوى السوق طالما هم اعتبروها أفضل شيء لإرشاد التحول الاقتصادي المستمر.

كلا الجانبين اعترفا بانه، مهما كانت التدخلات مؤسسية، فهي يجب ان تُنسّق. لكن، الداعين رغبوا بالكثير،والمعارضون بالقليل. الداعون رغبوا بحل مجموعة من مشاكل معينة. المعارضون حسبوا ان كل تدخل سيخلق تدخلا آخرا في عملية تراكمية تقود الى الدكتاتورية ونهاية الحرية الروحية،موضحين بالتفصيل ما سمي لاحقا التدخل الديناميكي.

كلا الجانبين رغبا في الدفاع عن الديمقراطية لكنهما لم يتفقا حول الوسائل. الداعون اعتقدوا ان الديمقراطيات عليها ان تستعمل الكثير من نفس وسائل  الدكتاتوريات لكي تكون قادرة على التنافس. قال اولن في اجتماع اقتصاديي الشمال عام 1935 "انهم متشددو مانشستر الليبراليين، يعارضون كل تدخل للدولة، يهيء الارضية للدكتاتورية والشيوعية". كاسل جادل عكس ذلك بان "تدخل الحكومة المحير بطبيعته التراكمية باستمرار" يعني ان "الاقتصاد المخطط سوف يميل دائما ليتطور الى دكتاتورية" ويخنق التقدم الاقتصادي. المعارضون كانوا مقتنعين ان اساس الديمقراطيات الليبرالية – اقتصاد السوق – يجب ان يُحمى . ميردل جادل بان التصور بان الحرية الاقتصادية يمكن ان تكون اكبر او اقل هو "معرفة قبلية ميتافيزيقية" في رؤوس ليبراليي السوق الساذجين.

الداعون الى التخطيط ربما كانت لهم اليد العليا في ادّعائهم كونهم مطلعين على آخر الظروف الاقتصادية، لكنهم مترددين في مناقشة المبادئ. هم رغبوا بمناقشة تدخلات معقولة لكن تنسيق جميع التدخلات كان هدفا يجب معالجته في وقت ما في المستقبل. في هذا الموقف، يمكن رؤية القرابة بين الاشتراكية والتخطيط  كنقد حاد للظروف الحالية لكن بتحفظ في مناقشة ما سيعنيه حقا النموذج البديل.

المعارضون رغبوا بمناقشة المبادئ، مناقشة ماذا يشبه الاقتصاد الموجّه المتطور بالكامل وهم احيانا استعملوا امثلة شيوعية وفاشية ونازية لإثبات الواقع السيء. عمل اولن – اقتصاد حر ام موجه في عام 1936 أنهى النقاش حول التخطيط وطرح "مسارا وسطيا". اولن كان رائد التخطيط  بين الاقتصاديين، وكان قاسيا مع معلميه هيكشر و كاسيل. هو كان دائما، عكس ميردول، وضع الحدود ضد الاشتراكية واقترح نوعا من الاطار التخطيطي. ومثل كنز، هو رغب بإنقاذ عناصر ضرورية في المشروع الخاص،وعندما انتعش الاقتصاد،نمت وبقوة السمات الليبرالية الكلاسيكية لليبراليته الاجتماعية . اولن توقّع الاقتصاد المؤسسي الجديد عندما اوضح بان المؤسسات تصنع "قواعد اللعبة" لكي تقلل من تكاليف الإجراءات. ميردل عبّر عن افكار مشابهة في مقالته الافتتاحية.

مصادر الإلهام

نادرا ما يشير الاقتصاديون السويديون الى مصادر الالهام. وهذا ليس غريبا طالما حججهم كانت قد طُرحت في النقاشات العامة والصحف. اولن كان استثناءً ومصادره كانت بريطانية فقط. الكيفية التي صاغ بها الآخرون افكارهم هي أكثر او أقل غموضا. كاسل وميردل، المدرب والمتدرب بقيا متشابهين في مجال واحد: كل منهما عُرف بالادّعاء كونه الأصل في معظم افكاره. احد الأسئلة التي يصعب الإجابة عليها هو ما اذا كان المعارضون للتخطيط واعين بنقاش الحسابات الاشتراكية المعاصرة. وفي اية حال، هم لم يشيروا الى مايسز او هايك. يجب على المرء ان يضع في ذهنه ان كاسيل وهيكشر كانا كلاهما اقدم من مايسز، واكثر قدما من هايك. كاسيل وهيكشر كافحا الاشتراكية منذ بداية القرن وربما لم يريا اية حاجة لإستيراد الحجج من الزملاء الشباب في دول اخرى. كاسيل بالذات كان سيء السمعة في عدم إعطاء الآخرين استحقاقهم،ولكن في مذكراته ذُكر معظم الناس الذين تفاعل معهم ولكن دون ان يكون معهم مايسز وهايك .هيكشر تبادل بعض الرسائل مع هايك ولكن فقط بعد الحرب العالمية الثانية.

مقارنة بين هايك ودربن

الى أي مدى استطاع السويديون تقديم حججا دائمة الصلاحية؟ سوف نقتصر على النظر في الحجج الرئيسية المترشحة من النقاشات السويدية حول أهم الحجج المؤثرة المضادة للاقتصاد المخطط، الطريق الى العبودية لهايك،والحجج المضادة له من الناقد  دوربن.

جميع الحجج الكبرى للسويدين المعارضين للتخطيط تظهر في كتاب هايك. اقتصاد السوق ليس فوضويا، لا مخطط مركزي يستطيع الاحاطة بكمية المعلومات التي يتولاها سعر السوق الحر، سلطات التخطيط غير قادرة على الفعل السريع بوجه تغير الظروف، البيروقراطية هي "كابح للعجلة"، تدّخل واحد سيخلق تدخلا اخرا في عملية تراكمية تقود للدكتاتورية.

بعض الداعين للحجج يمكن ايضا مقارنتهم بموقف هايك. رؤية ميردل للتخطيط كـ "كشيء غامض جدا" تتطابق مع قول هايك ان "فكرة التخطيط الاقتصادي المركزي تدين بجاذبيتها كثيرا الى غموض معناها". حجة ان التغيير التكنلوجي و العدد الكبير من الوحدات الاقتصادية يجعلان التخطيط حتميا هي حجة جرى نبذها من جانب هايك باعتبارها احدى "المغالطات الاقتصادية المألوفة". فكرة ان التخطيط ينبع من ذهنية هندسية لم يتم التحقق منها من جانب هايك، لكنه اعتبرها "ترسخت بفعل مشاكل المجتمع المتعلقة  بعادات التفكير الناتجة عن الانشغال بالمشاكل التكنلوجية".  

اخيرا، بعض المقارنات مع حجج دربن. نظر اولن وميردال الى التخطيط كشيء غير ناجح. دربن يقول ان "التخطيط لا يعني وجود خطة". اولن وميردل استجوبا صورة الاقتصاد الموجّه الشديدة والغامضة. دربن استجوب بنفس الطريقة صورة هايك لـ "المجتمع القاسي والصارم". اولن وميردل لم يريا التخطيط يقود الى الدكتاتورية. ولا دربن ايضا: "نحن لدينا تقاليد قديمة في نمو الديمقراطية مترافقة مع نمو فعالية الدولة".

يبدو ان الاقتصاديين السويديين كانوا متقدمين في انتاج جدال مع وضد التخطيط الاقتصادي. بعض الأسباب في تلك الصدارة تعود للثقافة السويدية القوية في ذلك الوقت في الانخراط الصريح والمفتوح  للخصوم المثقفين في المنتديات الرئيسية للخطاب العام. في مئات المقالات كاسل وهاكشر ناقشا مع ميردل واولن ، كل واحد منهم يدفع الآخر لشحذ وتوضيح الحجج لموقفه.

 

حاتم حميد محسن

.........................

More or less economic planning? Enduring Arguments from Sweden, Oct 5, 2020, Library of Economics and Liberty

 

 

سامي عبد العالأبرز ما يميز (فضاء النت network) هو وجود النصوص المضْغُوطة باختلاف تكوينها، لدرجة التداخل والتتابع مع بعضها البعض، بحيث يمكن استدعاؤها من أية نقطةٍ يريد المتفاعلُ. كذلك يمكن إلحاقها بنصوصٍ أخرى ومستويات تاليةٍ من التلقي. وهي نصوص افتراضية قابلة للقراءة والتدوير والحركة وانتاج المعنى بشكلٍّ مُذهل. ونظراً لخطورة الوسائط والوسائل الديجيتال تواصلياً، فإنَّ النص يلتحم بإمكانيات الوسائط وآلياتها الفنية. إذ يصبح النص نفسه بيئة فنية (تقنية technical) لخيال المتلقي بحسب إجراءات التفاعل وعملياته.

السؤال المنطقي عندئذ: ما الجديد الذي يقدمه النصُ بهذا التكوين؟ ولماذا يعد النّصُ فعلاً تواصلياً إنتاجياً؟ وما علاقة النص بالوسيط التقني؟ وكيف يكتسب سمات الافتراض بكل آلياته ومعالمه؟

النص الافتراضي virtual text هو علامات وصور ورموز وأيقونات دلالية في واقع إلكتروني متعدِّد الأبعاد. إنه أشبه بمرايا متقابلةٍ، متناثرةٍ، متشظيةٍ، متداخلة بحركتها الدائرية. ذلك على غرار ما نتابع النصوص ضمن المواقع والمدونات وصفحات التواصل والفضاءات الثقافية الافتراضية. إذ تعتبر المواد المقروءة خيوطاً عنكبوتية التفافية (شبكية) لا تنتهي. حيث قد تتداخل عناصر النص معاً لتتجاوز صورها المباشرة، طالما أنَّ ثمة تكملة نصية محتملة على الدوام. إذ لن تتقابل معانيها كمترادفات معجميةٍ خاضعة لإطار محددٍ.

إنَّ الأعماق داخل الكتابة الافتراضية هي الآفاق (القريبة والنائية) للمعنى. لأنَّ ثمة نصوصاً ضمنية هي نفسها المخزون اللغوي والسيميائي الذي بالإمكان استحضاره وتمثله على الفور. دوماً هي حاضرة في أي موضوع من الموضوعات لمجرد الاشتراك الدلالي مع الكلمات والتعبيرات والصور على الصعيد نفسه. وبهذا فإنَّ " الشبكة العنكبوتية" نصٌ واحد one text قادرٌ على الانزياح والتحول في آفاق القراءة، وفوق ذلك قد تنصهر تلك الآفاق جنباً إلى جنبٍ عبر إجراءات ووجوه التصفح المتعدد.

أما جوانب النصوص الافتراضية، فهي الجيُوب الدلالية خلف كلِّ علامة وإنْ صغرت أو دقّت عن الملاحظة. فليست هنالك إلاَّ الكثافة الدلالية المتولدة من مرات المشاهدة والمتابعات والقراءات التفاعلية interactive readings. لنتوقع في أيَّة مرة نأتي بالنَّص سيكون لدينا جديدٌ عن واقعه الافتراضي. فوجودنا الضمني المتنوع والمختلف مع المتفاعلين إنما هو جزءٌ من انتاجه لمعانيه الآخذة في التشكُّل. بالتالي تعتبر النصوص الافتراضية مواداً متزايدة مع طاقة الوسائط والتفاعلات والتعليقات. فـ"الفيس بوك"- على سبيل التوضيح - غداً نصوصاً وراء نصوص بفضل التواصل عبر الفضاء المتخيّل. وانتج معايير مختلفة عن تلك المعايير التي يتعامل بها الناس خلال واقعهم المعيش. حتى وإن اعتبرها النقادُ معايير ليست كافية لبلورة صورة متماسكة عن لغة الكتابة الإلكترونية ولا عن مفاهيم القراءة المواكبة لها.

الحقيقة أنَّ قارئاً إزاء ذلك الوضع (يكتب)  في الوقت عينه الذي يقرأ. أي أنه يقرأ ويكتب معاً، القراءة هي الكتابة، لأنَّ القراءة حينئذ عمل خيالي هي الأخرى. ليصبح العالم رؤى، ذاكرة، رغبات، غرائر،  وهي أمور واردة داخلنا في التو أثناء التصفح والتفاعل، كأنها تُنقش في متن المقروء. وبخاصة أن الوسائك الديجيتال توحد رغبة المتصفح بالفعل المحتمل على مستواها. فالنص عندئذ لا يغيب، لا حدود له، لا خارج يند عنه دون إمكانية استحضاره مرات لا تنتهي. إنَّه نص يخترق مجالك المعرفي الديجيتال أينما كنت. لأنك بضغطة لمسٍ- لا زر فقط- تستطيع تحويله غياباً وحضوراً وتهميشاً وتعليقاً ونقضاً وتقطيعاً وتوليفاً وتخييلاً وإدماجاً ومقارنة. فهو كنص ملك الجميع في الآن ذاته، ويصبح طليق الدلالة إذ تتشكل مع اللا توقًع في فضاء ممتد. وبذلك يغدو النص ألعاباً لغوية لها شبقها الخيالي وامتاعها النوعي.

ولأول مرة تصبح اللغة في حالة تّوحُد، تماهٍ مع طبيعتها المرغوبة لدينا مع إمكان الفكر. فليس ثمة كائن إنساني لا يتكلم، لا يكتب حتى وإنْ صمت. فاللغة تفترض سلفاً هذه القدرة على القول، كتابة الحرف، النقش، انتاج الدلالة. ذلك من جهة قدرتنا على التفكير. لماذا نتوقع من اللغة تلك الإمكانية القصوى؟ هذا الموضوع يطرح ما يلي: كيف نفكر من أقصى نقطة حول النص الافتراضي، أيِّ نص؟ ولماذا ستحطم صيغ النص الافتراضي المفاهيم التقليدية حول اللغة والمرجع والدلالة والتلقي؟ ذلك أن أثرى إمكانية في النص الافتراضي سيكون الوسيط medium، حيث يلتبس بالخيال موضوعاً وفعلاً وتلقياً على نطاق المواد والمعاني المطروحة.

