عبده حقيترجمة بتصرف: عبده حقي

على الرغم من أن معظم النفايات الإلكترونية تكون قابلة لإعادة التدوير، إلا أن الحقيقة الصارخة هي أن البشرية مازالت لم ترق إلى المستوى المطلوب عندما يتعلق الأمر بمعالجة مشكلة النفايات الإلكترونية المتزايدة. هيأة الأمم المتحدة تقدر أن 45 مليون طن من أجهزة الكمبيوتر والتلفزيون والهواتف المحمولة والسلع الإلكترونية الأخرى يتم التخلص منها كل عام. وينتهي الأمر بهذه النفايات الإلكترونية في مقابر خاصة بها، عندما يمكن إعادة تدوير كمية كبيرة منها.

لسوء الحظ، هناك الكثير من الإحصاءات والحقائق والأرقام التي ترسم صورة قاتمة لكيفية تأثير النفايات الإلكترونية على البيئة وتؤدي بها للأسوأ. في هذا المقال سنقوم بتفصيل المشكلات التي تتسبب فيها النفايات الإلكترونية وتأثيراتها، بالإضافة إلى أهمية إعادة التدوير الصديقة للأوزون فيما يتعلق بأجهزة الكمبيوتر.

- في عام 2014، تم إنتاج حوالي 41.8 مليون طن من النفايات الإلكترونية في جميع أنحاء العالم.

وفي عام 2018، ارتفعت كمية النفايات الإلكترونية المنتجة على مستوى العالم إلى حوالي 49.8 مليون طن. وإذا ما ترك ارتفاعها من دون رادع، فقد يتضاعف هذا الرقم إلى 120 مليون طن بحلول عام 2050.

- حاليًا، يتم إعادة تدوير من 15 إلى 20 في المائة فقط من جميع النفايات الإلكترونية.

- تشير الدراسات إلى أن إنتاج جهاز كمبيوتر وجهاز عرض يستهلك ما لا يقل عن 1.5 طن من الماء

و21 كيلوجرامًا من المواد الكيميائية و 240 كيلوجرامًا من الوقود الأحفوري.

- تحتوي الهواتف المحمولة على كميات كبيرة من المواد الثمينة مثل الفضة والذهب.

- من المتوقع أن تنمو النفايات الإلكترونية العالمية بنسبة 8 في المائة سنويًا.

- يمكن أن تؤدي إعادة استخدام أجهزة الكمبيوتر أو إعادة تدويرها إلى توفير 296 وظيفة إضافية سنويًا لكل 10000 طن من نفايات الكمبيوتر التي تتم معالجتها، مقارنة بالتخلص منها في مقابر النفايات.

- عند رميها وتجاهلها في البيئة، يمكن أن تسبب النفايات الإلكترونية أضرارًا جسيمة لجسم الإنسان، مثل سرطان الدم والكلى إلى الجهاز العصبي المركزي والمحيطي.

كيف يؤثر تقادم أجهزتنا المخطط له على المخلفات الإلكترونية؟

إن مسألة تقادم أجهزتنا الإلكترونية المخطط لها يضيف كذلك إلى مشكلة التلوث مشاكل أخرى . هل تساءلت يومًا أيها القارئ عن سبب وفاة هاتفك المحمول قبل أن يوشك عقد شرائه على النفاد؟ أو لماذا يصبح تلفزيونك قديمًا بمجرد ظهور طراز جديد أكبر وأرفع قيمة؟ حسنًا، هذا يقع لأن الشركات قد صممت هذه الأجهزة للقيام بذلك .

إن تكلفة مواكبة أحدث الاختراعات التقنية لا تؤثر فقط على جيوبنا. فنحن تجذبنا السرعة التي يتم بها طرح النماذج الجديدة في السوق، جنبًا إلى جنب مع التدفق المنتظم للتحديثات والتحسينات، إلى شراء هذه المنتوجات، مما ينتج عنه كميات هائلة من النفايات الإلكترونية. كل هذا يعني أن هناك تكلفة بيئية كبيرة جدًا أيضًا.

إذن، ما الذي يمكن فعله لتجنب هذا التقادم المخطط له وتقليل مشكلة النفايات الإلكترونية؟

على المستوى المجتمعي، يمكننا اختيار العلامات التجارية التي تميل منتوجاتها إلى الاستمرار لفترة أطول، وتطلب المنتوجات في المتاجر ذات العمر التشغيلي الأطول والضمانات الأطول مع قطع الغيار المضمونة. في وضع آخر، يمكن أن يساعد أيضًا إعادة تدوير نفاياتنا الإلكترونية بشكل صحيح ومطالب الشركات المصنعة للتخلص من المواد الخطرة.

إذا كان قول هذا قد يبدو أسهل من فعله، أو حتى أنه غير فعال، فمن الجدير بالذكر أن بعض الدول قد اتخذت مؤخرًا تدابير قوية للحد من التقادم المخطط له. حيث إذا استمرت هذه الممارسة عن عمد، فقد يواجه رجال الأعمال أحكامًا بالسجن، بينما ستكون الشركات عرضة لغرامات تصل إلى 300 ألف يورو.

ما علاقة النفايات الإلكترونية بأضرار الأوزون؟

بالإضافة إلى المواد الكيميائية مثل الزئبق والرصاص والكادميوم التي تتسرب إلى التربة والمياه الجوفية، وتلوث إمدادات الغذاء والمياه، وتنبعث النفايات الإلكترونية، عند حرقها بدلاً من إعادة تدويرها، من الغازات السامة بما في ذلك ثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت التي تؤدي إلى تلوث الهواء، مما يزيد من نضوب طبقة الأوزون الهشة التي تحمينا من أشعة الشمس فوق البنفسجية الضارة.

بسبب هذا النضوب، هناك ظاهرة الاحتباس الحراري التي يمكن أن تحدث تغيرات جذرية في الأنماط المناخية لكوكبنا، فضلا عن زيادة حالات الإصابة بسرطان الجلد، والشيخوخة المبكرة وإعتام عدسة العين.

من المحتمل أن تحتوي السوائل الموجودة عادةً في أجهزة التدفئة والتبريد، مثل الثلاجات والمجمدات والرادياتيرات المملوءة بالزيت والتي تم تصنيعها قبل عام 1994، على مواد مستنفذة للأوزون مثل مركبات الكربون الكلوروفلورية ومركبات الكربون الهيدروكلورية فلورية. تشمل المواد الخطرة الشائعة الأخرى الموجودة في النفايات الإلكترونية .

ما هي أهمية عملية إعادة التدوير الصديقة للأوزون؟

مما لاشك فيه أن الالتزام بتأمين إعادة تدوير الحواسيب سيؤدي إلى تقليل المخلفات الإلكترونية والحفاظ على أمان البيانات.

تعد عملية إعادة التدوير لأجهزة الكمبيوتر أمرًا حيويًا للشركات التي ترغب في لعب دورها في الحد من النفايات الإلكترونية التي قد تكون ضارة بالصحة والبيئة، والحفاظ على أمان بياناتها. لذلك، إذا كانت الشركة ملتزمة بإعادة التدوير أخلاقيا لأجهزة الكمبيوتر والمنتوجات التكنولوجية القديمة، فمما لاشك فيه أن إعادة تدوير أجهزة الكمبيوتر الآمنة والصديقة للبيئة والتي تلتزم بلوائح إعادة التدوير المناسبة هي جزء من استراتيجية الشركة.

أخيرا من المهم أيضًا أن ندرك أن الشركات ملزمة قانونًا اليوم بالتخلص الآمن من المعلومات الحساسة وفقًا لقوانين الأمان الحالية وقانون حماية البيانات لعام 1998. يجب التأكد فقط من استخدام شركة إعادة تدوير الكمبيوتر ويفضل أن تتجاوز جميع الإرشادات الحكومية وقانون حماية البيانات.

 

ترجمة بتصرف

 

 

ادم عربيامر الملحدين لا يهمني ولا يشغل بالي فهم وخصومهم من المؤمنين بالخلق من جنس فكري واحد.. ان ما يهمني ويعنيني لهو "المادية "، لان المادي يسمو فكريا عن طرفي هذا النزاع، بل عن نزاعهما نفسه.

انهم وما اكثرهم يذكروننا في تجاربهم ما يدحض مادية العقل، لكن هل مادية العقل من الفكر المادي؟. انا من وجهة نظري المادية اقول لهم ان العقل ليس ماديا وليس من جنسها، ليس مادة في طبيعته ولا يمت للمادة بصلة، ولو كان ماديا ِلمَ اخذ كل هذا من الفلاسفة كل هذا الجهد لقرون وقرون؟!.في سعيهم لايجاد الصلة بين المادة والعقل.

دماغ الانسان لا شك انه "مادة" تتكون بشكل رئيسي من عنصر الكربون، ولا شك ان تلك المادة هي عضو التفكير و"العقل"، انها "مادة الدماغ" تمثل اعلى درجة في تطور المادة، وبفعل ما لديها من خصائص مادية خاصة جعلتها تعي وتُفكر، جميع العالم المادي باستثناء الدماغ لا يعي ولا يفكر، فالحجر لا يعي ولا يفكر والماء لا يعي ولا يفكر ولا يحس ولا يشعر، مادة الدماغ هي من تقوم بكل تلك الاشياء، لكن هل الفكر يُمكن ان يوجد في الدماغ لوحده، بعني خُلق فيه ؟. لا عمل دون وجود مجتمع بشري، ولا مكان للغة دون عمل، ولا مكان لفكر دون لغة ايضا.

مع انتصاب قامة الانسان وبيدة البشرية بخصائصها الطبيعية جعلت الانسان والذي يعيش مع جماعه من نوعه هي التي جعلت الدماغ يفكر، او جعلت المادة لها قدرة على التفكير، فهذه اليد جعلت من صاحبها (والذي يعيش مع افراد من نوعه) حيوانا صانعا ومنتجا ومستعملا للادوات من اجل انتاج ما يحتاجه من ماكل وملبس،هذا الحيوان الاجتماعي، الصانع للأدوات والمستعمل لها والذي يعيس مع ابناء جنسه كان في الوقت نفسه، حيوانا ناطقا، أي يفكر تفكيرا منطقيا فلا فكر بلا لغة، أو قبل اللغة.

المادي في تفكيره لا ينكر وجود الفكر ويعلم ان الفكر ليس مادي ولا يمت لها بصلة، الا انه ينكر الوجود المنفصل للمادة عن الفكر، كما ينكر خلق هذه المادة على يد كائن غير مادي من نوع الفكر والوعي.

الوعي البشري، ولا احسب وجودا غيره، والذي هو موجود ولا احد يستطيع اقامة الدليل على عدم وجوده، ووجوده في ذلك العضو المادي الذي يُسمى الدماغ، ولا يمكن وجوده خارجه، فبذلك العضو المادي وعت المادة نفسها ولم يكن هناك وعي قبل وجود الانسان، اي لم يكن وجود وعي في الطبيعه، الوعي هو الصور الذهنيه في داخل ذاك العضو البشري والذي اذا اتيح لك فتحه لا تجد ايٍ منها، تلك الصور الذهنيه لا تخرج عن الواقع الموضوعي، فمهما تخيلت من الاشياء فواقعها الموضوعي موجود، حتى الجان لديك صورة ذهنيه له لا تشذ عن الواقع الموضوعي، تستطيع ان تتخيل ما تريد ولكن جذور تخيلك موجود في الواقع الموضوعي، او اعطنِ شيء خارج عن الواقع الموضوعي على اعتبار انكَ تعطي اولوية وجود العقل، الوعي لا يمكن ان يكون مادة، والوعي لا يمكن النظر اليه بمعزل عن الماده، فهو ثمرة تفاعل بين الواقع الموضوعي والدماغ، والدماغ هو جسم مادي وعليه نقول ان الوعي لا بد ان يكون نتيجه تفاعل مادي - مادي، حتى بالصور الذهنيه لا تستطيع فعل اي شيء فلا بد من استعمال ادوات ماديه لفعل ما تريد، قد تستطيع اقناع غيرك براي او فكرة ما دون استعمال ادوات ماديه كما هو حال نقاش الافكار، لكن لا يمكنك اقناعي بفكرة ما لم تقم الدليل على واقعها المادي.

 

د. ادم عربي

 

محمد الربيعي مقدمة: العراق دولة غير مستقرة واقتصادها ضعيف. هناك انعدام للاستقرار السياسي في البلاد. إلى جانب ذلك، فإن البلاد في قبضة عميقة من الاضطرابات السياسية المتزايدة، والعنف المتزايد، والصراع الطائفي المستمر، وعدم الاستقرار الاجتماعي، والتدهور الاقتصادي. كل هذه المشاكل هي بشكل مباشر أو غير مباشر نتاج نظام تعليمي ضعيف مستقطب وغير موحد. يواجه العراق اليوم العديد من المشاكل مثل الفقر وانعدام الأمن والطائفية والفوضى والفساد المالي والاداري. وأسباب هذه المشاكل هي التطرف، وقلة الوعي العام، والأمية، والامية المقنعة التي يعززها نظام تعليمي غير فعال. تم إهمال الدور الحيوي للتربية والتعليم في العراق مما أدى إلى تدهور الاقتصاد والصحة وجميع مجالات الحياة. لقد تم التعامل مع التعليم بصورة طائفية وبعقلية متخلفة. لم توضع ميزانية التعليم في خدمة التربية والتعليم وانشاء المدارس وتجهيزها مما أضعف أساس الجودة في نظام التعليم. وبالتالي، فشل نظام التعليم في إخراج البلد من المستنقع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي المتزايد.

المشاكل المرتبطة بنظام التعليم في العراق هي الفساد الإداري، وانعدام الكفاءة والافتقار إلى الموارد الكافية، والسياسات التربوية والتعليمية الخاطئة، ونظام الجودة الضعيف، وسوء المرافق التعليمية، ونقص كفاءة المدرس، وعدم تنفيذ سياسات التعليم، والتعليم بلا فلسفة او اتجاه، وانخفاض معدلات الالتحاق، والتسرب على نطاق واسع، والتدخل السياسي، والمناهج القديمة وغير الملائمة للتعلم الحقيقي، وسوء الإدارة والإشراف، ونقص البحث التربوي والإداري والأكاديمي. يمكن حل المشاكل المذكورة أعلاه من خلال صياغة سياسات وخطط عقلانية وعن طريق ضمان التنفيذ السليم للسياسات.

أهداف التعليم في العراق

تأسست الدولة العراقية بموجب مؤتمر القاهرة في  مارس 1921 وفي هذا العام تم تأسيس وزارة المعارف. وكان العراق بلدا فقيرا يعتمد اقتصاديا على الزراعة كدخل أساسي. ولأن العراق كان من الدول العثمانية لما يقرب من 400 عام، فإن نسبة الأمية عام 1920 كانت أكثر من 90٪ من الشعب العراقي. وكان أهم إنجاز في التعليم العالي في تلك المرحلة هو تأسيس بعض المدارس مثل: الطب والهندسة والقانون والفنون التي كانت تابعة لجامعة بغداد بعد إنشائها في وقت لاحق. ومنذ نشوئه عُرف نظام التعليم العراقي بأنه من أكثر النظم التعليمية تقدما في المنطقة، حيث تمتع بمستويات ملحوظة من الإنجاز وقاعدة علمية قوية. وأُثني على البلد لأدائه النموذجي في الحد من الأمية والفوارق بين الجنسين. ومع ذلك، منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي، انخفض أداء نظام التعليم وركدت معدلات الالتحاق بسبب الحروب والازمات وما ترتب عليها من صعوبات اقتصادية ناجمة عن العقوبات الدولية وما لحقها من حصار ذاتي نتيجة العزلة الدولية والانغلاق عن العالم. ومنذ بداية تأسيسه اعتبر نظام التعليم القوة الدافعة وراء جميع الأهداف التنموية وبارتباطه باحتياجات الشعب العراقي. اعتبر اول رئيس لجامعة بغداد عبد الجبار عبد الله الهدف الرئيسي لنظام التعليم العالي في العراق هو تطوير الشخصية الاكاديمية والعلمية للفرد العراقي. احتوت هذه الشخصية الوطنية على إحساس عالٍ بالمسؤولية والنزاهة الاجتماعية والأخلاق الاكاديمية والخدمة المتفانية للبلاد.

ولتعزيز دور التعليم، شُكلت لجان تربوية مختلفة واخذت قرارات تربوية. ولكن من المفارقات أن نرى أن التنفيذ كان سيئا للغاية. وبسبب هذا، عانت جودة التعليم في البلاد من ازمة حادة بدلاً من إحراز تقدم. مشكلة أخرى أثرت سلباً على النظام التعليمي هي اتساع الفجوات والمسافة بين السلطة والمؤسسات التعليمية وقياداتها وبين المجتمع.

تحليل نقدي لمشاكل التعليم

يواجه نظام التعليم في العراق على الرغم من المطالبات والستراتيجيات والخطط المشاكل التالية التي يمكن تحليلها بشكل نقدي كالاتي:

1- مناهج قديمة

المنهج هو الأداة التي يتم من خلالها تحقيق أهداف التعليم. مناهج التعليم في العراق لا تلبي متطلبات العصر الحالي. إنه منهج قديم وتقليدي يجبر الطلاب على حفظ حقائق وأرقام معينة دون مراعاة حقيقة أن التعليم هو التنمية الشاملة للطالب. إنه يركز كثيرا على فردية المتعلم لكنه لا يهتم لحالته النفسية والتي لا يمكن إنكارها في عملية التعليم والتعلم. يجب تطوير أهداف التعليم على الأسس النفسية والفلسفية والاجتماعية للتعليم. المناهج التعليمية الحالية لا تلبي هذه المعايير الحديثة للتعليم والبحث. ومن ثم فإن هذا المنهج لا يعزز اهتمام المتعلم بالعمل العملي والبحث والمعرفة العلمية والنقاش والتحليل والتفكير المستقل، بل يركز على الحفظ والذاكرة والمواضيع النظرية.

 

2- قلة التطوير المهني للمدرسين

التدريب ضروري لأداء الجودة. التدريس في العراق مهمة صعبة. هناك نقص في فرص التدريب وإعادة التدريب للمعلمين في العراق بدون أدنى شك. على الرغم من وجود كليات مختلفة لتدريب المدرسين والمعلمين في الجامعات العراقية فهي إما تفتقر إلى الموارد الكافية أو أنها تدار بشكل سيئ بسبب نقص التمويل والموارد البشرية المدربة مثل التدريسيين والمدربين والإداريين الذين درسوا وتدربوا في الجامعات ومعاهد التربية والتعليم العالمية. لا توجد معايير تدريب مناسبة في كليات التربية لإعادة تدريب المعلمين على التطورات والأساليب التربوية الحديثة في العالم، ولا توجد علاقات تربوية وثيقة مع جامعات ومعاهد تدريب المعلمين في دول معروفة بتفوق أنظمتها التربوية، ولا توجد علاقات تربوية بين المدارس العراقية ونظيراتها الاجنبية. الدورات التي يتم إجراؤها في حدس تعليم المعلمين وطرق التدريس قديمة وتقليدية للغاية ولا تعزز مهارات وجودة المعلمين.

 3- قلة المعلمين الأكفاء

المعلم هو العمود الفقري لنظام التعليم. جودة المعلمين في المدارس العراقية مؤسفة. وفقا لتقارير الخبراء، فإن جودة المعلمين والتعليم في المدارس منخفضة. هذا الوضع أكثر كآبة في الأجزاء النائية من المحافظات الجنوبية حيث لا يوجد حتى معلمون بصورة كافية في المدارس. من بين أكثر من 394 ألف معلم في العراق، هناك حوالي 292 ألف فقط مؤهلين أكاديمياً، في حين أن حوالي 100 ألف معلم لديهم معرفة قديمة ويحتاجون إلى إعادة تدريب وإعادة تأهيل. أظهرت دراسة أجرتها اليونيسف حول التعليم في العراق أن مشاركة المعلمين المؤهلين أكاديمياً في التعليم الابتدائي والثانوي قد انخفضت بنسبة 3 إلى 4٪ في عام 2016. لا يستخدم المعلمون أساليب واستراتيجيات جديدة للتعليم والتعلم. لا يعرف غالبية المعلمين شيئا عن تخطيط الدروس مما يجعلهم غير قادرين على التعامل مع المشكلات المختلفة في عملية التدريس والتعلم. لا يعرف الطلاب استخدام المكتبات في المؤسسات التعليمية او خارجها ولا يشجعون على استخدامها ولا على القراءة الخارجية. وبالتالي فإن عادات القراءة تتناقص بين الطلاب. المعلمون مسؤولون بشكل كبير عن كل هذه الفوضى حيث تقع على عاتقهم المسؤولية المهنية لتوجيه الطلاب نحو قراءة الكتب. يعتمد المعلمون على طرق المحاضرات التي لا توفر فرصة للطلاب للمشاركة في عملية التعليم كعضو نشط. الطلاب يلاحظون فقط المعلومات ويحفظونها فقط لاجتياز الامتحان. وبالتالي يتم تقييم الطلاب على أساس حفظ الحقائق والمعلومات بدلاً من الأداء.

4- التعليم بدون اهداف سليمة

إن نظام التعليم السليم ضروري لكل بلد في العالم. كل دولة تطور شعبها على أساس التدريب والتعليم النشطين وعلى أسس اجتماعية وسياسية واقتصادية. نظام التعليم العراقي بسبب كونه يفتقر الى اهداف مناسبة او فلسفة هو تعليم ضعيف غير قادر على تطوير وتوجيه الشعب على أسس سياسية واجتماعية سليمة. بينت دراسة استطلاعية تفصيليه لنظام التعليم في العراق اجريت في عام 2010 الحاجة إلى سياسة تعليم تستند إلى الأدلة وليس الرأي لتوجيه ممارسات التعليم. هناك نقص في التماسك في النظام، واهتمام كبير بالتعليم النظري العام الذي لا يصنع قوى عاملة ماهرة للسوق مما أدى إلى ارتفاع معدل البطالة. هذا الوضع قد يعزز الشعور بالحرمان عند الناس ويؤدي الى اضطرابات ثقافية وسياسية في المجتمع. إلى جانب ذلك، هناك نقص في الفرص التعليمية لمواد العلوم والتكنولوجيا. ويفتقر النظام الى أسلوب تربوي سليم لصقل وتطوير التفكير والاستدلال والإبداع لدى الطلاب.

5- التسرب

يعتبر التسرب المدرسي والرسوب الدراسي من أبرز أسباب الهدر الاقتصادي. هناك أسباب عديدة للتسرب منها ضعف التحفيز أو البيئة المدرسية غير الجذابة وجزئيا بسبب ضعف اهتمام الاسرة وضعف الإمكانية المادية لها، والرسوب المتكرر، وعدم تلبية المناهج وطرق التدريس المملة لميل الأطفال وهواياتهم. عمالة الأطفال والفقر هو أيضا أحد أسباب التسرب من المدارس. كما تعود أسباب التسرب الى ضعف النظام التعليمي في المدارس الابتدائية وعجزه عن تحقيق الأهداف التربوية، وكنتيجة الحروب وغياب الأمن والتي أدت إلى الهجرة القسرية، وازدياد نسب الأطفال اليتامى وفقدان الرعاية الأبوية. 

تبلغ نسبة الالتحاق بالمدارس الابتدائية في العراق 91٪. وتنخفض هذه النسبة بشكل ملحوظ لتصل إلى 36٪ في المدارس المتوسطة وتنخفض أكثر إلى 18٪ في المدارس الثانوية. نسبة الطلاب الملتحقين بالجامعات 14٪ فقط. وهكذا، فإن نسبة 73٪ من نسبة الملتحقين بالمدارس الابتدائية تسربوا من الدراسة.

وفقا لليونسكو واليونيسيف والبنك الدولي، فإن أعلى معدلات التسرب هي بين الإناث. 11.4٪ من الإناث يتسربن مقابل 5.4٪ فقط من الذكور. وبذلك تغيرت نسبة الذكور إلى الإناث في المرحلة المتوسطة إلى 142: 100. نتيجة لهذا العدد من الطلاب المتسربين وإعادة سنوات الدراسة، فقد العراق ما يقرب من 850 مليون دولار في عام واحد. في عام 2016، أدى فشل الطلاب في الاختبارات إلى وجود أكثر من 107 آلاف طالب بعمر أكبر من أقرانهم في الصف. وفي نفس العام بلغ عدد الأطفال النازحين الذين لم يتمكنوا من الالتحاق بالمدارس 355 ألفاً، معظمهم من الفتيات. ضمن الفئة العمرية من 10 إلى 14 عاما، لم يذهب 1 من كل 5 إلى المدرسة. وبالتالي، لا يبدو من الغريب أن يكون العراق من بين أعلى نسبة من البالغين الذين لا يجيدون القراءة ولا الكتابة، مقارنةً بدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

6- نظام الامتحانات

الامتحان هو تقييم تعلم الطالب. يجب أن يعتمد على التقنيات النوعية والكمية لتقييم أداء الطلاب بشكل شامل. ويجب أن تضمن المعايير صحة وموثوقية الإجراءات المستخدمة في عملية التقييم. الهدف الأساسي للامتحان هو تقييم أداء الطلاب. إن نظام الامتحانات في العراق ليس فقط قديما ولكنه أيضا لا يتمتع بالجودة اللازمة لتقييم أداء المتعلمين بشكل شامل. يختبر نظام الامتحانات في العراق ذاكرة الطلاب فقط فلا تقييم لهم في جميع جوانب التعلم. علاوة على ذلك، فإن الامتحانات تتأثر بقوى خارجية وداخلية تشجع الممارسات غير المشروعة مثل الغش. ونتيجة لذلك، يشجع نظام الامتحانات التعلم عن ظهر قلب والحشو مما ينفي دور القوة الفكرية العالية للمتعلمين في العملية التعليمية مثل التفكير النقدي، والتفكير المستقل، والمهارات التحليلية وما إلى ذلك ولا يقيس الامتحان الإنجازات الفعلية وأداء الطلاب الحقيقي.

7- معايير إشراف ضعيفة

يتمثل دور الإشراف في استكشاف نقاط ضعف أو أخطاء المعلمين وإظهار المعاملة القاسية في شكل عمليات قطع راتب او تأخير الترفيع وتلعب المحسوبية والمنسوبية دورا في ذلك. الإشراف هو مراقبة التدريس والتعلم. من خلال تقنيات الإشراف الفعال يمكن تحسين عملية التدريس والتعلم. حاليا نظام الإشراف المدرسي بلا هدف. ليس هناك فقط نقص في الأنشطة الإشرافية في المدارس ولكن عملية الإشراف نفسها لا تحقق أي نتائج إيجابية للمعلمين والطلاب. يهتم نظام الإشراف بالسيطرة على المعلمين ومضايقتهم بدلاً من تقديم المساعدة والإرشاد لتحسين الأداء. لقد أصبح فشل الحكومة في الإشراف الفعال على المعلمين - في تحميلهم المسؤولية عن التدريس غير الفعال، والعلاقات السيئة مع الطلاب، وإهمال الواجبات - مشكلة خطيرة. في عام 2012، كشف المسح التعليمي للعراق (مهارات) أن الأداء غير الملائم للمدرسين ترك الطلاب العراقيين يفتقرون إلى مهارات القراءة والرياضيات الأساسية، والأهم من ذلك، مهارات حل المشكلات.

8- التأثيرات الداخلية والخارجية

لا يخلو نظام التعليم في العراق من التأثيرات الخارجية والداخلية. خارجياً، أصبح النظام رهينة للتدخل السياسي، وداخلياً يعاني من التلاعب البيروقراطي. هناك قدر كبير من المحسوبية والمحسوبية في مسائل النقل والتعيينات والترقيات. نتيجة لذلك تأثرت البنية التحتية الأساسية لنظام التعليم.

9- تنفيذ السياسات

منذ نشأة الدولة العراقية، تم وضع عدد من السياسات التعليمية. كان هناك نقص في الإرادة السياسية من جانب الحكومات المتعاقبة لتنفيذ السياسات بعضها كانت سياسات طموحة للغاية ولكن لم يكن بالإمكان تنفيذها نصا وروحا والبعض الاخر كانت لفرض هيمنة الدولة وايديولوجيتها. كانت هناك أيضا مشكلة الفساد ونقص الأموال وعدم الاتساق الفادح في التخطيط المتتالي من جانب الأنظمة السياسية المختلفة. علاوة على ذلك، تم تجاهل المعلمين في صياغة السياسة العامة واعتبارهم عنصرا غير مهم مما أدى إلى العزلة بين المعلمين ونظام التعليم.

10- انخفاض مخصصات ميزانية التعليم

يعتبر التمويل محرك أي نظام. أصيب نظام التعليم في العراق بالشلل بسبب قلة التمويل حيث ينفق العراق على التعليم أقل من أي بلد في العالم. وفقًا لبيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تنفق لوكسمبورغ 21320 دولارًا لكل طالب، بينما تنفق إندونيسيا 1209 دولار على كل طالب. في العراق، ينخفض الإنفاق، في أحسن الأحوال، إلى حوالي 600 دولار لكل طالب. في عام 2016 خصص العراق 5.7 مليار دولار للتعليم، لكن 91٪ من ميزانية التعليم تذهب لتغطية الرواتب، في حين أن الاستثمار في التعليم كان ضئيلاً نسبيا، حيث بلغ قرابة 600 مليون دولار، وقد تم نهب معظمه.

11- الفساد

من بين الأسباب الأخرى، يعد الفساد العامل الرئيسي المساهم الذي أثر بعمق على نظام التعليم في العراق. هناك نظام ضعيف للرقابة والمساءلة شجع العديد من العناصر الإجرامية في قمة النظام على اختلاس الأموال واستخدام السلطة بشكل غير قانوني وإعطاء مزايا غير ضرورية في تخصيص الأموال والتحويلات والترقيات واتخاذ القرار. وفقا لمنظمة الشفافية الدولية، فإن العراق مدرج في قائمة أكثر دول العالم فسادا. بسبب المحاصصة وشيوع الفساد الإداري والمالي وتدني الأجور، يسعى المعلمون الذين يبحثون عن معايير الحياة الكريمة والحفاظ على ارواحهم إلى طرق وسائل غير نزيهة في الامتحانات والمسائل المتعلقة بالشهادات والدرجات وما إلى ذلك.

12- البنى التحتية

تعاني العديد من المدارس، لا سيما تلك الموجودة في المناطق الريفية والمناطق الفقيرة، من تدهور مبانيها التي تهدد صحة الطلاب وسلامتهم وفرص تعلمهم. يوجد في العراق أكثر من 15 ألف مدرسة ابتدائية، لكن 35٪ من هذه المدارس ليس لديها مبانٍ خاصة بها. من بين أكثر من 4 آلاف مدرسة متوسطة في العراق، 30٪ ليس لديها مبانٍ خاصة بها، ومن أكثر من ألفي مدرسة ثانوية، 30٪ تفتقر إلى مرافقها الملائمة. وهذا يترك عجزا في أكثر من 8500 منشأة مدرسية على جميع المستويات. علاوة على ذلك، هناك أكثر من 4500 مبنى مدرسة ابتدائية بحاجة إلى إعادة تأهيل، كما هو الحال بالنسبة لمباني المدارس الثانوية والبلغ عددها 1280، وهناك أكثر من 1800 مبنى مدرسي غير ملائم على الإطلاق.  تعاني المناطق الريفية من نقص حاد في المدارس والمدرسين والخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه وإمدادات التشغيل الأخرى. بالإضافة إلى ذلك، في حين أن المدارس في المدن بها ما يصل إلى 24 صفا دراسيًا، فإن المدارس الريفية بها ما يصل إلى 6 صفوف دراسية فقط. ساهمت هذه النواقص في تقليص عدد ساعات الدراسة في المدارس العراقية، حيث يتلقى الطلاب التعليم لمدة 3 إلى 4 ساعات فقط في اليوم مقارنة بالطلاب في أمريكا والصين وكوريا الجنوبية الذين يتلقون 8 و10 و14 ساعة على التوالي. كل هذه العوامل أثرت سلبا على العملية التعليمية العراقية ومخرجاتها.

استنتاج

تستنتج هذه الدراسة أن التعليم يطور الناس في جميع مجالات الحياة مثل الاجتماعية والأخلاقية والروحية والسياسية والاقتصادية. إنه قوة ديناميكية تمكن كل شعب من تحقيق أهدافه الوطنية الشاملة. من الحقائق الثابتة أن البلدان التي طورت نظاما تعليميا سليما لديها نظام اجتماعي وسياسي سليم. مع وجود أنظمة تعليمية فعالة، تلعب العديد من الدول دورا قياديا في المجتمع الدولي ويتمتع الافراد بحرياتهم وهم أحرار ومتطورون سياسياً واقتصادياً. لم يتمكن نظام التعليم في العراق من أداء دوره بفعالية في بناء الدولة. وقد ساهم هذا العامل في تنمية حالة الإحباط لدى المجتمع العراقي. جيل المستقبل في العراق بلا اتجاه بسبب نظام التعليم المعيب الذي فشل بشكل جذري في استنهاض البلد على أسس اقتصادية واجتماعية وسياسية وأخلاقية سليمة.

ينتج نظام التعليم الزائف قوى من حاملي الشهادات الذين يعانون من نقص في المهارات الحية عالية المستوى مثل التفكير والتفكير النقدي والتحليل والبحث والإبداع. وبدلاً من ذلك، ركز نظام التعليم على تغذية الفرد بمعلومات ومعرفة قديمة لا صلة لها بالعالم الحالي سريع التغير. مخرجات نظام التعليم العراقي سليمة من الناحية النظرية ولكن لا تمتلك مهارات لتطبيق ما تتعلمها من المدارس والجامعات بسبب الأساليب التقليدية للتعليم والتعلم.

أخيرا، خلصت هذه الدراسة إلى أن هناك حاجة ملحة لإصلاح نظام التعليم في العراق ولهذا الغرض تقدم هذه الدراسة التوصيات التالية:

التوصيات

1- يجب توفير موازنة كافية للتعليم في الناتج المحلي الإجمالي الوطني. ستمكن هذه الموارد اللازمة من النهوض بالتعليم وبناء ما يحتاجه العراق من 20 ألف مدرسة في عموم العراق هذا إذا ما تم القضاء على فساد مشاريع الأبنية المدرسية.

2- يجب أن تكون هناك مؤسسات نوعية للتطوير المهني للمعلمين من المستويات الابتدائية إلى المستويات العليا. لهذا الغرض، يجب تزويد النظام الحالي لمؤسسات تعليم المعلمين بالموارد البشرية المؤهلة لتشغيل برامج تدريب المعلمين على أساس دوري.

يجب تعزيز نظام المساءلة وتثقيف جميع المهنيين المرتبطين بنظام التعليم لتحمل مسؤولياتهم على أساس فردي وجماعي. هذا يساعد في خلق شعور بملكية النظام ووظائفه.

3- يجب تقييم المناهج الدراسية على أساس سنوي. في هذا الصدد، يمكن إجراء مسح واسع للحصول على آراء المعلمين وأولياء الأمور والمجتمع فيما يتعلق بتوقعاتهم وملاحظاتهم. في ضوء ذلك وتوصيات الخبراء التربويين، يجب إعادة تحديد أهداف المنهج وإعداد منهج يلبي احتياجات المجتمع والدولة دون أي تمييز في المذهب والاثنية.

4- يجب أن يكون هناك أقل قدر ممكن من التدخل السياسي. سيسمح هذا للنظام بالعمل بسلاسة ودون أي تمييز. خلق التدخل السياسي المتكرر ونظام المحاصصة ثغرات سيئة في النظام أدت إلى التراجع والفساد.

5- ينبغي تنفيذ سياسات صائبة بالاستعانة بخبراء دوليين دون أي تأخير من حيث الوقت والموارد.

6- يجب أن تكون هناك إرادة سياسية قوية من جانب الحكومة لتنفيذ السياسات دون أي تأخير. أدى التلكؤ في التنفيذ والتنفيذ السيئ للسياسات إلى خلق فجوات وعجز في الثقة من قبل أبناء الشعب

7- يجب أن يكون نظام الامتحانات خال من مافيا الوسائل غير العادلة والفساد والإكراميات غير القانونية. لهذا الغرض، يمكن تحسين نظام الإشراف والتفتيش ماديا ونظريا. يجب على الحكومة تعزيز رواتب العاملين في مجال التعليم حتى لا تنحرف ميولهم نحو الوسائل غير النزيهة لزيادة مدخلاتهم.

8- تشجيع حملة الشهادات العليا من الولوج في سلك التدريس الثانوي وتقديم الاغراءات الوظيفية لهم كوسيلة لدعم المدارس بعناصر تربوية عالية التدريب والمعرفة.

9- يجب تعزيز ثقافة البحث داخل المؤسسات التعليمية. لهذا الغرض، ينبغي تسريع وتيرة البرامج الموجهة نحو البحث في بيدوغوجيات التدريس والتعلم في المؤسسات التعليمية في جميع أنحاء البلاد وخاصة في المستويات العليا. يجب على الحكومة زيادة حجم تمويل البحث العلمي لهذا الغرض.

 

أ. د. محمد الربيعي

 

ليلى الدسوقيينقسم القضاء فى الاسلام الى نوعين:

القضاء العادى ويختص بالنظر فى المنازعات العامة الا ما استثنى بنص خاص والقضاء الادارى ويختص به ناظر المظالم وله اختصاصات محددة وايضا يوجد المحتسب والذى يختص بالامر بالمعروف والنهى عن المنكر

فقد قسم الفقهاء القضاء العادى الى ثلاثة انواع قاضى ذو ولاية عامة موضوعا ومكانا وقاضى عام النظر محدد مكانا وقاضى محدد الولاية

واذا كان الاصل فى الوقت الحاضر ان مهمة القاضى تقتصر على تطبيق القانون فان حرية القاضى الاسلامى كانت اوسع من ذلك فهو ملزم بما ورد فى كتاب الله وسنة رسوله وبما اجمع عليه المسلمون

وقد تاكد ذلك فى حديث سيدنا معاذ ابن جبل حين ارسله رسول الله ﷺ قاضيا الى اليمن وقبل ان يرسله ساله بم تحكم؟ قال معاذ بكتاب الله قال فان لم تجد؟ قال بسنة رسول الله فان لم تجد؟ قال اجتهد راى ولا آلو فقال رسول الله ﷺ " الحمد لله الذى وفق رسول رسول الله لما يرضى رسوله"

الوظائف المتصلة بالقضاء

اولا المحتسب:

الحسبة لغة: حسن التدبير

الحسبة اصطلاحا: امر بالمعروف اذا ظهر تركه ونهى عن المنكر اذا ظهر فعله

(وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ‎﴿١٠٤﴾‏ آل عمران

لقد أمر الله- تبارك وتعالى - الناس جميعاً ذكورا وإناثاً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ) آل عمران 110

الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ‎﴿٤١﴾ الحج

وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) التوبة 71

فعلى المرأة المسلمة أن تكون محتسبة في الأسواق النسائية ويكون الاحتساب على الزائرات للسوق والعاملات فيه، وكل من رأتها تخالف أمر الله -تبارك وتعالى-. والله أعلم.

يشترط فى المحتسب ان يكون حرا عدلا ذا راى وصرامة وخشونة فى الدين وعلم بالمنكرات الظاهرة، ويعتبر من أهم الأدوات التي يمتلكها المحتسب الرفق والغلظة، وهو يختار باجتهاده ما يُناسب الموقف، ولا يجب عليه أن يضع الرفق في غير محلِّه، وكذلك الغلظة، ومن ثَمَّ لما رأى الخليفة المأمون محتسبًا غليظًا، قال له: "يا هذا، إنَّ الله أرسل من هو خيرٌ منك لمن هو شرٌّ منِّي؛ فقال لموسى وهارون: {فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} طه: 44

واختلف الفقهاء من اصحاب الشافعية فى هل يجوز للمحتسب ان يحمل الناس فيما ينكره من الامور التى اختلف الفقهاء فيها على رايه واجتهاده ام لا؟

فذهب راى الى ان يحمل ذلك على رايه واجتهاده اى يجب ان يكون المحتسب عالما من اهل الاجتهاد فى احكام الدين ليجتهد برايه فيما اختلف فيه

وذهب راى اخر الى ان ليس له ان يحمل الناس على رايه واجتهاده ولا يقودهم الى مذهبهم لتسويغ الاجتهاد للكافة فيما اختلف فيه ومن ثم فانه يجوز ان يكون المحتسب من غير اهل الاجتهاد اذا كان عارفا بالمنكرات المتفق عليها

ومن وظائف المحتسب الاشراف على اقامة شعائر الدين - الاشراف على المرافق العامة – النظر فيما يتعلق بالغش والتدليس فى المعاملات ومراقبة المكاييل والموازين – منع المسألة فى غير حاجة – الاشراف على الاسواق – تلقى شكاوى المواطنين والنظر فيها - القضاء على الإشاعات التي قد تُسبب هرجًا بين الناس، ففي عهد السلطان برقوق، عام 781هـ، حدثت واقعة غريبة؛ فقد "شاع بين الناس أن شخصًا يتكلم من وراء حائط (من داخله) فافتتن الناس به، واعتقدوا أن المتكلم من الجن أو الملائكة، وقال قائلهم: يا رب سلم! الحيطة تتكلم.

وقال ابن العطار:

يَا نَاطِقًا مِنْ جِدَارٍ وَهْوَ لَيْسَ يُرَى *** اظْهَرْ وَإِلاَّ فَهَذَا الْفِعْـلُ فَتَّـانُ

لَمْ تَسْمَعِ النَّاسُ لِلْـحِيطَانِ أَلْسِنَةً *** وَإِنَّمَـا قِيـلَ لِلْـحِيطَانِ آذَانُ

ثم تتبع جمال الدين المحتسب القصة، وبحث عن القضية إلى أن وقف على حقيقتها، فتوجَّه أولاً إلى البيت، فسمع الكلام من الجدار، فرسم على الجندي جار المكان، وضرب غلامه، وقرَّره وأمر بتخريب الدار فخُربت، ثم عادوا بعد ذلك وسمعوا الكلام على العادة، فحضر مرَّة أخرى، فأمر من يخاطب المتكلم، فقال: هذا الذي تفعله فتنة للناس فإلى متى? قال: ما بقي بعد هذا اليوم شيء، فمضى، ثم بلغه أنه عاد وقوي الظن وأن القصة مفتعلة، فلم يزل يبحث حتى عرف باطن الأمر، وهو أنه وجد شخصًا يقال له: الشيخ ركن الدين عمر. مع آخر يقال له: أحمد الفيشي. قد تواطئَا على ذلك، وصارا يلقنان زوج (امرأته) أحمد الفيشي ما تتكلم به من وراء الحائط، من قرعة تصير الصوت مُستغربًا لا يُشْبه صوت الآدميين، فانتهى الأمر إلى برقوق، فسمَّرهم بعد ضرب الرجلين بالمقارع، والمرأة تحت رجلها، وحصل لكثير من الناس عليهم ألم عظيم، وخلع على جمال الدين خلعة بسبب ذلك"

و كان اول من باشر وظيفة الحسبة بنفسه سيدنا عمر بن الخطاب فقد كان يشرف على الرعية ليلا ونهارا ، فقد روي عنه رضي الله عنه أنه قال لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله تعالى لما لم تمهد الطريق لها .

ذات ليلة خرج عمر بن الخطاب في الليل مع أحد الخادمين لديه ويسمى أسلم ، وأثناء تجوله جلس على إحدى الجدران حتى يستريح جانب أحد الجدران ، فسمع صوت إمرأة تأمر ابنتها أن تقوم وتخلط اللبن بالماء ، فردت عليها الفتاة وقالت لها ألم تسمعي المنادي اليوم؟

وبعد ذلك ردت الأم على ابنتها وسألتها ما الذي قاله منادي عمر؟ فردت الفتاة وقالت أن عمر أمر ألا يتم خلط اللبن بالماء، فردت الأم وقالت قومي يا ابنتي اخلطي اللبن بالماء فإن عمر ومناديه لن يرانا ، فاقتربت الفتاة من والدتها وقالت لها والله يا أماه أماه ما كنت أطيعه في العلن وأعصيه في الخفاء ، وإن كان عمر لا يرانا فإن الله سبحانه وتعالى يرانا.

الا انه بعد زيادة المهام الملقاة على عاتق الدولة تميزت وظيفة المحتسب واصبحت وظيفة عامة يعين لها موظف يسمى المحتسب وكان ذلك فى عهد الخليفة العباس محمد المهدى (158-169 هــ) الا ان العصر الذهبى للحسبة والمحتسب كان فى عصر المماليك (648-933هــ) نظرا لاتساع نشاط الدولة التجارى وبالتالى زيادة المجالات التى تدخل فى نطاق سلطات واختصاصات المحتسب

والعجيب أن أوربا قد أخذت نظام الحسبة عن المسلمين في عصورهم الوسطى، خاصة في وقت الحروب الصليبية ، وقد أبقى الصليبيون وظيفة المحتسب على المدن التي استولوا عليها في المشرق، ونقلوها إلى كثير من بلدانهم في أوربا؛ إذ جاء في كتاب "النظم القضائية لبيت المقدس"، الذي وضعه الصليبيون أثناء احتلالهم بيت المقدس أنه ينبغي "أن يُقْسِم المحتسب على نفسه أنه سوف يعمل على احترام القوانين، وأنه سوف يُحافظ على حقوق الملك... ويجب على من يتولَّى منصب الحسبة أن يذهب إلى الأسواق في الإصباح؛ ليتفقَّد حوانيت الجزارين... وغيرها من حوانيت المأكول والمشروب... ويجب عليه كذلك أن يتحرَّس مما يُدخله الباعة، والدَّوَّارون في مبيعاتهم من الغشوش، وأن يُراعي وجود الخبز في الأسواق وجودًا غير مقطوع، وأن يكون وزن الخبز مطابقًا للوزن المقرر بمجلس الحكم "

ناظر المظالم

هو قود المتظالمين الى التناصف بالرهبة وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة ولقد كان اول من نظر المظالم الرسول عليه الصلاة والسلام وقد كان يقول دائما " ابلغونى حاجة من لم يستطع ابلاغها فانه من ابلغ ذا سلطان حاجة من لا يستطيع ابلاغها ثبت الله قدميه على الصراط يوم تزل الاقدام "

وقد سار على نفس الدرب الخلفاء الراشدون الا ان اول من افرد للظلامات يوما يتصفح فيه احوال المتظلمين عبد الملك بن مروان فكان اذا وقف منها على مشكل او احتاج فيها الى حكم منفذ رده الى قاضيه ابى الادريس الاودى وكان اول من ندب نفسه للنظر فى المظالم عمر بن عبد العزيز ثم جلس لها خلفاء بنى العباس فكان اول من جلس لها الهادى ثم الرشيد ثم المامون واخر من جلس لها المهدى حتى عادت الاملاك الى مستحقيها

صفات ناظر المظالم ان يكون جليل القدر نافذ الامر عظيم الهيبة ظاهر العفة قليل الطمع كثير الورع

ويجب ان يشتمل مجلس ناظر المظالم على خمسة اصناف لا يستغنى عنهم

الحماة والاعوان والقضاة والحكام والفقهاء والكتاب والشهود

اختصاصات ناظر المظالم

اختصاصات يباشرها من تلقاء نفسه وهى جور العمال – تصفح كتاب الدواوين- النظر فى منازعات الاوقاف العامة

اختصاصات لا يباشرها الا بناء على مظلمة

تظلم الموظفين من نقص اجورهم – النظر فى رد الاموال المغتصبة – النظر فى منازعات الاوقاف الخاصة – مساعدة المحتسب فيما اوكل اليه من اختصاصات – مراعاة العبادات الظاهرة كالجمع والاعياد والحج والجهاد

ومن استعراضنا لاختصاصات ناظر المظالم يتبين لنا انها اختصاصات قريبة الشبه الى حد كبير الى القضاء الادارى ( مجلس الدولة ) فى عصرنا الحالى ومع ذلك فان عمل ناظر المظالم ليس قضائيا خالصا بل هو قضائى تنفيذى

مما سبق يتضح جليا ان الدول العربية الاسلامية طبقت من نظم الرقابة الدقيقة على عمال الدولة ما يكفل للمواطنين حماية حقوقهم وحرياتهم الامر الذى لم تصل اليه الدول الاوروبية الا فى وقت متاخر بكثير عن العصر الاسلامى

و الله اعلى واعلم

 

ليلى الدسوقي

 

 

 

 

اسعد شريف الامارةالكثير منا ينتابه الخوف من الفشل وعدم القدرة على كفاية معيشته اليومية في عالمنا اليوم، عالم التحضر وعالم التكنولوجيا، عالم البحث عن شهادة عليا، وأعلى من الشهادة الجامعية ربما الماجستير والدكتوراه، والاسراع في التخصص في مجال الطب بكل فروعه، وحتى ممن أمتهن العسكرية وأصبحت حرفته يرغب في أن يصبح من ملازم إلى عقيد بأسرع وقت متاح بلا خبرة أو تدرج وظيفي، أنه عالم مستعجل في شق عباب السنين والشهور، عجلة ليس لها مثيل أو مقارنة في العالم الخارجي، أقصد في بلدان العالم الاخرى المتقدم، حيث عرف عن التأني في الحصول على الشهادة وكسب الخبرة، والتريث في التواصل مع المستجدات، إلا إننا في هذه البقعة من بقاع العالم شعارنا العجلة ثم العجلة، وإلا فاتك قطار العمر، هذا العصر عصر عجيب يتحقق فيه أعظم تقدم وتكنولوجيا وفيه يظهر أعلى درجات العجلة، تنافس من أجل الحصول على مكان في هذا الزمن حتى وإن سبب القهر للآخر، عصرنا هذا عصر تجتمع فيه المتناقضات على نحو فاق جميع ما سبق من عصور، عصر يشهد التناقض في القيم، الدين والسياسة معًا في تسابق مع الحياة، وكلاهما يبحثان عن مصالحهما في تحقيق أهدافهما، ووقودهما إنسان اليوم في عالمنا العربي والعالم الثالث.

إن أزمة اليوم هي أزمة وجود إنساني أزمة اثبات لمن يحقق الوصول مهما كانت النتائج وما يدفعه الفرد في هذا الصراع غير المنتهي.

ان الفرد منا يستمر في معاناته مع الصراعات الداخلية في الوصول لاهدافه، علمًا انها أكثر خطورة لأنها غير مرئية هذه الصراعات، ولكنه دخل في دوامة المنافسه في كل مجالات الحياة، وبدأها من نفسه، ومع نفسه، ويعتقد ان الحياة باتت حلبة صراع تبدأ من الصباح ولا تنتهي إلا في ساعة متأخرة من اليوم، يقول علماء النفس أن الشخص الذي يعيش في دوامة الصراع المحتدم من أجل تحقيق أهدافه البسيطة والكبيرة لابد من أن يعاني من الصراع مع الآخرين والصراع الداخلي، فهو خائف نفسيًا، وخائف في وجوده، خائف على كيانه الذي يرتبط بمستقبله، يستدعي المكبوتات التي خزنها في لاشعوره، واستدعاها من خلال أنواع كبته، هذه الآلية صحيحه بالنسبة إلى كل الآلام السيكولوجية أيا كانت، صراع الحصول على الرزق اليومي، صراع المنافسة على الشهادة، صراع الحفاظ على وجوده وعودته سالمًا لأسرته بلا اثار جسدية، أو الالام في الركبة أو المفاصل، أو الظهر، أو في احشائه الداخلية التي لا يدرك خطورتها إلا بعد أن يضع نفسه على السرير ويتمدد على الفراش، حينها تبدأ المعدة بالآنين، أو ارتفاع نبضات القلب، أو الزيادة في ارتفاع ضغط الدم، فضلا عن استخدام مفرط في لفائف السيكاير بأنواعها واستخدام الشاي بشكل شره ومفرط.

 تؤكد لنا أدبيات العمل النفسي والخبرة فيه يحدث الارهاق عندما يصرف الإنسان من طاقته ما يتجاوز إمكاناته، فالاستعمال المفرط لأي عضو من اعضاء الجسم، كالدماغ مثلًا يعني إنقاص قدرته، مثله في ذلك مثل السيارة على وجه الدقة. حيث يؤدي بالنتيجة إلى بدء العطل فيه، وكذلك المفاصل التي تغدر بصاحبها، أو القدمين التي لا تعين صاحبها على الوقوف وغيرها. يصاحب ذلك وبشدة الجوانب النفسية التي تربك صاحبها، وابرز علامتها عدم القدرة على التركيز، والنسيان وبالاخص نسيان الاسماء والاشياء، رغم أن الفرد لم يبلغ بعد من عمره العقد الرابع، أو الخامس.

ان الحاجة تدفع الإنسان إلى أن يغامر ويخاطر من أجل تحقيق هذه الحاجة وإشباعها، أعني الرغبة الإنسانية وهذه الرغبة تكمن خلفها دوافع لا حصر لها ويقول الاستاذ الدكتور" فرج أحمد فرج" رحمه الله ان رغبة الإنسان في أن يصير موضع رغبة الآخر .. لذلك فالعلاقة بموضوع الحاجة هي في جوهرها علاقة إفناء، فإنسان اليوم يفنيه الإجهاد والضغوط بانواعها والازمات بمختلف أشكالها ويواجه الصدمات حتى يقتله الإعياء النفسي والارهاق والانهاك، أو يستمر في تحقيق رغبته فالجائع يستهلك صحن طعامه وينصرف عنه، او عما بقي فيه من طعام إذا ما أصاب شبعًا، وعندما يتحقق للجائع الشبع الكامل نراه ينصرف عن الطعام وينصرف عن التفكير فيه والإنشغال بموضوعات اخرى من أمور الحياة.. وهكذا يبقى السعي مستمرا في البحث عن الاشباع من أمور الدنيا والحياة، أنه إيقاع دوري يتصاعد ويتفجر وينطفئ ولا يوقفه إلا حالة الاعياء النفسي والانهاك المرضي.

يبدأ الأضطراب النفسي " العصاب" بالظهور ويكون العامل العصابي التكويني المسبق الذي يفسر بأن فردًا ما يكون أكثر عرضة من فرد آخر تجاه حدث واحد كما يقول البروفيسور "عدنان حب الله" ويؤكد رؤية "سيجموند فرويد" بان ظهور عصاب ما "مرض نفسي" إنما يعزى إلى تداخل عاملين: الاول صدمي والآخر تكويني، فإذا اجتمعا معًا يزعزعان إذا ما تعديا شغف الاحتمال لدى الفرد ويوقعانه في المرض النفسي وهكذا يكون مدخل الإنهاك النفسي هو المدخل لاختلال الصحة الجسدية والنفسية، وهو من اضطرابات الحضارة الجديدة.

 

د. أسعد شريف الامارة

 

سامي عبد العالواضح أنَّ الثقافة العربية بصدد الطفولة قد طابقت بين الوسيط (الوسيلة) والكائن (الإنسان) في مجالات المعرفة والتعليم. بمعنى أنَّها لم تركز على الإنسان كإنسان ولا على قدراته المتطورة، لكنها أرادت تثبيت كيان الفرد (الساكن) كحجرٍ هو الوسيط، ضاربةً صفحاً عن كيانه المائي السائل (المتغير). لقد أعطت عناية للصلصال داخل الإنسان، للسمع والطاعة، للموت، للحقيقة الكاملة عبره. وفي الوقت ذاته حاولت تحجيم إمكانية التغيير الزمني أمامه: فليأتِ التغيير مصادفةً أو حتى عُنوةً أو قدراً إلهياً كالطوفان أو كارثة محققة، لكنه لا يجب أنْ يأتي تخطيطاً حُرّاً لأناسٍ أحرار!!

وبناءً عليه، يبدو أنَّ هناك وظيفة محددة للغة، الصياغة، الخطاب، وهي وظيفة معروفة في مثل هذه الحالات .. أنْ تكون اللغةُ بكل صياغاتها وصفية descriptive، أي تحاول وصفَ المعارف لا إنتاجها، نقلها لا إبداعها، تكرارها لا الإتيان بشيء مختلفٍ والتحليق حولها لا الدخول إلى منطقها. فالتعليم عموماً له خاصية أنْ يُغير الاتجاهات نحو العالم والحقيقة والحياة والقيم السائدة، بينما تجعله اللغة العربية، النصوص والخطابات المستعملة في المجال العام ذا (طبيعة سلفية محافظة)، إنَّه لا يفتأ يلخص المبادئ التي تسربها الثقافة التقليدية في مجالاتها المتباينة.

التعليم وما ينتمي إليه، أصبح أمراً ملحقاً، هامشياً على متن حياة ملؤها الفقر والاستبداد، إذ ذاك لايؤثر التعليم في الصغر ولا في الكبر. كيف يؤثر في هكذا مرحلتين وهو لا يؤثر في المجتمع أصلاً؟! فالثقافةَ العربيةَ لا تضع الزمنَ في سلم أولويتها وإلاَّ لأخذت بالتغير وبالمستقبل الإفتراضي، إنما وضعت الإنسانَ داخل كتلة عُمريّة ضبابية لا تهتم بتفاصيلها.