الوسيط الديجيتال (النصي) في هذه الحالة ليس برانياً، لكنه يسكن تصوراتنا المثيرة والمدهشة إلى أقصى حدٍ. وبخلاف (النص الورقي) الذي يشترط الخيال لا حقاً وبواسطة مثير ليس غيره المسؤول عنه، جاء الوسيط الافتراضي نصاً مع النص، إنه المادة المضافة والتي لا نشعر بوجودها رغم التأثير الكبير لها. فالوسيط يتميز بهوامش تكوين المعنى من خلال عمليات التلقي. والوسيط كخيالٍّ هو المعبر عن المجال الذي يتسم بمعالم: الإيصال، الخلفية، الآلية، الحامل، التقنية techne، الإجراء، المناورة maneuver، الاستراتيجية. وجميعها لا تخلو من فن التوليف والتشابك والربط. وهذه العمليات بمثابة اكتشاف مهول لطاقة الوسائط الإلكترونية على الإنكتاب.

حيث سيجيء الوسيط صفحةً فضائيةً متخيلة وإضاءات وصوراً وأيقونات وشرائط إعداد وألواناً كتابية. فكل ذلك بإمكانه تهيئة النقش الإلكتروني. لقد أزاح الوسيط ألواح الكتابة التقليدية، البرديات، الأحجار، الجدران، القماش، الأوراق. وهذه المواد كانت ذات تاريخ بحسب السائد في أدوات النصوص وسلطتها. فالنص كان رمزاً لسلطة تراه معبراً في المقام الأول عن جوهرها. هكذا جاءت النصوص المقدسة والوثائق السياسية والعقود ذات الأهمية الاقتصادية والكتابات السرية للمذاهب والنِّحل حيث كانت لها مادتها المخصوصة.

وربما اختلفت المادة طبقاً لقوة السلطة وخطورتها في تاريخ النصوص. وهو ما يعكس كيف ستُقرأ لا حقاً؟ وما أهمية الاطلاع عليها من عدمه؟! كان الوسيط الورقي – وهو الأكثر تطوراً- قريباً من الوسائط الأخرى. فظل في حيز مادي ملموس. جعلَّه مقيداً بالمكان والزمان؟ وإنْ كان انتشاره قد زاد إلى حدٍّ كبير. واحتمل آفاق القراءة وفقاً لضوابط وآليات شائعة. لأنَّ المادة عادة وسيط لإنتاج سلطوي. بحكم أن المؤسسات والأنظمة المعرفية لم تدعها متاحة بسهولة. فالأوراق كانت حاملة للحروف بزخم القُوى الدلالية الفاعلة اجتماعياً. وهما علامتان لنفوذ تلك السلطة الناعمة من وراء حجاب.

فلم يكن الكُتَّاب رجالاً طُّلقاء دون مراقبة السلطة السياسية. كان الكتاب والوراقون وحاملو الأقلام يحظون لدى سلطة الأمراء والملوك والسلاطين في التراث العربي الاسلامي بمكانة قدرَ ما يوظفون انتاجهم المعرفي لخدمتهم. كحال الشعراء والأدباء والمؤرخين والرحالة والفقهاء الذين ينامون ويستيقظون تحت ظلال الحكام. حدث ذلك مع المتنبي وأبي تمام والغزالي وأجيال من الفقهاء الآخرين. لدرجة أنَّ (فيزياء النصوص)، فضاء الكتابة وحركتها في التراث العربي أشياء لا تُفهم بمعزل عن (فيزياء السلطة). لأنَّ قوتها (النصوص) تكمن بقوى خارجها تمارس هيمنة واستحواذاً، تستطيع تدجينها وفرض قيود على انتشارها. وهذه جذور معضلة الرقابة في المجتمعات المعاصرة. وحتى بلاغتها جرت كبلاغة سلطة وعنف في المقام الأول. لقد كانت سلطة الأمراء هي المرجع الذي يسكن اللغة والخيال بحثاً عن الهيمنة على التداول اللغوي اليومي.

في النص الافتراضي، يتم تحرير الخيال وإطلاق العنان لقدراته إلى درجة بعيدةٍ. وأية مجتمعات لا تُحرر أخيلتها لن تجتر إلاَّ عبودية فكرية بغيضة. فالنص السابق يأتينا مفتوحاً على نسيج الوسيط الإلكتروني. وهو بهذا خارج الهيمنة الفكرية والأيديولوجية لعدة أسبابٍ:

1- أن فيزياء (النص الافتراضي) محددة فقط بمعناه وليست بقوة خارجية. الأداة فيها هي الخيال الفني القرائي، كما أنها عبارة عن فيزياء لغوية- تقنية إجمالاً. أي تنفتح المعاني على عوالم تواصلية أخرى باستمرار كلما كان انفتاحها حُراً من غير حدود.

2- لا شيء خارج النص nothing outside the text كما يقول جاك دريدا. فهذا الوسيط النصي بمواده يعتبر عالماً قائماً بذاته، إنه مصدر المعاني وتشكلاتها وهو الذي يتيح فهما مختلفاً أو قراءة مغايرة.

3- النص قابل للمقروئية readability الحُرّة بلا نهايةٍ، والمقروئية تصبح ممارسة متاحةً لكل متفاعل أيا كان. وهذا النص عكس المعالم اللاهوتية للنصوص، فالقداسة غير موجودة في الواقع الإفتراضي، يوجد الاختلاف وتجريد النص من مكانته ليغدو مقروءاً وكفى.

4- النص الافتراضي ضد الاستهلاك، لكونه يجسد عملية انتاج مستمر لذاته ولغيره من النصوص في الوقت نفسه. فلايستنفد امكانياته، بل على العكس يزيد وينفسح عمقاً وفهما كلما خضع لقراءات كثيرة.

5- القارئ للنص ليس مرتبطاً بسياقه الذي أنتجه. فالعالم الافتراضي يخترق الحواجز إلى حيث الإنسان فينا، وإلى حيث يكون قادراً على التأثير والتفاعل مع أقاصى الرؤى والأفكار.

6- القراءة عملية مثيرة لدرجة الإدهاش. وليس الحال كفيزياء السلطة التي تحدد سلفاً كيفية القراءة وأساليب الكتابة والتعامل مع الوثائق والنصوص. إن فيزياء النص الافتراضي قفيزياء عجائبية، هي فيزياء المستحيل الذي سيتولد عبر محاولات التلقي والتأويل.

7- هناك عمليات من التحور والتقلب والتفضية spacing كأبعاد للنص الافتراضي. مما يعني فقدان السيطرة عليه، لأنه لا يمتثل للمؤلف، فهناك متفاعلون غير محدودي الحصر، ومن حينه يغدو النص ابن الافتراض الديجيتال.

8- الدلالات النصية ليست واحدةً ولا ثابتة ولن تكون. فالنص علامة تصويرية قابلة للتداعي. والوسيط الالكتروني باستطاعته تجديد صورته من خلال الخلفيات backgrounds والإعدادات settings. وهي أمور ستؤثر على القراءة بطريقة من الطرق.

9-هناك تجارب من التكرار والإعادة والحذف والتكوين ضمن مواد الوسيط التواصلي communicative. وبهذا لن يتقيد (جسم النص) بقوالب التأليف التقليدية ارتباطاً بالمؤلف. وبخاصة أنَّ التدخل في النصوص بالتهميش أو التخليط أمر متاح تقنياً.

المهم أنَّ ذلك أوضح تطابقاً بين الوسيط الافتراضي وعمل اللغة. فالأخيرة هي نظام دال يزودنا بما نريد من الأفكار والأخيلة والأوهام. نظام يحضر في خلفية الكتابة والكلام مبرراً وجوده من القدرة على التدخل أثناء التواصل. فاللغة هي هذه الأسرار الصامتة وسط ضجيج الكلام اليومي. إنها التي تقوم بفرز محتويات العقل ومجالات التفكير. أليست هي (كما يذهب هيدجر) بيت الوجود language is the house of Being. وهي أيضاً صورة الحياة برأي فتجنشتين كما أنها النيجاتف الذي يحمل اشباح ما نفعل دون ضياع. لقد جاء النت، تلك الشبكة الخيالية، ترجمة خارج التوقع لتلك المفاهيم اللغوية. ولهذا من يُرِد فهم الآلية النصية للعالم الافتراضي عليه التعمق في أبنية اللغة بكل جنونها.

الغريب أن اللغة العربية من أبرز اللغات التاريخية، لكننا لم نستطع إلى الآن تحريرها من تراثها البيئي التقليدي. وهذا ما يجعلنا نفكر بذهنية سيبويه والخليل بن أحمد الفراهيدي وعبد القاهر الجرجاني. وحتى هؤلاء نأخذهم تقليداً واحتذاءً لا ابتكاراً لما تركوه من جديد. فرغم التطورات المبدعة للنص الافتراضي، إلا أننا لم نستفد من ذلك في قراءة التراث من منظور كوني خارج النِّحل والهويات القاتلة. ولم نطرح رؤى فلسفية تخاطب الإنسان كأنثروبوث (كائن ذو وجه)Anthropos    داخل العالم. فقط كانت لنا (أقفية) نكشفها للتطور الإنساني مع تحولات التاريخ. السبب على ما يبدو أنَّ خيالنا مازال متحجراً. التقاليد قد أكسدته بعبارة الكيمياء. فالعالم الافتراضي ليس عالماً محنطّاً وراء أضابير الماضي، بل يتطلب تحرير العقل واللغة.

 

د. سامي عبد العال

 

محمود محمد عليلقد ظن قاطنو كوكب الأرض أنهم قد بلغوا سن الرشد الحضاري، حين أسسوا منظمة تجمع بين الأمم المختلفة، والحضارات، والثقافات المتمايزة، وتوحد بينها، كما اعتقدوا أن هذا الجهد قد كلل بالنجاح الساحق، حين أدت هذه المنظمة، بروعة فائقة، دور الأم التي تحملت مخاض ولادة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أي إنسان، بغض النظر عن الجنس، والعرق، والدين؛ فأخذت دعوات الحوار بين الحضارات والثقافات في الانهمار، لرأب الصدع، وردم الفجوة فيما بينها، وتشييد جسور التعاون والتفاهم، وغسل الذاكرة من رواسب الكراهية المتبادلة . إن الإسلام أصبح أخيرا هدفا منشودا بامتياز ويتمتع بالدعم .

بيد أننا اعتدنا علي أن دعوات الحوار تلك لا تلبث أن تخبو ويخفت بريقها لصالح أطروحات الصراع والجدال بالتي هي أسوأ . حينها تغيب الحكمة عن الساحة، ويدفن العقل تحت أطنان الحقد الأعمي، وتزكم الأنوف برائحة بارود الإرهاب، فتُجيش الجيوش، وتُبني التحالفات، لتجفيف منابع الخطر والتهديد، فتغدو النتيجة أن يُطهي مستقبل شعوب دول بأكملها في أتون الفتنة الطائفية والنعرات المذهبية، وتصبح النتيجة أن ينجح دعاة الكراهية في اعتلاء المزيد من المنابر ليعلنوا لنا أن الرأي مسألة داخلية لا يمكن إدراكها إلا بخروجها عن طريق التعبير عنها، ومن ثم لا يمكن وضع ضوابط لنتاج عمل العقل ما دام هذا النتاج لم يخرج للعلن، لأن الفكر محجوب عن حواس الآخرين، لا يمكن رصده، وبالتالي لا يستطيع بشر أن يحاسب بشراً عليه، ولا يوجد قضاء معتبر يحاسب على النوايا كما هو معروف، فحرية الرأي إطلاقها لا يكون إلا في عالم صاحب الحواس فقط. وينبغي ألا تتعدى حرية التعبير نطاقها، فإذا اعتدت حرية التعبير على الأخلاق أو الآداب أو النظام العام، أو تجاوزت حدود الفضيلة وجب ردها إلى أعقابها، فإذا منع الفرد من الخوض فيها فهو بذلك منع من الاعتداء ولم يحرم من حق، ولا يجوز بدعوى حرية الفكر - الطعن في مسلمات أقر عليها علماء الشريعة الإسلامية، ذلك أن حرية الفكر ينبغي ألا تطول أصولاً ثابتة ويغدو من الشطط الفكري إنكار وجود أحكام قطعية الثبوت، والدلالة أو الطعن فيها إذا انعقد الإجماع الشرعي والقانوني، على أن الاجتهاد فيها ممتنع، لأنها تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية وأصولها الثابتة، التي لا تحتمل تأويلاً ولا تبديلاً.

ولذلك ينظر دعاة تلك المنابر إلى أن ازدراء الأديان يعد ضربا من ضروب تحقير الأديان السماوية ومهاجمة السنة والإساءة للصحابة وإلصاق الاتهامات الجزافية للصحابة وآل البيت وأمهات المسلمين، ليس فقط كذلك، بل أو الإساءة لأي دين سماوي آخر، إما بإنكاره، أو محاولة تكفير معتنقيه، والآراء المتطرفة والمتشددة التي تتبرأ منها جميع الأديان السماوية في إقرار التعامل بين البشر.

كما يؤكد أصحاب تلك المنابر أن معني كلمة ازدراء في معجم اللغة العربية هو الاحتقار، والقانون يعرف جريمة ازدراء الأديان بأنها احتقار الدين، أو أحد رموزه، أو مبادئه الثابتة، أو نقده أو السخرية منه بأي شكل من الأشكال، أو إساءة معاملة معتنقيه، لأن مثل هذه السلوكيات هي التي تثير الفتن. ومن هنا، فإن الهجوم بأي شكل على كل ما يتعلق بالدين يعد ازدراء له، ولا يسمح به مطلقا، والقانون الجنائي يعاقب عليه. لذلك، فازدراء الأديان يعني العمل على تحقير المعتقدات والرموز الدينية الخاصة بما يقلل احترام المجتمع لها. فالسلم المجتمعي هو الركيزة الأساسية في استقرار الدولة، والمعكر الأول لصفو هذا السلم هو انتقاد أديان الآخرين والمعتقدات الدينية لهم، وهو ما يجب أن يقابل بكل حزم وشدة في الدولة التي تسعى إلى الاستقرار والسلم بين مواطنيها.