أولاً: المفاهيم والتصورات الهلامية تحكم صياغات الخطاب الثقافي، وبخاصة تجاه المستقبل الافتراضي. هنا لابد من القول إنَّ الهلاميات أُسس وأركان ومؤسسات وقوانين في المجتمع العربي لا مجرد أفكار فقط. مثل كلمات الصباح، الظهر، العصر، المساء، الليل، إذ تُطلَّق من فاعلى الثقافة حينما يضربون موعداً، ولم تكن هناك دقة محددة للزمن إرتباطاً بالأعمال. الزمن بنية خطابية تُعدُّ دلالة الطفولة إحدى مفرداتها الغائمة. ومع كون مشكلة الزمن لغويةً نجدها بذات الوضع، بل بجذورها مشكلة ثقافيةً، وينسحب الوضع الهلامي إلى السلطة، السلطان، الحاكم، القبيلة، الأسرة، الدولة، مكونات عربية ترفلُّ في إهاب واسع من الضبابية التصورية. وحتى إذا كان ثمة ممثل لها، فإنَّه ينال ذات القَدْر والقُدْرَة معاً إن لم يكن أوسع من مكانته الرمزية.

المثال البارز على ذلك (أهمية الزمن)، ولاسيما من جانب علاقته بالفعل. فعلى الرغم من أن علماء العربية خاضوا بحثاً وجدلاً في دقائق اللغة، وعلى الرغم من ورود صيغ المشرق والمغرب بالقرآن في صورة الجمع (ربُّ المشارق والمغارب[1])، إلاَّ أنّهم لم يكترثوا بهذه المسألة. ومع أنهم فطنوا إلى الفروق بين معاني الفعل الخالي من القيود الزمانية، وبين الفعل المقيد بها مثل (طلّبَ) و(سبقَ أن طلّبَ) و(يكونُ قد طلّبَ) و(لولاه لمِا طلّبَ)، غير أنهم لم يدخلوا في تفاصيلها، ولم يجعلو من الصيغ الزمنية باباً خاصاً كما تم ذلك في كثير من اللغات الحية[2].

لكن الأغرب من تجاهل مسألة الزمن هو تبرير تجاهلها: " يغلب أنْ يكون هذا ناشئاً من عدم علمهم (أي العلماء) بلغات أجنبية، إذ أن كثيراً من المفاهيم والحالات والمقتنيات لا يتبادر إلى الذهن تلقائياً وبسهولة إلاَّ بعد ظهور سبب ذكره أو ضرورة تستدعيه. فهذه المنجزات الحضارية والتقنية الضخمة التي نلمسها في مجالات مختلفةٍ من حياتنا تبرهن على هذه الحقيقة "[3].

عدم اطلاع علماء العرب على اللغات الأجنبية لا يجعل اللغة (هذا الكيان الوجودي، التاريخي) تُسقِط علاقةَ أفعالها بالزمن. اللغة باعتبارها تاريخية الثقافة، أي تعبير عن العمق الحياتي للإنسان، تؤكد هذا " العمى " الزمني، هذا الانزلاق على سطح الزمن دون تحديد. الثقافة العربية لا تلتفت إلى الوحدات الزمنية بوصفها جوهراً حياتياً، إنما بوصفها معطى طبيعياً. وعربياً كان الزمن في عموميته تهويماً نهارياً أو ليلياً. فالليل على سبيل الشرح سيمر كما هو في شكله الشامل، في حركته الكلية، عبر غشيانه للنهار وللكائنات، وللأحداث. في الشعر العربي يرد الليل على نحو شبيه بالوضع الإنساني، ليل ثقيل، ليل بهيم يسرِّب إليك لونا من الملل، إنه ليل ناء بكلكله كما يقول إمرؤُ القيس.

وليلٍ كمَوجِ البحر أرخى سدولَه .. عليّ بأنواع الهموم ليبتلي

فقلت له لمّا تمطّى بصُلبه .. وأردف أعجازًا وناء بكلكل

ألَاَ أيها الليل الطويلُ أَلاَ انجلي .. بصبحٍ وما الإصباحُ منك بأمثلِ

يأتي الليلُ في" لسان العرب " كتحول زمنى كوني، أشار اللسان إليه بوصفه مرحلةً عقب النهار، ومبدؤه من غروب الشمس حتى الفجر. لقد عرِّف المعجمُ العربي ظاهرة طبيعيةً كالليل بظاهرة طبيعيةٍ أخرى هي غروب وشروق الشمس،فاللغة من خلال بصماتها الدلالية دائرية محدودة بحدود البيئة. لم يكن الحدث الإنساني، أي حدث، ولم يكن الفعل الإنساني، أي فعل شاغلاً لفكرة الزمن في أذهاننا، إنما كان انعكاسه جارياً على نقيضه. يقول معجم " تهذيب اللغة " الليل ضد النهار، والليل ظلام الليل، والنهار ضياء اليوم، فإذا أفردت أحدهما من الآخر قلت ليلةَ يومٍ، أليس ذلك مثالاً على المفاهيم الهلامية؟! ماذا ستكون صياغة الخطاب الموجه إلى الطفل؟

بالتأكيد لايدرك أطفالُنا ما معنى الزمن سوى معاني الشروق والغروب. ولو حاولنا تحديد الزمن، فلن نجد إحداثيات مهمة، ستكون صياغة العبارات، الجمل، الكلمات في الحياة العامة فضفاضةً ومتزحزحة. إننا نمتلك لغةً من أكثر اللغات انطواءً على الزمن، ولكنها هي الأكثر تفرداً في تضييعه. وبذلك نسرب إليهم عدم الإلتزام بأي عمل ممكن. والأخطر برمجة عقلية الطفل على أن الجهدَّ أمر غير مهم، طالماً انعدمت الفروق الزمنية. فالجهد هو حاصل ضرب الطاقة في الزمن، وإذا كان الزمن هائماً، فستهدر الطاقة بالتبعية، لأن الطاقةَ تحتاج إلى فاعلية الزمن المقنن بجانب الشعور بأهميته وإنجاز الأعمال خلاله.

ثانياً: أفكار التمثيل والمحاكاة تهيمن على خيال الطفل. والتمثيل في اللغة يرجع إلى ربط المعاني بمحددات بيئية (مكانية وزمانية). وهو مشكلة تثار على خلفية العلاقة بين اللغة الواقع. الملاحظ في هذا الجانب أن الصياغات المقدمة للأطفال لها أبلغ التأثير على تشكيل الإدراك وطرق التفكير، فتقديم صور للحيوانات والأشجار والأماكن مقرونةً بالمعاني المطروحة إثبات لصحة المعاني على نحو تطابقي. بينما الأجدر أنْ يقرأ الطفل هذه الصور مع عمليات تمثيل بديل، أي لا بد أنْ يتدخل الطفل بنفسه للتعليق أو للرفض أو للتغيير. إضافةً إلى أنَّ عرضَ المعرفة بتلك الطريقة يجعلُ من الطفل ذاكرةً حافظةً فقط، وكأنَّه سيصبحُ في نهاية العمر ماكينةً للحفظ والترديد، ولعلَّ هذه القضية تُعرَف بالتلقين والاستظهار!!

ومع أنها قضية تبدأ بفكرة التلقين، إلاَّ أنها تنتهي إلى الميراث الثقافي العام، ميراث الإحتفاظ بالأطُر المعرفية وبأنماط التقاليد المعوِّقة للحرية الفكرية والسياسية. طبعاً تمثل عملية الصياغة اللبنة الأولى تاريخياً لهذه الطقوس الثقافية. وليس من مفرٍ إزاء هذا الوضع إلاَّ التعمق في التحولات المعرفية واللغوية التي تتخفى بها المفاهيم والأفعال. لنضرب مثالاً: قد يقدم للإطفال نصٌ قصصي يعالج أهمية القيم والأخلاقيات على الصعيد الإجتماعي، وقد يكون هذا النص مكوناً من مرحلتين: أولاً الترابط الاجتماعي والأسري من خلال إحترام الأكبر سناً والأكبر مقاماً (الأب أو الجد أو الأستاذ). وثانياً التمسك بالسلوكيات التي تدعو إلى تقدير الآخر والحفاظ على كيانه التواصلي.

هنا يبدو أن نصاً لغوياً يدعم حركة الفعل الإجتماعي بشكل كامل. لكن لوتساءلنا إلى أي مدى يكون الفردُ فاعلاً؟ لكان الجواب أنه يكون كذلك حينما يسهم في الحفاظ على القيم الفرعية المؤدية إلى الفعل العام. بالتالي من الخطأ الاعتقاد بأنَّ التلقين التربوي والمعرفي يذهب هباءً، إنه يُفرِّغ طاقته الجزئية في هذا المجرى أوذاك ليلتقي مع غيره، والتراكم الثقافي المؤيد لحالة الخطاب الإجتماعي عبارة عن تراكمات جزئية ملتصقة بالأعصبة الحية للتعبير باللغة في مواقف فردية. الأفراد منتشرون ظاهرياً عبر المجال الثقافي، ويصبحون منجذبين إليه بحكم الرؤية والقيم ونسق المفاهيم، سوى أنهم يردُون إليه هذه الأشياء أضعافاً مضاعفةً، والمجال الثقافي نفسه يمتصُ معاني عباراتهم ليعيد دمجها في حركة الخطاب الموجه إليهم مرةً تاليةً.

يتشكل خيالُّ الطفل في أتون تلك العملية، وما لم نأخذ بتحرير الصيغ التقليدية للعلوم والمعارف والتواصل من القيود والأطر، فسيتجمد هذا الخيال الخصيب والمبدع، سيتسرب إلي أشياء جانبية. هناك على سبيل التوضيح القول الشائع: " يعملُّوها الصغارُ ويقع فيها الكبار"، كإشارة إلى أهمية الفعل الأتي من هؤلاء الصغار إلاَّ إنه قول يقصد بهم صغار العمر مرةً وصغار النفوس مرةً أخرى. ولو كان ثمة مناخٍ حي في المجتمعات العربية لكانت الحياة مزرعة لأعمال هؤلاء الأطفال، وما كانت دلالةُ القول لتنحرف ثقافياً تجاه  وصف مايصدر عن الأطفال بــــ"العيب" في نظر الكبار!!

ثالثاً: تقوم صياغة المعارف وأفكار النظريات الحديثة والمعاصرة على "منطق تراثي تفريغي". قبل توضيح ذلك لا يمكن تجاهل أن اللغة منطق ورؤية على الرغم من أنها وسيلة ومن أقوى الوسائل للفهم. بيد أن الثقافة العربية أثبتت إمكانية استعمالها كــ" أداة تفريغ ". فصيغ المعارف المقدمةً للأطفال قوالب مفرغة من ثقافتها العلمية والفكرية، وقد تم إعاة حشوها بالزخم التراثي المفقود، زخم متعلق بالاعتقاد الشائع أنَّ العلماء العرب هم آباء الحضارة العالمية، وهم الذين قدَّموا للعالم نموذجاً يحتذي وأنه ما زال العالم كله ينهل من علمهم المديد!! فيقال مثلاً حيال النظريات العلمية: " هذه بضاعتُنا رُدَّت إلينا "، ثمَّ ما نلبث أنْ نتناولها بأدوات ومفاهيم تراثية، كأن نتحدث عن نظرية النسبية ونظريات الكم الفيزيائية فيى حين نتجاهل تماماً التفكير المنهجي الذي أدي إليهما ولا نناقش بنية الثقافة التي أنتجتهما.

وبفضل أن النظريات العلمية المعاصرة لم تُبدّع في ضوء طرائق التفكير داخل البيئات العربية، نسرِّب إلى أطفالنا كونِّها بضائع مستوردة فقط، ولا نلامس مضامينها الثورية في العقل والتاريخ، بسبب أن الثقافة التقليدية تحاصر الصيغ اللغوية وتخترقها من خلال المنطق الذي تقوم عليه، وتلك الممارسة التربوية إنما هي ممارسة للجمود الفكري الذي نعاني منه. وإذا كان الأمر مع التكنولوجيا والبضائع أمراً مفهوماً مع مظاهر العولمة وأنماط الإقتصاد المفتوح إلاَّ أنه أمر لا مبرر له تجاه المعرفة والنظريات على الإطلاق.

أؤكد أنَّ تلك الآلية في مداها البعيد لا تربي أطفالاً، بل تجاراً للبضائع المعرفية علاوة على البضائع المادية، وتدخل بنا مدرجات المشاهدين إزاء التطورات المعرفية والسياسية دون إسهام، كأن الموضوع لا يعنينا من قريب أو بعيدٍ، جاعلةً العقل، الوعي وعياً إرتدادياً لأن التعبير باللغة عملية تفريغ واسعة الإنتشار للمضامين. وهنا تُرْسَّم سلسلةُ التفريغات: الآباء يفرّغون محتويّات أفكارِّهم لصالح الأجداد، والأبناء يفرِّغون محتويات معارفهم تبعاً لتوجهات آباء المعرفة(الأساتذة) والمرأة تفرِّغ مضمون سخصيتها وفقاً لتقاليد المجتمع الذكوري، وفاعلو المجتمع الذكوري يفرِّغون إرادتهم وفقاً لهيمنة السلطة. وفي الإطار العام تفرغنا الثقافة نحن أنطولوجياً، وفكرياً، وسلوكياً لتلقي بنا في زمن ليس زماننا، وبين رجال كانوا فاعلين يوماً ونفتقدهم الآن، ووسط أحداث وتواريخ إنطفأ بريقُها المعاصرة. القضية أن تلك السلسلة لا تنتهي، فاللغة تهامس المتحدثين، تخاتل الكاتبين،  تغرر بالمخاطبين على إعادة إنتاجها مراراً، واللافت أنها سلسلة دلالية تجتاح كافة المجالات، كافة المعارف، كافة الخطابات.

رابعاً: اللغة أداة عقابيةـ، أداة ردع رمزي عنيف. تُستعمل الألفاظ، والمقولات والنصوص كأنها في محل عقاب تنزله الثقافة بأطفالها. وبطبيعة الحال ليس هذا العقاب جارياً بشكل مباشر، هناك الكم الكبير من الموضوعات والنصوص المحتمتدريسها لهم، هناك النصوص الجافة، الأشعار الكلاسيكية (الشعر الجاهلي)، القصص المملة وغير الإبداعية، أشياء تعبر بصورةٍ أو بأخرى عن كونها لطمات للطفولة.

في ظني يرجع هذا إلى عدم الإهتمام بالإبداع من قبل الخطاب الموجه للطفل، الشيء الآخر أن هناك تشوهاً أنطولوجياً في الثقافة العربية، تلخصه فكرة طرح العقاب قبل المعرفة بحجة التربية، بدليل العطف المنطقي في المصطلح العام"التربية والتعليم". ولتوضيح ذلك نقف على مقولة:" الأدب فضلُّوه على العلم "، من هؤلاء اللذين يفضلون الأدب على العلم؟ لا نعرف ولم يقل لنا شخصٌ من هم هؤلاء. الأدب هنا بمعنى القيم التلقينية، بمعنى النقش الحجري لأخلاقيات الضبط والمراقبة الإجتماعيين، النقش في وجدان ومشاعر وسلوكيات وأجساد وعلاقات الأطفال بمحيطهم. وغياب الملامح في "فضلوه"، يعني غياب الهوية، غياب الفعل، ومعناه بالنسبة لهؤلاء اللذين فضلوا الأدب إيقاع التخويف، إضافة الفراغ الذي يتركه المجهول في شكل إلزام قسري بالأثر المترتب عليه.

أكبر تزييف للوعي أن نرى فعلاً رمزياً يقوم به المجهول، بينما تتخفى في تفاصيله عصا الثقافة الغليظة. عصا تهوى على رؤوس الأطفال في كل عملٍ، في كل فصل دراسي، في كل مقرر معرفي، والأنكي أنْ يقوم بالعقاب من بإمكانه حمل العصا. لأنه أصبح مأخوذاً بوصية هؤلاء المجهولين، ومنفذاً لتفضيلهم. التفضيل في الثقافة العربية عقاب جماعي لمن هم دونه أو في مرماه التربوي، والفعل(فضلوه) بضميره الجمعي اشتراك في جريمة قتل المواهب والقدرات، وليس هناك مجال(بحكم المجهول أيضاً) لتحديد من المسؤول. وهاء الغائب مثل العفاريت والجان والشياطين التي تسكن مناطقنا الثقافية المظلمة، غرفنا الخطابية المهجورة، وجداننا الأخلاقي الجاهلي[4]. وينطوي الأدب كدال مفضلٍ على مدلولين، الأدب بمضمون التربية والأدب بمعنى الإنتاج القصصي والشعري والفني. إذن المراوحة تجعل الأدبَ كتربية تمتد إلى تربية الوجدان  والعواطف، إلى عقاب المشاعر.

خامساً: الإستناد إلى لغة إنفصاميةٍ، لغة تُرسخ شيزوفرنيا الفكر، الفعل. هناك فكر شائع حول المثل المفارقة، إذ تدعو في عين الوقت إلى إزدراء الحياة، وتدور معه الخطاب الديني والإجتماعي. إنه الفكر ذاته الذي يسلب حياة الإنسان، حياة الأطفال باسم النعيم مع أن الدين أخبرنا أن الدنيا مزرعةُ الآخرة. الواقع العربي مغطى بطباق هائلةٍ من التحديدات الإنفصامية، أحياناً نظن أنَّ للأطفال عالمَهم الخالص سوى أن الواقع، اللغة، تبتلع كل هذه الأقوال وتكرس التناقض. ولا تكون ثمة تربية ولا معرفة دون المرور بتحولاتهما التي تفرز هيمنة متبادلة الأدوار مع الخطاب المنتشر، أي هما(التربية والمعرفة) يعطيانه البراهين على الولاء الكامل للإنفصام.

وسط هذه الشفرات يتحدث خطاب الطفولة إلى الأطفال بكلمات يجب وينبغي ولابد، ومن الضروري، بينما الواقع مغاير تماماً، الواقع مراوغ كليةً. إنها كلمات الأمر والنهي، إفعل ولا تفعل، بينما نجد اللغة مترسبة بازدواجيتها في المناسبات والشعائر والخطب السياسية والخطب الدينية، مترسبة بكم مهولٍ من أخلاقيات الواجب والضرورة الموعودَّتين. ومن ثم فالخطاب الثقافي بتعبير نزار قباني " مستنقع كلام"، خطاب يستعمل اللغةَ بألف وجه، بألف معنى، بألف تحول في مواقف الإنجاز والتقرير لا التأويل. فالتأويل كما نعرف يُثري فهم اللغة، فهم النصوص، فهم الحقائق، غير أنَّ المستنقع يجعله، في الحياة، ناتجاً عن تراكم العمليات والاحالات الإنفصامية، إنه تعبير عن حال يستغرق فيه الإنسان محاولاً الخروج، التحرر فلا يجد إلى الإلتصاق باللغة والتقلب مع دورانها.

وفجأة يتوارى المتحدث على طريقة " فضلُّوه " لتظهر اللغة في الشارع، وفي التواصل، وفي التربية بنفس المنطق الإنفصامي. ويضطر الطفل أن يتلقى الكلمات بالطريقة ذاتها، خطاب كهذا يعدُّ أقوى تأثيراً من الواقع، لأنه حالة تحمل واقعها، وتعبر عن زمنها المنقسم كما لو كان حقيقةً. إنه حالة اللعبة التي تستولي على الكائن الإفتراضي، ونجده حين يتلهى بها، تعيد دمجه في حالات مماثلة إثباتاً لنفسها بشكل مستمر[5]. حتى أنَّ الطفل مع التكرار لا يستطيع العيش دون استعادة الوضعية السابقة. وكلام الطفل هو ألصق تعبير عن أثر اللغة في تنميط الخطاب ومعانيه، فنظراً لقدرته على التكيف فإنه يخضع بسهوله لمقتضى الحال إذ يشعره بإرضاء واسعاد الآخرين كما يريدون.

سادساً: إشباع الأطفال وأخيلتهم وحواسهم بلغة السلطة الأبوية حتى التخمة. السلطة الأبوية بمثابة غطاء الرأس لكل الأقانيم الموجودة في المجتمع العربي، وبهذا المقتضى تقوم هذه السلطة بدور المُرضعة الإجتماعية، لدرجة أن أى سلوك، أى فكر يمر ثقافياً إلى الأطفال لا يمر إلا عبر مصفاة تلك السلطة، هي توازي لدى الطفل الرغبة والرهبة، الخوف والسعادة، الوهم والحقيقة. وحين يمارس حياته يضع سلطة الأب نصب عينيه، فماذا تفعل الثقافة من الخلف بهذا المعنى؟

إنها تخلق لدى الطفل بذرة الإنفصام المدعم للنقطة الأولى، لأنه في نهاية الأمر سيحاول الموازنة بين رغباته وتفضيلاته وبين نواهي الأب الممثلة لحدود الثقافة. بطريقة أخرى  تتسلل إلى الطفل من خلال قناع أبوي براق. لهذا نقول عن الأب في لهجتنا العربية الدراجة "سيدي"، لكونه يعبر عن السيادة العائلية ويحمل رمزيةً غير مباشرة لسيادة الثقافة المهيمنة، كما أنه قرين شعار الحياة، إذ يلبي إحتياجات الأبناء ورعايتهم مادياً وإجتماعياً. السلطة الأبوية في هذا الإطار قانون الوجود الإجتماعي الذي يصارعه الأبناءُ ويرغبون فيه، يتقاتلون معه ويحتاجون إليه، إنها التناقض في محل وجود مزدوج بين الحب والكراهية.

ومكانة الأب في طريقه السلطوي إنما تعبد الطريق لفكرة المحرمات الإجتماعية إذ تتخذ من المحرمات الدينية مثالاً لها. الثلاثة (الأبوة، المجتمع، الدين) أي (السلطة، الأخلاق، المقدس) يتركزون في لفظة سيدي. مرة الأب سيداً للبيت، أي طوبغرافي العادات والعائلة، ومرة المجتمع إقليماً ثقافياً أخلاقياً، ومرة الدين علاقةً للسماء بالأرض واسقاطاً للمثال علي الواقع. والأب بهذه السلطة (القابلة للتسلط) ينزع إرادة الطفل من جذورها، وقد لا يترك له مساحة للتنفس الطفولي الحر. لأن الأب وفي حالة غيابه مكانياً يترك للثقافة مهمة مراقبة الأبناء وملاحقتهم. والتعاليم التربوية خيرُ دليلٍ على عملية النسخ  copy processالممارَّسةِ على الكيان الإفتراضي. نسخ لا يترك إحتمالاً واحداً لأن يخرج من قبضة الأبوة، ولعل هذا السر وراء ضعف الشخصية لدى الشباب، بل لدى الرجال في المجتمعات العربية. فنحن نفرّغ المجتمعَ بإسم الوصاية الأبوية من مستقبله، من إمكانية بناء كوادر بشرية. الأبوة لا ينبغي أن تكون هيكلاً سلطوياً يلتهم ما سواه. ولكنها إن جسدَّت قيداً، فهي انفتاح من جهة أخرى، فلم نر شجرة ً كبيرةً تقتل أخرى صغيرةً، بل الحياة النباتية تكشف أن هذه البذرة تشق طريقَها دون عائق وتتعملق إلى أبعد مدى نحو السماء.

سابعاً: صيغ الفشل تدخل إلى الخطاب المتداول من خلال رؤية القضايا الحياتية، الفشل في العلاقات الإجتماعية والإنسانية، الفشل في التعليم، الفشل في تحقيق الطموحات والأهداف. كثيراً ما نتصور أن الطفل بمنأى عن الحياة العامة المليئة بالإحباطات أو أنه كائن سعيد، وهذا تصور غير دقيق، فالطفل كائن حساس لكل ما يجري حوله صغُر أم كبُر. وربما يتأثر أكثر من غيره من أفراد المجتمع على نحو أسرع. رأينا في جميع الأحداث والصراعات التي تشهدها الخريطة العربية أن الأطفال يقعون في منزلقات ومشكلات الحياة السياسية، لينطبق على حالهم عكس المثل الذي أشرت إليه في صفحة سابقة: "يعملوها الصغار ويقع فيها الكبار" فيصير كالتالي " يعملوها الكبار ويقع فيها الصغار"!!

الأطفال يدركون كل ما يجري حولهم بالتفاصيل الجزئية على نحو ممل، وجميع الكلمات التي تعبر عن الفشل، التخلف تترسب لديهم وتشكل جهازهم النفسي والمعرفي. نحن نكوِّن أجيالاً فاشلة، لأننا نشركهم في صناعة الفشل اليومي بتكرار العبارات التي تحض عليه، والأطفال يتعاملون مع القضيا المعقدة بأكثر التصرفات تلقائية وبراءة غير أنهم يدخلون في دوامة الواقع المتخلف بمجرد أن يتلقوا معطياته الخطابية والقصصية.

هنا يهمني التذكير بأن النظام الإجتماعي الحياتي مستند أثناء حركته إلى"بنية سردية"، مثله تماماً مثل الحكي القصصي. الأطفال جزء من حبكته الدرامية، لذلك نجدهم ملتصقين بالحكايات اليومية في المناسبات والطقوس والأعياد. وهم كأطفال يحفظون عن ظهر قلب العلاقات بين أفراد العائلة ناهيك عن درجات التقدير أو التحقير التي ينالونها في حياتهم الإجتماعية. ويجدون متعة خيالية في سماع الخطاب اليومي، تغيراته وتناقضاته وعلاقاته الصراعية، وبخاصة أنهم يخلطون ذلك بتجسيد الصور ويترجمونها إلى عواطف ومشاعر، الأجهزة النفسية للأطفال "معامل ترجمة فورية" للأحداث والعلاقات. فإن كانت أحداثاً سلبية كانت الصور النفسية سلبية، ولذلك بنفس براءة التلقي والكلام تكون براءة الترجمة والتأثُر.

ثامناً: تعبيرات الخطاب الثقافي ترَّسب قيماً سلبيةً لدى الأطفال، على وجه الدقة قيم الخنوع، قيم الطاعة العمياء وملحقاتها(تلّقِي الأوامرَ والنواهي، التصديق دون تفكير، خفة العقل، الهذيان الفكري)، قيم عدم تقدير الآخرين، قيم الإساءة السلوكية والكلامية، قيم إضاعة الوقت والفرص في الحياة، أساليب النفاق الإجتماعي. إليك حكاية إجتماعية توضح المعنى المقصود: " يُحكى أنَّ إمرأة في إحدى المناسبات قد ذهبت إلى جارتها لتتبادل أطراف الحديث، وأثناء الحديث كان طفلُ الجارة جالساً بالقرب منهما. وظلت المرأتان مستغرقتين في الكلام واستعراض أحوال العيش والجيران، بينما كان الطفل يسمع كلَّ ما يدور، وبعد أن استأذنت المرأة للانصراف إلى بيتها، قالت أمُ الطفل لزوجها حسناً أن غادرت، "فهذه المرأة بوجهين"، في إشارة إلى أنها تقول كلاماً يخالف تصرفاتها في مواقف أخرى. ولكن حدث أن جاءت هذه المرأة الزائرةُ ثانيةً إلى أم الطفل في بيتها. وإذ هي جالسة هذه المرة ظل الطفلُ يدور حولها ويحوم متفحصاً إياها عن كثب، فقالت له المرأة: ما بك ياحبيبي: لماذا تنظر إليّ مندهشاً هكذا؟، فرد الطفل هامساً: أريدُ أن أرى وجهك الآخر، أنت لك وجه واحد فقط!! ضحكت المرأة متساءلةً.. أيُّ وجه يا صغيري الذي يتريد رؤيته، فقال مباشرة: وجهك الثاني، لأن ماما قالت لبابا بعد أنْ غادرت البيت المرةَ السابقةَ إنك بوجهين".

هذا الموقف يمثل الخطاب الذي يرسّب قيماً سلبيةً، إذ أن عبارة " هذه المرأة بوجهين " دفعت الطفل للبحث عن الوجه الآخر. كان يمكن أن يمر الموقف تلقائياً غير أن الدال الإجتماعي (الوجه النفاقي) تحول في مخيلة الطفل إلى دال طبيعي (الوجه الجسدي)، وبالتالي حدث لدي الطفل رد فعل في صورة قبول واندهاش من الموقف، قبول لأنه صدَّقَ الوصف النفاقي بشكل جسدي، واندهاش لأنه لم يره في الحقيقة.

حينئذ ستكون النتيجة بالنسبة إلى الطفل: إما أن أمَّه تعلمه الكذبَ لأن عدم وجود الوجه الآخر للمرأة يثبت أنَّ كلامها غير صحيح، وإمَّا أن يترك حيرته معلقةً إننظاراً لتوضيح الأم لهذا الموقف، وفي هذه الحالة ستشرح له الأم: لماذا قالت ذلك، فيكون إدراكه راميّاً إلى أن هذا الوصف كان في غياب الجارة. وبالتالي فإن أمه أيضاً بوجهين، لأنها قالت وصفاً للجارة حين ذهبت بينما لم تستطع قوله في حضورها. إذن نحن نعلم الأطفال النفاقَ في أبسط أشكاله ومن خلال  ممارسات الحياة العادية. وتعد الحكاية تدريباً عائلياً(أمومياً أبوياً) على الكذب والنفاق، وتدربه كذلك على أن اللغة لا طائل من ورائها، إذ حينما بحث عن الوجه الآخر لم يجده، ومن ثمَّ لا ينطبق الكلام على الواقع، إنه مجرد كلام في الهواء!!

 

د. سامي عبد العال

.......................

[1]- ورود الشروق والغروب بصيغة الجمع يعني إحتواء الزمن على مستويات عديده من التحول. والإشارة واضحة إلى عنصرالتغير الزماني والمكاني، وهذا ما يظهر في علوم الفلك نظراً لإحداثيات دوران الأرض حول الشمس. وربط القرآن المشارق والمغارب بمصطلح الرب معناه الحساب الإلهي للفعل الإنساني، وأن الفعل مرهون بالزمن والعالم من حوله. وبالتالي كان يتعين على الإنسان الإهتمام بالحساب الزمني للأفعال. وكلمة الرب تتضمن العناية والمرجعية والحاجة إلى التدقيق، بمعنى أن لا يوجد كائن بشري غير مربوب لله، والربوبية سقف لطلب الغايات وانجاز الإعمال. الأمر الذي يحتم التدقيق في مكان وزمان أي فعل مهما صغر. وإذا كان الرب يطلب عبادته فلا تتم دون تنوع الشروق والغروب بتنوع الأزمنة ومن ثم الأفعال، فهناك مواقيت للعبادة وللأيام والشهور والسنيين. ويشير تجاهل علماء اللغة لتلك الدلالات إلى أن صياغة اللغة، الخطاب تتم بتواطؤ القوالب الثقافية مع تصورات المكان والزمن دون أدنى إهتمام بالقرآن وهو النص المؤسس في المجتمعات العربية!!

[2] - فريد الدين آيدن، الأزمنة في اللغة العربية، دار العبر للطباعة والنشر، إسطنبول تركيا 1997، ص2.

[3]- المرجع السابق، ص2.

[4]- يقول نزار قباني معريَّاً بأدوات الشعر " نحن شعوب من الجاهلية ونحن التقلب، نحن التذبذب والباطنية، نبايع أربابنا في الصباح ونأكلهم في العشية". هذه ظاهرة ثقافية لا تنفصل عن الموضوع الذي أتحدث عنه، لأن اللغة العقابية ممتلئىة بانعكاس قهرى نمارسه على أي موضوع حتى ولو كان طفلاً. وقوله نحن لا يشير إلى فرد عيني بل يلتقي مع (هاء) الجمع في الفعل فضلوه، ألم يكن هؤلاء اللذين فضلوا الأدب على العلم هم أنفسهم من أكلوا أربابهم وقت العشية وسيأكلونهم في أي وقت. الظواهر الثقافية تتجاور وتتبادل الأفعال والترميز. إن اللغة التي تتقلب، تتذبذب أنما تصبح عقابية بإسم الأدب. بمناسبة المجهول المخيف وراء دلالة(فضلوه) يحدده نزار ولعب على نفس الصيغة، وأغلب الظن أنه لم يعرف هذا، لكن بإبداعه يكشف كيف يفكر، كيف يشعر هؤلاء مصدر التفضيل.

[5]- يُوصِّف نزار قباني هذه الظاهرة في قصيدة بعنوان مورفين: " اللفظة طابة مطاط.. يقذفها الحاكم من شرفته للشارع .. وراء الطابة يجري الشعبُ ويلهثُ .. كالكلبِ الجائعِ .. اللفظةُ في الشرقِ العربي أرجواز بارع يتكلم سبعة ألسن، ويطل بقبعة حمراء، ويبيع الجنة للبسطاء وأساور من خرز لامع، ويبيع لهم فئرانا بيضاً.. وضفادع، اللفظةُ جسد مهترئ ضاجعه كتاب والصحفيُّ وضاجعه شيخُ الجامع، اللفظةُ إبرة مورفين يحقنُها الحاكمُ للجمهور من القرن السابع، اللفظة في بلدي إمرأة تحترف الفحش من القرن السابع".

نزار قباني، روائع نزار قباني(موقع أوراق أدبية) WWW.AwraG.com ص ص114-115.

يوثق نزار برؤيته الشعرية هذا التكوين التاريخي للكلمة، هي مزيج من نبض اللغة والثقافة ونبوءة الشعر وحركة التاريخ. أدرج عنوان القصيدة كدواء، كعقار يخفف الألم ولا يقضي على المرض، بل وجود العقار الحقيقي يكمن في المحافظة على وجود المرض، هما يتبادلان الوجود والعوَّز، في تنويه إلى أن اللغة في الثقافة العربية مسكنة للهواجس، للآلام ومهيجه للأحلام دون جدوى . علينا أن نعيش فقط على أجنحة الكلمات ولا نلامس واقعاً ، والتاريخ يقول ذلك. إنها لا تقدم حلولاً ولا خبزاً و لا صدقاً بل تقدم وهماً في وهم. الكلمة تعبر عن حالة إنفصام وجودي، لا مجرد تعبير في مواقف. وكم كان نزار دقيقاً عندما ذكر الحاكم  بلا تحديد كرمز للسلطة، والتقاليد والمركزية الثقافية. فالحاكم كلمة مهملة المرجع، ملقاة في فضاء النص الشعري غير أن لها كل المراجع بحسب مواصفات الحاكمية في التاريخ العربي. هي تأتي من هنالك حيث فعل"فضلوه"على ما ذكرت في المتن، أي أن السلوك السائد حاكم، الفكر الديني المهيمن حاكم، سلطة النص تعد حاكماً، السلطة الأبوية تعتبر حاكماً، فجميع تلك الأنماط بمثابة شرفات للعلو والقمع، هي شرفات تنطلق منها اللغة. ولا ننسى أن كلمة النص في العربية مأخودة من الإقرار والعلو ومنها جاءت المنصة التي يقف عليها الخطيب لإلقاء كلامه. إذن اللغة العربية تحمل في بنيتها هذه الشرفات المقدسة، وعلى متلقيها، بلا استثناء الركض خلف الكلمات، لأن الكلمة تراوغ واقعاً آسناً فلا مقابل دلالي لها.

والجري حالة من العشوائية بحثاً عن تفسير للواقع الذي بُصقت عليه الكلمات. كلمات الحاكم تبصق لا تنطق، تقذف مثل كرة المطاط لا تحط على مضمونٍ. إنها تقدم وعوداً وراء وعود بينما الشعب كل الشعب يلاحق مسيرتها بلا طائل. الشعب كما يؤشر نزار  كلب جائع، والمثل الشعبي يقول"جوع كلبك يتبعك". وعلى الرغم من أن الكلمات تشبع الجوع الرمزي إلا أنها لا تجدي فتيلاً بالنسبة للجوع الكلبي. وتباعاً لا يغني الواقع نفسه الذي تدثر حتى أطرافه باللغة، لا يغني عن المعنى. الشعب بدون معنى لهو شعب محروم من الغذاء، من الروح. وهذا ناتج عن ألعوبة الكلمة تاريخياً في التراث العربي. الكلمة القامعة والمتسلطة تفعل بالواقع ما لا يستطيع الواقع فعله بنفسه. هكذا نرى تحول الكلمة إلى بهلوان يتكلم بسبعة ألسن، ويبيع النعيم للبسطاء ويخرج الفئران والضفادع من القبعة. وفي مستنقع الكلام تنبت سيقان الكلمات خادعة وهي تطلق أصواتها كنقيق الضفادع. اللفظة جسد إغوائي منتهك، مهترئ من كثرة إستعماله وتعريه  الإباحي. عبَّر بمضاجعته الكتابُ والصحفيون. الخطاب فاحش، مدنس منذ القرن السابع الهجري. حتى غدا كأنه إمرأة تحترف بيع جسدها للآخرين،  تمنح حروفها لكل من هب ودب ليقف على شرفتها. لكن الحاكم هو الذي انتهك عذريتها وظل يبتاع انحرافها، يبتاع شرفها دون إي بادرة للتغيير.

 

 

عبد الجبار العبيديالحضارة: هي ثمرة جهود الانسان البشر منذ الأزل.. فكل جهد مبذول هو حجر في بناء الحضارة، لذا أرتبط المفهوم بالتاريخ لأنه الزمن.. فاضافة جهد الانسان الى الزمن هوتاريخ حضارة ذلك الزمن.

الحضارة البشرية بدأت بأكتشاف رغيف الخبز الذي وجد في مقابر الفراعنة، والزقورات وشريعة آور نمو في عهد السومرين.. والحدائق المعلقة وقانون حمورابي في زمن البابليين.. والثور المجنح في عهد الأشوريين وغيرها كثير.. وفي عهد الاوربين معالم حضارة روما وأثينا.. ثم معرفة الأنسان للصناعة من ادوات الاحجار التي اصبحوا بها يأكلون، ومنها بدأت مسيرة الحياة الجديدة على البشر.. من هنا أيضاً تتجلى لنا الصلة بين التاريخ والحضارة في صناعة انسان الزمن.هذه الصلة هي التي اكتشفنا منها علاقة التاريخ بالحضارة حين عرف الانسان الصناعة والحرف ثم طورها حتى اصبحت اليوم قانون جفرسن.. والموبايل وكبسولة الفضاء التي أعتلاها الغرب بأسمه.. لكن بقينا نحن العرب نعبد التمثال والصنم والحجر..

من هنا تدرج الانسان في مراتب الحياة في الصناعة والتجارة والحدادة حتى اصبحت غرائز له بمرور الزمن.. هنا تفتح عقله على كل ما يحيط به من مخترعات آنية يومية حتى قال العلماء المحدثين :"ان العقل كان اول مخترعات الانسان البشر.. فلولاه لما فكر وأنتج.. ونعني بالعقل أصبحت لنا القدرة على ربط الظواهر التي كان يراها ولا يعرف لها من سبب.فبقي العقل مقفلا حتى علمتنا الديانات طاعة البشر.. ولكننا لم نستفد لا من الدين ولا من عقل البشر..

وبمرور الزمن استخدم العقل استخداماً منظما بعد زمن طويل فكانت ولادة حضارة الزمن في الانسان البشر.. بعدها عدَ العلماء ان اكتشاف العنصرين المهيمنين اللذين بهما تفتحت بها حضارة الزمن.. فكانت الاسارير وربط الظواهر وهي بداية حياة الانسان الحضارية في الزمن، فتولدت له معرفة التاريخ ليهتدي به الى العقل والتفكير في انسان جديد صنع من نفسه حضارة زمن.. لكننا بقينا نحن العرب والمسلمين جامدين لا نتحرك خشية ان نخترق العادة والتقليد والمآلوف في الزمن ففقدنا القانون والحقوق فتجمدت حضارتنا الى الأبد.. والا هل من المعقول ان معمماً او رادودا متخلفاً يسيطر على عقول المثقفين والشباب بالعمد.

أما عند الآوربيين الذين استبدلوا الفكر الديني المقيد بنظرية العلم القائم على التجربة والبرهان عند البشر.فكان التقدم وحضارة الزمن.

الانسان هوالانسان في حضارات سومر وأكد وبابل وأشور والفراعنة وانسان بلاد الشام وأثنا وروما وباريس ولكن بين عقل وعقل جدلية.. حين ابتلى عندنا بنظرية الدين التي لا تتغير لصالحه.. وبين نظرية الدين عند الاوربيين الذين طوروها لصالح حضارة البشر. وكيف اوجدوا لانفسهم طريقا جديدا اهتدوا اليه بعقولهم ليصنعوا حضارة بشر..

هذا الانسان هو هو في َ آثنا وروما والصين والهند وفرنسا وانكلترا ومدن غربية اخرى كبثيرة.. لكن الأهم ان الانسان في كلا المنطقتين الشرقية والغربية من العالم وجدناه يتشابه في خصائصه البدنية العامة وخصائصة العقلية بدليل كانت ادواته المكتشفة تتشابه في خصائصها ولا تختلف الا حسب البيئة والمناخ وما اضاف عليها الزمن.. .فاذا كان الانسان جنس قائم بذاته فلماذا هذا الاختلاف بينه وبين الاخر بمجرد تواجده في مناطق مختلفة.. من حياة البشر؟

في المشرق ترك لنا حضارة الحجر التي لا زالت شاخصة لنتعلم منها جهود ما قدمه البشر.. من عصر الجاهلية ونحن ندور سبع مرات حول كعبة الزمن ونلبس لباس الجاهلية العاري في طواف حج الزمن.. ومن حولنا السقاية والرفادة وأحتياجات الزمن.. لكننا لم نستفد منها في جعلها اداة لتطوير عقل البشر.. علمونا كيف نقرأ وثيقة المدينة، ونحفظ القرآن، وتفسيره المتعدد الآثر، ونقرأما قاله الطبري وابن الاثير والبخاري ومسلم وبحار الانوار وغيرها كثيرمن قصص البشر.. لكنلم يعلمونا لماذا جاء القرآن ووثيقة المدينة للانسان البشر..؟

حتى ظننا ان قراءة عبد الباسط للقرآن هو مقام عراقي اصيل منذ آمد، واليوم يتعلم الشباب من الرادود باسم كربلائي كل غباء التاريخ لشباب العراقيين الغض وهو يلطم على من مات قبل 1400 سنة من أجل انسان البشر وحقه في الحياة وتخليصه من ظلم الزمن.. ولم نستفد من جهاده الا الفرقة والطائفية وأذى البشر حين يقول هذا الرادود الملياردير : "كومن يانساء النبي شدن خيوط الخيم.وبخيوطها نصنع عبي" هذا هو العلم الذي تركوه لنا، لهذا وصلنا الى ادنى مراحل غباء الأمم.

بينما قرأنا حياة الاوربيين وما تركوا في مناهجهم العلمية حين قالوا لنا :" ان التطور العلمي يقوم على قاعدتين هما:الفكر العلمي ثم استقرار فكرة التقدم في الأذهان".. وما في متاحف باريس ولندن وستكهولم وهولندا لنتعلم منها حضارة الحياة الجديدة التي تحولت الى دساتير الحقوق ومناهج التعليم لتقدم البشر فكان.. منهجهم الدراسي أبتكار الراديو والسيارة والطيارة والثلاجة والموبايل وأدوية حماية البشر، في وقت لم يتركوا لنا عرب الحضارات غير المفاخرة والقصائد الشعرية للمعلقات وأولوا الامرمنكم، ومنا أمير ومنكم أمير والحر والعبد واحتقار المرأة والزواج المتعدد وتخريفات الزمن.. وغيرها من ترهات البشر.. حتى اصبحنا اليوم في ذيول حضارات الأمم.. حين فقدنا القانون والمساواة في الحقوق وحضارة الزمن.. لنسمع لصنم لا ينطق ولا حتى باشارة الزمن..

وحيين أعتقد العلماء الاوربيين أن الجنس الاسود اقل ذكاءً وقدرة على التطور من الجنس الابيض تراجعوا اليوم بعد ان ظهرت نظريات التخلص من التعصب.. لكننا نحن لن نتراجع عن خطأ .حين ثبت لهم ان دولا سوداء شعوبها امتازت بخلق متين، وصدق في القول، وصفاء في النيات، وبعد عن الخداع، فزالت نظرية التفريق التي عادت بالويل والثبورعلى البشر"جنوب أفريقيا مثالاُ" لتوفر عنصر الانسان الحر في الزمن.لكننا مع كل الحروب التي أبتلينا بها وظلم الحاكم البشر.. الحروب مع الاوربيين وغزو المغول وقادة الشعوب المتغطرسة كما في حروب الفرس والأتراك والسلاجقة وبعض الهنود واخيرا تعاقدنا من الاجنبي لتدمير الوطن وسلخه من قوائم البشر.. ولا زلنا نقاوم ولم ننجح في تحدي الزمن رغم غدر البشر.. فاين ديننا الذي قال لنا :"أنتم خير أمة أخرجت للناس" في الزمن.

نحن نقر ان القدرات الأنسانية متشابهة بين كل البشر.. نعم متشابهة اثبتها العلم الحديث مثل : القدرة على الوقوف والمشي دون أنحناء وتمكننا من القبض على اشيائنا دون عائق بتناسق أعضاء الجسم عند الجميع دون فرق بينهما.. تلك نظرية اصبحت حقيقة.. فلماذا لانقرحقيقة مثل البشر.أذن علام الاختلاف والبغضاء والتخلف بيننا..، وبينهم مودة الزمن..؟ ألم أقل لكم نحن بقينا مع حضارة الحجارة المقدسة وهم مع حضارة قانون الزمن؟يا من تحكمون عرب البشر الانبياء والكتب السماوية المقدسة تدعوكم للعدل بين البشر، ولا تدعوكم لمظهرية الدين دون البشر.. ..

لا شك ان حضارة الانسان واحدة.. اذن لماذا حضارتنا ظلت حضارة حجر، ولم تبتكر غير السيف والرمح والمذهب المفرق والحديث الوهمي وعداوات البشر؟ وحتى أعلامنا اليوم تحمل سيف جلاد الزمن؟.. وحضارتهم انتقلت الى حضارة بشر فكان معها الانسان في مشيه ومأكله وسكنه وسفره الى ما يطمح اليه بحرية.. انسانهم له دينه وللأخر مثله في اعتقاد الزمن وأصبحنا نحن نهرول خلفهم نستجدي منهم حضارة البشر.. ولكن لا زلنا نعتقد هم كفرة في النار ونحن في جنة الخلد وما ملكت ايماننا من حوريات الزمن.بينما بقينا نحن العرب نقرأ النص في قرأننا ولا نعرف عنه غير العكس في تطبيق الزمن. وحاكمهم منصف ومقيد بالقانون.. والحاكم في بلادنا المؤدي للقسم يسرق وينهب ويقتل ويهرب اليهم عبر الزمن.. ولن نحظى بواحدة منها ابداً.. فهل نحن اللابشر؟

يقول بعض العلماء ان الطفل في الحضارة الغربية استوعب منذ الطفولة اشياء لم تخطر على بال انسان من منهج الدراسة فتفتحت قريحته على الصح في العمل.. فظلت مخزونه في فكره الذي تحولت بفعل نظرية التجربة والبرهان الى عملية استيعاب الثروة الثقافية والحضارية في مجتمعها انذاك.. ,هكذا بمرور الزمن تكامل البشر عندهم .. بينما ظل البشر عندنا مربوطا بتراث الزمن ولا نغالي الى اليوم دون تغيير من أمل.. مع أننا ولدنا مع نظريات الصيرورة الزمنية مثل البشر.. فلماذا تخلفنا ولم نكتسب معارف الزمن ً.. لأننا كبلنا بدين ٍ يخالف دين السماء ومحمد (ص)وأديان البشر.. دين فقهاء تخريف الزمن..

دين الفقهاء والمرجعيات الذي كبلنا بقدسية الفقيه (قدس سره) فهل سنصحوا على الزمن.. .وكيف نصحوا وبيتنا المنقسم على نفسه مهدد بالزوال عبر الزمن.فهل قال لنا الدين والمذهب تفرقوا عبر الزمن..؟. ام ان جيناتنا لا تقبل تطور الزمن..؟ هنا يجب ان يركز المنهج الدراسي لنتحول الى بشر..

اذا لم تحرر الشعوب فكرها من خرافات واوهام الزمن بأيديها فلا أمل.. الم يحن وقت التخلي عن التعصب، والاعتراف بالحقيقة الدينية انها قابلة للتغيير والتطوير عبر الزمن.. وليست هي حقيقة مطلقة منقوشة فوق حجر.. فألى متى نبقى منافقون امام أنفسنا والشعوب حتى اعتقدنا ان النفاق والكذب هو دين الزمن.. يبدو نحن لا ندرك خداعنا لأنفسنا.. لأننا جميعا بما فينا مؤسسة الدين نكذب بصدق على أنفسنا.. امام التاريخ والبشر والزمن.. .أعدلوا أقرب للتقوى في الزمن..؟

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

سامي عبد العالهذه شبه قاعدة: كلما كانت الطفولة معبرةً عن مستقبل إفتراضي في مجتمعاتنا العربية، جاء الخطاب الثقافي ليدمغها بطابع ماضوي صارم. طابع حجري منقوش كنقش فرعوني قديم بتاريخه الأثري. أي خطاب قائم على تبديل زمن بزمن آخر كحركة تبديل الحروف المعروفة بالتصحيف اللغوي، لتشكيل الكلمات (مثل كلمتي النبوة والبنوة). و(التّصْحِيف الثقافي) هو عملية تبديل (المفاهيم بمفاهيم أخرى) لتشكيل الوعي والتواصل على أساس التشابه والتماثل. وهذه العملية تقوم بها المجتمعات نتيجة تراجع قدرتها على مواكبة العصر والإنسانية. وفي الوقت نفسه نظراً لكون الثقافة شفاهية قائمةً على مركزية اللغة، وأنّ الأخيرةَ تصنع نماذج التفكير وتؤكد التصورات الشائعة. والمدهش أن تكون دلالة الأفعال صورة طبق الأصل من طرائق التعبير.

إنَّ المستقبل الافتراضي أشبه بالماء الذي يمد الكائنات بأكسير الحياة. وخوفاً - كما تقول العبارات المفتاحية - من أنْ يكون" التعلَّيم في الكبر كالنقش على الماء"، حاولت الثقافة العربية الهيمنة على طفولتها (كائنها القادم الذي تخشاه)، فاستبقت اللغة الأحداث مؤكدةً على أنَّ:" التعلِّيم في الصغر كالنقشِ على الحجرِ". أي تحاول الثقافة ضمان ترسيخ وجودها منذ بدايات الإنسان الأولى. ومن ثمَّ كانت العبارة السابقة متداولة كأنها مسلّمة وتستوجب التماشي مع مضمونها العام.

وربما الهوة في هذا السياق بين الحجر والماء هوة لاحدو لها، لكن حالة السيولة المخيفة التي ستحدث في قادم العمر كانت هوة مملوءة بالنقش الثقافي المشار إليه. وهذا بالتخصيص ما حدث في تاريخ الثقافة العربية، مما أصبح عليه الحالُ والمآل نتيجة ردود فعل أمام تحديات حياتنا الراهنة، وذِكرُ الحجرِ هو علامة على الثبات والصلابة التي ستبقى، فالثقافة برأي الأديب الروسي أنطون تشيكوف: هي ما يبقى في الذاكرة بعد أنْ يزول كلُّ شيء. ولئن كان قولٌّ كهذا منطبقاً على ثقافةٍ بعينها، فأولى أن ينطبق على جوانت كثيرة من الثقافة العربية ولا سيما جوانب التربية والعادات والتقاليد.

كانت الكلمات الواردة في الجملة الأولى: (التعلِّيم، الكِّبر، النقش، الماء)، وفي الجملة الثانية: (التعليم، الصغر، النقش، الحجر). التعليم والنقش كلمتان مشتركتان في الجملتين، وهما معبرتَّان عن خطاب المعرفة وآلياته ومناهجه التعليمية. والنقش كما أشرت سلفاً دال على القمع، القهر، الصورة المطبوعة بالصلصال. أرأيتم في يوم من الأيام حجراً يتقبل حفراً من تلقاء نفسه؟ أرأيتم حجراً حُراً؟! إنَّه بالضرورة خاضع لعملية الحفر (التسلُّخ المادي) بموجب ترك حروف بارزةٍ عليه. السؤال المنطقي: بأية وسيلة تحفر الثقافة العربية وجدان فاعليها؟

إنَّ الأزميل الذي تحفر ثقافتنا به هو خليط من الأخلاق وفكرة الطبيعة والحقيقة الإجتماعية. تُستعمل الأخلاقَ لأنَّ فعل الحفر يظهر كما لو كان مسؤولية غامضة وملزمة، ولا تتوفر ملامح مثل هذه المسؤولية سوى في التقاليد الأخلاقية. الأخلاق تجعل التعليم والمعرفة نقشاً له آليات الواجب والقوة، إعادةَ صهر وسبكٍ لمعدن الإنسان (العربي)، حيث يشعر المعلم بممارسة الواجبات التي تفرضه أُطر الثقافية. ولذلك ينتشر التعليم بالعقاب كما في بعض البيئات نظراً لهذا المعنى الشائع لتحصيل المعرفة.

وفي الواقع يعتبر مثل هذا التصور مناقضاً لمفهوم المعرفة جملةً وتفصيلاً، فالمعرفة متغيرة من عصر لآخر، ولها أساليبها المتطورة مع تطورات العلم والأفكار. وطالما كانت ثمة معرفة، فإنَّ القدرات الإفتراضية تبقى مهمةً، كيف نقدم معرفةً دون إمكانية التلقي بلا شروط؟! فضلاً عن أنَّ خلط الأخلاق بالمعرفة يعدُّ عملاً غير مسؤولٍ، بسبب أنَّ الأخلاق تستند إلى معايير ثابتة وإلى قيم كليةٍ، بينما تتقدم المعرفة وفق اللامعيار، بل تتقدم لأنها تنسف المعيار من أساسه. والحفر والحرف يتكونان لغوياً من الحروف نفسها، غير أنَّ العلاقةَ بينهما علاقة (تصحيف لغوي) حاضر أثناء النطق، علاقة إبدال حرف بحرف تظهر على نطاق الثقافة العربية في صورة الفكرة المأخوذة عن الموضوع (الطفولة)، فالطفل عبارة عن (حفر وحرف) لكونه حجراً تربوياً.

وإذا كان هناك ترجيح ثقافي لعبارة النقش على الحجر، فلماذا يكون الطفل حجراً؟ اللغة العربية بوصفها أساساً نقلت حركةَ التصحيف في شكل الطفولة، أرادت حياتياً أن يتحول التصحيف اللغوي إلى (تصحيف تربوي أيضاً) وقد فعلت. لقد كان التصحيفُ حركة رابطةً بين (التصور والمماثلة وعملية الحفر) من خلال التأكيد على الوسيط ( الحجر- الطفل)، وكأنها تريد القولَّ بوجوب أنْ يحتفظ الطفلَّ بكل ما يتلقاه، ويجب أن تُقلص قدراته لصالح ما ينقش عليه. فالحجر أصم، الطفل صامت، الحجر صلد، الطفل صلب أو هكذا يبدو، الحجر خاضع لقانون الحركة والجاذبية، الطفل ممتثل لنمط السلوك والأخلاق، الحجر ملق هناك، الطفل مقهور هنا وهناك. إذن النقش فعل أخلاقي معرفي تحول إلى حتمية ثقافية أيكولوجية، فالحجر كمفردة من مفردات البيئة ينقلنا مباشرةً إلى الأصول الصحراوية للذهنية العربية .

وبالتالي يأخذ التعليم الزخم الحياتي نفسَه، التعليم كما ترجح الثقافة العربية عمل طبيعي، إنه ينحت مفاهيمه، معارفه، مهاراته، قيمه بالطبيعة، على غرار الحروف البارزة التي تصاع على أسطح مصقولةٍ. وهذه هي دلالة الطبيعة موجودة في الحجر والصغر (الزمن)، وهما منوط بهما الإتيان بكل المفردات الأخرى مثل: الإنسان، الحياة، الأرض، الموجودات، فالصخور نقوش إلهية، عبارات منحوتة عبر الكتاب الكوني المكتوب بالمداد الإلهي. وبجانب ذلك تسعى الثقافة إلى جعل الحقيقة الإجتماعية، أي نمطية الأفكار كأنها لوح محفوظ، لوحاً طبيعياً يبرز كنقوش محفورة .

في الوقت عينه، لايمكن التسليم بهذه الأفكار الحجرية، فالشطر الآخر من العبارة يظل مفتوحاً على الزمن، كلماته تحفل بالتناقض: التعليم، الكبر، النقش، الماء. طبعاً لن يوجد طفل لا يمر بمرحلة الكبر، والعبارة بشطريها تتحدث عن تعليم الإنسان كأنّه خطوة خاطفة بين كائنين وهذا غير حقيقي. فالطفل الذي كان تعليمه كالنقش على الحجر هو هو الرجل الذي سيكون تعليمه كالنقش على الماء. النقش، الزمن، الماء، أشياء تفك رموز الحفريات في الطفولة، وستغير صورة العالم، صورة الحقيقة، صورة الإنسان ذاته.

ولذلك فإنَّ الثنائية التي تؤكد التناقض بين الإنسان طفلاً والإنسان رجلاً هي ثنائية تستند إلى مرجعية غير مرنة ولا تعطي الإنسان حرية التفكير والإختيارات. هي تريد ضمان التحكم في مسار حياته حتى الرمق الأخير لأنها بعد أن تنقش وعيه ستضعه في سياق آخر من الرقابة لإكمال الطريق.