وفي نظر أصحاب تلك المناير تتمثل جريمة ازدراء الأديان في استغلال الدين في الترويج لأفكار متطرفة، بأي وسيلة كانت، مثل الكتابة، والتصوير، أو النشر، أو القول، أو ترديد الشائعات، وغير ذلك من وسائل العلانية في نشر هذه الأفكار المتطرفة، بهدف إثارة الفتنة أو الإساءة لأحد الأديان السماوية بهدف الإضرار بسلام المجتمع وأمنه ووحدته الوطنية .

وهنا أعلق عن كل ما سبق فأقول: ردّة هنا. وتجديف هناك. زعزعة عقيدة هنا وإخلال بالسلم الأهلي والوحدة الوطنية هناك. تعددت التسميات والتهمة واحدة. هي ازدراء الأديان. تهمة فضفاضة تتأرجح بين احترام المعتقد وحرية التعبير. وفيما يتمسك بها الكثيرون نصرة لعقائدهم، يشبهها آخرون بعصا السلطات السياسية والدينية. ونحن نسأل: الم يحِن الوقت لشطب هذه التهمة من الدساتير؟ هل الاعتداء على فكرة ما يعني بالضرورة التعدي على مَن يؤمن بها؟ وماهي الحدود التي تفصل النقد عن التحقير؟

وللإجابة على هذا أقول: هناك فرق بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وازدراء الدين، فالمادة القانونية (98 و) من قانون العقوبات المصري والتي تنص:" (يعاقب بالحبس ستة أشهر ولا تتجاوز خمس سنوات أو بغرامة لا تقل عن 500 جنية ولا تتجاوز 1000 جنية كل من استغل الدين في الترويج بالقول أو بالكتابة أو بأية وسيلة أخرى في أفكار متطرفة)، والخاصة والمتعلقة بازدراء الأديان، هذه المادة وُضعت لتكون حصن لحماية الوحدة الوطنية في مصر، ولكن للأسف وجدنا بعض المـأسلمين يتخذ من هذه المادة سيفا يشهرونه في ضد بعض المفكرين اليساريين.

إن هناك فرقا بين الدين والتدين، فالمادة القانوية تخاطب الدين، لكن الذين يحاسبون باسم ازدراء الأديان ويسجنوا بسبب التدين وليس الدين، وهناك فرقا بين الدين والتدين، فالدين قائم علي ثوابت، بينما الدين قائم على متغيرات، وهذه المتغيرات شعارها المعتقدات والآراء والأفكار التي تخضع للخطأ والصواب، ولذلك علينا أن ندرك الفرق بين الدين والمفهوم فيه، وللأسف الدول التي تعاقب المفكرين باسم ازدراء الأديان تعاقبهم في المفاهيم والمعتقدات

وهنا لا أخجل في أن أقول بأن الإزدراء في شعوبنا العربية، تحول من مجرد كلمة إلى حبل مشنقة يلتف حول عنق كل مفكر يريد التجديد .. جاليليو كان مزدرياً في زمنه، ومارتن لوثر كان مزدرياً في زمنه، وكل الأنبياء والعلماء تمردوا على أفكار عصرهم واُتهموا بإزدراء الأديان .

إن تهمة ازدراء الأديان سهلة التحضير مثل الوجبات التي تُحضر في دقائق معدودة، وهي بمثابة سيف يُظهره المتشددون ودعاة الدولة الدينية والمتعصبون في وجه كل معارض ومختلف ومخالف، وكل من يحاول التفكير، فهي سيف يُشهر في وجه المبدعين والباحثين والكتاب والسنمائيين .. الخ .

نعم هناك تهمة جاهزة الآن اسمها ازدراء الأديان، فباسمها يجرجر المفكر والفنان والأديب إلى ساحات المحاكم وغياهب السجون بكل سهولة، بل وبكل راحة ضمير .. تارة باسم تحطيم الثوابت، وتارة أخرى بإنكار المعلوم من الدين بالضروة .

وقانون الإزدراء مطاط، والتهمة ضبابية، والضحية هو كل من يريد طرح الأسئلة على التراث الذي يريدونه محنطا، والسؤال الآن: هل كل انتقاد للفكر والتاريخ الديني هو ازدراء أو تحقير؟

وللإجابة عن هذا نقول: منذ قُدم "طه حسين" للمحاكمة ومن بعده "علي عبد الرازق" و"عبد المتعال الصعيدي"، ومن بعدهما كل من المفكر العربي الراحل صادق جلال العظم والمفكر المصري الراحل أيضا عاطف العراقي للمحاكمة بتهمة ازدراء الدينين الإسلامي والمسيحي، لم تتوقف محاكمات الفكر في تاريخنا المعاصر، وطالت قضايا ازدراء الأديان عددا كبيرا من الكتاب والباحثين والشعراء والأدباء، الأمر الذي بلغ ذروته مع صعود النزعة الإسلامية فيما عُرف بعصر الصحوة، فحُوكم الشعراء: "حامد وحلمي سالم" وخرجت المظاهرات تندد بالمغربي "محمد شكري" والسوري "حيدر حيدر" وتسارعت وتيرة قضايا الحسبة ليفرق القضاء بين نصر حامد أبو زيد وزروجته ويزيقا غريمه عبد الصبور شاهين من الكاأس نفسه عقب الجدل الذي أصاره كتابه " آبي أدم قصة الخليقة بين الأسطورة والحقيقة".

وتفاقم الأمر في ظل وجود مرجعية قانونية تسخر بقوانين الردة والتجديد ومناهضة الازدراء، ولم تجد المؤسسة الدينية (الأزهر الشريف) حرجا في مناصرة مثل هذا النوع من القضايا، بينما وُضعت الدولة في حرج بالغ، إزاء حوادث تواصل الاغتيال الناتجة عن الاتهام بالازدراء بداية من "فرج فودة" وصولا إلى ناهض عمر في الأردن، مما دفع الكثيرين إلى المطالبة فيما سموه بالمهزلة، في حين ما زالت المؤسسات الدينية تصر على موقفها .

وفكرة ازدراء الأديان لم تكن وليدة البيئة العربية – الإسلامية، وإنما خرجت من رحم الثقافة الغربية، فقد كانت تمثل أداة قمع كلاسيكية معروف في أوربا كانت لها مثيل في وقت سطوة الكنيسة في أوربا، حيث محاكم التفتيش التي كانت تحرق الساحرات والمهرطقين والمجدفين وأصحاب الديانات الأخرى، والعلماء ؛ حيث ذهب بعض كتاب القرن الثامن عشر الذین مهدوا للثورة الفرنسية إلى أن الديانات والقوانین ما هي إلا قوانين مستحدثة، وأغراض طارئة على البشر، حتى قال فولتير:إن الإنسانية لابد أن تكون قد عاشت قرونا متطاولة في حیاة مادیة خالصة، قوامها الحرث، والنحت، والبناء، والحدادة، والنجارة قبل أن تفكر في مسائل الدیانات والروحانیات، بل قال: إن فكرة التأليه إنما اخترعها دعاة ماكرون من الكهنة والقساوسة الذين وجدوا من یصدقهم من الحمقى والسخفاء.

قد يكون لفولتير عذره فيما يقول لكون هذا الكلام وهذه النظرة ما هي إلا انعكاس ورد فعل طبيعية لواقع مرير شهدته أوربا من استبداد الملوك، واستعبادهم لشعوبهم، وتحالفهم مع الكنيسة التي صارت أقبية للظلم والطغيان، ومنتجا للأوهام والخرافات، ومسوّغا لسياسة الملوك الظالمة باسم الدين.

وقد انتقلت فكرة ازدراء الأديان في الشرق الإسلامي من خلال محاكم أفظع وتُهم أكثر وأقوى، وتبقي تهمة ازدراء الأديان، وكانها ليست مختصة بالأديان الإبراهيمية فقط، فكلنا نعرف محاكمة سقراط مثلا وإجباره على تجرع السم بتهمة إفساد شباب أثينا، لكن يظل، رغم أن التاريخ والحاضر يحفلان بقصص عنف وقمع وقتل وحرق واعتداء على المخالفين بدعي أنهم يزدرون الأديان، إلا أن واقعنا العربي الإسلامي كأنه لم يبرح هذه القرون أبدا، حيث كنا في البلاء سواء، فالعالم كله والإنسانية كلها قد مرت بفترات طويلة من ملاحقة الناس في أديانهم وأفكارهم، وخرج الجميع من الوهدات ومشوا في طريق الحضارة، إلا نحن حيث نكون مصرون علي البقاء في هذه الوهدة، ولا نريد أن نبرحها أبداً .

ففي القرن الماضي لُوحق أكثر من كاتب وأديب ومفكر بتهمة ازدراء الأديان والإساءة إلى الإسلام ببلاغات ودعاوى قضائية أقامها بعض المشايخ والمحامين ممن نصبوا أنفسهم مدافعين عن الإسلام، وبموجب هذه الاتهامات قتل فرج فودة كما ذكرت من قبل وتعرض الأديب العالمي " نجيب محفوظ" لمحاولة اغتيال نجا منها بأعجوبة .

وبعدما شاهدت مصر قضية هزت الرأي العام واهتم بها العالم كلة وهي قضية تفريق الدكتور "نصر حامد أبو زيد" عن زوجته بحكم قضائي بعد اتهامه بالردة والإلحاد بسبب أبحاثه العلمية، استنادا أنه لا يجوز للمرأة المسلمة الزواج من غير المسلم، وأُخطر الزوجان بالسفر إلى هولندا هروبا من فتاوى التكفير وإهدار الدم.

كما لُوحق الدكتور "سعيد العشماوى" ورئيس المحكمة السابق، والأستاذ "سيد القمني" بنفس الاتهامات، وتعرض لحملات تكفير ودعاوى قضائية متعددة، وفي أقل من ثلاثة أشهر في العامين الماضيين حُكم على سبعة مواطنين بتهمة ازدراء الأديان ؛ وهم الباحث إسلام البحيري، (والذي حُكم عليه بالسجن لمدة عام، والذي دعا لمراجعة المناهج التي قامت عليها كتب الحديث، وطرق جمع الأحاديث وتصنيفها وشرحها، وذلك على أساس أن هذه الكتب هي نتاج اجتهادات الباحثين، في أطار ما كان متاحا لهم من معرفة في زمانهم، بينما أتسع نطاق البحث العلمي وأدواته في عصرنا الحالي بما يستلزم أعادة النظر في كل هذه المراجع، وسرعان ما رفعت دعاوى قضائية ضد البحيري تتهمه بازدراء الأديان، وأدين بالفعل بهذه التهمة استنادا للمادة 98 من قانون العقوبات المصري، وقالت المحكمة في حيثيات حكمها أن البحيري تعدى على أئمة الإسلام، "وأستغل برنامجه التلفزيوني للترويج لأفكار متطرفة بقصد أثارة الفتنة وتحقير وازدراء الدين الإسلامي الحنيف")؛ وأربعة أطفال مسيحيين، ومدرسهم الذين قلدوا صلاة المسلمين في مسرحية تهكموا فيها على تنظيم داعش.

وأخيرا وليس آخرا حُكم على الكاتبة الصحفية "فاطمة ناعوت" بالسجن لاتهامها بوصف أضحية عيد الأضحي بالمذبحة ورؤية سيدنا إبراهيم على أنها كابوس، وهو ما نفته ناعوت .. مثقفون وسياسيون ونخبة اعتبروها للأحكام اغتيالا لحرية الإبداع والفكر، بينما اعتبروه آخرون حماية من الأديان من التطاول والاستهزاء.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمد الربيعي وسبعة مقترحات لابد ان تطرقها الوزارة الجديدة

في حين أن الأمية هي أهم مشكلة يواجهها التعليم الأساسي، الا ان جودة التعليم والتقييم هي مشكلة رئيسية أخرى يواجهها التعليم في العراق. إن القول بأن نظام التعليم في العراق محفوف بالتحديات الكبيرة لن يكون دقيقا. بدلاً من ذلك، من الضروري أن نكون صريحين وأن نقول إن العراق يواجه أزمة تعليمية خانقة. كنت قد كتبت سابقا مقالة عن دور نظام التعليم في ابقاء العراق في المستنقع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي المتزايد وتطرقت فيه الى المشاكل المرتبطة بنظام التعليم كالفساد الإداري، وانعدام الكفاءة والافتقار إلى الموارد الكافية، والسياسات التربوية والتعليمية الخاطئة، ونظام الجودة الضعيف، وسوء المرافق التعليمية، ونقص كفاءة المدرس، والمناهج القديمة وغير الملائمة للتعلم الحقيقي (المدى، عدد 5056)*. خلصت الدراسة الى ان هناك حاجة ملحة للاصلاح ولهذا الغرض قدمت عدة مقترحات مهمة والتي يمكن اعتبارها حجر الاساس للمقترحات التي تتضمنها الدراسة الحالية ومكملة لها، لذا من المهم الاطلاع على تلك المقالة للتوصل الى صورة متكاملة لحجم التحديات والمخاطر التي تواجه التعليم في العراق.