في الشطر الأول كان التعليم نقشاً على حجر، بينما جاء في الشطر الثاني نقشاً على الماء. إذن الحجر نفسه هو الماء، والماء يعني تشكيل الحجر. وواضح من ذلك أنَّ طوفان نوح راسخ في الذاكرة الثقافية للغة العربية، إنه أزال كلَّ شيءٍ، ولم يترك كائناً. وفي رمزية مؤشرة تاريخياً حدث الطوفان بخاصية وجودية إلهية حين محى الكائنات والأشياء، كأنه أعاد الكونَ، الطبيعة، الحياة إلى نقطة الصفر، أرجعنا إلى بداية الخلق من جديد. والشطر القائل" إن التعليم في الكبر كالنقش على الماء" ذو وجهين يبدوان متعارضين. أولهما: أنّ التعليم يمحو (يغير) الأسس التي كونت الفرد، تماماً كما أتي ماء الطوفان على أسس الحياة في زمنه. وثانيهما: أنَّ الماء ماءُ الحياة، هو الذي خرجت منه الأشياء والكائنات. المماثلة واضحة بين أثر فعل الماء والأثر الذي يتركه التعليم. ولكن نظراً لأنّ الثقافة العربية تخشى على أسسها النافذة عبر التاريخ، فإنها تريد حفراً أزلياً وعصياً على المحُو.

 

د. سامي عبد العال

 

محمد بنيعيشأولا: الدعوة الإسلامية من السر إلى الجهر (حصانة واختبار)

لم تكن مسالة السرية في الدعوة الإسلامية يوما ما، وخاصة في عهد النبي والرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، مرتبطة كليا بالعدد أو الضعف والقوة الذاتية في المواجهة، وإن كان ظاهريا يبدو الأمر كذلك، كما ورد في السيرة نفسها هذا التعليل، لأنه لو حسبنا الأمر بهذا الشكل فسيكون الصدع من ناحية الرأي العادي أنه قد جاء قبل إبانه وذلك من حيث تقدير إمكانية نجاح المقاومة أو الجهاد وإسقاط النظام القائم آنذاك بالقوة وذلك لما ترتب عن هذا الصدع، والذي قد كان بأمر رباني، من تعذيب وتنكيل بالمسلمين سيطال حتى شخص الرسول (ص)، هذا إذا أضفنا بأن تثبيت دعائم الدعوة وتطبيق الدين عقيدة وشريعة لم يتأت إلا بعد الهجرة إلى يثرب المدينة المنورة.

فكيف يمكن إذن تفسير هذه السرية بمجرد التهيؤ العددي أو المددي كعدة للمواجهة وفرض الأمر الواقع؟ مع أن دار الأرقم بن الأرقم قد كانت معروفة عند قريش، وأن اجتماع النبي (ص) بأصحابه هناك لم يكن يخفى عليهم كل الخفاء، لكن مع ذلك فقد كانوا محجوبين أو مصروفين عن اقتحامه، وذلك لأنه كان مجلس الحضور والحضرة، حضرة الله تعالى وحضرة رسوله ونبيه (ص) ثم حضرة صحابته الكرام وأقطاب الدعوة على مر الزمان والدوام!

فمجلس دار الأرقم بن الأرقم قد كان مركز ذكر محاط بالملائكة ومحصن كل التحصين، و كانت بمثابة راجمات نورانية للشياطين وحارقة لهم، ولكن هذه المرة من ناحية الأرض (أرض أرض) وليست فقط من السماء، وأعظم ما في هذا المجلس هو حضور النبي (ص)، الذي كان قلبه مهبط الوحي ومكنونه الرئيسي، بحيث صارت هذه الحضرة مانعة لإبليس وجنوده من استراق السمع ولو عند تكلم النبي (ص) جهرا مع صحابته الكرام ومن داخل الدار.

فالعدو هنا سيبقى معزولا عن التنصت والتجسس لأن خطاب النبي (ص) لم يكن كلام إعلام فقط وإنما هو تبليغ وتلقين وتربية وتكوين، وهذا لا يتأتى علميا إلا إذا كان هناك تواصل كلي وتوجه محصن يخرج من القلب إلى القلب ويحيي القلب بالقلب ويدمج القلب مع القلب...

إذن فلا مطمع هنا لإبليس في أن يعرف ما يدور في هذه الحلقة النورانية شديدة السرية والحساسية ومحصنة الأسوار أيما تحصين، أسوار الأرواح وخفايا وسماوات القلوب، بحيث سيكون التسريب عزيزا ووعرا والكشف صعبا، بل ممتنعا في هذه الحالة !.في حين لم يستطع أحد من المشركين أن يفتح أو يقتحم مكان مجلسه هذا، سواء على سبيل الاستطلاع فقط أو المنع والتفريق أو حتى مجرد التجسس. بل إن كل من دخل دار الأرقم حينئذ إلا وأصبح رقما مركزيا ومضافا إلى المجموعة، ونالته ما نالتهم من الهداية وإشعاع القلوب بنورها ومباهجها، ولو كان الداخل يعد من ألد أعداء النبي (ص) ودعوته وصحابته. حتى إن كل من سولت له نفسه أن يفعل ويتجرأ على المقام بقصد ونية سوء إلا وحدث له تحول طارئ وجذري وفعلت فيه الحضرة فعلها فانغمس في مختبر كيمياء السعادة الأبدية وانقلب توجهه ومراده رأسا على عقب.

تماما كما حدث للفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقصة إسلامه، التي كانت الفيصل بين مرحلة السرية والجهرية المتحفظة بالانتقال إلى الإعلان الصادع وفرض الأمر الواقع في تزامن مع تسارع الأحداث وتفاعلها...

ومن مظاهر كمال الحال والمقام عند رسول الله سيدنا محمد (ص) هو: أنه قد جمع في دعوته إلى الله تعالى بين حال السر وحال الجهر ومقامهما، مع التأسيس لمعارج الروح وكمال النفس بالتنمية والتربية والسلوك القويم المبني على مقدمات ونتائج كلها تخدم مبدأ الكمال والجمال في الوجود والإنسان وتصل الغيب بالشهادة، والظاهر بالباطن والجسد بالروح، والعقل بالقلب، وصلة متناسقة وثابتة ومتراتبة من الجميل إلى الأجمل والكامل إلى الأكمل.

ثانيا: المختبر الميداني للجهر وأوجه الردود أمام الصمود

فإذا كانت مرحلة السرية - كما قلنا - تمثل ركن التأسيس وتثبيت الأعمدة ورص اللبنات الصلبة للمقاومة وضمان طول عهد البناء فإن عهد الجهرية سيكون هو المختبر الميداني والعملي لثمرات ومدى صمود تلك الأعمدة في مواجهة المعارضة وشدة العواصف الآتية والعاتية بزلازلها وقوة هزاتها !

بحيث يكاد يجمع العلماء والباحثون على أن مرحلة الجهر بالدعوة هاته كانت قد ابتدأت بأمر من الله تعالى جازم عند نزول هذه الآيات وبعد مرور ثلاث سنوات من السرية والخفاء وهي قول الله تعالى: "فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين"1 و"أنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون"2.

"وحينئذ بدأ رسول الله (ص) بتنفيذ أمر ربه فاستجاب لقوله تعالى:"فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين " بأن صعد على الصفا فجعل ينادي :يا بني فهر، يا بني عدي، حتى اجتمعوا، فجعل الذي لم يستطع أن يخرج يرسل رسولا لينظر "ما هو؟فقال النبي (ص) :أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا:ما جربنا عليك كذبا.قال:فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.فقال أبو لهب:تبا لك ألهذا جمعتنا ؟فنزل قوله تعالى:"تبت يدا أبي لهب وتب " ثم نزل الرسول فاستجاب لقوله تعالى:"وأنذر عشيرتك الأقربين"بأن جمع من حوله جميع ذويه وأهل قرابته وعشيرته...

وفي رواية الإمام أحمد عن أبي هريرة قال:لما نزلت هذه الآية "وأنذر عشيرتك الأقربين"دعا رسول الله (ص) قريشا فعم وخص، فقال:"يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا إلا أن لكم رحما سأبلها ببلالها". ورواه مسلم من حديث عبد الملك بن عمير، وأخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة وله طرق أخرى عن أبي هريرة في مسند أحمد وغيره"3.

قال ابن إسحق: فلما بادى رسول الله (ص) قومه بالإسلام، وصدع به كما أمره الله، لم يبعد منه قومه، ولم يردوا عليه - فيما بلغني - حتى ذكر آلهتهم وعابها فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه، وأجمعوا خلافه وعداوته إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام، وهم قليل مستخفون، وحدب على رسول الله (ص) عمه أبو طالب، ومنعه، وقام دونه، ومضى رسول الله (ص) على أمر الله مظهرا لأمره، لا يرده عنه شيء"4.يتبع...

 

د. محمد بنيعيش

.........................

سورة الحجر آية: 94

سورة الشعراء: 214 - 216

ابن كثير: السيرة النبوية ج1ص456

ابن هشام:سيرة النبي (ص) ج1ص276

 

 

ادم عربيالفلسفة وتاكيدا على اهميتها في وعينا وثقافتنا وحياتنا هي كيف ينظر المرء الى العالم وكيف يفهمة ويتصوره، من هنا تبرز اهمية الفلسفة في حياتنا وما هي الا لاقامة الدليل ان حاجة البشر لا تنتفي اليها، فان كان لا بد من تعريف مختصر لها، فهي علم الواقع والذي ضاق به كل علم .

انها علم القوانين الموضوعية العامة لهذا العالم، فالطبيعة وللواقع من القوانين الموضوعية في شموليتها وكليتها ما يؤكد الحاجة للفلسفة . ان الفلسفة العلمية تتطلب استكشاف وصياغة تلك القوانين في كليتها، ان فهم الطبيعة والعالم كاجزاء غير متصلة مع بعضها البعض مدعاة لفهم جزئي لهذا العالم، لان كل جزئية لها قوانينها الخاصة، لكن ان اردنا فهما شموليا فلا بد من قوانين عامة تشترك فيها كل تلك الاجزاء . في سيعنا نحو المعرفة لا بد ان نقر بوجود الحقيقة الموضوعية الكبرى، والتي مفادها وجوهرها ان هذا العالم الذي نعيش هو وحدة واحدة، على كثرة تنوعه، حتى تتولد الحاجة لنا في ايجاد علما شامل وموحد، يسعى الى اكتشاف قوانين كونية عامة، اوسع واشمل من قوانين الاجزاء (كيماء، فيزياء..الخ) ولا بد لهذا العلم ان يكون الفلسفة العلمية والتي تبحث عن المعرفة بمقياسها الموضوعي العلميي .البرق وسببه وكيف نتغلب على اثاره المدمرة؟ ان فهمنا للبرق كظاهرة طبيعية مادية فمن السهل التغلب عليها بطريقة مادية ولا اسهل من استخدام مانعة صواعق، اما وان فهمنا تلك الظاهرة فهما ميتافيزيقيا سببه غضب السماء فلا من طريقة للتغلب عليها الا بالتقرب من السماء وبالصلاة مثلا، وبتلك الطريقة لا نتغلب على الظاهره اي بالصلاة لا يمكن التغلب على الظاهره .

وفي اشكالية المعرفة لا بد من تعظيم اهمية التجربة العلمية في معرفة القوانين الموضوعية المادية في سعينا نحو المعرفة، وهذة القوانين الموضوعية المادية هي الطريق نحو نجاح اي عمل نقوم به، ان الانسان لا يستطيع ضمان فعل ما يشاء ما لم يكن عارفا بالقوانين المادية لاي فعل، ولا بد من التجربة التي تتوافق مع الواقع لاقامة الدليل على صحته، حاول ان تقطع نهرا مشيا على الماء كما المسيح لتعرف عاقبة من لا يعرف قوانين الطفو على الماء. الفكرو التفكير ينبغي لهما أن يراعيا، تلك القواعد والمبادئ، وأن يستمسك بها إذا ما أراد صاحبه الوصول إلى الحقيقة،  لذلك نقول كيف جاء المنطق الى راس الانسان  بتلك المباديء والواعد؟، باعتقادي ان له مصدر واحد لا غير وهو التجربة العلمية والممارسة للانسان في صراعه مع الطبيعة، وان النجاح والفشل في تجارب الانسان العلمية قيد الصراع وبالصراع هما ما فرضا على الانسان ان يكون منطقيا، والمنطقية لم توجد ولم تنشا لدى البشر الا بصفة كونها شرط بقائه .

 

د. ادم عربي

ليلى الدسوقيالحقوق السياسية هى الحقوق التى يقرها القانون ويعترف بها للشخص على اساس الانتماء الوطنى (شرط الجنسية)

و يلاحظ ان الحقوق السياسية تجمع بين فكرتى الحق والواجب معا لان الحقوق السياسية بقدر ما تكون حقوقا للافراد فانها تكون واجبا عليهم

و هذه الحقوق السياسية تتضمن مساهمة الافراد فى تكوين الارادة الجماعية سواء بانتخاب ممثليهم فى المجالس والهيئات النيابية المختلفة او بترشيح انفسهم لها

اما بالنسبة لمدى تمتع المرأة بالحقوق السياسية هناك ثلاث آراء:

الرأى الاول ذهب الى القول بأن الاسلام لا يعترف بالحقوق السياسية للمرأة ولا تتساوى المرأة بالرجل فى هذا المجال

الرأى الثانى ذهب الى ان الاسلام يقر ويعترف بالحقوق السياسية للمرأة بإستثناء رئاسة الدولة

الرأى الثالث ذهب الى ان هذه المشكلة ليست مشكلة دينية او فقهيه او قانونية انما هى مشكلة اجتماعية سياسية

أما الرأى الاول الذى لا يعترف بالحقوق السياسية للمرأة ايدته بقوة إحدى الفتاوى الصادرة من لجنة الفتوى بالازهر الشريف

فتوى إبى حامد الغزالى تقول " ان الامامة لا تنعقد لامرأة وان اتصفت بجميع صفات الكمال وخصال الاستقلال وكيف تترشح امرأة لمنصب الامامة وليس لها منصب القضاء ولا منصب الشهادات فى اكثر الحكومات والامامة تشترط الاختلاط مع الرجال وهذا امر ممنوع للمراة فى الاسلام ولان المراة ناقصة فى امر نفسها حتى لا تملك النكاح فى تجعل لها الولاية على غيرها (الولاية العامة اى تنفيذ الاحكام او سن القوانين وليست الولاية الخاصة اى الوصية على الصغار او على الاموال)

و هذه قصة سقيفة بنى ساعدة فى اختيار الخليفة الاول بعد الرسول ﷺ قد بلغ فيها الخلاف اشده ثم استقر الامر لابى بكر وبويع بعد ذلك البيعة العامة فى المسجد ولم تشترك امرأة مع الرجال فى مداولة الرأى فى السقيفة او فى البيعة العامة ومن الاسانيد وحجج هذا الرأى:

- من القرآن الكريم:

" لرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ " النساء 34

" وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ" البقرة 228

" وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ " الاحزاب 33

- من السنة النبوية:

" لن يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة "

اى منع كل امرأة فى اى عصر من العصور ان تتولى اى شىء من الولايات العامة

" النساء ناقصات عقل ودين "

اذا كان امراؤكم شراركم واغنياؤكم بخلاءكم وامركم الى نسائكم فباطن الارض خير لكم من ظاهرها "

الراى الثانى: احقية المرأة فى التمتع بالحقوق السياسية

لها الحق فى مباشرة الحقوق السياسية اسوة بالرجل ولها حق تولى كل الوظائف السياسية ماعدا رئاسة الدولة

و استند هذا الراى الى الحجج الاتية:

-  أولا: من القرآن الكريم:

وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ‎﴿٧١﴾" التوبة

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ" الحجرات 13

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً " النساء 1

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ‎﴿٧٠﴾‏ سورة الاسراء

يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ ‎﴿٣٢﴾‏ قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ ‎﴿٣٣﴾‏  سورة النمل 32،33

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ۙ فَبَايِعْهُنَّ " الممتحنة 12

بايع النبى وفد من الانصار رجالا ونساء فى بيعة العقبة الثانية

و اجاز الرسول ص للمرأة ان تمثل المسلمين وتتحدث نيابة عنهم وتعطى الامان الملزم بأسمهم فقد قبل الرسول ﷺ أمان ام هانىء لاحد الكفار يوم فتح مكة وقال لها " لقد اجرنا من اجارت ام هانىء "

-  ثانيا من السنة النبوية:

" لا تمنعوا إماء الله مساجد الله "

" اذا استأذنت احدكم امرأته الى المسجد فلا يمنعها "

و من اشهر ما يروى ان الخليفة العادل بن الخطاب وقف بالمسجد يخطب الناس ويطالبهم بعدم المغالاة فى صداق النساء ووضع حدا اقصى لها فعارضته امرأة وقالت: يا أمير المؤمنين نهيت عن الزيادة فى صداق النساء ووضع حد اقصى له فقال نعم اما سمعت قول الله سبحانه وتعالى:

وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ۚ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ‎﴿٢٠﴾‏ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا ‎﴿٢١﴾‏ النساء

فاعترف الفاروق عمر بخطئه وقال اللهم غفرانك أ كل الناس افقه من عمر حتى النساء وعاد للناس وقال " كنت قد نهيتكم عن زيادة صداق النساء على اربعمائة درهم فمن شاء ان يزيد فليفعل "

فهذا ان دل على شىء انما يدل على ان المرأة اجاز لها الاسلام المشاركة فى شئون الامة وان يكون لها رأى مسموع حتى أمام أعلى قيادة فى الدولة

الرأى الثالث من الخطأ محاولة حل هذه المشكلة على اساس دينى او فقهى

وعلى هدى الفكرة القائلة بان الاخذ بمبدأ يمنح المرأة حق الانتخاب او غيره من الحقوق السياسية هو دليل على الاخذ بنسبة التقدم والرقى واننا بناء على ذلك يجب ان ناخذ هذا المبدا لكى نثبت للبلاد الاجنبية اننا امة بلغت شأناً بعيداً فى ميدان التقدم والرقى ولهذا فهى مشكلة اجتماعية سياسية ويجب ان نلتمس حلها فى ضوء ظروف البيئة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية

و اخيرا ... بعد استعراض الآراء الثلاثة سالفة الذكر فإننا نؤيد الرأى الثانى الذى يرى حق المرأة فى مباشرة الحقوق السياسية والله أعلى وأعلم.

 

ليلى الدسوقي

 

 

 

نايف عبوشيتذمر الكثير من مستخدمي الفيسبوك، من تواضع مضامين بعض المنشورات، وركة لغتها. ولأن الفيسبوك فضاء تواصل افتراضي مفتوح للجميع بلا قيود، ويسمح للجميع بولوجه، دون ضوابط علمية، فهو وسط ثقافي تواصلي جديد، وليس كالمجلات العلمية الرصينة التي عهدناها، والتي اعتادت أن لاتنشر المقالات، الا بعد عرضها للتقييم، توخيا للرصانة العلمية والمهنية.

ولذلك فقد سادت كتابات متواضعة في الفضاء الرقمي للفيسبوك، وشاعت في فضائه مصطلحات مفرطة في عاميتها،وبالتالي فلم يعد من المجدي على ما يبدو، أن يرهق المستخدم نفسه، بالتدقيق في رصانة، ومتون النصوص، والمقالات، في الفيسبوك.

ومع ذلك، فإن ألحرص على الرصانة العلمية واللغوية، التي لم نعد نجدها ربما إلا في اروقة الدراسات العليا في الجامعات، والمراكز العلمية، يظل أمرا مطلوبا، حتى مع تفشي هذه الظاهرة السلبية في عوالم الفيسبوك، وبين العوام من الناس وكتاب الوقت الحاضر، باعتبارها جزءا من ثقافة واقع حال عصر، قد يصعب تصحيحها ، خاصة وان لغة الدردشة العربيزية،باتت تسود في هذا الوسط، بشكل لافت للنظر ، تدعمها الأدواتية الفنية، وسهولة الاستخدام، والرموز والأيقونات المستخدمة في هذا الفضاء، وهو ما قد يضعنا أمام كارثة لغوية في قادم الأيام، بشيوع استخدام الأيقونات، والرموز في التعبير، بدلاً من استخدام التعبير بالألفاظ، وما يعنيه ذلك ساعتئذ، من مسخ للغة العربية، وتيبس في الإبداع التعبيري.

ولابد من الإشارة ايضا، إلى أن الأمانة العلمية ضرورية جدا، وبالتالي فلابد من الحفاظ على أصالة هوية اللسان العربي عند تداوله في أي خطاب، أو دردشة ، لاسيما وان الكثير من المتصفحين بات يتذمر، من أن الأمانة العلمية بدأت تتعرض للطمس، باستخدام تقني (إنسخ والصق)، دون الإشارة إلى المصدر عند الإقتباس والنشر، ويخشى أن يتسرب هذا الأسلوب، حتى إلى البحوث والرسائل العلمية، حيث تطالعنا شكاوى المختصين، وتذمرهم من تفشي هذه الظاهرة للغش والتدليس في فضاء الفيسبوك، ووسائل التواصل الاجتماعي الرقمية، وهي إفراز سلبي للثقافة الرقمية المفتوحة بلاقيود، حيث لم يعد هناك ضوابط، في مجال الحرص على الأمانة العلمية، وصيانتها من التعرض للمسخ، بتداعيات بدائل الثقافة الورقية،إلا نقاء الضمير ابتداءً، باعتباره معياراً أخلاقيا له مفاعيله.

وللتذكير فإن ظاهرة شيوع ثقافة التواصل الرقمي بماهي تقنية عصرية سادت في الحياة اليومية، تتسم كما هو معروف، بسهولة الإستخدام، بحيث يلاحظ أن فئة المستخدمين من الأطفال يمكنها استخدامها بمهارة وإتقان أعلى من تلك المهارة التي بحوزة كبار السن، في أغلب الأحيان، في حين يتسم تصنيعها بالتعقيد التقني، الذي يحتكره المصنع في الدول المصدرة لهذه التقنيات المتطورة، وما يعكسه هذا الواقع من تداعيات تمسخ خصوصية الهوية ، بالرطانة التي ستطال اللغة الأم، بهيمنة ثقافة العصرنة الرقمية، رغم كل ايجابياتها، لاسيما وأن شعوب، وحضارات المنطقة، ومنها بالطبع منطقتنا، قد تنحت جانبا عن ساحة العطاء والابداع، وباتت تعتمد على الخارج، حتى في لقمة الغذاء، وحبة الدواء .

 

  نايف عبوش

 

 

عبد الله الفيفي(من "فَعْلَة" المتنبِّي إلى "كريمة فُلان"!)

 ناقشْنا في المساقَين السابقَين القصيدة الأُولى التي رثى بها (أبو الطيِّب المتنبِّي) جَدَّته، والقصيدة الثانية في رثاء والدة (سيف الدَّولة). واليوم نناقش قصيدته الثالثة في رثاء أخت (سيف الدَّولة)، وهي ذات المطلع:

يا أُختَ خَيرِ أَخٍ يا بِنتَ خَيرِ أَبٍ

                            كِنايَةً بِهِما عَن أَشرَفِ النَّسَبِ

ومنها الأبيات:

أُجِلُّ قَدْرَكِ أَنْ تُسْمَي مُؤَبَّنَةً

                             ومَنْ يَصِفْكِ فَقَد سَمَّاكِ لِلعَرَبِ

لا يَملِكُ الطَّرِبُ المَحزونُ مَنطِقَهُ

                            ودَمْعَهُ وهُما في قَبْضَةِ الطَّرَبِ

غَدَرْتَ يا مَوْتُ كَمْ أَفنَيتَ مِنْ عَدَدٍ

                         بِمَنْ أَصَبْتَ وكَمْ أَسكَتَّ مِنْ لَجَبِ

وكَمْ صَحِبتَ أَخاها في مُنازَلَةٍ

                             وكَمْ سَأَلْتَ فَلَمْ يَبْخَلْ ولَمْ تَخِبِ

طَوَى الجَزيرَةَ حَتَّى جاءَني خَبَرٌ

                             فَزِعْتُ فيهِ بِآمالِـيْ إِلى الكَذِبِ

حَتَّى إِذا لَم يَدَعْ لي صِدْقُهُ أَمَلًا

                        شَرِقْتُ بِالدَّمْعِ حَتَّى كادَ يَشْرَقُ بي

تَعَثَّرَتْ بِهِ في الأَفْواهِ أَلْسُنُها

                    والبُرْدُ في الطُّرْقِ والأَقْلامُ في الكُتُبِ

كَأَنَّ فَعْلَةَ لَمْ تَمْلَأْ مَواكِبُها

                               دِيارَ بَكْرٍ ولَمْ تَخْلَعْ ولَمْ تَهَبِ

و"فَعْلَة" هذه هي (خَوْلَة)، أخت (سيف الدَّولة).  وكانت لها في نفس الشاعر مودَّة، بلغت حدَّ زعمهم أنَّه كان يُحبُّها.  ومهما يكن من صِحَّة هذا، فإنَّ عبارة "فَعْلَة" تؤسِّس لنا ما أشرنا إليه في المقال الماضي ممَّا أصبح يُعرف اليوم في دعوات الزَّواج في مجتمعنا المحلِّي بـ"كريمة فلان"، تحاشيًا للتصريح باسم المرأة؛ فلقد بات اسم المرأة "عورة" أيضًا!  على أن التعبير بـ"فَعْلَة" أفظع من التعبير بـ"كريمة"!  ولا مسوِّغ لمحو اسم المرأة؛ لا من الوجهة الاجتماعيَّة ولا السياسيَّة، سِوَى (الحياء) المرَضِيِّ المتوارث من حضور المرأة، في أيِّ سياق، وبأيِّ صفة. غير أنَّ الشاعر قد أساء من حيث توخَّى الإحسان، أو قل: من حيث توخَّى توقِّي اللَّوم الاجتماعي؛ حتى أوشك بكلمته هذه يتحوَّل بقصيدته من رثاء (فَعْلَة) تلك إلى هجائها!  إنَّه القلق المزري أمام المرأة، يفعل فعله، فإنْ خرج شيطانه من الباب وَلَجَ من الشبَّاك؛ كأنه لا مفرَّ منه- في مجتمع فحوليٍّ معتَّق- إلَّا إليه.

ماذا عن "فَعْلَة" أبي الطيِّب؟

لقد كان (أبو الطيِّب) يراعي أنَّه لم يكن لدَى (أبي المِسْك) في (مِصْر)، لتعبق روائح الحُريَّة نِسبيًّا، طِيبًا ومِسكًا، بل كان لدَى (سَيف الدَّولة)، في محيطٍ من الأعراب!  وبالرغم من أن "فَعْلَة" قد حجَّبها شاعرنا في القصيدة، فإنَّ ذلك لم يمنعه من التغزَّل الحِسِّي بها:

يَعْلَمْنَ حِيْنَ تُحَيَّا حُسْنَ مَبْسِمِها

                                ولَيسَ يَعْلَمُ إِلَّا اللهُ بِالشَّنَبِ

و(الشَّنَب) هنا لا علاقة لها بمعنى: شَعر الشارب، بل يعني: جمال ثغرها وعذوبة ريقه. وإلَّا لو كانت "فَعْلَة" ذات شَنَب بالمعنى الأوَّل لما كان ما كان، بل لما كانت "فَعْلَةً" أصلًا!

ومن طرائف (أبي الطيِّب) أنَّه قد يجمع بين العبقريَّة والحُمق في نَصٍّ واحد!  فأوَّلًا، ما دمتَ، يا شاعرنا، قد صرَّحت باسم أخيها، وأسهبتَ في الثناء عليه، فإنَّ كِتمانك اسم أُخته لا يُقدِّم ولا يؤخِّر.  بل لقد اعترفت أنت بذلك، بقولك: "ومَنْ يَصِفْكِ فَقَد سَمَّاكِ لِلعَرَبِ"!  فأين ستذهب من (العَرَب)، بعد أن كنَّيتَ تكنيةً أفضحَ من التصريح؟! وثانيًا، إنَّ تكنيتك عن تلك الأميرة بلقب "فَعْلَة"، فيه فِعلٌ مسيءٌ للأميرة ولأخيها معًا. ولا يَبعُد أن يُصبِح قولك نبزًا للأمير نفسه؛ فإذا الناس يكنُّونه بـ(أخي فَعْلَة): جاء (أخو فَعْلَة)، ذهب (أخو فَعْلَة)، بدل لقبه (سيف الدَّولة)!  وهذا محتملٌ، من شانئيه، على الأقل. ثمَّ إنَّك تَعلَم أنَّ التكنية لدَى العَرَب لها إيحاءاتها، وهي بهذه المادَّة اللغوية لا تكون إلَّا فيما يُسترذَل ذِكره؛ وتَعلَم تكنية العَرَب بـ(ابن الفاعلة)، مثلًا.  ولعلَّك تعلم أيضًا أنَّ (الأخطل التغلبي)(1) قد عَرَّض بقومٍ ساخِرًا، فقال:

إِنَّ بَني زَيْدٍ مَليحُو الشَّكْـلِ

                       كَمْ فيهِمِ مِن (فَعْلَةٍ) و(فَعْلِ)!

ثمَّ قِلْ لي بربِّك، أهذا مقام التغزُّل بفَعْلَتك، كائنةً من كانت، وأنت ترثيها، وتتظاهر بالحياء حتى من الإشارة إلى اسمها؟!  وأيُّ شاعرٍ يتغزَّل بحُسْن مَبسِم امرأةٍ (فَعْلَةٍ) ميِّتةٍ وبأسنانها وريقها؟!  لقد كان (دُرَيْد بن الصمَّة) أَقَلَّ جفاءً منك، وأكثر حكمة، لمَّا استهلَّ قصيدة رثاء بالغزل.  وكان كذلك (تميم بن أُبيِّ بن مُقْبِل العجلاني)، لمَّا ختمَ قصيدته في رثاء الخليفة الثالث (عثمان بن عفَّان) بالغَزَل، فعُدَّ ذلك جفاءً أعرابيًّا منه، لم يُسبَق إلى مثله ولم يُلحَق.(2)

أمَّا بيتك، يا (أبا الطَّيِّب):

وإِنْ تَكُنْ خُلِقَتْ أُنثَى لَقَد خُلِقَتْ

                        كَريمَةً غَيْرَ أُنْثَى العَقْلِ والحَسَبِ

فتذكيرٌ بتقنية الاستثناء، التي توقَّفنا عندها في المقال الماضي.  فالسيِّدة المرثيَّة هنا، هي مثل (أُمِّ سيف الدَّولة) تمامًا، ليست بأُنثى كالنِّساء، وإنْ كان ظاهرها يوهم بأنها امرأة!  ولكن- سبحان الله- "خُلِقَتْ أُنْثَى"!  ولله في خلقه شؤون! تخيَّلوا أنَّ "فَعْلَة" المتنبِّي قد خُلِقَتْ أُنْثَى، ومع ذلك- ويا للمفارقة- لَقَد خُلِقَت "غَير أُنْثَى العَقلِ والحَسَبِ"!  ذلك لأنَّ العقل ذُكوريٌّ، أساسًا، حسب فلسفة (أبي الطيِّب)، التي توسَّع فيها من بَعده تلميذه النجيب "فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة": (أبو العلاء المعرِّي) توسُّعًا فاضحًا، في قصيدة الوَأْد، التي سبق أن أشرنا إلى أنها البرهان على أن عقليَّة وَأْدِ المرأة لم تنته بانتهاء العصر الجاهلي، بل استمرَّت- وإنْ نظريًّا وشِعريًّا- خلال العصور الإسلاميَّة، كما يشهد بذلك الشِّعر العَرَبي. 

وفي المساق التالي نواصل تفصيل ذلك.(3)

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

..............................

(1) (1996)، ديوانه، صنعة: السُّكَّري، رواية: ابن حبيب، تحقيق: فخر الدين قباوة، (دمشق: دار الفكر)، 463.

(2) انظر: (1955)، العُمدة في صناعة الشِّعر ونقده، باعتناء: محمَّد محيي الدِّين عبدالحميد، (مصر: مطبعة السعادة)، 2: 152.

(3)  هذا المقال جزء سابع من ورقة بحثٍ حِواريَّةٍ قُدِّمت في (الصالون الثقافي بنادي جُدَّة الأدبي الثقافي)، مساء الأحد 28 فبراير 2021، بإدارة: (الشاعرة جواهر حسن القرشي). للمشاهدة على موقع "اليوتيوب":

 https://www.youtube.com/watch?v=ZSZF936qzsY

 

 

حاتم حميد محسنكتب افلاطون بغزارة، وافكاره كانت إبداعية ومنطقية وقوية. أعماله تشكل حجر الزاوية للعديد من الموضوعات: الابستيمولوجي، الجماليات، الميتافيزيقا، السياسة، وعلم النفس.

اثّر افلاطون ايضا في المسيحية، والتي أصبحت بدورها نوعا جديدا من الدين. لاشيء في الحياة يمكن التعامل معه بشكل منعزل. وراء كل فكرة، او شخص او اكتشاف او اختراع او مشروع شبكة مخفية من الظروف التي قادت لذلك. وهذا ينطبق بقوة على الأكاديمية. وكما ذكر اسحق نيوتن مرة، نحن جميعنا "نقف على أكتاف العظماء". الفلسفة هي كذلك، تقريبا كل مفكريها البارزين قرأوا وناقشوا وتحدثوا عن أفكار مع معاصريهم. أفكار ارسطو كانت جوابا لإفلاطون، القانونية الصينية كانت نقدا للكونفوشيوسية. ديفد هيوم وآدم سمث كانا صديقان حميمان، فولتير وجان جاك روسو كثيرا ما هاجما بعضهما، توماس هوبز كان في مراسلة دائمة مع ديكارت. لذا، من الصعب الجواب على السؤال: منْ كان الفيلسوف الأكثر أصالة؟ لكن هذا لا يعني اننا لن نحاول الجواب.

أصل الشجرة

في الغالب كل قضية فلسفية (في الغرب) تتصدرها مقدمة تبدأ بعبارة، "بدأ في اليونان القديمة". من بين هؤلاء المفكرين الأصلاء، اعتُبر افلاطون هو الأول. هناك عبارة مقتبسة شهيرة من A. N. Whitehead تقول، "أفضل وصف عام للثقافة الفلسفية الاوربية هي انها تتألف من سلسلة من هوامش لإفلاطون". لا شك، هناك بعض الحقيقة في هذا. افلاطون كتب بكثافة، وفي كل من حواراته والجمهورية نجد اسس الفلسفة السياسية، والابستيمولوجي، والميتافيزيقا والجماليات. هو كان عالم نفس قبل ان يظهر مصطلح علم النفس: تقسيمه الثلاثي للنفس الى ايروس (الرغبة) و ثيموس (الروح او العاطفة) و لوغوس (العقلانية) تتطابق تماما مع تقسيمات فرويد الثلاثة الهو والأنا والأنا العليا.

كان افلاطون قد حدد قواعد اللعبة الفلسفية التي كان فيها الحوار والنقاش والديالكتيك والسجال العقلاني هو الطريقة المثلى لعمل الفلسفة. اليوم، نفترض ان الجدال الجيد يجب ان يكون منطقيا، وان معظم الناس وفي أغلب الأوقات يريدون اكتشاف حقيقة الكون (Truth)، وكل هذا يأتي من افلاطون. (من الصعب العثور على شيء مشابه له في التقاليد والثقافة الشرقية).

هناك فقط مشكلة واحدة، وهي من الصعب القول كم كان افلاطون أصيلا وكم كان سلفا صدى للايديولوجية السائدة انذاك في جزيرة البيلوبونيز اليونانية . جميع حوارات افلاطون تحتوي على نسخة قصصية لإستاذه وصديقه سقراط الذي كان تقريبا الشخصية الأعظم حكمة والفائز دوماً في النقاشات. سقراط ذاته لم يكتب ابدا اي شيء (وفي الحقيقة يبدو انه كان يعارض هذا النوع الجديد من الكتابة)، لذا نحن تُركنا نخمن كم مقدار ما نسميه افلاطوني يأتي حقا من استاذه سقراط. ربما كله، وربما لاشيء منه. كذلك، افلاطون يلمح الى فلاسفة فُقدوا لوقت طويل، مثل ديوتيما التي يُعتقد كانت اول امرأة فيلسوفة وحتى معلمة لسقراط. لذا فان العديد من هؤلاء المفكرين "ما قبل سقراط" كتبوا فعلا، لكن أعمالهم ضاعت ولم تصل الينا، لذا علينا ان نثق مرة اخرى بافلاطون والمصادر اللاحقة. (الأكثر أهمية وثراءً من بين هذه المصادر هو كتاب حياة وأفكار فلاسفة بارزين للكاتب ديوجين لارتيوس). ولكن مع فقدان الدليل، نحن مجبرون لإعطاء افلاطون حقه – حتى لو كان فقط اول من كتب الأفكار.

كيف أثّر افلاطون في المسيحية

اذا كانت الفلسفة الغربية والاسلوب الذي تمت به هي فقط "هوامش لإفلاطون"، عندئذ من الملائم القول ان افكار افلاطون تختبئ تقريبا في خلفية كل فيلسوف قرأناه. مفكرون مثل ديكارت ونيتشة وفرويد كانوا اما يجيبون افلاطون او يضيفون الى افكاره. يمكن القول ان ما هو أكثر اهمية من ذلك هو مدى تأثير الإفلاطونية على المسيحية، الدين الاكبر في الارض. آباء الكنيسة الأوائل كانوا غارقين في التعاليم اليهودية والفلسفة اليونانية، الأخيرة كانت يهيمن عليها افلاطون وأتباع مدرسته (الاكاديمية).

أفكار افلاطون عن عالم الأشكال – الذي هو عالم تام اُزيل من عالمنا الفاسد – اتخذت طريقها للعقيدة المسيحية الرسمية. العديد من الافكار حول آثام الجسد الفاني تأثرت بافلاطون. في قصة الكهف، جادل افلاطون اننا يجب ان لا ننغمس في النزوات والرغبات الأرضية (ايروس) وانما يجب ان نتأمل ونتفلسف (اللوغوس). جميع هذه الافكار تسللت الى الكنيسة الوليدة. في الحقيقة، يفتتح انجيل يوحنا بالآية "في البداية كان اللوغس (الكلمة)، والكلمة كانت عند الله، والله هو الكلمة".

لا يزال معنا

مع تأثير افلاطون على المسيحية، توفرت لدينا طريقة جديدة كليا في عمل الفلسفة او – في هذه الحالة الثيولوجي. المسيحية هي نوع أصلي من الايمان كان نصفه يهودي ونصفه الآخر يوناني. هيمن افلاطون على الفلسفة الغربية لقرون وسيبقى حيا بميراثه في تفضيل الفكر والعقلانية على شهواتنا الدنيوية. تسمية "لاعقلاني" لاتزال تسمية سيئة. وحتى عندما يزحف ارسطو نحو الثيولوجيا المسيحية عن طريق توما الاكويني في القرن الثالث عشر الميلادي وتأثير ثيولوجيين آخرين امثال اوغستين وارينوس و اوراغن، لكنهم لم يتركوا ابدا نفس العمق والتفرد الذي تركته أفكار افلاطون الأصلية.

 

حاتم حميد محسن

 

مجدي ابراهيممرويات الصُّلحاء ومرائيهم كثيرة نافعة مؤثرة، تخضع لأنداء الخيال وتجود بالسعة في إطاره، بين أيدينا مرويّة من مرائي الزهاد الأوائل، جاءت قطعة دالة ذات خصوبة فاعلة وخيال رحيب، إذ كانت سبباً في توبة مالك بن دينار (ت 131هـ)، يرويها بنفسه عن نفسه؛ لتكشف عن خصائص السرد الفني في رقائق الزهاد الأوائل، يتضمنها الرمز الصوفي في بواكيره الأولى، وتحيطها العبرة الدالة على حركة الروح تجاه الآجلة، ومفارقة العوالق الشاغلة بالدنيا وأسبابها، واتخاذ القرآن الكريم مقاصد العمل الموصّل إلى الآخرة، فهو أصفى وسيلة وأنقاها، وأجل غاية وأسماها، وأبلغها طريقاً لربط المسير بالمصير، ولوصل العمل بالخلود، ولكشف العبرة الدالة من أقرب طريق في هذا الوجود.

ولا أقل عندنا من التنبيه إلى أن مثل هذه السرديات الفنية في رقائق الزهاد الأوائل تكاد تخلو من تناول الدراسات الحديثة المنظمة ودراستها بمنهجية ذوقية تبرز مقاصدها وتجلي دلالاتها في إطار وعي علوي وعلى ضوء سبحات الخيال الديني الذي وظفها بهذه الكيفية، وهو توظيف لا شك مقصود لا زيف فيه بل صادق ودالُّ كل الصدق الخالص وكل الدلالة الباقيّة.

فلا نكاد نقرأ بحوثاً متخصصة (ماجستير أو دكتوراة) ولا دراسات تناولت مثل هذه السرديات الفنية في رقائق الزهاد كنقطة بحثية تكشف ما بها من دلالات رمزية وتوجهات روحية سبقت النزوع الصوفي الأصيل، ووصلت الطارق بالتليد، وأقامت القنطرة التي تم العبور عليها من الصدر الأول وما تلاه إلى القرن الثالث وما بعده؛ والروح في الإسلام هى الروح، والتّوجّه هو التوجه، ناهيك عن فعل القرآن الواصب في القلوب يدوم ولا ينقطع، ويتصل بالشعور الديني العميق في اتجاه حركة فاعلة قويمة يعوّل عليها الرجاء في لقاء الله، ثم يربط الدين بالدنيا، والدنيا بالآخرة؛ لتتصل قلوب العاملين تحقيقاً بالباقي دون الزائل؛ ولترتفع فوق غواشي الحُجُب المانعة عن لقاء الله.

لم نشأ أن نُرِد قصة توبة "مالك بن دينار" هنا إلا لتوجه الوعي بالقرآن في ارتقاء النظرة المحققة وسمو قصدها إليه؛ كونه أصل الأصول الرواسخ للوقوف على أسرار البقاء بين الدين والدنيا والآخرة، وهى بلا شك أسرار لم تنفصل عن تعميق المحاولة في قراءة القرآن قراءة ذوقية بالقلب والإحساس لا بالحواس الظاهرية؛ فمن جمال الرموز التي وردت بالمرويّة ما من شأنه أن يتصل بمقاصد العمل فَتَرِقُّ لها قلوب الجلاميد، وتوحي بالصدق الذي يداعب خيال العاملين في إطار هذا التوجه ويمس مسّاً مباشراً قيم القرآن إنْ في الوجود وإنْ في الخلود كما بينه التساؤل الاستفهامي الذي طرحه مالك بن دينار على ابنته: وأنتم تعرفون القرآن؟ لتجيبه من فورها: نحن أعرف به منكم؟ أي نحن في خلودنا أعرف بالقرآن منكم، إذ كنتم في الدنيا لا تعرفونه على الحقيقة.

وهذا رمز آخر لما توحيه قيم القرآن من فاعلية التأثير المباشر في الوجود وفي الخلود سواء. لكأنما القرآن كما يكون في الدنيا مبعث استقامة وسعادة؛ فهو في الآخرة كذلك وأكثر من ذلك: سبب النور السرمدي والسعادة التامة الكاملة؛ لأن عرفان القرآن في الآخرة عرفان حقيقة سطعت بقوتها. أمّا عرفانه الدنيوي فلم يكن بالكمال الذي هو به في الآخرة: مستقر النور ومستقر قرار الحقائق ساطعة على ما هى عليه.

رُوي عن مالك بن دينار أنه سُئل عن سبب توبته فقال: كنتُ شرطياً منهمكاً على شرب الخمر. ثم إنّني اشتريت جارية نفيسة؛ ووقعت مني أحسن موقع، فولدت لي بنتاً، فشغفتُ بها؛ فلما دَبّتْ على الأرض ازدادت في قلبي حباً، وألِفَتني وألِفتها.

قال: فكنتُ إذا وضعتُ المسكر بين يدي جاءت إليّ وجاذبتني عليه وَهَرَقَتْهُ على ثوبي. فلمّا تم لها سنتان ماتت؛ فأكمدني حزنها. فلمّا كانت ليلة النصف من شعبان، وكانت ليلة الجمعة، بتُّ ثملاً من الخمر، ولم أصلِّ فيها عشاء الآخرة. فرأيتُ فيما يرى النائم كأن القيامة قد قامت، ونُفخ في الصور وبُعثرت القبور وحُشر الخلائق، وأنا معهم. فسمعتُ حِسّاً من ورائي، فالتفتُ، فإذا أنا بتنّين أعظم ما يكون أسودَ أزرقَ قد فتح فاه مُسرعاً نحوي. فمررتُ بين يديه هارباً فزعاً مرعوباً . فمررتُ في طريقي بشيخ نقي الثوب، طيّب الرائحة؛ فسَلمتُ عليه فرد السلام. فقلت: أيّها الشيخ ! أجرني من هذا التنّين، أجارك الله ! فبكي الشيخ، وقال لي: أنا ضعيفُ وهذا أقوى مني وما أقدر عليه، ولكن مُرْ فأسرع فلعلَّ الله أن يتيح لك ما ينجيك منه.

فولّيت هارباً على وجهي؛ فصعدت على شَرَف من شُرَف القيامة، فأشرفتُ على طبقات النيران، فنظرتُ إلى هولها. وكدتُ أهوي فيها من فزع التنّين؛ فصاح بي صائح: ارجع، فلستَ من أهلها! فاطمأنّيتُ إلى قوله ورجعت، ورجع التنّين في طلبي. فأتيت الشيخ، فقلت: يا شيخ ! سألتك أن تجيرني من هذا التنّين فلم تفعل. فبكى الشيخ، وقال: أنا ضعيف ولكن سِرْ إلى هذا الجبل، فإنّ فيه ودائع المسلمين، فإنّ كان لك فيه وديعة فستنصرك.

قال: فنظرتُ إلى جبل مستدير من فضّة، وفيه كُوىً مُخَرَّقة وستور معلقة على كل خوخة وكَوَّة مصراعان من الذهب الأحمر مُفصلة باليواقيت مكوكَبة بالدُّر، على كل مصراع ستر من الحرير. فلمّا نظرت إلى الجبل ولّيت هارباً والتنين من ورائي؛ حتى إذا قربْتُ منه صاح بعض الملائكة: ارفعوا الستور وافتحوا المصاريع وأشرفوا ! فلعلّ لهذا البائس فيكم وديعة تجيره من عدوِّه. فإذا الستور قد رُفعت والمصاريع قد فُتحت، فأشرف عليَّ من تلك المخرَّمات أطفالٌ بوجوه كالأقمار.

وقرب التنّين مني، فتحيَّرت في أمري. فصاح بعض الأطفال: ويحكم! أشرفوا كلّكم فقد قرب منه عدوّه. فأشرفوا فوجاً بعد فوج؛ وإذا بابنتي التي ماتت قد أشرفت عليّ معهم.

فلمّا رأتني، بكت وقالت: أبي، والله! ثمّ وثَبتْ في كفّة من نور كرَمْية السَّهم حتى مثلت بين يديّ. فمدّت يدها الشمال إلى يدي اليمنى فتعلقتُ بها، ومدَّت يدها اليُمنى إلى التنّين فولَّى هارباً.

ــ ثم أجلستني وقعدت في حجري وضربت بيدها اليمنى إلى لحيتي، وقالت: يا أبتِ:" أَلمْ يأنِ للذين آمنوا أن تخشعَ قُلُوُبُهُم لذكر الله". فبكيت وقلت: يا بنيّة! وأنتم تعرفون القرآن. فقالت: يا أبتِ! نحن أعرَف به منكم. قلت: فأخبريني عن التنّين الذي أراد أن يهلكني. قالت: ذلك عملك السوء قوّيتَه فأراد أن يغرقك في نهار جهنم. قلت: فأخبريني عن الشيخ الذي مَرَرتُ به في طريقي. قالت: يا أبتِ! ذلك عملك الصالح أَضْعَفْتَه حتى لم يكن له طاقة بعملك السوء. قلت: يا بنّية! وما تصنعون في هذا الجبل؟ قالت: نحن أطفال المسلمين قد أُسْكنا فيه إلى أن تقوم الساعة ننتظركم تقدمون علينا فنشفع لكم. قال مالك: فانتبهتُ فزعاً وأصبحتُ فأرَقْتُ  المسكر وكسرت آلته وتبتُ إلى الله عز وجل. وهذا كان سببُ توبتي" (أ. هـ).

فلئن كنا بإزاء لون من ألوان عقيدة البعث والآخرة في خيال مرائي الزاهدين، فإنَّ هذه السرديات الفنية في رقائق الزهاد؛ لتوحي بمعطيات ذوقية هادفة، تقوم على خصوبة الخيال الخلاق، وتدفع إلى العمل على شرعة القرآن، وترقي من مأثر التبعة الباطنة، وتحقق أغراضها مع التأمل في سِيَر الأقوياء العاملين؛ لأنها تدفعهم إلى عمل علوي حقيقٌ بالسعي إليه جدير بمباشرته في يقين الثقة والاطمئنان.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

سامي عبد العالإزاء عملية "القلْب الثقافي" (أي الإحالة إلى الماضي)، يشير التصور الافتراضي للأطفال بوصفهم زماننا الآتي دون استئذانٍ. والغريب في هذا السياق أنْ يتعامل البعضُ مع الزمن كأنَّه يتوقف على وجوده حصرياً. وهذا غير صحيح ولا حقيقي بالمرة. إنه تصور قائم على الوهم كمَنْ ينظر إلى النجوم معتقداً أنه يسيّرها بإشاراته بمجرد رفع أُصبعه إلى السماء. هذا التصور يؤسّس لأغلب مفاهيم المعرفة والأخلاق والسياسية في ثقافتنا العربية، وهو بمثابة القاعدة الأولى للإستبداد الذي يتسرب بعناوين شتى إلى مجالات الحياة المختلفة.

في حين أنه يجب أنْ نتوقع ماهية الآتي دون بلوغه إلاَّ بمواصفاته، أي لابد من التفكير في الإنفتاح لا العودة إلى الوراء، في الإنطلاق لا الإنكفاء، وفي الانكشاف لا التغطية. هكذا تجري دفقات الحياة ضمن حركة الإنسان. ولو ترقبنا الآتي قياساً على ذلك، فلن يعدُّ المستقبلُ زمناً، لقد غدا قدَّراً أنطولوجياً لا مفر منه. وأحياناً قد يأتى كلعنة عاصفة تجتاحنا باستفهام ملعُون[1]: ماذا فعل العرب بحاضرهم، وماذا أعدُّوا لأطفال المستقبل بينهم؟!

الميلاد: ماضياً أم مستقبلاً؟

ذلك الوضع هو ما سيُطرح يومياً بصدد هذا الجانب من الحياة ( ليذكرنا بشبح اللعنة الإجتماعية المدمرة للإنسان كما في بؤساء فيكتور هيجو ). إن ميلادُ طفلٍ ليس ميلاداً عابراً على ما نعتقد، لكنه مسؤولية ألقاها إلينا المستقبل ذاته. ميلاد إحتفى به عمرو ابن أم كلثوم بشكل طقوسي عارم دالاً على موروثات نريد التخلص منها: " إن بلغ الفطامَ لنا رضيعٌ، تخرُ الجبابرُ له ساجدينا". لأنَّ كل لحظةٍ في زمن الأطفال، أصبحت تجاوزاً للواقع، كل فعل لمشاغباتهم غدا ًكسراً للحقيقة، كل حركة مفاجئةٍ أضحت تحطيماً للإعتياد، كل تخيل لدهشتهم أمسى موتاً للتفكير وتحولاً له. هنالك تتولد الصور وأشكال الحياة والآمال والطموحات، والانتهاك للقديم وصراع الأجيال، والاختلاف بين فينةٍ وأخرى.

لا أبالغ، فإن الزمن المستقبلي غريزة في أعماق الفضول الوجودي، أي أنَّه  يقع ضمن الفضول الطفولي بالأساس، حيث لا ينقطع فضول كهذا عن السريان داخل الكائن البشري وإنْ بلغ أرذل العمر. ويجب ألّا نذهب بعيداً، فهناك مجتمعات مستقبلية بالفعل لا بالتوهم. والأغلب أنَّها تعيش بأُطر المستقبل، آلياته، خياله، علاقاته نتيجة اهتمامها الكبير بالغد. وعبر تفاصيل قضاياها الحياتية، تفسح مجالاً لإيقاع الزمن الخفي (مثل بعض المجتمعات الغربية).

وحتى في الماضي الغابر، ماذا كان يفعل الكهان والسحرة والعرافون وضاربو التمائم وقارئو النجوم إلاَّ طقوساً للزمن القادم. هذا المستقبل الغامض- الواضح بتلك الصيغة المركبة. ولذلك فإنَّ الثقافات التقليدية التي لا تتطور ستُطرح ببساطة في بورصة المتاحف كتراث إنساني عالمي، وسيشارك أصحابُها أنفسهم في حفظها، في دفنها بقدر ما سيشارك الآخرون فيه. لينطبق عليهم المثلُ القائلُ: " يقتلون القتيلَ ويمشون في جنازته "، أو كالدبة التي قتلت صاحبها بحجر بينما كانت تريد هشَّ الذُبابَ عنه!!

إذن المستقبل بكل تأكيد هو أطفالُنا على نحو ملموس، تلك البراعم الغضة التي ستجتاح هيكلَّنا القديم، هيكل ثقافي كم تعبدنا خلاله وقدسناه، فحلّ محل الزمن المتغير. ومن ثمَّ جاءت المفارقة: كيف نخاطبُ طفلاً كُنّاه يوماً ولم نعشه؟! بأية طريقة نعطيه حياةً نحن قاسيناها عَلّه يعبر عن أملٍّ جديدٍ؟ لقد أورثنا الطفولة بنيةَ الواقع الإجتماعي المهترئ وغير المتطور، واقع أثقلته تقاليد ثقافيةٌ في حاجةٍ إلى مراجعة صارمةٍ. وحتى العبارة العابرة " لعب عيال" توثِّق كخطاب شائع في موقف ساخرٍ أو آخر هذا الحطَ من شأن الطفولة. على الرغم من أنَّ هذا اللعب هو المسار الذي يجدد هواء المجتمعات وينعش الأفكار ويطور ما تكلس من أمور!!

الواضح أنَّ المجتمعات العربية تجاهلت كائناً افتراضياً كهذا مثلما تجاهلت مستقبلها نفسه. والإشارةُ سانحة إلى كونها مجتمعات قد تشاغلَّت عن صناعة المستقبل[2] كما تشاغلَّت عن إبداع جوانب الحياة قاطبةً. كانت الطفولةُ في تلك المجتمعات مستقبلاً أهملته، وأعطته ظهرها، فوجدته بالتبعية كارثةً أمامها. ولذلك كثيراً ما كان أطفالُّها هم الزمنَ المكروه، هم الزمن المنسي الشاهد على خطاياها. بدليل أننا نغتصب الطفولة حينما نعاجِّل طفلاً بأن يكون رجلاً، أو نتحدث معه على أنه كذلك بكلمات هرِّمة ضد مسار الحياة!! نحن نفعل باصرار كمن يُنْضج ثماراً في غير أوانها!!

الثقافة العربية نفسها ستنذر باحتمال أن ينكسر القِدْر الفخار في عبارة ( اقلب القدر على فمها تطلع البنت لأمها) المرموز بها إلى التقاليد. وعكس ذلك تقول عبارة أخرى" إنْ كبر إبنّكَ خاويه". لكن ألم يكُّن الإبن منذ قليل موضوعاً لقمع تربوي؟! الموضوع يحملُ الوجهين: فالقِدْر الذي هو الفخار، هذا الهش في صلابته معرَّض لخطر التحطم، إذ كيف تلعب الثقافةُ أدوارَ القولبة فيما لا قالب له إلا هشاشته؟! قطعاً كل ما تم تعبئته من ماء الحياة الإجتماعية، ماء التقاليد والقيم سينسكب، سيتسرب في لمحة عينٍ. منْ يخاوي من، الأب تجاه إبنه أم الإبن تجاه أبيه؟ لنلاحظ أنَّ" الكِّبَر" يحملُ الزمنَ القادم الذي تحدثت عنه، بينما المثل يؤشر إلى شيء عميق هو: أن الطفلَّ عندما يكبر، فسيكون في زمنٍ غير زماننا، إذن لابد أنْ نخاوي الزمنَ نفسه( أي نتحسب لتحولاته ونعمل على التهيؤ لها). لابد أن تبذل المحاولات كي نأمّن غوائل الزمن، ولكن ليس من وسيلةِ لأنْ نأمنه دون التخطيط لمستقبلٍ أفضل.