مقترحات تطوير العملية التعليمية 

تعكس الارقام والحقائق قضيتين مركزيتين في قلب الأزمة التعليمية في العراق: أولاً، النظام التعليمي الحالي لا يلبي حاجة طلابنا الى التعليم. ثانيا، انعدام الثقة في نظام التعليم عند الاباء والمدرسين والتربويين، مع الأخذ في الاعتبار أن الواقع يشير إلى أن معظم الطلاب يفتقرون إلى فهم اساسي في اللغات والرياضيات.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ الاستنتاج بنبرة يأس. هناك أمل في أن النظام يمكن أن يتحسن إذا تم اتخاذ تدابير معينة. في هذا الصدد، أود أن أقدم سبع مقترحات كأضافة لما تم طرحه سابقا من مقترحات لابد ان يطرقها الاصلاح، وهي على النحو التالي:

المقترح الاول: دعم التدريس والتعلم

برأي، إن الخطوة الأولى نحو بناء نظام تعليمي أفضل في العراق تتم من خلال توفير المستلزمات المادية والمعنوية للمدرسة والجامعة. يمكن تحقيق ذلك في المقام الأول من خلال اتباع منهج شامل وطني جديد يبنى على اساس خطة استراتيجية للتعليم (المدرسي والجامعي) وتطوير المناهج الدراسية بناءً عليه. يجب أن يكون المنهج الدراسي مجهزا لتحقيق مخرجات التعلم للطلاب واهداف التعلم، والتي تحدد بوضوح ما يجب أن يكون عليه الطالب في كل موضوع معين. وبالتالي، فإن المنهج سيكون بمثابة دليل لكل من الطلاب والمعلمين لتحديد المواد التي يجب عليهم تغطيتها كجزء من تعلمهم، ويمنع الاعتماد على كتاب مدرسي واحد. ويمكن لهذا المنهج من تحقيق تحسين مستمر لجودة الخدمات التعليمية، من خلال توفير مفردات معاصرة، وتكنولوجيا ملائمة، وأنشطة تربوية فنية ورياضية، ومعلمين كفوئين، وادارة فعالة في كل مدرسة، وفرص للتنمية المهنية لكل معلم و إداري ليتقدم ويتميز.

المقترح الثاني: ضمان جودة الامتحانات

لضمان جودة الامتحانات، من الضروري إجراء عملية ضمان الجودة لتطويرها. يجب أن تضمن هذه العملية التوافق الكامل مع المنهج الدراسي، وتضمن الإنصاف وتحسينها أثناء عملية التطوير. يجب تطوير العمليات لضمان أن الامتحان يقيس قدرة الطالب بما يتجاوز المعرفة المبنية على الحفظ والاستذكار مثل فهم المفاهيم وتطبيقها وتركيبها وتقييمها وحل المشكلات، وهذا ما سيؤدي الى تقييم عادل لاداء الطالب في كل مستويات التعلم. التكرار لنفس الأسئلة على مر السنين عمل سيئ يتيح مساحة للطالب لتدوين إجابات التعلم، لذلك، يجب التقليل من هذه الممارسة وهذا بدوره سيقلل من ظاهرة منح نسبة كبيرة من الطلاب بصورة غير عادلة درجات كاملة. علاوة على ذلك، من الضروري التأكد من وجود عدالة لجميع الطلاب في بناء الامتحانات، مما يعني مراعاة الخلفيات والظروف المتنوعة التي يواجهها الطلاب.

المقترح الثالث: التأكد من جودة بيانات التقييم

مثلما توجد حاجة لضمان الجودة في بناء الامتحان، هناك حاجة أيضا لضمان جودة بيانات التقييم للحصول على تقييم موثوق به وصحيح وعادل أيضا. يتم تحقيق ذلك بشكل أساسي من خلال تحليل سايكومتري شامل ينظر في استجابة كل عنصر من عناصر الفحص لتعزيز عملية ضمان الجودة. لهذا الغرض، يجب وضع قواعد للتقييم أو مخطط معياري لمنح الدرجات لكل ورقة امتحان لتقليل تأثير التحيزات الشخصية من جانب الممتحنين وضمان وحدة مستوى الفهم حول كيفية منح الدرجات بغض النظر عمن يقوم بعملية التصحيح. يجب أيضا إجراء تحليل شامل بعد الامتحان لتحديد مسار الدرجات لضمان العدل في التقييم بين المحافظات او المناطق او المدارس قبل نشر النتائج.

المقترح الرابع: ضمان العدل والشفافية في إجراء الامتحانات

إن الغش وتسريب أوراق الامتحان يهدد السلوك العادل والشفاف في اي امتحان لذا يجب ايقافها بكل ما يمكن من اجراءات وادوات. ويمكن استخدام التكنولوجيا لمكافحتها. على سبيل المثال، يمكن أن تقطع مراقبة الانترنت ومنع دخول الاجهزة الالكترونية في قاعات الامتحانات شوطا طويلاً نحو منع الغش أو السلوك غير السليم في الامتحانات، وتغرس أيضا شعورا بعدم التسامح مطلقا تجاه أي نوع من الممارسات الفاسدة بما في ذلك سلوك المعلمين غير الاخلاقي في تسهيل الغش الجماعي. هناك حاجة إلى تدريب ودعم المشرفين والمراقبين بشكل صحيح في إجراء الاختبارات، مما يسمح للأفراد الأكثر خبرة بالإشراف على سلوكهم. لا تخلق مثل هذه الممارسات الجيدة ثقة المجتمع فحسب، بل تمنح المصداقية أيضا للشهادات، وتغرس روح المواطنة والنزاهة، ونبذ الغش، وتفهم أسس العدالة من حقوق وواجبات و شعور بالمسؤولية تجاه الوطن والمجتمع.

المقترح الخامس: تحسين جودة التعليم والتعلم

في حين أن دعم التدريس والتعلم ضروري، من المهم أيضا التأكيد على أنه يمكن تكرار كلتا العمليتين وتحسينهما باستمرار. تتمثل إحدى الطرق الرئيسية للقيام بذلك في قيام الهيئات العليا بتقديم ملاحظات منتظمة للمدارس في شكل تحليل شامل ومنهجي للإنجازات والنتائج المدرسية. يمكن لهذه الملاحظات والتعليقات أن تقارن أداء كل مدرسة مع المدارس الاخرى وكذلك لاداء كل مجموعة مدارس في منطقة مع مجموعة مدارس في منطقة اخرى وتقدم تفسيرا لهذه النتائج جنبا إلى جنب مع اقتراحات حول المجالات التي قد تكون فيها المدرسة قادرة على التحسين. بشكل جماعي، يمكن أن تكون البيانات من مدارس متعددة ذات اهمية أيضا الى دوائر التربية الحكومية لأنها توضح الاتجاهات في فهم الطلاب وكذلك أداء المعلم عبر مجموعة واسعة من المدارس.

المقترح السادس: خلق صفوف تفاعلية من خلال دعم المعلمين

نظرا لأن المعلمين يلعبون دورا محوريا في ترجمة المناهج المحددة داخل الصف الدراسي لتحقيق نتائج التعلم، يجب أن يكون هناك دعم مستمر للمعلمين والمدرسين يركز على المحتوى والأساليب التربوية. وهذا يشمل التعلم من خلال الملاحظة الصفية لتحديد المجالات التي يمكن أن يتعلم منها المعلم وتحسين عمله. يساعد التدريس بالطرق التفاعلية إستيعاب الـطلاب للمعلومات الجديدة، خـاصة تلك المواضيع التى يدرسها الطلاب لأول مـرة. كما أنه يخلق نوع من النشاط والتعاون بين الطلاب من جهة وبينهم وبين المعلم من جهة اخرى لذا من المهم التركيز على تطوير صفوف دراسية جذابة وتفاعلية تزيد من اهتمام الطلاب وتشوقهم للتعلم ومشاركتهم في الموضوع، مما يؤثر بشكل مباشر على تعلمهم وأدائهم.

المقترح السابع: اتخاذ قرارات مستنيرة

تعد كمية كبيرة من البيانات المكتسبة من خلال التقييم مصدرا جيدا لإجراء بحث كمي لتطوير رؤى جديدة حول كيفية تعامل الطلاب والمعلمين مع منهج التعلم وتحديد المشاكل الشخصية والجماعية التي يواجهها الطلاب. يمكن استخدام هذه البيانات البحثية القائمة على الأدلة لاتخاذ قرارات مستنيرة بشأن مسائل مثل تحديد الثغرات والتعلم من الأخطاء وتطوير استراتيجيات التدخل او الحلول. علاوة على ذلك، يمكن أن توفر عملية مشاركة نتائج ألابحاث أيضا فرصا تعاونية للهيئات التعليمية للتنسيق والتعلم من بعضها البعض ويتيح فرص افضل للتعاون بين الكليات التربوية والمدارس لغرض الارتقاء باساليب التعلم وبث روح الجدية والمثابرة وتعميق روح الاحساس بالمسؤولية تجاه الوطن والمجتمع.

في نهاية المطاف، يعتبر العامل الأكثر أهمية نحو تحسين التعليم في العراق هو الجهد التعاوني على مستويات متعددة بين الوزارتين (التربية والتعليم العالي)، والقطاعين الحكومي والاهلي، والهيئات التعليمية المختلفة بضمنها كليات التربية والجامعات. يجب أن يكون هناك اعتراف على المستوى الوطني بأن اصلاح وتحسين التعليم هو مسألة في غاية الاهمية واستثمار طويل المدى، وأن الطريق إلى الأمام سيتطلب قدرا كبيرا من  النزاهة والاخلاص والتضحية قبل رؤية الفوائد.

 

أ.د. محمد الربيعي

...................

* محمد الربيعي (21/09/2021) مشاكل التعليم في العراق وحلولها، عدد 5056.

https://almadapaper.net/view.php?cat=248527

 

 

 

قاسم المحبشيفي حوار مع الفيلسوف الفرنسي المعاصر «جان توسان ديزنتي بعنوان (الفلسفة.. ذلك الشغف الجديد) ورد إن الشغف الجديد هنا؛ يعني الفلسفة محددة‪ وقد استعادة عافيتها وعادت للتألق.. إن الفلسفة تعيش اليوم حالة انفجار لانها تفتقد‪ إلى مرتكز ثابت وإلى منطقة قابلة للكشف ومع ذلك لاتزال هي الطريق الصحيح للتفكير العقلاني في العالم اذا اردنا‪ ان نتجاوز التزمت الغريزي والتعصب الانفعالي، المدمر للعقل ‪ والوجود‪.فلا تنوير بلا فلسفة ولا تعايش وتسامح بدون حوار فكري فلسفي عميق، فهل ادركنا‪ اهمية الفلسفة؟

والفلسفة حوار مفتوح، حوار بين الأفكار والآراء حوار بين الذات‪ والآخرين، حوار بين الشعوب والثقافات، حوار خصب غايته البحث عن الحقيقة والمعنى في‪ عالم يكتنفه الغموض والفوضى واللامعنى أنها حكمة الشعوب التي تروي ملحمة المغامرة‪ الانسانية وصيروتها على هذه الأرض.

ويكفي الفلسفة فخراً وسمواً أن معناها الحرفي هو«محبة الحكمة» «فيلو‪» حب «وسوفيا» الحكمة وهي إذ جمعت في بنيتها العميقة بين الحب  والحكمة فإنها حميمية‪ الصلة بالانسان أنها وليدة اقتران القلب والعقل ثمرة الزواج المقدس بين أقوى وأنبل‪ عاطفة انسانية «الحب» وأسمى وأجل مزية تميز بها الانسان عن الحيوان العقل «الحكمة‪» وفعل «أحب» اليوناني يعني وافق وانسجم أو تكلم بلغة العقل إلى الحكمة فمن ذا الذي‪ يكره الحكمة قال تعالى«وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم» البقرة الاية«216» وقال‪ عزوجل «ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً» البقرة‪ الآية«269‪».

على أي حال فمهما كانت مواقفنا من الفلسفة فهذا لاينقص من أهميتها وضرورة‪ استيعابها أن اردنا أن نفهم مايدور في عصرنا‪.إن علاقة الفلسفة بالانسان هي علاقة حميمية لازبة، إذ هي موقف الانسان‪ الكلي ازاء الكون والحياة والتاريخ وهي نظرة عامة إلى العالم، هي تجاوز الانسان‪ الدائم لذاته وأني لأرى أن الحقل الفلسفي هو الانسان بما هو علاقة متعددة الابعاد‪ والعناصر وإن كل مشكلة لايمكن تصورها إلى نسبة إلى الانسان وكل مايتصل بالعالم‪ فلسفياً هو العالم الذي فيه الانسان أنها معرفة الانسان بذاته ولذاته.. هي تساؤل‪ الانسان الدائم عن الحقيقة المتخفية وراء مظاهر الاشياء هي سؤال عن المعنى معنى‪ الوجود معنى الحياة، الزمان والمصير، والخير والشر، والعدل، والحق هي تحليل نقدي‪ للحياة بما هي وجود ومعرفة وسلوك ماذا أكون؟ ماذا أعرف؟ ماذا‪ أفعل؟‪.الفلسفة تساؤل مستمر وتاريخها هو تاريخ السؤال الفلسفي لكن سؤال الفلسفة‪ ليس سؤالاً محايداً ذلك لأن واضع السؤال أي الانسان متضمن وعالق فيه، وهذا هو سر‪ الدهشة والقلق الملتهب الذي عده أفلاطون أهل كل تفلسف، ولأن الفلسفة تساؤل والتساؤل‪ يقوي الفكر حسب «هيدجر» فمن السذاجة التبشير بأفول نجم الفلسفة، فمادام بقي الانسان‪ حياً يرزق وقادراً على مباشرة التأمل والتفكير والتساؤل والاندهاش فالفلسفة في‪ ازدهار دائم ذلك لأنها صبوة الانسان وشغفه المتعطش باستمرار‪ للمعرفة‪.بيد أن سؤال الفلسفة ليس سؤالاً أبديا مغلقاً طرح مرة واحدة وإلى الأبد بل‪ هو سؤال مفتوح متغير متجدد متجاوز لذاته باستمرار، ناف لصيغه ومشكلاته القديمة بصيغ‪ ومشكلات جديدة بقدر مايقرر التطور التاريخي من مشكلات ومهمات جديدة وتحديات مستفزة‪ للعقل والروح‪.