في المقابل لن يملك الأب ولا الإبن زمنهما مهما تقاربا أو تباعدا، لأنَّ الإنسانَ (بمصطلح هيدجر: الدازاينDasien) هو كائنٌ زمنى في أساسه، يخترقه الزمن، يحيطه الزمن، وتعد ماهيته زمانيةً، إنه يشعر بتناهيه في نفسه وتبادلياً يشعره الزمن بتناهي وجوده. إنَّ الموجود هناك، أي هذا الدازاين، سيكشف تناهي الثقافة والحقيقة، وبالتالي تناهي القوالب التي صاغتها لأجله حياتياً. ولئن حاولنا معرفة أهم التحديات التي تواجه هذا الكائن الآن، فإنها معطيات وأحداث تعمل عبر الثقافة عملَ ضربات حفائر اللغة ونخرِّها ( ألا نتذكَّر طيور نقار الخشب الباحثة عن يرقات العسل أو الديدان الصغيرة )، إذ تترك أثراً أو تفتح فضاءً لمعنى أو تحرِّك راسباً. يُشار بذلك أنَّ صياغة خطاب الطفولة ستظل في حاجة إلى معجم معرفي مغاير، وإلى مستويات من التعبير، وإلى أساليب جديدة في التكوين والأداء.

خطورة الطفولة

الطفولة إشارات وعلامات قابلة للتأويل داخل الثقافة، أي أن إشارات تمرُدها وتحديها لسلطة القيم وخرقها لهيمنة الأفكار والتراتب الإجتماعي يكشف طبيعة الثقافة. الطفولة رمز العبث الحر بهذه الأشياء جميعاً ومجال للتلاعب الساخر بها. وهذا الأمر من تلك الزاوية أمر ايجابي تماماً رغم آثاره الجانبية الكثيرة. إنَّ انحراف الإمكانية، الرفض، التغيُّر، الكسر، التمرد هي فراغات مستحيلة الملء داخل كيان الإنسان. ولدى الكيان الطفولي يصبح التمردُ والرفض قويين.

وما لم نواكب هذا الكيان الطفولي النزق والبريء بنظام معرفي وتربوي متطور، فإنَّه سيمثلُ تحدياً حياتياً للقولبة التربوية، ولن تكون التربيةُ هنالك إلا تجلياً للقمعِ الثقافي. والنظام المفترض يجب أن يتيح مساحة للإبداع والإبتكار، ويجب أن يحرر القدرات والمواهب من القيود المجانية. هناك مثل متأخر دال في هذا الصدد: "يا م أَمّنْ الرجالَ يا م أَمّنْ الميّه في الغربال"، ولكن لماذا الرجال تحديداً بخلاف النساء؟ لأن الرجال رموز لإمكانية الأطفال الذكور فيما بعد. الرجال كانوا شكل المستقبل فيهم، بل الرجال بمثابة المستقبل كلِّه من واقع أنَّ البنتَّ موءودة ودُفنت، وأنَّ خروجها النهائي (الطقوسي) كان تحت وصاية الرجل. وفي الحالتين (الزواج والقبر)، يعد الخروجان الأنثويان كليهما موت، وعليه لن يبقى إلاَّ الرجالُ. كما أنّ المثل بالتأكيد لم يقُله الرجال، بل قاله الجانب الصامت من المجتمع، الجانب الذي يمثل بحسب التقاليد عورة وافتضاحاً وهو النساء.

وبالطبع فإنَّ مقصود العبارة هو إمساك عنق الرجال بمقابض السلطة، وليكن قمع النساء جارياً في الخفاء. مع أنَّ العبارة السابقة تحمل الشيء ونقيضه جنباً إلى جنب، فالإغواء مزدوج وسيذهب بالطبع إلى إمرأةٍ هي نفسها تُحذّر المجتمع كله( من النساء) عن طريق الرجال. فالرجال لن يكونوا موضع ثقة تحت عين النساء إلاً بعيداً عن المرأة، وهذا مستحيل بالقطع. لأنَّ الطرف الآخر في أية علاقة ذكورية هو الأنثى بطبيعة الحال، فالرجل لعوب، لأن هناك إمرأة لعوب والعكس صحيح.

لكن النقطة الحيوية أنَّ دلالة عدم أن نأمّن للرجال هي ذاتها دلالة تغيُر الإنسان وتمردَّه. وأنَّ مكانة الرجال كأنماط مهيمنة تأكيد على أن التغيُر قد يشمل الحياةَ، المجتمعَ نفسه. والإشارة هنا ستنطوي أيضاً على تغيُر الفرد، وشخصه الإعتباري والنظرةِ إلى العالم وصورةِ الحقائق الإجتماعية. وتواتر الماء ما بين القِدْرةِ والغربال يعني استحالة إمساك سلوك الإنسان وطاقاته عبر أُطر مغلقة. فالطفولة هنا رغبة، فضول، جموح في الخيال، نشوّة لا تنتهي، سعادة وجودية، لعب وانهماك في الواقع، وذلك مما يجعل الطفولةَ مصدراً لتجديد رؤيتنا للحياة.

الوعي بالأزمات

لعل الطفل هو أكبر أزمة فعلية في الواقع. وهو جزء  فاعل من جسم الثقافة أو هكذا يجب أن يكون[3]. فالوعي يجب أن يستوعب المواقف التي تجسدها الطفولة بناء على جذور الثقافة العربية، وكيف تتسق أنسجة هذه الثقافة مع المساحات الأخرى في الحياة. كثيراً ما نرتكب خطأ نسيان الأزمات ونتجاهلها دون دراسة ولا تحديد، وبخاصة في المجالين الإجتماعي والسياسي، غير أن الأزمات تتناسل، هي تغيب بفعل جوانب الثقافة هنا أو هناك، لكنها سرعان ما تظهر أشدَّ شراسةً وفتكاً. والرأى المرجح أنَّ الثقافة تغدو أعظم تأثيراً وهيمنةً حينما لا نشعر بها، وقد لا نراها متربصة بالكيانات التي تشكلُّها، لكنها تضغط عليها وتحكم قبضتها في سرية وتكتمٍ.

والأطفال يدخلون في دائرة هذه الكيانات، هناك عادة قميئة في المجتمعات العربية أنَّ الطفل مجرد قطعةَ أثاثٍ بشري ملقاة في المنزل وهو أخر موضوع تفكّر فيه الأسرة، إنه الكائن اللا مفكَّر فيه، وربما لا تنافسه في موقعه هذا إلا المرأةُ. بمعنى أنهما فائضُ وجودٍ، هما منسيِّان مقارنة بالإهتمامات والأعمال الأخرى، ولا يُلتفت إليهما عادةً إلا لاحقاً، كأنهما قلادتان في معصم  أصحاب الذاكرة المركزية(الرجال). وهذا أبرز وجوه الأزمات الإجتماعية الطاحنة، لأن الطفلَّ، وطبعاً المرأة،  كلاهما يمتص بشكل غير مباشر كافة الصدمات والآثار ويفرزاها سُماً ثقافياً، وعلى أساس أنهما لم يكونا في بؤرة الحياة، فإنهما سيغدوان خيطاً أصيلاً من أزماتنا دون أن نعرف أحياناً!!

صناعة الحياة

هناك سؤال حقيقي حول عدم قدرة المجتمعات العربية على إبداع الحياة. فمَنْ لا يبدع نمط الحياة لا يستطيع أن يحياها. ونحن لا نهتم بالطفولة، لكوننا لا نجيد فن الحياة، ولا نفهمها في أعماقنا، في إحساسنا، في غرائزنا، ولا في الطبيعة المحيطة بنا. والحياة العربية سؤال دموي بلون الدماء التي ملأت تاريخ العرب القديم والحديث، لقد كان فخرهم دماءً، كان هجاؤهم دماءً، حتى حبهم كان دماءً وبكاءً على الأطلال، كانت غزواتهم دماء، كان صراعهم دماءً، كانت ثوراتهم دماء، كانت مشاعرهم دماءً في ماءٍ!! ومازالت الأم العربية في القرى والأرياف المصرية حين تتوعد طفلها تلاحقه قائلةً: "سأشرب من دمكَّ لو فعلتَ كذا.. وكذا"!!! هل تخيلتم إلى أي مدى يتم قتل الطفولة رمزياً داخلنا، وكيف نعطي الطفلَّ انطباعاً بأن معنى الدماء عمل تربوي. وفي الأحداث الربيعية الأخيرة التي عاشتها المجتمعات العربية، شاهد الأطفال كميات من الدماء لم تشاهدها أجيال وأجيال في مجتمعات أخرى.

لقد أضحت صورُ الدماء كأنها أمور إعتيادية، وغدت صور الأطفال المقتولين، الأطفال المشوهين، الأطفال الباكين، الأطفال الخائفين، الأطفال المشردين، الأطفال اللاجئين أشياء نمطية إعلامياً. أخطر ما فعله الإعلام المعاصر هو ترديد الشيء الإستثنائي على أنَّه شيء مألوف وقابل للتكرار سواء في الحروب أو ظواهر الأستبداد والتخلف. الخطاب الإعلامي جعل من الدماء لغةً يفهما الأطفال (ببراءة) مع اضطراب الأحوال الإجتماعية والسياسية، جعلها لغة للقتل والثأر والبتر والإستئصال. وعندما تتلقى البراءةُ مشاهدَ مروعةً تنقلب إلى سلوك عنيف، فالطفل نظراً لمخاوفه الدائمة، ولخياله القوي، يتصور نفسَّه من بين الضحايا، وعلى ذات الطريقة يتصور أقرانه وأخوته غرقى في دمائهم. ولذلك هناك جانب من التحدي كيف نجعل الأطفال يعيشوا بهجة حياتهم، كيف يلعبوا وهم في سعادة غامرةٍ دون كوابيس الدماء؟!

عالم الديجيتال

إنَّه تحدى الواقع الإفتراضي، نشاط الصورة، الأيقونات، الرموز، الأفعال الإفتراضية البديلة، الخيال التقني واسع الحركة والتخلُّق. وكلها موضوعات ترتبط بشكل أو آخر بالتقنيات والفنون الإلكترونية، وهي موضوعات أصبحت فضاءً للعب الطفولي وتجسيداً له، في الوقت نفسه تمتص كافة طاقاتهم حين تشعرهم بالسعادة، إذ ذاك ينصرفون بشحناتها تجاه الموضوعات الواقعية، وتجاه حقائق المجتمع. ليس معقولاً أن نتعامل مع أطفالِ التكنولوجيا بخطاب( قلب القِدرة على فمها )، أو بخطاب: " إبْنِّك على ما تربيه وزوجك على ما تعوديه".

ومن أسف أن التربية والعادة في المجتمع العربي هما الشيء نفسه، يتبادلان الأدوار ويتواطئان أثناء الممارسة، فإذا أرادَ الطفلُّ أن ينتقل من مرحلة الطفولة، مرحلة الزمن المفتوح والخيال الجامح والفعل المتهور، إلى الرجولة فُرض عليه الخضوع إلى التعود في الحالتين.

ليس تحدي التكنولوجيا مادياً كما قد يفهمه البعضُ من جهة التأكيد على إمداد مؤسسات الطفولة بأجهزة وتقنيات عصرية، إنما هو في الحقيقة تحدي للبقعة المفرَّغة من المجتمع، بقعة مراوغة خارج المؤسسات، هي"بقعة الخطاب العام" عندما توفر خيالاً موازياً لقدرات الطفل. في هذا الصدد لم تتسع اللغة العربية حتى الآن- من داخلها-إلى مفاهيم العالم الإفتراضي ونظرياته. كانت ومازالت لغتنا المتعلمة لغةً تراثية بإمتيازٍ، لذلك يستمد الخيالُ التقني في ضوء تعبيراتها مخزونَّه الدلالي من مفردات الصحراء وحيوانات البداوة وتهويمات الجنيات والسراب وقت القيظ، وبقايا الأطلال.

حتى أن هناك من يفسر الخيال ابتداءً بــ"رباط الخيل" الموجود في القرآن،  وهناك من يطلق على السينما " دار الخيالة". وبصرف النظر عن كون التفسير محتملاً أم لا، فإنَّ  للخيل علاقة تاريخية بالتراث أقرب من علاقته ذاتها بالحياة في عصر المعلوماتية والإتصالات الافتراضية. والطفل على الرغم من أنه يعرف (الخيول العربية الأصيلة)، إلا أنه بات أكثر درايةً بحيوانات إفتراصية غير أصيلةٍ، وبات يعْرف عنها بصورة أعمق مما يعرف عن تراثه كله. وبدا واضحاً له أن مجتمعه العربي مازال يربي الخيول العربية الأصيلة بينما يخلو المجتمع ومعارفه الراهنة من أيّة أصالةٍ راهنة. إذن على الرغم من أن الخيالَّ يمتدُ إلى مالا نهاية إلاَّ أن الثقافة تردّعه، تقهره تحت تاريخية الواقع المعيش. لأنه في بيئة تستأثر حيواناتهُا بالأصالةِ دون الإنسان، ينعدم مجتمعُ المعرفة المفترض أن يشبع الخيال الطفولي.

معرفة دون حدود

الطفل كائن مستقبلي بالطبيعة، إذن كيف يمكن إعداده نفسياً وقيمياً وسلوكياً ليعيش زمنه ضمن تلك المجالات على اختلافها؟! كيف يتسنى بناء مؤسسات وبرامج ومواد تربوية وفنون بمعايير المستقبل لا الماضي؟! وفي الوقت ذاته لا يبدو الأمرُ سهلاً، لأن التربيةَ كلٌّ لا يتجزأ عبر جوانب المجتمعات. ويفترض أنه إذ تعطينا التربية طرَّفاً من الخيط الممتد إلى الماضي، فإنها ترمي بالطرف الآخر تجاه القادِّم كحياةٍ بأكملِّها. بمعنى أننا لا نستطيع الانخراطَ في أية عملية تربوية دون تجديد الواقع وحل مشكلاته وإعادة النظر إلى القديم وترميمه، وكذلك إنْ أردنا مكانةً في التاريخ، فلابد من تصور هذا المستقبل على نحو مختلفٍ.

نحن نطرح هذا مع علمنا بافتقاد ثقافتنا العربية إلى ما نحاول إلى تقديمه مستقبلاً، فالتربية الشائعة كما قلت ببساطة لون من المحاكاة والقولبة والقمع وفقاً لما قلدناه وتقولبنا في إطاره، بينما التربية المنفتحةُ إذن تربيةٌ متطورةٌ. وبالإنفتاح على العوالم والثقافات نجدُ أن هناك رفضاً واسعاً لكل ما يقدم تربوياً ولا يناسب قدرات الأطفال ولا عالمهم( هو رفض بلسان حالهم ). ومع محاولة تقديم المناسب، سنكتشف أننا لم نعش هذه الطفولة: فمن أين سيأتي الخيال والفكر حتى نخرجهم من" أرجُوحة التاريخ" العربي عندما سنجد القديم مستقبلاً والمستقبل قديماً!! إنه التحدي بصدد الخطاب: ماهي الأساليب التي نستخدمها لإيجاد صياغات لغوية لا تلجأ للتلقين والحفظ والقولبة؟ فأنماط الخطابات التربوية السائدة في الثقافة العربية أنماط لإغتيال الطفولة ليست أكثر.

المعرفة أضحت قوةً لا قبلَّ للمجتمعات التراثية بها، فالدول المتقدمة معرفياً تعيش في عالم آخر بالحقيقة لا المجاز، المعرفة استراتيجيات للمستقبل، لتصور الغد (كأنه عالم مغاير). والتعليم يعالج هذه النظرة المنهجية لأي بناء معرفي من خلال ترجمته إلى صيغ للخطاب التربوي والثقافي. وضروري أنْ يواكب في مقرراتهِ وصياغاته وطرائق تدريسه: ما معنى أنْ يعرف الإنسان، وكيف يعرف وما هي آفاق معرفته، وكيف يغير معرفته، وكيف ينسى ما تعلَّمه بسهولة؟ والطفولة مجال حي وإفتراضي يجعلنا قادرين على التعايش مع هكذا معرفة.

إن المعرفة المتغيرة جزء من خطاب الطفولة، فلا نستطيع مخاطبة الطفل دون معرفةٍ عميقةٍ بطبيعة هذه المرحلة وتطورها، ولا نستطيع تعليمه دون تقنيات ولا مناهج جديدةٍ. واللغة حتى تصبح مؤثرةً يجب اعتمادها على بلاغة الفكرةِ، بلاغة الصورةِ لا سجع الألفاظ ومهابة النصوص. ولعلنا نلاحظ في ثقافتنا العربية أنه نظراً للبطانات البلاغية للعبارات بموازاة قهر الواقع، فقد اختفت بلاغة المفاهيم، لأنَّ الأخيرةَ تحتاج إلى رؤية وحرية ومعايير عقلانية من أجل الصياغة والتلقي والفهم. وفي حالة غياب أشياء كهذه يسود خطاب الخرافة، هكذا سنجد أنَّ معظم الحكايات التي خاطبت الأطفال كانت قصصاً مملوءةً بالعفاريت والجنيات والساحرات والأشرار وبنات السلطان ومناكيد العبيد والجواري وقصص المتسولين والظرفاء، كانت قصصاً تقدم لهم خيالاً منتفخاً في مقابل ضألة الواقع وتقزُمه، وكانت لا تعطيهم معرفة بالحياة، بل تطبع دلالة الألفاظ بسحرية الأفكار وتهويماتها. ويظهر أن هذا مكون من مكونات الخطاب العام، فقد بلورت " ألف ليلة وليلة " مثالاً تاريخياً على إنتاج الصور البلاغية والخطابية اللاعقلانية.

المجتمع المدني

إنَّ تحول لغة المعارف والتداول من لغة سلطوية، لاهوتية، لغة الأرقاء والجواري والعبيد إلى لغة الحقوق والحريات والتسامح لايعني أكثر من ضرورة تغيير الخطاب الخاص بالطفولة، وتغيير نمط الحياة السائد جذرياً. لأنَّ فائض لغة السلطة والقهر أصبحت راشحةً في كل مكان من الخيال الجمعي. كثيراً ما نُطلق على الطفل المهذب (المؤدّب) اسم الطفل (الأمير). وكلمة الأمير ذات مخزون سياسي كما هو معروف، لكن نظراً لأنَّ السياسةَ شكلَّت في النسيج الثقافي العربي النموذج الأعلى والمطلق مختلطاً فيه الديني والأخلاقي والإقتصادي والإجتماعي، فقد كانت لفظةَ (الأمير) اسقاطاً لكل هذه المحمولات على ذلك الكائن الإفتراضي. كان ذلك بالطبع اسقاطاً ثقافياً غير واعي. وبينما كان المدلول الأخلاقي في المقدمة ليناسب الحالة، فقد أصبح مدلولاً جارياً كنقطة تمويه مؤقت هو الآخر لإستعادة القمع والتسلُّط.

والمجتمع المدني يمثل تحدياً لكل ما ينتمي إلى خطاب الطفولة ومفاهيمه، لم يغب سوادُ الوجوه الذي جاء به القرآن واصفاً من يُبشْر بالأنثى: " وإذا بُشرَ أحدُهم بالأنثي ظل وجههُ مُسوداً وهو كظيم"، علامة جسدية من علامات الخطاب الثقافي، لكأن سوادُ الوجه نتيجة مولد الأنثى هو إشارة إلى التجاور الدلالي مع تدني النظرة إلى الوجوه السوداء في الواقع الإجتماعي. وإضافة إلى ذلك لم تختف عادة دفن الإناث، وأد البنات، هذه الظاهرة ( الجاهلية ) عن حق. كل ذلك أخذ اشكالاً خطابية جديدة، حتى أنَّ خطاب (قلب القُدُور) أقلُها وضوحاً، هناك تحقير دائم للمرأة وممارسة علنية وخفية للعنف اللفظي والجسدي إزائها، وهناك قتل للمرأة بسبب الفضيحة، بصمات المثل الشعبي تقول: " يا م خلِّف البنات يا م لاحقك العار حتى الممات". بجانب ذلك لا يُعترف بحقوق الأطفال إبتداء، وينتشر العنف الواقع عليهم، هم أول الضحايا وأخر الناجين من اللعنة الإجتماعية.

طفل العولمة

لم يعد وجود الطفل محلياً، بل أصبح طفلاً كونياً. أدواته الفنية وأفلامه، معارفه، المواد الغذائية التي يتناولها، ألعابه الإلكترونية، ملابسه، الصور التي تغلف مقتنياته.. كل هذه الوسائط تعكس ثقافة عولمية. إن فيلماً للرسوم المتحركة مثل توم وجيريTom and Jerry  جَسّد ثقافة خارج نطاق المعايير المحلية. ومع كونه مُعبراً عن صراع بين القط والفأر، إلاَّ أنه مثلَّ إسقاطاً عولمياً لكيفية بث نمط  من الخيال العابر للحدود. فكائنات الفيلم معروفة تمام المعرفة، غير أن الدلالة التي تُعطّى للصراع شيء آخر، إنها قابلة لأن تُحملّ بحمولات ثقافية وسياسية وإجتماعية، وربما طرح فيلم كهذا ليتجاوز الثوابت الثقافية رغم أننا لا نرى فيه من تلك الزاوية تكُّلفاً ظاهراً. ولنلاحظ أنَّ توم وجيري كان يحظى بنسبة مشاهدة عالية من الأطفال، بل كانوا يتماهون بأنفسهم ضمن مغامرات القط والفأر فتكون المشاهد والموضوعات والرموز أفعالاً بالإنابةٍ. لقد تجاوز الفيلم الأعمار بمعنى إقبال كل مراحل الطفولة على مشاهدته. ومن جهة اللغة نجده غيرَ مصحوبٍ بأي حوار أو كلمات، مكتفياً بالحركة والأفعال الافتراضية. الفيلم صامت بينما تقوم الأشكال والموسيقى والتقنيات بدور اللغة، وأخذت في صياغة الخطاب الذي يحمل الرسالَّة ليتلقاها الأطفال في الموعد والمكان الرمزيين.

المشكلة أنَّه لم تعد تجدي اللغة التقليدية التي إعتاد عليها أطفالُنا، هناك دراما الصور، صراع العلامات، اللغة ذاتها أضحت مهددة بالصمت الذي يجسد المعاني، لتغدو لغةً بمفاهيم أخرى، ولتأخذ شكلَّ كتابة تصويريةٍ أشبه بالكتابة الهيروغليفية القديمة في الحضارة الفرعونية. لنتخيل ما أحدثته العولمة، هل استوعبنا رمزيتها، هي هيروغليفية سيميائية من نوع جديد، نظراً لسيادة الحروف التصويرية أمام الأصوات والكلام المنطوق.إذ ذاك تصبح الصورةُ لغةً لها قوانينها وقواعدها الفنية، ولها تأثيراتها، ولو ركزنا على ذاكرة الأطفال لوجدناها تتأثر بالصور أكثر من الأصوات. وهذا تحدي جذري، لأن ثقافتنا العربية ترتَّدُ في أصولِّها إلى مرجعيات شفاهية، الذاكرة لدينا ذاكرة منطوقة، ذاكرة صوتية بملء الكون والحقائق والمقدسات. فالقرآن حينما يأتي على ذكر حواس الإنسان يقدّم الأُذن على كافة حواس الإنسان الآخرى: "إنَّ السمعَ والبصرَ والفؤادَ كلُ أولئك كان عنه مسئولاً".

القرآن يؤكد شيوع الأذُن وسيادتها دلالياً في الثقافة العربية، فمازلنا نردد أثناء الحديث اليومي: "إن للحطيان آذاناً" خوفاً من إبلاغ الكلام إلى آخرين، والكلام بهذه الآذان المتنصته كان مكوناً من مكونات المؤامرات والدسائس والفتن الدينية والاجتماعية. وفي ديوان العرب كان الشعرُ يتم تناقلُه وإلقاؤه مشافهةً، لدرجة قول الشاعر العربي في سياق الحب "إنَّ الأذنَ تعشقُ قبلَّ العين أحياناً"، وكانت تقاس قدرة الشاعر الفحل بقدرته على قرض الشعر شفاهةً. لذلك إستمر تأثرنا بهذه الفحولة الشعرية أملاً في" التفحُل الإجتماعي"، فهناك ثقافة الإشاعة التي تنتشر كما تنتشر النيران في الهشيم. السياسة تدار وكم أديرت بالإشاعة، وكانت الحركة الإجتماعية تتسارع وتيرتها بالإشاعة، الزواج، الطلاق، الطقوس والمناسبات أشياء تُفعلَّ بالإشاعة، معرفة الرأي العام يُجس نبضهُ بالإشاعة، التنمية الإقتصادية، الشراء والبيوع تجري بالإشاعة، تحقيق الطموحات والأهداف الشخصية تقاس درجات قبولها أو رفضها بالإشاعة، حتى غدت الإشاعة الصوتية قانوناً من قوانين ( الفيزياء الإجتماعية ) لتأثير التربية والمعرفة على السلوك في المواقف الحياتية.

وسرعان ما ترجمت هذه الظاهرة في عالم الطفولة بتصور شعبي مؤداه أنَّ "العيال" مصدر نقل الأخبار والحكايات والخطابات الأسرية، يُقال في موقف سماع الأخبار: " خذوا فألَّكم من عيالكم". ليس المقصود بذلك التفاؤل في كل الأحول، بل عبر الأمرُ عن حديث الطفل بكل ما يسمع، فهو الأُذن الخلفية للعائلة العربية والكاميرا الخفية في المناسبات والطقوس والعلاقات. وقد وردت كلمة العيال كدال على الأطفال، وهي آتية من كونهم معِيلِّين، أي وجوهم وجود طفيلي في دائرة أولياء الأمر والنهي. ولا يعدُّ هذا حطاً من شأنهم فحسب بل يضعهم في مكانة مسلوبي الإراة والوجود.

هكذا تعبر الثقافة عن" أخذ الفأل " بواو الجمع ( خذوا فألكم ) التي ترتد إلى أصحاب القوة في العائلة، وفألكم جاء بصيغة النسب، أي أن الأمر في النهاية منكم وإليكم. والعيال في هذا السياق ما هم إلاَّ مجرد وجود سلبي مرتين: مرةً لأنهم عيالكم، فلا جديد ولا رأي لهم من جهة الرفض والقبول: ومرة تاليةً لأنهم وسطاء لنفاذ الفأل والنميمة. والقضية بصدد خطاب الطفولة كالتالي: كيف يتم تحول الإهتمام من الأذن السامعة إلى الأذن التي ترى وتحس وتتذوق وتتألم وتشم؟ الطفل كتلة من الطاقات الحية نتيجة هذا الإندماج بين الحواس، فعلى الأقل يجب أن يكون هناك خطاب يلبى قدراته واندهاشه المتنوع؟

 

د. سامي عبد العال

..........................

[1]- الأسئلة ملعونة، لأنها تفتح عمل المجهول (المفاجيء / الفاضح / غير التقليدي / الشيطاني) إذ يجري البحث عن وضوحه الخفي. ومن يطّلع على إجاباتها يلاحقه المجهول، تلاحقه الشكوك وبخاصة وسط إهمال المجتمعات العربية لقضايا معروفة كقضايا الطفولة والمستقبل والخطاب والسلطة. وإذا كان الواقع بائساً، فإن من يقاربه أو يقترب منه لا بد أن تلاحقه  اللعنات من كل حدب وصوبٍ، لعنة السياسة، لعنة الفضيحة، لعنة التقاليد. السؤال نفسه ناتج عن واقع اللعنة كما أشار هيجو، فكيف يعيشه الإنسان بلا ملاحقة؟! عليه أن يعيشه كما يوجد، عليه أن يعمل مروضاً للعنات، لو تخيلنا وظيفة جديدة للمفكر فإنه يطرح الأسئلة لإكتشاف اللعنات وتراكمها وكيفية تواطؤها مع مفاهيم اللامساس والمحرم والفضائح والعيب. لابد أن يتعلم المفكر ويتدرب ليل نهار على طرائق ترويض اللعنات وأثرها.  إن كل سؤال عما هي أسباب البؤس ومصدره، سيكون الاستفهام بتداعياته مصدراً للشقاء، مصدراً لمس مأخوذ بالشكوك واللعنات. السؤال الملعون بمثابة السؤال الذي يلاحقك وأنت تعيش في إجابته المترامية بحجم الحياة، وبفضل مراوغة اللعنة، فإن الإنسان لا يرى إجابته الضخمة موضوعاً لذات السؤال، فالأخير يحتاج إلى وعي مغاير بينما الإجابة تتقمصك في كل مكان. السؤال الملعون سؤال الأزمة المتناسلة  حين لا نعرف بدايتَّها ولا نهايتَّها. وإن كنا  ندري أنها أزمة، فهي تطرح إجابات على أية أسئلة محتملة، كما لو كانت غير متعنيةٍ بكيانها ولا بتداعياتها. السؤال الملعون سؤال نهم كالثقب الأسود لا تسد فجوته أيةُ إجابة. السؤال الملعونة لهو سؤال نعرف إجابتَّه ولكن لم نستطع تحديدها ولا تأسيسها ولا النظر خلفها مثلما تصنع الدوامات، لأننا ما أن نبادر بالإجابة عليه، حتى نفقد زخم الاستفهام، نفقد الإستفهام ذاته نتيجة الدوار الذي نصاب به.