وإذا ما أردنا أن نعرف الفلسفة تعريفاً عاماً لقلنا إن الفلسفة هي محاولة‪ منهجية نقدية للتوصل إلى فهم أعمق وشامل بقدر الامكان للعالم والإنسان والأشياء‪ ، إذا لايكتف هذا الفهم بالاجوبة السريعة والجاهزة، وإنما يستعين بالنقد والتحليل‪ للوصول إلى مفاهيم عامة وأفكار شاملة وغاية الفلسفة الفهم بالدرجة الأولى، الفهم‪ والتعقل ويتصف هذا الفهم بالشمولية والعمق وموضوع الفلسفة هو الحقيقة، ليس بمعناها‪ الغامض واللامحدود، وإنما بمعنى كل مايتعلق بما يوجد ويدور حولنا من موضوعات واحداث‪ وعلاقات ويتميز البحث الفلسفي الجيد بالشمولية والتعميم والاتساق المنطقي‪ والواقعية‪. والفلسفة في الأساس هي نشاط أكثر منها معرفة، إنها طريقة في ممارسة‪ التفكير تتميز عن انماط التفكير الأخرى العلمية وغير العلمية بقدرتها على الاتصال‪ والانفصال، وموقفها النقدي من كل ماتفكر فيه، أنها نقد شامل وجذري للواقع والذات‪ والدواء والتصورات والأفكار والأوهام إنها الفكر الذي يفكر، بمعنى أنها كما يذهب‪ جيل دلوز.. ليست تفكيراً فحسب بل هي الفكر الذي يبدع المفاهيم وهي تفكير بواسطة‪ المفاهيم‪.

وبين الفلسفة والأدب علاقة عضوية منذ أسطورة جلجامش التي تُعَدُّ أوَّل نصٍّ أدبيٍّ فلسفيٍّ مُدوَّن في تاريخ الحضارة الإنسانية، إذ تجدر الإشارة إلى أن الأدب والكتابة ليسا مجرد قصة أو قصيدة أو رواية أو مقالة فكرية أو نقدية نقرؤها للمتعة والتسلية ثم نتركها وننساها، بل هي روح الثقافة وسداها، والأدباء والكُتَّاب هُم ألق المدنية وذاكرتها، والثقافة بوصفها ذلك الكل المُركَّب الذي يُشكِّلُ تفكيرنا وخيالنا وسلوكنا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا تُعَدُّ الرهان الاستراتيجي لكل تنمية اجتماعية ممكنة، فضلًا عن كونها مصدرًا حيويًّا للإبداع والابتكار وتهذيب وتخصيب القيم الأخلاقية والجمالية الإنسانية وتنمية الذوق العام، وهي مصدر للطاقة والإلهام والتنوع والاختلاف والتسامح ورحابة الأفق والأنوار والتنوير والشعور بالهوية والانتماء وغير ذلك من وظائف الثقافة الحيوية. والأدب بكل اشكاله هو أقدم من الفلسفة، ويُعَدُّ أول نصٍّ مُدَوَّنٍ في تاريخ الكتابة ملحمة جلجامش التي جمعت بين الشعر والأسطورة. ويمكن القول إنَّ الأدب كان له الفضل الأول في تمهيد السبيل للفلسفة عبر الشعر والحكاية والأسطورة. ومن الإلياذية والأوديسَّة اليونانيتين وُلِدَت الأفكار الفلسفية في أثينا القديمة. وفي الشعر العربي من طرفة بن العبد إلى أبي العلا المعرِّي والمتنبي حتى محمود درويش تحضر الفلسفة بكل زخمها الميتافيزيقي؛ فلسفة الحياة والموت والوجود والعدم والحرية والاغتراب والعبث واللامعقول .إلخ من السمات البارزة التي اتسمت بها الفلسفة المعاصرة لاسيَّما الوجودية منها ما عرف بعلاقتها الحميمية بالأدب على خلاف النظم الفلسفية التقنية التقليدية والحديثة، إذ وجدت الوجودية في الأدب بكل فنونه المسرحية، القصة، الرواية، المقال الصحفي، الرسم، وكل وسائل التعبير الممكنة أشكالًا هامة لتوصيل الفكر الفلسفي. أدرك كامو وميروبنتي وسارتر وقبلهم هيدجر ومارسيل، أدركوا ما ينطوي عليه العقل الأدبي من إمكانيات خصبة وغنية من شأنها أن تعينهم في التعبير عن قلقهم الفلسفي الوجودي. ويعود بعض السِرِّ في انتشار وشيوع الوجودية في الوسط الثقافي الأوروبي والأمريكي والعالم أجمع الى ما زخرت به الأعمال الأدبية لسارتر وكامو كالغثيان، والذبابة، ودروب الحرية، والغريب، والطاعون.. من دلالات ميتافيزيقية ومزاج وجودي مشوب. بَيْدَ أنَّ العلاقة بين الوجودية والأدب ليست ذات بُعْدٍ واحد، بل إنَّ الوشائج التي تربطهما أفضت إلى تأثير متبادل بينهما. فإذا كانت الوجودية قد مارست تاثيرًا على الأدب والفن والثقافة المعاصرة، فإنَّ الأدب بدوره أثَّر تاثيرًا كبيرًا على إنضاج وتفتُّق واندياح المزاج والقلق الفلسفي الوجودي في أوروبا منذ القرن التاسع عشر تقريبًا. حيث يمكن القول: إنَّ القلق المحموم بشأن الذات المغتربة بدأ أوَّل ما بدأ في رحاب الأدب الحديث، وذلك مع زيادة وعي الإنسان وإحساسه المتوتر بالذات الفردية محاولًا فهمها. بَيْدَ أنَّ قلق الإنسان الحار لفهم ذاته ليس بالظاهرة الشاملة حتى يومنا هذا، ظاهرة تاريخية حديثة ظهرت في أوروبا بسبب النزعة الفردية، وازدياد مفهوم الإنسان لدى الإنسان، وزيادة وعي الانسان بالحرية وظمأ مقابل للحرية الواقيعة المفقودة. ويرى كامو" أن المسألة مسألة شعور بالذات متزايد الاتساع نشأ لدى الإنسان خلال مغامراته لتأكيد وجوده" وسوف نلاحظ أن الكثير من المشكلات التي اهتم بها كامو وأقرانه – كالذات والاغتراب، والحرية، والموت، والتمرُّد، والقلق . إلخ كانت مثار اهتمام أساطين الأدب الحديث أمثال "شكسبير، غوته، دوستويفسكي، هولدرين.. منذ ردْح طويل من الزمن، ولعل هذا ما حدا بهيدجر أن يكتب كتابًا خاصًّا عن الشاعر الألماني "هولدرين والشعر" مميطًا اللثام عن ما تنطوي عليه أشعاره من روح فلسفية ميتافيزيقية. فإذا كانت صرخة شكسبير على لسان بطل مسرحيته "هاملت" (نكون أو لا نكون) تنصح بتحدِّي العدمية والهجران في عالم غربت عنه الأصنام والآلهة. وهكذا بدأت الفلسفة آدبًا أسطوريًّا ثم أمّ للعلوم وفي الأخير عادت إلى الأدب لتجعل منه حصان طروادة لتسرُّب الأفكار الفلسفية. وإذا كانت الفلسفة ربيبة الدهشة بحسب أفلاطون فما هي الدهشة ؟ هي حالة شعورية تنتاب الكائن الإنساني في لحظة مباغته من تأمُّل العالم على نحو قصدي أشبه بقدح زناد الوعي المتسائل الحائر بإزاء ظواهر الوجود والحياة والموت.

  الدهشة حالة اغتراب الوعي الشقي، وكما كتب الفيلسوف العربي أحمد نسيم برقاوي " يعيش المثقف عادة حال الاغتراب الذي لا يفارقه طوال حياته الإبداعية. بل قُلْ إنَّ الاغتراب هو أسُّ التجربة الكتابية لمثقف أوتي أيَّ حظ من موهبة الإبداع. وآية ذلك أنَّ المثقف هو دائمًا ابن الممكن المتجاوز للواقع، ولهذا فهو يعيش تجربة المايجب أن يكون على نحو مستمر، يعيش تجربة التناقض بين أحلامه وآماله وواقعه، ويُعبِّر عن هذا التناقض في الفن والأدب والفلسفة، بوصفه مُتمرِّدًا، والتمرُّد هُنا هو التعيُّن الحقيقي لاغتراب المثقف".

  نَعَم، الدهشة لا تأتي إلَّا في لحظة اغتراب الكائن، إذ تجعله يرى العالم عن بُعْد بعكس القرب المُدْمَج، فأكثر الأشياء قُرْبًا مِنَّا هي أكثرها بُعْدًا عن فهمنا! فالغارق بالبحر لا يراه والغاطس في الغابة لا يراها، وكلما ابتعدنا مسافة عن الأشياء التي تغرقنا كلما استطعنا رؤيتها بوضوح أكثر وتمكنَّا من تقيمها وتقديرها كما هي عليه بالواقع لا كما نُحبُّها أن تكون! لذا قيل إنَّ الحُبَّ أعمى! لأنَّ المُحبِّين يقتربون من بعضهم حَدَّ الالتصاق والتوحُّد بما يجعلهم عميانًا عن رؤية بعضهم واكتشاف المميزات والعيوب.البعد يكشف والقرب يعمي. إنَّنا نحتاج إلى الفلسفة لكي نستطيع رؤية الاشياء التي نعيشها كل لحظة في حياتنا بحسب (روسو).

  والدهشة ليست مُجَرَّد تعجُّب، بل هي أشبه بالكشف والانكشاف، وهي بحسب (جان جرش) في كتابه "الدهشة الفلسفية" لحظة مفارقة في حياة الكائن يتفتح عقله لاستقبال إشارات الحقيقة سواء كانت تلك الحقيقة مرتبطة بالماديات أو بالإلهيات، فالإنسان العارف هو الذي يكون مندهشًا من أبسط وأقل الأشياء الموجودة في العالم، لأنه يرى الأشياء بمنظار الاندهاش، وهذا الاندهاش هو الذي يلهمنا لعبة التساؤل وسط غموض المعنى وصخب الحياة وتمظهراتها الحسية الانفعالية. وهكذا تعاود الفلسفة الحضور في كل عصر من العصور.

إن الفلسفة بموصفها حارسة العقل وصمام أمانه مدعوة إلى ان تسعيد وتعيد إلى‪ الانسان فضائلها الأولى وسوف تجعل من اهدافها تلك التي كان البادئون الكبار‪ الفلاسفة الرواد بعبارة هوسرل، قد وضعوها دائماً نصب‪ اعينهم‪.

‪- الجهل المكابر: الجهل الذي يجهل جهله ويدعي معرفة التمرس على ممارسة الاستئناس اي الدخول الدائم إلى بداية كل بداية. التواضع الفكري والشك المعرفي قيمة معرفية لايعلى عليها

فماذا نعني بالعقل؟ إنه "قدرة الفكر البشري على ملاحظة ومعرفة الأحداث بشرية كانت أو طبيعية في ماضيها أو حاضرها والقدرة، بعد ذلك، على التنبؤ بـها". إذا كان يلاحظ ليعرف ويعرف لكي يكون قادرا على التنبؤ، فمعنى هذا أنه ينطلق، منذ البدء، من الجهل. ولأن العقل يبحث عن الحقيقة انطلاقا من إقرار مسبق بالجهل كقاعدة عامة فإنه لا يتبنى ولا يزكي الأجوبة المعطاة، الجاهزة وهو ما يعني أن طريق العقل، على الأقل ضمن صيرورته الغربية، كانت طريقا لا دينية ذلك لأن اللاهوت يقفل ملف الحقيقة هذا بتنبيه لـ "حقائق منـزلة". إلا أننا سوف نرى أن ما كان عناصر مميزة للعقل سوف تنتهي له، بدوره، إلى نوع من اللاهوت.فاعتماده، في العصر الإغريقي، على مقولات المبادئ والعلل والماهية، سوف يجعله يعتقد، واهما، أنه بصدد إرساء أسس علم للفهم الخالص سوف يعمد، بعد ذلك بمصطلح النظرية. إن المقولات التي اعتمدها العقل، في بداياته، هي ذات طبيعة جوانية، بمعنى أنـها تتموقع، على الطرف الآخر، لما هو اختباري، باعتبارها "معرفة أسمى" الـهية الطابع واعتبار ما هو "اختباري" معرفة أقل سموا أي بشرية أساسا. نحن، إذن، في كل الفلسفة الإغريقية، بصدد لاهوت متخف.إذا كان العقل قد سيّج نفسه داخل مقولات جوانية حولته إخراجا مختلفا فقط للاهوت متأصل في الممارسة العقلية للإنسان، فهلاّ وجدناه مطلق السّراح في موضع آخر، ولم لا يكون هذا الموضع هو التفكير؟ لكن ماذا نعني به؟ إنه "قدرة الفكر على المزاوجة بين ملاحظة سلوكاته الذاتية" وسلوكات" الموضوعات الخارجية" السلوكات الذاتية للعقل هي عاداته وأعرافه أي، بكلمة، آليات اشتغاله. لكن لمعرفة هذه السلوكات لا بد من الإحاطة علما بصيرورة تطورها، وهو ما دفع إلى نشوء الجينيالوجيا (علم نسابة الفكر البشري). الوصول إلى هذه المرحلة من تملي العقل لنفسه مشروط بشرطين:

- أحدهما ديكارتي: القدرة على إصدار " أحكام جازمة" بعد تطهر العقل من كل معايير التحقق من الحقيقي السابقة، في وجودها، على ممارسة الذات للكوجيطو.

- ثانيهما كانطي: تطهر العقل من كل الأحكام اللانقدية حتى يكون أهلا لولوج "مصدر العقل" نفسه.وإذا كان هذا هكذا، فليس بوسع الفكر الديني، مثلا، الذي هو "أسير مقولاته اللاهوتية" أن ينتج عقلا يتوفر فيه هذان الشرطان، بل ولن يكون بوسع الفلسفة التي لم تتخلص بعد من " إيمانها العقلاني" أن تقوم بذات الشيء. غالبا وعندما يتساءل العقل عن مصدره، فإنه يتمثل جوابين: جواب فطري: العقل من الفطرة أو هو الفطرة ذاتـها"

لقد كانت الفلسفة لدى اليونان (ومازالت) هي الباثوث pathos، أي الاحساس الانفعالي المفرط الذي يحرك الانسان اندهاشاً نحو التساؤل الحر وكشف المعاني العميقة للحياة. والطفل من تلك الناحية لا يستنكف اندهاشاً متكرراً يأتيه كالبرق طوال الوقت ولو حدث مئات المرات تلو المرات. فليس يوجد كلل ولا ملل لدى الطفل من مشاهدة العالم كما لو لم يره من قبل. الدهشة الفلسفية الطفولية تعد حدثاً، موقفاً حياً، انتاجاً طازجاً حول الأفعال وردود الأفعال. وليست الدهشة فكرة صورية وجدت موضوعها اتفاقاً في هذا العالم التلقائي. لأن كل دهشة من هذا القبيل تلتقط دلالتها من رحم المعضلات التي تواجه الفكر. وبهذا تتميز تلك الدهشة بالأصالة الإنسانية. لكن: كيف سيجري ذلك الوضع، وما هي تداعياته لدى الأطفال؟

 

 

ا. د. قاسم المحبشي

 

 

عبد الله الفيفي(الأصول والهجرات والتلقِّي: مقاربات مقارنة)

لعلَّه يَحسُن التوقُّف أمام مصطلح (أُسطورة Legend)، لما يكتنفه من لَبسٍ وتداخلٍ في التداول العام. وأكثر أنواع النصوص تلابسًا والأُسطورة: (الخُرافة). ويُمكن التفريق بين مفهوم الأُسطورة والخُرافة، بالنظر إلى المقوِّمات الآتية للأُسطورة:

1- الأُسطورة قِصَّةٌ مسطورةٌ، أي مكتوبة، أو مرويَّة متوارثة بتواتر.

2- تقوم الأُسطورة على ما تقوم عليه القِصَّة، من: البطل، والمكان، والزمان، والحدث، إلَّا أنَّها تتَّكئ على الغيب والخوارق.

3- يُمكِن أن يحدث في الأُسطورة كلُّ شيء، من دون أن يخضع تتابعُ الأحداث، بالضرورة، لأيِّ منطقٍ واقعيٍّ في التسلسل.

4- الأحداث في الأُسطورة ذاتُ بنيةٍ دائمة، تتعلَّق بالماضي والحاضر والمستقبل. إنَّها ذات بنية مزدوجة، تاريخيَّة وغير تاريخيَّة معًا.

5- إنَّ الأُسطورة تتعلَّق- قياسًا إلى تقسيمات (فرديناند دي سوسير Ferdinand de Saussure) اللُّغويَّة- بمجال (الكلام)، ويمكن تحليلها في هذا المستوى، وبمجال (اللُّغة) في الوقت نفسه. منطويةً على مستوًى ثالثٍ أيضًا، ذي طابع مُطلَق.

6- من أجل ذلك فإنَّ الأُسطورة- بخلاف الشِّعر- تستمرُّ قيمتُها بوصفها أُسطورةً، وإنْ تُرجِمت ترجمةً رديئة، ويستطيع المتلقِّي إدراكها، بما هي أُسطورة، وإنْ جَهِل لُغة الشَّعب الذي أنتجها أو جَهِل ثقافته. ذلك لأنَّ جوهر الأُسطورة لا يكمن في لُغتها، أو أُسلوبها اللُّغوي، أو طريقة سَردها، بل في الحِكاية الرَّمزيَّة التي تعبِّر عنها. إنَّها لسانٌ يعمل على مستوًى رفيعٍ جدًّا، ينفصل فيه المعنى عن الأساس اللُّغويِّ الذي انبثق منه.

7- للأُسطورة أهدافٌ تفسيريَّةٌ في الحياة والكَون، وأهدافٌ تربويَّةٌ تعليميَّةٌ اجتماعيَّة.

وعليه، فإنَّ (الأُسطورة) ذاتُ خصائص نوعيَّة، وذاتُ وظائف مائزة، فوق مستوى العِبارة اللُّغويَّة وأعقد طبيعةً منها. وهي ذات صِلَةٍ خياليَّةٍ شِعريَّةٍ بالواقع وبالتاريخ في آن.(1)

على حين لا ترتبط (الخُرافة) بذلك كلِّه، وإنَّما هي مجرَّد فكرةٍ بسيطةٍ (غير معقولة)، أو (غير مصدَّقة) لدَى نِسبةٍ من المتلقِّين، ولا يلزم أن يكون لها شكلُها القصصي. تُساق للتسلية، أو للإدهاش، أو لتفسير بعض الظواهر الطبيعيَّة. مثال ذلك: بعض تخاريف الأَعراب، كزعمهم أنَّ الضِّفدِع كان ذا ذَنَب، وأن الضَّبَّ سَلَبَه إيَّاه. أو خرافة العَرَب القديمة حول ما أسموه بـ«زمن الفِطَحْل»، زاعمين أنَّ الصُّخور كانت فيه رطبةً وكان كلُّ شيءٍ يتكلَّم!(2) وبناءً على ذلك وَرَدَت الرواية حول قَدَم النبيِّ (إبراهيم) وأنَّها أثَّرت في صخرة المقام، للِين الصَّخر يومئذٍ.(3) ومن ذلك ما ضَربوا به المَثَل من حديث (خُرافة العُذري)، الذي من اسمه اشتقُّوا مصطلح «خُرافة».(4) غير أنَّ مصطلح (الأُسطورة) قد يُطلَق بتوسُّع ليشمل (الخُرافة) أيضًا، كما أنَّ الخُرافة قد تكون ذات جذورٍ أُسطوريَّة، أي متعلِّقة بقِصصٍ أُسطوريَّة.(5)

ولعلَّ كلمة «Story»- في الجذر اللُّغويِّ اللَّاتيني، وما تمخَّض عنه في لغات (أوربا)- هو «الأُسطورة» في العَرَبيَّة. وهي قِصَّةٌ مسطورة، أي مكتوبةٌ، أو مرويَّةٌ متوارثة، محفوظةٌ في الصدور عن الأوَّلين. ثمَّ منها جاءت كلمة «History». غير أنَّ بعض الباحثين يذهبون إلى أنَّ أصل الكلمة «أستوريا Istoryia» باليونانيَّة، وربما اشتُقَّ منها في العَرَبيَّة: سَطر، وتسطير.(6) لكن لِـمَ لا يكون الأمر على العكس: أنَّ الكلمة اليونانيَّة مستقاةٌ عن الساميَّة، التي تحدَّرت منها هذه المفردة اللُّغويَّة إلى العَرَبيَّة؟ وهي ذات تفرُّعٍ اشتقاقيٍّ في اللُّغة العَرَبيَّة، يُرجِّح عراقتها فيها، وأنَّ «الأُسطورة» مشتقَّة من «سطر»، لا بضِدِّ ذلك. أو ربما كان مصدرها مشترَكًا لُغويًّا أعلى؛ وليست مستقاة عن اليونانيَّة. وإذا كان (الإغريق) معروفين بأساطيرهم، فأساطير الساميِّين أقدم، وأوسع انتشارًا، وإنْ اعتمدتْ على الرواية أكثر من التدوين. ولقد كان تأثُّر الإغريق بحضارات المشرق وثقافتهم- وبخاصَّة حضارة (بلاد الرافدين) و(وادي النِّيل)- منذ زمنٍ مبكِّر في التاريخ، غير أنَّها اندثرت الأصول المشرقيَّة في معظمها، وبُرِّزَت الآثار الإغريقيَّة حديثًا، بوصفها أصولًا أُولَى، واشتهرتْ مرجعيَّةً للمؤصِّلين، في غضون التيَّار المؤدلَج بالمركزيَّة الأوربيَّة، في العقل والفلسفة والحضارة، خلال القرنَين التاسع عشر والعشرين. وهو ما بات- في ذاته- اليومَ أُسطورةً من أساطير الأوَّلين! ذلك أنَّ من النتائج التي تحصَّلتْ عن البحوث الأنثروبولوجيَّة أنَّ العقل الإنسانيَّ واحدٌ في كلِّ مكان، يمتلك القُدراتِ نفسَها، على الرُّغم من الفروق الثقافيَّة بين الشعوب.(7)

 

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

................................

(1) انظر: ليفي-شتراوس، كلود، (1977)، الأنثروبولوجيا البنيويَّة، ترجمة: مصطفى صالح، (دمشق: وزارة الثقافة والإرشاد القومي)، 245، 247- 249.

(2) انظر مثلًا: الثعالبي، (2003)، ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، تحقيق: محمَّد أبي الفضل إبراهيم، (صيدا- بيروت: المكتبة العصريَّة)، 516؛ ابن منظور، لسان العرب، (فطحل)؛ الآلوسي، (1342هـ)، بلوغ الأرب في معرفة أحوال العَرَب، عناية: محمَّد بهجة الأثري، (مصر: دار الكتاب العربي)، 3: 219- 221.

(3) انظر: الثعالبي، 42، 517. جاء هذا روايةً عن (مقاتل، -150هـ= 767م). وهو من المفسِّرين المتَّهمين بالكذب، المتروك الحديث. (انظر: ابن خلِّكان، (1971)، وفـيَّات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق: إحسان عبَّاس، (بيروت: دار صادر)، 5: 255- 257).

(4) انظر: ابن عبدربِّه، (1983)، كتاب العِقد الفريد، تحقيق: أحمد أمين وأحمد الزين وإبراهيم الإبياري، (بيروت: دار الكتاب العربي)، 3: 75؛ الجاحظ، (د.ت)، الحيوان، تحقيق: عبدالسلام محمَّد هارون، (مصر: مصطفى البابي الحلبي وأولاده)، 5: 528.

(5) انظر مثلًا: وهبة، مجدي، (1974)، معجم مصطلحات الأدب، (بيروت: مكتبة لبنان)، 338- 339.

(6) انظر: ظاظا، حسن، (1990)، الساميُّون ولُغاتهم: تعريفٌ بالقرابات اللُّغويَّة والحضاريَّة عند العَرَب، (دمشق: دار القلم- بيروت: الدار الشاميَّة)، 130.

(7) انظر: ليفي-شتراوس، كلود، (1986)، الأُسطورة والمعنى، ترجمة: شاكر عبدالحميد؛ مراجعة: عزيز حمزة، (بغداد: وزارة الثقافة والإعلام)، 38.

(*) هذا المقال جزء ثانٍ من ورقة بحثٍ حِواريَّةٍ قُدِّمت في (نادي جازان الأدبي)، مساء الأربعاء 3 مارس 2021. للمشاهدة على موقع "يوتيوب": https://bit.ly/3j1diLd

 

 

لَعَلَّ البعضَ يستغربُ هذا العُنوانَ متسائلاً.. وهل للحريةِ قُيُودٌ واشتراطاتٌ؟ هذا وقد عُرِّفَتِ الحُرِّيَّةُ بأَنَّها: غَيابُ كُلِّ اكراهٍ داخِلِيٍّ أَو خارجِيٍّ . وقد عَرَّفَها هوبز بأَنَّها: " غيابُ القيودِ الخارِجِيَّةِ التي تحولُ بينَ الانسانِ وفعلِ مايُمليه عليهِ عقلُهُ وحكمتُهُ ".وبعض قال:" ان الحريَّةَ هي مسايرةُ الانسانِ للطبيعةِ "، فاذا ساير الانسانُ الطبيعةَ يكون حُراً، واذا سايرَ القانونَ لايكونُ حُراً . اما سقراط فقد لَخَّصَها في كلمتين، وقال بأنَّها: "فعلُ الافضل" . الكتّابُ المسيحيون ربطوا الحريّةَ بالخطيئة حسبَ المفهوم الكنسي للخطيئة .

الحريَّةُ عندَ الفيلسوفِ الالمانيِّ "هيغل" تتحقق من خلال الالتزام بالواجب.

 هل يمكننا تصور الحرية بلا قيودٍ ولااشتراطاتٍ؟ البعضُ قد يرى الحريَّةَ بأَنَّها المعادِلُ للانفلات والفُوضى والانطلاق في ممارسةِ الاشياء بلا قيودٍ ولاحدودٍ .

 وهذا الفهمُ ليسَ صائباً؛ اذ اننا لو اعتبرنا الحريةَ فضيلةً بالمعنى الارسطي للفضيلةِ والتي تعني الوسط بين رذيلتين، فهي تتوسط بين رذيلة القمع ورذيلة الانفلات والفُوضى؛ وعليه لايمكن ان نتصور الحريَّةَ بلاقيودٍ ولاتحديداتٍ ولاشرائط ولاظروف، بل كل هذه القيود هي من ضروراتِ الحُرِّيَّةِ ومن لوازمها.

 السمكةُ تعيش حرةً في داخل الماء الذي هو شرطُ حريةِ السمكةِ، وقيدُ حريتها، هذا القيدُ ضروري ولازمٌ لحريّةِ السمكة، ولايمكننا ان نتصور حريّةَ السمكة دون هذا القيد؛ فلو اخرجناها من الماء لاختنقت وماتت؛ اذن: حريَّةُ السمكةِ في قيدها وشرطها وظرفها المحيط، وكذلك الامر مع النبتةِ التي نغرسها في الارض، فحريةُ هذه النبتة بقيودها وشروطها، وهذه الشروط هي التربة والشمس والهواء والماء، بدون هذه القيود والاشتراطات تموتُ النبتة، ولاتعيش حريَّتَها الا ضمن هذه القيود الضروية لتمارس حريَّتَها لتكون شجرةً باسقةً وارفةَ الظلال . فلا معنى لاولئك الذين يخدعون شبابنا بكلمات الحرية المعسولةِ مصورين لهم الحريةَ بأَنَّها الانفلات والتحرر من كل قيد .والكائن الانسانيُّ لابدَّ أن توضعَ قيودٌ على سلوكهِ؛ اذ انه لايتحرك في فراغ بل يتحرك في مجتمع يخضع لقيود وضوابط وقوانين .

 

زعيم الخيرالله

عدنان ابوزيدالى قبل مائة عام تقريبا، كانت المخترعات العلمية مثل اختراع المصباح، وسكة الحديد، والراديو، والعلاجات، تُنسب الى اشخاص، وتُسجّل براءات الاختراع بأسمائهم، حتى برزت أسماء مثل غاليلو، ماركوني، أديسون، فاننا اليوم يندر ان نجد سبْقا علميا يسجّل باسم شخص، بل باسم شركات عملاقة وخزانات تفكير عالمية، مثل التطور الهائل في الموبايل، والحاسوب، والأدوية.

على عكس العلم، تتحول السياسة الحديثة الى طابع خصوصي على نحو متزايد، وتنطبع الأنظمة السياسية، والأحزاب، بخصلة الزعيم، لا سيما في دول العالم الثالث، فيما تتراجع الأيديولوجيات وتُهمّش المؤسساتية.

في العراق، يركّز الناس كثيرا على الصفات الذاتية للزعماء السياسيين، وما يساعد على ذلك، ان مناهج الأحزاب، تخلو من المؤتمرات الانتخابية المفتوحة التي تجدّد زعماءها واعضاؤها فيما هي تنطبع بمزايا القيادات.

السياسي العربي، بشكل عام، منغلق، ولا يجيد الانفتاح على الجمهور، وهو غامض ومتنافر في نظر المواطنين، على عكس السياسيين الغربيين الذي يمتازون بالبساطة في الحياة اليومية، ويجيدون العمل الجمعي، وقد لعبت الأوضاع الأمنية والسياسية المتوترة والارث الاجتماعي المتجذر، دورا في خلق سياسيين انفراديين، على هذا النمط من التعقيد.

في مثال واضح يعزّز القصد، فان زعماء مثل برلسكوني وجون كيري وجورج دبليو بوش واوباما، حصلوا على درجات تقييم عالية في مؤشرات الطاقة الإيجابية والعمل ضمن المنظومة، وفق استطلاعات غربية.

في كتابه "الديمقراطية في التراجع" يرسم الكاتب جوشوا كورلانتزيك، صورة متشائمة لآفاق الديمقراطية في العالم، اذا لم تكن اكثر تواضعًا، واكثر جَماعيّة، مرجعا أسباب فشل الربيع العربي الى القراءة السطحية للكيفية التي تتطور خلالها الديمقراطية، فضلا عن الغرور الذي لازم الحركات الاحتجاجية، والانفرادية، والانغماس كثيرا في الطابع الفرداني لتلك الثورات، في رجعية واضحة بأسلوب العمل.

يكتب صمويل هنتنغتون، عن انه وبعد كل موجة من الدمقرطة، تبرز موجة عكسية تعود ببعض البلدان إلى الحكم غير الديمقراطي.

وأحد أسباب ذلك هو شخصنة الصراع، فثمة استهداف واضح لأشخاص، اذا ما سقطوا توقفت آلية التغيير، والعكس صحيح أيضا، اذ تستهدف الأنظمة أيضا أشخاصا في التظاهرات، ظنا منها ان ذلك ينهي الاحتجاجات.

لم ينجح الربيع الأوروبي (1848)، في ارساء الديمقراطية، لانها استنفرت فعالياتها نحو اسقاط رموز، على ايدي حركات انطبعت بأسماء افراد، حتى استغرق الأمر قرنًا آخر من إراقة الدماء للتخلص من هذه المعضلة.

وفي الاتحاد السوفيتي، احتكر الثورة البلشفية، قادة تحولوا الى رموز مقدسة، وقد أدى ذلك الى الكثير من أسباب الفشل، فيما نجحت الحركات الثورية في الولايات المتحدة بعد ستينيات القرن الماضي من الحصول على حقوق كاملة ومتساوية، عبر ثورات انتخابية تمنح حق التصويت، انجبت أحزابا تؤمن بالشمولية والمؤسساتية في العمل والإنتاج. وإذا كانت الحرية الشخصية، هي السلعة الأهم للفردانية، فانّ الأمر لا ينطبق على الانفرادية في السياسة.

 

عدنان أبوزيد

 

 

احمد عزت سليميعرف العالم الإجتماعى دافيد روتكوبف الثقافة بأنها " نموذج كلي لسلوك الإنسان ونتاجاته المتجسدة في الكلمات والأفعال وما تصنعه يداه، وتعتمد على قدرة الإنسان على التعليم ونقل المعرفة للأجيال التالية " ويرى العلامة الراحل الدكتور حامد ربيع أن الثقافة هى عنصر من عناصر الإدراك بل هى الإطار الفكرى لعملية الإدراك الجماعى، وهى بهذا المعنى مصدر مباشر لتحديد خصائص لا فقط التعامل بين المواطن والسلطة ولا فقط أسلوب الالتحام بين المجتمع القومى والمجتمعات الخارجية بل كذلك الرؤية الذاتية للحضارة القومية بما يعنيه ذلك من تماسك تاريخى وثقة فى التراث والانتماء. الثقافة هى المادة التى منها وبها يتكون الولاء، والقضية الأكثر التصاقا بالخاص الحميم للأفراد التى تدفعهم للصراع من أجل الاحتفاظ بها، والثقافة هى قيم وهى تقاليد وهى ممارسات ثم هى نظام متكامل لا يقبل التحلل ولا يعرف إلا التماسك التصاعدى. الثقافة بهذا المعنى هى أولا إيمان وثانيا امتياز وثالثا تضحية وكفاح .. إيمان لأن المتغير الحقيقى الذى يفرض ذلك التفاعل المستمر بين المواطن وقيمه الثقافية إن هو إلا شعور داخلى يفرض عليه أن يرى فى تلك القيم محور حياته ووجوده، وهى ثانيا امتياز لأنها ملك الطبقة المختارة التى تمثل الاستمرارية الحقيقية، وهى ثالثا تضحية لأن محورها الخضوع لعادات وتقاليد واحترام تلك العادات والتقاليد حتى لو على حساب ـ أيضا ـ المصلحة الفردية، والثقافة حصيلة لقاء ديناميكى بين دلالة الخبرة الماضية وعملية المواجهة اليومية لمشاكل الوجود الإنسانى. وبهذا المعنى ـ كما يرى العلامة الرائد الدكتور حامد ربيع ـ هى جامدة ومتجددة فى آن واحد، الخبرة تصير علامة المعرفة، والتعامل المستمر يقود إلى مرونة إزاء الواقع المتجدد لا ثقافة دون تاريخ، ولا ثقافة دون حركة مستمرة وانبعاث دائم نحو التغيير والتجديد .

هناك العديد من والتحديات الراهنة التي تواجهها سلطة ديناميات الثقافة المصرية، وأهمها أن العديد من النخب التى لم تخرج من الهوية الصلبة للمجتمع ولم تعرف حقيقة الانتماء ولم ترتبط بالعمق التاريخى المكون للأمة والكامن فى ذاتها وافتقدت الضمير والروح الطليعية للإرادة القومية كروح مقاومة للظلم والاستبداد وكمقدمة للتقدم والتغير، نخب اعتلت القيادة التى خلقتها الأوضاع الراهنة وتميزت بالجهالة وعدم القدرة على التعمق فى تحليل وفهم الواقع، واستغلت قدراتها فى دعم أغنياء البترول واغنياء السلطة على حساب شعوبها، نخب دفعت بها ومولها هؤلاء الأغنياء والقوى الأجنبية فإذا بها تقود بلدانها وهى متبنية سلوكيات ونماذج أجنبية لتسييدها فى مجتمعاتها وبالتالى تتسيد شعوبها مستهدفة تخريب وتفتيت المقومات الثقافية الأصيلة لشعوبها وقطع تواصلها واستمراريتها ودفعها للتخلف وللعزلة والانفصال والتشويه وإفقادها كرامة الإنسان لصالح هؤلاء الأغنياء وإغلاق جميع ابواب المجتمع فى وجه الحرية والعلم والتطور بل وصار الوطن على نحو ما يقول المناضل الراحل عبد الله النديم : ـــ " كانت البلاد على سعة أطرافها كليمان أعد للمذنبين ... " وضاع الوطن وكما يقول الشيخ الإمام محمد عبده والذى كفرته الجماعات الإرهابية : ـــ " لا وطن إلا مع الحرية " بل أصبحت تأخذ شكلا جديدا للاستشراق الذى يمكن تسميته بـ " الاستشراق المحلى " كأداة محلية للغزو الفكرى والثقافى لإعادة تشكيل الوطن بأفراده ومؤسساته نحو ربطه بالنموذج الغربى وتحطيم كل ارتباط واستمرارية بمكنونات القيم العربية النضالية وقطع الصلة معها وإخضاعها للإرادة الأجنبية بل وفى أغلب الأحوال يتمركز ويتمحور الوعى الثقافى لهذه النخب حول الحاكم / الخليفة / الملهم فيكثر التضليل والتهليل والطبل والتزمير وشراء الضمير وبيعه فى مختلف المحافل على حساب الوطن والتاريخ والولاء لهما وتصير الثقافة تعبيرا عن ماهية التراكم الذى يشهده الواقع الثقافى المنهك والذى تحول فيه الوطن إلى مجرد رهان متنازع عليه بين الحضور والغياب والتعمية وردود الأفعال ليصيرالواقع الثقافى تعبيرا مأساويا عن التفتت والتشرذم والانكفاء والانفصام والانفصال والتعدد والنفى والكراهية والمصادرة والحجب والرقابة أمام تحولات وتغيرات الواقع الاجتماعى والواقع العالمى أو التمترس حول سلطة الحكم وإغراءتها المادية وسلطة الغرب بكونه فكرا واستعمارا، وأصبحت الحركة الثقافية ودينامياتها تعيش رهنات الماضى وتعجزعن تكوين روح نقدية حقيقية فى مواجهة الفناء والرجعية والتكرارية الماضوية والتطرف الدينى والتشدد الإرهابى وتبنى النماذج الغربية والخضوع لها، كما تعجز عن مواكبة التطور والتغلب على الواقع وخلق واقع جديد ينهض بالأمة ويخرجها من أزماتها وينقذها من الصراع الثقافى التدميرى كما يعيشه الكثير اعتمادا على الفكر القبائلى (وظهر ذلك جليا فى التصادمات القبائلية والعشائرية والقرائبية فى الكثير من الدول العربية وفى مصر كنتاج لفشل هذه النخب ــ رغم ادعاءات بعضها بالتقدمية والوحدوية ــ فى صهر الروح القبائلية داخل الوطن الواحد)، واعتمادا على الفكر التكفيرى وكما يرى أحدهم : ـــ " علينا ردع العلمانيين كما رددنا المغول والصليبيين، وأوضح أن أهل الباطل يتحالفون على نصر باطلهم، ولن يهدأ لهم بال حتى يطفئوا نور الله، فكونوا حصن الشريعة " (المرشح الشيخ هشام النجار على قائمة حزب النور بأبو كبير بالشرقية ـ مصر ـ الأهرام 10 ديسمبر 2011 العدد رقم 45659 السنة 137)، وأخر يصف جامعة القاهرة بأنها قامت من أجل هدم الشريعة الإسلامية،ورغم وجود كلية دارالعلوم بها والتى قدمت للمجتمع العربى والإسلامى والعالمى الآلاف من معلمى اللغة العربية الذين حافظوا على لغة القرآن الكريم فى العالم، وأخرون قبلهم فى التسعينات من القرن الماضى حاولوا قتل المبدع نجيب محفوظ وتكفيره لرواية إبداعية هى أولاد حارتنا، وكما شارك كثير من الجناه البلطجية حرق المجمع العلمى بالقاهرة تحت مرأى ومسمع من ذوى السلطان والقوة الذين يمتلكون ويسيطرون ويتحكمون فى وسائل الإطفاء السريعة والفاعلة والقادرة بقوة على إطفائه فى دقائق معدودات ودون تدخل لإنقاذ التراث الثقافى الإنسانى بداخله، رغم أنهم ذهبوا للعدو الصهيونى بطائراتهم المتخصصة لإطفاء حرائق الغابات هناك ... !!

من هذا المنطلق تلعب الثقافة بتاريخها وفاعلياتها دورا مؤثرا فى ديناميات التفاعل الاجتماعى ومن خلال اكتساب الفرد لها من خلال عمليات التنشئة الاجتماعية والعملية التعليمية (وبالإضافة إلى السلطات السابقة) وبما يشكل الإطار الدلالى المرجعى له والذى يحكم منظوماته الإدراكية والوجدانية والتفضيلية والتى تؤثر على عمليات التلقى والاستجابة والمفاضلة والاختيار وردود الفعل والتوجيه والضبط الاجتماعى سواء كان سلبيا وانحرافيا وضعيفا أوإيجابيا والانتماء والاختيار الأيديولوجى وتشكل ضميره الفردى وبالتالى الضمير الجمعى ومن ثم الضمير الوطنى.

 

بقلم :ــ أحمد عزت سليم

عضو إتحاد كتاب مصر

 

محمد عمارة تقي الدينهل البشر مسكونون بهاجس المؤامرة؟ وهل هذا هو قدرهم الذي لا يملكون منه فكاكاً؟ حقيقة أن نظرية المؤامرة Conspiracy Theory قديمة قِدم التاريخ ذاته، وهي تقوم على فكرة مركزية مفادها أن هناك مجموعة خفية وسرية من البشر تتحكم بالعالم في الخفاء وسوف تقوم بتدميره إن تُركت وشأنها، وفي أوروبا في عصورها المظلمة، وبحسب البعض، وُجِدت البيئة المثالية التي يتكاثر فيها فطر التآمر، حيث الفساد السياسي والصراعات الدينة والظلام العلمي والمعرفي، وأنه بمجرد أن انقشع الظلام وأشرق عصر التنوير والحريات الدينية والسياسية انهزم هذا الفكر التآمري.

غير أن فطر التآمر لا يزال متفشياً في كثير من المجتمعات التي لم تنتقل بعد لطور التحضر، فمجتمع التآمر يبرر إخفاقاته عبر التضخيم والتهويل من فكر المؤامرة ومن ثم أضحت لدى كثير من المجتمعات ذريعة أو عائق مركزي في الحول بين ما يطمحون إليه من تحضر وانعتاق من ارتهانات واقعهم، فيهرعون لاتهام الآخر بالتآمر عليهم لإفشال مشروعاتهم الحضارية والنهضوية.

فهي إذن تعني وضع اللوم على الأطراف الخارجية أو قوى الاستعمار في إنتاج هذا الواقع المتردي، صحيح إن هذا الواقع السلبي هو نتيجة لبعض الممارسات الشنيعة للاستعمار، إلا أن هذا لا يعني التنصُّل من المسئولية، كما لا يعني أيضاً الاستسلام لهذا الواقع والكف عن تطوير الذات  للبحث عن سبل النهوض مرة أخرى.

وعليه يرى البعض أن المبالغة الكبيرة في تضخيم نظرية المؤامرة هو في حقيقة الأمر تبسيط مُخِل للأمور، وهو مخالف للتفكير الموضوعي والعلمي، لكنه لاينفي حقيقة وجود المؤامرات، ومع ذلك لا يجب التهويل من تلك المؤامرات ولا حتى التهوين منها فهي موجودة وستظل موجودة، إلا أنها، وفي التحليل الأخير، لا تحكم حركة التاريخ .

ونحن نعتقد أن اصطلاح (مؤامرة نظرية المؤامرة) هو الأكثر تفسيراً لما يقوم به الإعلام المؤدلج من توظيف لهذه النظرية، فهي في حقيقة الأمر مؤامرة على الجماهير تقوم الأنظمة السلطوية بحبكها عبر وسائل إعلامها (كما كان يفعل النظام النازي) ومن ثم الترويج لها بشكل واسع عبر تلك الوسائل الإعلامية من أجل إخضاع تلك الجماهير وضمان اصطفافها خلف المجموعة الحاكمة مهما بلغت بشاعة ممارساتها السياسية.

إذ عبر تلك النظرية يتم الإيحاء للمتلقي أن هناك مؤامرة كبرى ضده، وهى أكبر من أن يتصدى لها، فهي تفوق قدراته، وبالتالي يستسلم لها متبنياً الموقف السلبي من الأحداث.

واحدة من الملاحظات المركزية التي علينا أن نُنصت لها جيداً هي أن نظرية المؤامرة  ليست نظرية بأية حال فهي لاترقى لذلك ولا تمتلك القواعد المنطقية للبرهنة على ما تطرحه من فرضيات، ومن ثم فالتوصيف الصحيح لها أنها  ظاهرة التفكير التآمري، غير أنها راجت في عالمنا بهذا الإسم (نظرية المؤامرة).

تقول أستاذ علم النفس الاجتماعي كارين دوجلاس في معرض تفسيرها للطمأنينة المؤقتة والزائفة التي تصاحب الإيمان بنظرية المؤامرة :" قد يتوق الذين ينجذبون نحو نظريات المؤامرة، إلى الشعور بالأمن، لكنهم يحصلون في واقع الأمر على العكس تماماً، إذ تزيد نظريات المؤامرة من الشعور بالعجز والإحباط لديهم ، بدلاً من أن تُشعر المؤمنين بها بتحسن أوضاعهم".

ويرتبط رواج نظرية المؤامرة من عدمه بالمستوى الحضاري للشعوب، فنجدها تزدهر داخل المجتمعات المتخلفة في حين تكاد تتلاشى وتخفت داخل المجتمعات المتقدمة، أي أنه كلما ازدادت بنية التخلف في بلد كلما زاد بالمقابل لجوء أفراده لتبني الأطروحات التآمرية.

والإشكالية هنا أن انتشار فكر المؤامرة داخل تلك المجتمعات، وكما يذهب مجدي خليل، من شأنه أن يُظهر دُعاتها على أنهم وطنيون، في حين من يخطط لمجتمعه بأسلوب علمي واقعي يجري اتهامه بالعمالة والتواطؤ، وفي النهاية وفي ظل هذا المناخ ينتصر الفكر التآمري وتضرب الفوضى جنبات المجتمع.

والجدير بالذكر أن الحركة الصهيونية هي من أكثر الأيديولوجيات التي وظفت نظرية المؤامرة لخدمة مشروعها الاستيطاني ذو النزعة التوسعية المدبجة بالعنف، فهي تتغذّى على نظرية المؤامرة على مستويين:

 

المستوى الأول: إذ تروج لوجود مؤامرة كبرى ضدها، ومن ثم حقها في الدفاع عن نفسها ضد هذه المؤامرة، فيبدو عدوانها على الآخرين وكأنه ضربات استباقية لإحباط عدوان مستقبلي مُحتمل عليها.

المستوى الثاني: ويتمحور حول خلق قناعة دولية بوجود مؤامرة صهيونية عالمية والترويج لأكذوبة أن الصهاينة مسيطرون على العالم، وبالتالي لا أحد يستطيع التصدي لهم، فيصيب الجميع اليأس والإحباط، ويضربه العجز أمام المؤامرات الصهيونية المزعومة والتي جرى تضخيمها في الوعي العالمي بشكل بشع، وهي إستراتيجية نفسية من شأنها جعل الجميع يشعر بالانهزام والانكسار أمامها فيستسلم لواقعه البائس.

هي إذن تتآمر وتتهم الجميع بأنه يتآمر ضدها، إذ تتبع الحركة الصهيونية استراتيجية تضخم نظرية المؤامرة في الوعي الجمعي العالمي لتخويف الآخر منها من ناحية، ولابتزاز العالم عبر تقمُّص دور الضحية، ضحية هذه المؤامرات، من ناحية أخرى.

وتفترض مقولات المؤامرة دائماً، وكما يذهب محمد شومان، أن الصراع ونفي الآخر هما جوهر العلاقة بين الأفراد والشعوب، فهناك ثنائية تعيد إنتاج نفسها بشكل دائم وهي (متآمِر، ومتآمَر عليه) فهي علاقة صراعية، ومن ناحية أخرى فإن التسليم بأنك ضعيف ومفعول بك دائماً هما من أقوى أسلحة مقولات المؤامرة، كما أنها تقدم تفسيراً خرافياً ومبسطاً للأحداث والتطورات المعقدة التي تجري في العالم من شأنها خلق حالة من الارتياح النفسي الكاذب لدى المُتلقي بأنه أضحى يفهم كل شيء   .

 

ويرى كثيرون أنه توجد علاقة وثيقة بين نظرية المؤامرة والاستبداد السياسي، إذ يلجأ إليها الحاكم المستبد أو السلطوي لحماية نظامه (كما في النظام الهتلري النازي الذي ادعى أن أصوات المعارضة ما هي إلا طابور خامس ممول من الخارج في إطار مؤامرة كبرى لتدمير ألمانيا) فخطورة هذا الفكر أنه يؤدي إلى الاستسلام والقبول بما هو قائم على اعتبار أن البديل سيكون أفظع وأخطر وهنا تكمن خطورته في تقويض قوة الدفع والتغيير الكامنة داخل البشر، ومن ثم تجري محاولة تحنيط الزمن عند لحظة تاريخية محددة فتسقط الأمم من التاريخ.

ومن أهم مظاهر التوظيف السياسي لنظرية المؤامرة التغاضي عن الأخطاء التي تقوم بها نُظُم الحكم السلطوي بذريعة أن المصلحة العامة تقتضي السكوت عن تلك الأخطاء في ذلك الوقت والتركيز على التصدي للمتآمرين، بل وتصوير كل من يعارض هذا النظام بأنه من قوى الشر أو أنه مُمولاً من العصبة المتآمرة، فإبادة هتلر لملايين من البشر هو أمر مبرر تماماً ويجب السكوت عنه طالما أن المصلحة الوطنية تقتضي ذلك، بحسب ما كان يروج له إعلام النازي.

كما أن تيارات العنف الديني والإرهاب تلجأ للفكر التآمري لتبرير عنفها ضد المجتمع بدعوى أن هناك مؤامرة كبرى على الدين، وأن العنف هو الطريقة الوحيد للتصدي لتلك المؤامرة.

وقد شهدت السنوات الأخيرة تفاقماً وانتشاراً غير مسبوق للتفسير التآمري للأحداث، فنحن إزاء موجة كبيرة من التفسير التآمري تجتاح الواقع، لعل أبرز سماتها بحسب البعض: أولاً:" أن موجة التفكير التآمري الحالية تتسم بطابع اكتساحي، إذ طالت كل القضايا، ثانياً: إن تلك الموجة تتسم بطابع وبائي، فهي تنتشر علي جميع المستويات من البشر، ثالثاً: إن تلك الموجة تتسم بالطابع المزمن، فلم تعد مجرد موجة مؤقتة ترتبط بالحروب أو الاضطرابات فقط".

كذلك فمن العوامل التي تساعد على انتشار فكر المؤامرة هو أن الفرد الذي هو ضحية لنظرية المؤامرة نفسها قد يصبح بمرور الوقت واحداً من المروجين لها ونشرِها بين الجموع، ومن ثم تلتهم تلك الهواجس التآمرية المجتمع داخلها.

يقول مايكل باركون: " تنطلق نظرية المؤامرة من فكرة مركزية مفادها أن الكون محكوم بثلاثة مبادئ رئيسية: لا شيء يحدث بالصدفة، ولا شيء يكون كما يبدو عليه، وكل شيء مرتبط ببعضه، ومن ثم تتألف نظرية المؤامرة من مجموعة من القناعات المغلقة غير  القابلة للدحض، هنا تصبح نظرية المؤامرة مسألة إيمان غيبي لا يتطلب دليل عقلي، وفي تلك الحالة يغيب العقل تماماً".

وفي ظل وسائل الاتصال الحديثة وما حدث من تقدم هائل في مجال الإعلام كان يُعتقد أنه سيجري القضاء على الفكر التآمري، غير أن ما حدث هو أن زادت الموضوعات غموضاً نتيجة سيل الأخبار المتناقضة واالتحليلات المتضاربة والأكاذيب التي تتواتر كل لحظة علينا عبر وسائل الاتصال، ومن ثم لم يعد أحد يعرف ماذا حدث بالضبط، وكيف حدث، ومن هو وراء الحدث وما هي الأهداف المرجوة من وراء ذلك؟  فهناك حالة من التشوش الهائل وقد ضربت الوعي الجمعي كإعصار مدمر، وهو ما أوجد بيئة خصبة لانتشار هذا الفكر التآمري.

لقد حاول المفكر العربي مالك بن نبي أن يجتث هذه النظرية من العقل العربي فصاغ مصطلح " القابلية للاستعمار" كبديل لمصطلح " الاستعمار"، أي أن مشكلة تخلُّفنا تكمن فينا نحن وليس في الآخر مؤكداً على حقيقة مفادها أن مناعة المجتمعات وقدرتها علي تجاوز التخلف من داخلها هما خط الدفاع الأول أمام الاختراق الخارجي.

والجدير بالذكر أنه عندما ظهرت جماعات داعش كان التفسير الأسهل للخطاب التآمري أنها نتاج مؤامرة صهيونية عالمية لتشويه الإسلام وتفكيك المنطقة، وهو تفسير، وكما يذهب خالد حنفي، قد تجاهل طبيعة العوامل البنيوية التي تحفز علي نشأة جماعات العنف في المنطقة مثل الصراع السياسي، والصراعات المذهبية، والفقر والتهميش وغياب العدالة الاجتماعية، وانعدام الأفق السياسي لدى الشباب نتيجة إغلاق المجال العام.

وهي أوضاع من شأنها أن تتفاقم في ظل قابلية العقل العربي لفكر المؤامرة، ورفضه الاعتراف بإخفاقات الذات ودور الصراعات الداخلية في تخلف الأمم ، وهو ما يؤكد عليه العلامة ابن خلدون بأن الغزو الخارجي لا يمكن له أن يتم إلا في حالة تفكك الجبهة الداخلية، وكما يقول المؤرخ الكبير أرنولد توينبي: " الأمم لا تموت قتلاً وإنما تموت انتحاراً "، فأسباب الانهيار داخلية أكثر منها مؤامرات خارجية، فقبل الانهيار هناك دائما القابلية للانهيار.

وفي التحليل الأخير يمكن القول أن العالم العربي لايزال أمامه الكثير من الجهد للخلاص من ذلك التفكير التآمري الذي يُحكم قبضته على عقله الجمعي مانعاً إياه من الانخراط في بناء ملامح مشروعه الحضاري، يقول أحد الباحثين الغربيين في عرضه لكتاب " اليد الخفية"  للمؤلف الأمريكي دانيال بايبس واصفاً هذه الحالة في عبارة شديدة الدلالة: " في عالم اليوم فإن العرب والإيرانيين أكثر شعوب العالم إيمانا بنظريات التآمر وأشدهم حماساً في نشرها، وإلى حد ما، يرجع هذا إلى ثقافة هذه الشعوب، كما أن كلا الشعبين نظرياتهم التآمرية مليئة بالخيال، كما أن الخوف والجهل نتيجة غياب الشفافية وضيق الأفق السياسي يجعل الجماهير تعيش تحت رحمة الشائعات ذات النزعة التآمرية"،  ومن ثم الخضوع التام لنظرية المؤامرة.

ومن دون شك فإنه في ظل هذا المناخ الذي سِمته الأساسية إقالة العقل وإحالته للتقاعد المبكر والقطيعة الكاملة مع المعرفة العلمية الحقة ستكتسب نظرية المؤامرة طابعاً اكتساحياً وبائياً فتنتشر انتشار النار في الهشيم لتلتهم أية نظرية عقلانية أو موضوعية تحاول التصدي لها.

 

دكتور محمد عمارة تقي الدين