[2]- عدم الإهتمام بالمستقبل في الثقافة العربية فعل خلفي للتأثر بالفكر الديني السلفي. وناتج عن سوء فهم حقيقي لمفاهيم القَدّر والزمن والدنيا والإرادة الإنسانية. فحينما يكون إنسانٌ بصدد الحديث عن المستقبل تقال له عبارة دالة:"لا تتأله على الله". وكأنه يحاول اغتصاب القدرة الإلهية في خلق  أحداث المستقبل، من جهة أخرى يقال في هذا الشأن أيضاً لا يجب أن تتحدث حديثاً هو من أفعال المنجمين والعرافين. في إشارة إلى أن ذلك اشتراك في انتهاك الحجب والتنبوء بما لا يصح. ولا يعني ذلك فقط عدم الخوض في المسائل الدينية بل إنغلاق العقل معرفياً أمام مسائل المعرفة والتخطيط والحقائق والتحليلات المستقبلية. لأن الثقافة تمدد دلالة المحرمات الدينية إلى أن تكون محرمات ثقافية معرفية. لنأخذ مقولة الإمام على بن أبي طالب حينما سئل عن القدر فقال " طريق مظلم فلا تسلكوه وبحر عميق فلا تلجوه وسر الله فلا تتكلفوه " (علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، جمع واختيار أبو الحسن محمد الرضي بن الحسن الموسوي، دار العلم للملايين، بيروت لبنان 1982 صـ 489).  فقد جاءت كلمة القَدّر قريبةً من القِدْر بل الاختلاف بينهما موجود في التشكيل والنطق فحسب. كانت معالجة القِدْر الوارة في صفحات المتن بالملء من القيم والتقاليد، أي تم قلبه إلى الأرض. إي تم وضعه في حالة موت غامض أو واضح المهم أنه قد انتهى إلى الانكفاء على الماضي. أما حديث المستقبل في القَدّر، فهو طريق مظلم، موحش، غير محتمل السير فيه، والمقولة تنهي بصورة قاطعة عن السير خلاله، وهو أيضاً بحر عميق متلاطم الأمواج ولا يعدو أن يكون في الأخير سراً من أسرار الله. إذ ذاك ماذا ننتظر من الثقافة العربية في نظرتها إلى الآتي؟ إنها ستعمم هذا النهي وعدم الإقتراب حتى ولو كان على أسس معرفية واستراتيجية. وليس مصادفة أن تغيب مباحث المستقبل إلا من مؤلفات حول قيام الساعة وووصف الجنة والنار والصراط. حيث يترك من زاوية ثانية  المجال واسعاً لكتب العرافة والنبوءات وللخطاب الديني الأخروي فقط. حتى أن القارئ يظن كون الحقيقة كل الحقيقة لدى هذه المصادر حصراً. والغريب أن يفهم الخطباء والفقهاء والدعاه هذه اللمحة فكان حديثهم عن المستقبل منعدماً في غير خطاب الوعيد، خطاب العذاب والعقاب الذي أعده الله للكافرين والعصاه والمذنبين. واحتكر هؤلاء الحديث عن المستقبل وحرموه على غيرهم حتى يضمنوا  ولاء العامة وخضوع متلقي الخطاب لأفكارهم واتجاهاتهم. وبذلك مثل احتكار المستقبل رصيداً ضمنياً لصدق الخطاب على أساس أنهم يعرفون أخبار الجنة والنار رميا منهم باتجاه الغيب.

[3] - الوعي بوصفه تحدياً ولا سيما الوعي بالأزمات يعتبر معنى جديداً بالإجمال على إيقاع الثقافة العربية. نأخذ هنا قول المتنبي لشرح القضية: "ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم". الوعي الشقي وعي يهتم بالمشكلات وكيفية إلتقاطها وتشخيصها في نفس الوقت الذي ينعم غيره من أنماط الوعي بالحياة ولو كانت كلها جهالة في جهالةٍ. والوعي بالأزمات معناه أنه وعي مبدع لكونه يعطي المحيط الذي يجري فيه إهتماماً تساؤلياً، وهو وعي ينطوي على المبادرة والنقد والطرح  والقدرة على التجاوز وإبداع حلول مبتكرة للمشكلات التقليدية. وإذا كان المتنبي قد وضع صاحب العقل في مقابل أخو الجهالة فليس ذلك إلا نقداً للواقع الثقافي المرير، واقع شقي ومع ذلك يعد جنة بالنسبة لصاحب الجهالة، فهو أفيونه الذي لايستطيعالإبتعاد عنه، ولو خرج منه سيشعر بأعراض انسحابية مميته.

أخذ المعجم العربي الوعي بمعنى الوعاء كما ور بلسان العرب:" الوَعْيُ: حِفْظ القلبِ الشيءَ. وعَى الشيء والحديث يَعِيه وَعْياًوأَوْعاه: حَفِظَه وفَهِمَه وقَبِلَه، فهو واعٍ، وفلان أَوْعَى من فلانأَي أَحْفَظُ وأَفْهَمُ". الوعاء يساوي الاحتواء، الإمتلاء، ولزياة الإمعان في معطى الإحتواء أن يربط الوعي بالحفظ وهو ما يدل على الثبات وإبقاء المحفوظ قيد الرعاية والنقل. وقيل إن القلب هو وعاء الحفظ. والقلب محل عمل الشيء الثابت، وسواء أكان القلب يعني العقلَّ أم القلب كما هو معروف، فإن الوعي يظل مطبوعاً بهذا المدلول الحافظ ومهما قيل من محاولة الفهم فإنه فهم بموجب لحفظ لا التغيير أو النقد. في هذا الإطار من الصعوبة بمكان ألا تشكل فكرة الوعي بالأزمات ( وعي مأزوم ومتجاوز) تحطيماً لقيود الوعي في القلب. وأرح أن الوعي جاء بمعنى ثبات المحتوى في القلب أي بمفهوم الحفظ، لأن القلب في العربية من التقلب والتذبذب وحين يقول المعجم الحفظ في القلب كان يهف إلى الإبقاء على الشيء رغم تقلبات الأهواء والعواطف، أي الإحتواء في القلب رغم كونه متقلباً ومتأرجحاً.

ويمكن أن نتفهم ذلك  المعنى في إطار الدين على أساس الإخلاص والتطلع إلى اليقين  والإيمان كما جاء"في الحديث: نَضَّر الله امرأً سمع مَقالَتي فوَعاها، فرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعى من سامِعٍ. الأَزهري: الوَعِيُّ الحافِظُ الكَيِّسُ الفَقِيه. وفي حديث أَبي أُمامة: لا يُعَذِّبُ اللهُ قَلْباً وَعَى القُرآنَ؛ قال ابن الأَثير: أَي عقَلَه إِيماناً به وعَمَلاً، فأَما من حَفِظ أَلفاظَه وضَيَّعَ حُدوده فإِنه غير واعٍ له". لكن كعادة الثقافة العربية  تطرح المفاهيم  بنوع من الخلط بين الدلالات الدينية وغيرها لعدة أسباب: 1-  يمثل الوقع الديني للألفاظ وقعاً تأسيسياً للقاموس وحركة المعاني، الأمر الذي حعل البصمة الدينية موجودة بشكل أو بآخر في لغة التداول. 2- غياب الممارسة اتاريخية لدلالات جديدة للمفاهيم بحيث يمنحها أبعاداً مختلفة كما أشار ابن الأثير  بالحفط على أنه فاعلية العقل والعمل. 3- شيوع خطابات التقليد في الثقافة تاالعربية جعلها حافظة للمفاهيم مع الإبقاء على على قوالبها الجاهزة. 4- إهتمام التعليم والتربية بالحفظ كمحتوى وأداة للكائن الإفتراضي.لأنه أي الحفظ حركة حياة ورؤية للمستقبل، ولست بعيداً عن الصواب عندما أقول إن الحفظ شكل عصوراً من التأليف والكتابة والفهم والشروح والفقه ورؤى العالم والتاريخ.

 

 

تَحَدَّثَ بعضُ فلاسفةِ الاخلاق الغربيينَ عن الكائنات التي تمتلكُ إِحساساً وشعوراً بحيثُ تَحُسُّ بالألمِ وتَشْعُرُ باللّذَّةِ، وقالوا: بأَنها متساوِيَةٌ أَخلاقِيّاً، فهذا الفريقُ من فلاسِفَةِ الأخلاقِ لا يُفَرِّقُ بين قتلِ فَأرَةٍ في عرضِ الطريقِ وبينَ قتلِ انسانٍ؛ لأَنَّ المقياسَ عندهم هو الاحساس والشعور باللذة والأَلَمِ؛ ولذلك فجميع الكائناتِ الحَيَّةِ تتساوى وفقَ هذا المقياسِ؛ ولذلك لا وجود لنظرة أَنَّ الانسان مخلوقٌ متفردٌ أوكلَ اللهُ اليهِ مهمةَ الخلافةِ على هذهِ الارض، فهو لايتفوق على الكائنات؛ بل انَّهُ جزءٌ من الطبيعةِ وهذا الكون، وهو يخضعُ لقوانينِ الطَّبيعةِ كغيرهِ من الكائناتِ الحَيَّةِ.

 وهذهِ النَّظرَةُ لمْ تُمَيِّزْ بينَ المَرتَبَةِ الوجوديَّةِ للكائناتِ الحَيَّةِ وبينَ المرتبَةِ الحُقوقِيَّةِ، والمراتب الوجودية تستلزمُ مراتبَ حقوقيّةٍ تستحقها كل مرتبة من مراتب الوجود؛ فالمراتب الوجودية المختلفة تستلزم تفاوتاً في المراتب الحقوقية، امّا المراتب الوجودية للنوع الواحد فهي تتساوى مع المراتب الحقوقيَّة لنفسِ النوع.

انا استخدم المصطلح واعني بهِ معنىً مُحَدَّداً، الفلاسفةُ والعُرَفاء لايستخدمونَ المُصطَلَحَ بهذا المعنى . أَقصدُ بمراتب الوجود، أَنَّ الوجودَ على مراتبَ مختلفةٍ، فالهيولى (المادة الاولى) والتي هي مادةٌ محضةٌ خالِيّةٌ من أَيَّةِ صورَةٍ، هي اَدنى مرتبةٍ في مراتبِ الوجود، ويأتي الجماد وبعده النبات الذي هو أعلى رتبةً وجوديَّةً من الجماد ويترتب على المرتبة الوجوديَّة للنبات مرتبة حقوقيّة أعلى من مرتبةِ الجماد، والحيوان لهُ مرتبةٌ وُجوديَّةٌ أَعلى من مرتبةِ النبات؛ ولذا فهو يتمتع بمرتبة حقوقيّة تفوق مرتبةَ النبات، ويأتي الانسان ليحتل أعلى المراتب الوجودية في سُلَّمِ الوجودِ ولذلك فهو يتمتع بمرتبة حقوقيّة تفوق المراتب الحقوقيّة للحيوان والنبات والجماد. هذا في الانواع المختلفة، أَمّا في نفس النوع فتتساوى المرتبة الوجوديّة والمرتبة الحقوقيّة؛ فالنوع الانسانيُّ على سبيل المثال يتساوى افرادُهُ حقوقياً وان اختلفوا في مراتبهم الوجوديّة . احد أَعضاء مجلس النواب العراقيّ انتقد الامام عليّاً قائلاً: انه يتحدث عن نفسه بتميّزٍ عن بقية الناس، مثل قول الامام علي عليه السلام في الخطبة الشقشقيّة:

(ينحدر عني السيل، ولا يرقى إلي الطير). هذا النائبُ لم يُفَرِّقُ بين المرتبةِ الوجوديّة لامير المؤمنين عليه السلام وبين المرتبة الحقوقيّة .

 الامام علي (ع) يتحدث عن مرتبته الوجوديّة، وعن ملكاته الذاتيّة، وهذه لايشاركهُ فيها أحَدٌ، أمّا مرتبتُهُ الحقوقيّةُ فيتساوى فيها مع ابسط افراد رعيته، بل قد يأخُذث أَقَلَّ من حقه، فقد اتى السوقِ يوماً هوَ وغلامُهُ قنبر فاشترى قميصينِ احدهما بدرهمين والاخر بثلاثةِ دراهمَ فأَعطى القميص الذي ثمنُهُ ثلاثة دراهمَ لغلامهِ واخذ القميص الذي ثمنه درهمين، واعترض قنبر وقال له: سيدي انت ترتقي المنبر وترمُقُكَ الناس ُبابصارِها، فالقميص الذي ثمنه ثلاثة دراهم يليق بك، فاجابه الامام (ع): وانك شاب ولك شرهة الشباب فهذا القميص يناسبك . في المراتب الحقوقية للنوع الواحد تتساوى الحقوق رغم الاختلاف في المراتب الوجوديّة .

فجوابنا لاولئك الفلاسفة الغربيين: ان الانسان كائن متفردٌ في خصائصه ومراتبه الوجوديّة؛ لذلك كان له التفوق والامتياز على سائر الكائنات؛ لانَّ مراتبهُ الوجوديّةَ تستلزم مراتب حقوقيّة تميزه على الكائنات الاخرى .وهناك قانون كوني: ان الادنى يضحى به من اجل الأعلى.

 

زعيم الخيرالله

 

 

صالح الفهديثمَّة تغيُّراتٍ قيميَّةٍ حادَّة في مجتمعاتنا، دَعونا باستماتةٍ إلى إلالتفاتِ إليها ولا ثمَّةَ من منصتٍ، ولا من مُجيب!! والأمرُ ليس مقتصراً على هشاشة القيمِ في المجتمع بسبب المؤثرات بل إن المؤسسات الحكومية قد أسهمت في هذا التضعضع القِيمي، وقد قلتُ ذلك بصراحةً في جلسةٍ عُقدت بمجلس الدولة وفي ورقةٍ لي قدَّمتها في جامعة السلطان قابوس منذُ سنوات.

لقد سعيتُ أن أبوحَ ما ينضحُ به ضميري الوطني الخالص أن لدينا تقهقرٌ قيمي عام وحادَّ يصيبُ ثقافتنا، وهويتنا، وبناء شخصياتنا في مقتل، ولكن يبدو أننا لا نريد أن ننعتق من خَدَر العيش في أمجادِ الماضي وبطولاته، ونلوي أعناقنا إليه أكثرَ مما نشرئبُّ بها نحو آفاق المستقبل..!

في ندوةٍ عقدت بإحدى الكليات بعنوان "القيم العمانية" تكلَّمتُ فيها بواقعية عمَّا أصابَ قيمنا من هشاشة وضعف بسبب مؤثراتٍ كثيرة داخليةً وخارجية، فثار أحد المشاركين معي في الحوار وتحدَّث قائلا: أن القيم العمانية أصيلة، وأنها عصيَّةً عن التاثُّر، وراسخة وعريقة وغير ذلك من الكلام الإنشائي المنقطعِ عن حالِ الواقعِ المعاش، أيَّ أنه كلامٌ حفظته الذاكرة، وحوته الكتب، فرددتُ عليه: بأن لا أحد هُنا يشكك في أصالةِ القيم العمانية وفي صلابتها، لكننا يجب أن نكون واقعيين في حديثنا عمَّا أصابَ قيمنا من تأثيرات عميقة أصابها بأضرارٍ جسيمةٍ تمظهرت في عدَّة صور من هشاشة البناء الأُسري، والعُرى المجتمعية، والأخلاقيات الشخصية والوظيفية، وضعف الإِنتماء الوطني، وتخلخل الهوية الوطنية وغير ذلك.

كل ذلك يحتِّم علينا أن نقفَ حازمين صادقين بكل مسؤولية كي نواجه هذا التيَّار الجارف الذي غضَّ عنه النظرَ كثيرٌ من صنَّاع القرار، وقد بحَّ صوتنا ونحن ننبِّه إلى ما جرفه هذا التيَّار وما سينتهي إليه الحال، ويصيرُ إليه المآل، ولكن الإستجابةَ ضعيفةٌ إن لم تكن معدومةً للأسف، فلم يتبقَ لنا سوى المساعي الشخصية على ما تملكه من إمكاناتٍ متواضعة.

لنقرأ ما كتبه المفكِّر البحريني علي محمد فخرو في مقاله" الانتقال إلى الثورة في القيم" يقول: "ما يهمنا التأكيد عليه مرة ثانية هو أننا، نحن العرب، كأفراد وجماعات ومجتمعات، نواجه نفس المشهد في حياتنا اليومية. وأننا، نحن أيضا، لدينا فوضى في مرجعيات القيم وأولوياتها والمبادئ التي تقف وراءها وفي مكانتها في كل نشاطاتنا المادية والمعنوية. وهذا يستوجب أن يصبح هذا الموضوع أحد أهم مواضيع الساعة في الحياة الفكرية والسياسة والاجتماعية والثقافية العربية.

وفي الواقع فإن مهمتنا مزدوجة ومضاعفة. فمن جهة علينا صدُّ الهجمة الثقافية العولمية الخارجية المليئة بمعاداة الكثير من القيم الانسانية وقيمنا، ومن جهة ثانية علينا معالجة ما اعترى قيمنا من أمراض وعلل واهمال بسبب تخلفنا الحضاري الذاتي عبر عدَّة قرون" ويوجِّه المفكر علي فخرو نداءً صريحاً لا مواراة فيه ولا مجاملة فيقول: "ولذلك يهمنا شد انتباه شابات وشبان الأمة، المناضلين من أجل احداث تغييرات كبرى في مجتمعاتهم المستقبلية، لأن يعطوا مكانة خاصة لموضوع تثوير القيم في مكونات وأهداف ومنهجيات حراكاتهم الجماهيرية المستقبلية".

إنَّ ما قالهُ هذا المفكر الحكيم هو عينُ المنطق الذي ندعو إليه؛ فالحفاظُ على القيمِ من المؤثرات ليس بإقامةِ أسوارٍ خرسانيةٍ صلدةٍ وإنَّما ببناءٍ قيمي عصيٍّ على المؤثرات، وأذكرُ هُنا أن شخصاً سألني حين عَلمَ أن إبني يدرسُ في مدينة مانشستر الإنجليزية: هل وضعتَ له كاميرا في شقَّته لمراقبته؟ طبعاً هذا السؤال يعبِّرُ عن عقليَّةِ الرجلِ السطحية، وتوهانهِ الفكري، وافتقاره إلى أُسس التنشئة الأُسرية، فأجبته: نعم وضعتُ له كاميرا ولكن ليس في شقَّته، وإنما في ضميره، فانا قد أنشأته على القيم الكريمة، والخصال الرفيعة، فليس بحاجة إلى رقابةِ كاميرا، لأنَّه يملكُ ضميراً قيمياً قد أصبحَ هو رقيبه، ومرجعه، وموجهه.

حين أسمى أحد الأُخوة ابنته بإسم برنامجي "قِيم" شعرتُ بسعادةٍ كبيرة، وقلتُ في نفسي لو لم يحقق برنامجي إلَّا هذا لكفى, الشاهدُ من هذا كلُّه أن علينا واجباً فرضاً لا واجبَ كفاية في صيانة القيم، وما لم يكن صنَّاع القرار في صدارة الاهتمام والاعتناء فإن الجهود على صدقها وتفانيها ستظلُّ قاصرةً عن بلوغ أهدافها ومراميها، لكن ذلك لا يمنعنا من مواصلة جهودنا للحفاظ على قيمنا التي تشكِّل رأسَ مال هُويتنا، وقوامَ شخصياتنا، وأساسُ كياننا.  

 

د. صالح الفهدي

 

محمد بنيعيشأولا: المهن الإنسانية بين شرط الوفاء والضمان

موضوع الضمان المهني هو موضوع ذو شجون وذو قرون وذو حصون . فالمهن كلها لها اعتبارها وقيمتها الاجتماعية والاقتصادية والمالية والصناعية والتجارية والنفسية . واحترام المهن المنتجة والمفيدة للحياة العامة وما يقتضيه الاجتماع البشري لكي يستقيم حاله هو دليل النضج والوعي والشعور بالوحدة الاجتماعية والوطنية، بل العالمية حينما تصبح بعض المهن مطلبا إنسانيا محضا . ومن بين هذه المهن الشريفة والتي تأخذ الصدارة في الترتيب من حيث الضرورة والسمو والدقة والعلم نجد علم الطب وما ينم إليه بصلة صحيحة وسليمة.

والفقهاء المسلمون قد ناقشوا موضوع الطب والوفاء المهني فيه، ومن ثم أصدروا فتاوى في الموضوع تلزم الطبيب أن يكون متخصصا أولا، ثم بعد ذلك تلزمه بأن يكون ضامنا للسلامة من خلال معالجته حتى ينال أجره! أما إذا لم يبرؤ المريض وفي حالات عادية وليست معقدة فالأجر يبقى معلقا إلى حينه بل قد يؤدي دية الخطأ إذا ترتبت عنه مضاعفات. إذ في الحالات المعقدة يرى ابن رشد أن "أشياء كثيرة من الصنائع يعرض فيها للصناع الشيء وضده مما اكتسبوا من قوة مهنتهم إذ لا يمكن أن يحد في ذلك حد موقت صناعي، وهذا كثيرا ما يعرض في صناعة الطب وغيرها من الصنائع المختلفة"1 وعن الضمان المهني يقول: "وأصل مذهب مالك أن الصناع يضمنون كل ما أتى على أيديهم من حرف أو كسر في المصنوع أو قطع إذا عمله في حانوته وإن كان صاحبه قاعدا معه، إلا فيما كان فيه تغرير من الأعمال، مثل ثقب الجوهر ونقش الفصوص وتقويم السيوف واحتراق الخبز عند الفران، والطبيب يموت العليل من معالجته وكذلك البيطار إلا أن يعلم أنه تعدى فيضمن حينئذ، وأما الطبيب وما أشبهه إذا أخطأ في فعله وكان من أهل المعرفة فلا شيء عليه في النفس والدية على العاقلة فيما فوق الثلث وفي ماله فيما دون الثلث. وإن لم يكن من أهل المعرفة فعليه الضرب والسجن والدية، قيل في ماله وقيل على العاقلة"2 .

وهذه الفتاوى تبين لنا أن القانون كفيل بضبط المهن وتوجيهها نحو خدمة المجتمع وتحقيق راحته وازدهاره لا السعي إلى إفقاره وابتزازه وإهدار صحته من غير متابعة، حتى قد نجد في العصور الغابرة كما يؤرخ لها، أنّ في عهد حمورابي البابلي (1728-1686ق.م) كانت توجد القوانين التي تحتوي عليها ما ينظم مهنة الطب، حيث حددت الأجر الذي يتقاضاه الطبيب أو الجراح مقابل العلاج الذي يقدمه وبناء على الوضع الاجتماعي للمريض (أحد النبلاء، تاجر، أو عبد)، كما حددت العقوبة التي توقع على الطبيب إذا فشل في أداء مهمته: "إذا قام الطبيب  بإجراء عملية جراحية كبيرة لأحد النبلاء منقذا حياته، فإنه يحصل على عشرة من الشيكلات الفضية أما إذا توفي هذا النبيل فتقطع يد الجراح، أما إذا تسبب الطبيب في وفاة أحد العبيد، فإنه يقوم بتعويض صاحبه بعبد آخر"3  كما أنه عند المصريين حسب ما يبدو –كما يؤرخ له- "لم يكن الأطباء يطلبون أتعابا لكنهم كانوا يتقاضون باعتبارهم موظفين في الدولة راتبا ثابتا في صورة غذاء وثياب في أغلب الأحيان..."

فالنتائج العكسية للمهن والحرف بشتى أنواعها إذا لم يعقلن سيرها وتقسيمها ويقنن إجراؤها ووظيفتها ستعود مسؤوليتها بالدرجة الأولى على مناهج التعليم في الجامعات وكذلك التوعية في الجوامع ومنابر الإعلام الرسمي والحزبي والجمعوي بشتى أشكاله، كما قد تكون ناتجة عن غياب التكوين الخلقي وضعف ترسيخ العلوم الإسلامية في نفوس الطلبة ذوي الاتجاهات المهنية البحتة في دراساتهم، مما أفرز انشطارية سلوكية متناقضة في ميدانها، رغم أنها في البداية قد تلقن العلوم على اعتبارها ذات بعد إنساني محض، لكنها في النهاية تصير إلى منحى أناني، وبطالة فكرية لا يستطيع معها الشخص أن يتخلص من المحسوسات نحو المعقولات.

ثانيا: الوظيفة المهنية ومظاهر الاستغلال بحسب الحاجة والطلب

وعلى هذا النموذج الطبي قس ما بقي من مهن وحرف، إذ كل ذي مهنة أو حرفة إلا ويحتكرها لصالح منفعته المادية الصرفة، وبالتالي يتطاول فيها على اختصاص غيره –إلا من رحم الله- وتتحول الحرف إلى حفر لإسقاط الآخر على أم رأسه، فكم من سيارات عطبت وكم من ثلاجات وتلفزات عطلت، وكم من بنايات ومنشآت شوهت وهدمت، بسبب التسيب المهني وبسبب غياب الفكر السليم الذي يضع الأمور في مكانها المناسب ويراعي الخصوصية والتخصص، ومن ثم وقع المجتمع في بطالة فكرية وعطل مزمن رغم ما يبدو من مظاهر التقدم والنمو حسب زعم المتسيسين والإعلاميين، ولكنها مظاهر فئوية مزيفة ومصنوعة بالإخراجات التلفزية والسينمائية، كخدع وتمويهات ليس إلا، أما الواقع فإنه يخفي مرارة وأزمة طاحنة تحتاج إلى إعادة الهيكلة الجدرية وصياغة المفهوم الحقيقي للعلم النافع والسياسة الجادة حتى يتم التكامل والتواصل وتصير مجتمعاتنا ذات مساهمة فعلية في صنع الحضارة الثابتة والمستعدة لكي تدخل التاريخ الذهبي جديدا من بابه الواسع.

إن ترسيخ الشره المادي عند ذوي المهن المرتبطة بالمجتمع وما تعم به البلوى كما يقول فقهاؤها سواء كانت في المجال القضائي كالمحاماة مثلا أو الصحي كالطب والصيدلية وأيضا في مجالات الماء والكهرباء وإنتاج المواد الاستهلاكية مع خوصصتها بغير قيود قانونية وأخلاقية ملزمة، قد يترتب عنه شعور نفسي شاذ ومريض ربما يصير معه الشخص عدوا للمجتمع في قرارة نفسه وباطنه من حيث يدري أو لا يريد، إذ سيصير سلوكهم رغم اختلاف وظائفهم على نمط سلوك بائع الكفن، لأن هذا الأخير في عمق نفسه يتمنى أن يكثر الموتى في البلد حتى ينفذ ما لديه من أثوبة معدة للتكفين!

وهو نفس الشعور الذي قد ينتاب المحامي مثلا، إذ قد يتمنى أن تكثر الخصومات وتتعقد المسائل حتى يكون له دور البطل في حل القضايا واكتساب الموكلين وما يأتي معهم من رزق، تتفاوت مقاديره بحسب مستوى كبر أو حجم القضية‍.

وأيضا فإن الطبيب ينتابه نفس الشعور، وهو تمني حصول الأمراض وكثرة ظهورها وانتشارها حتى يجد ما يعالج ويتعيش بمداخيله على حساب المرضى، وربما قد يتحول الطب إلى شعبذة كما أشرنا قبل من أجل استدرار الأموال بغير مبرر أخلاقي أو صحي معقول.

ونفس الشيء قد يحدث عند منتجي المواد الأولية للاستهلاك في المجال الفلاحي أو الصناعي، إذ الإنتاج يبقى رهينا بالعرض والطلب ولكن بصورة شاذة وغير أخلاقية، أي أن الطلب سيصبح مفتعلا بالاحتكار ثم يأتي بعده العرض ولكن على حساب الطاقة الشرائية للمجتمع، من أجل تحقيق الاغتناء الفاحش وتحقيق الفوارق الطبقية بغير توسط.

وهذه الشذوذات المهنية ذات خلفيات قانونية وسياسية مدروسة بتأثير بطالة فكرية، ربما قد تتعمدها بعض الحكومات من أجل افتعال المشاكل داخل المجتمع وشغله بما يلهيه من الضرورات وسد الحاجيات والخصومات وأداء المستحقات، مما يعني اعتماد الخزينة العامة على حساب تلك الاختلالات الاجتماعية والالزام بواسطتها قانونيا، فتكون تلك الحكومات بمثابة بائع الكفن الذي يتعيش على حساب الموتى، أي أنها تبني اقتصادها على المظالم والباطل الذي ليس وراءه طائل.

وبالتالي كما يقول ابن خلدون "الظلم مؤذن بخراب العمران" ويلخص هذه المعاني كلها قول النبي صلى الله عليه وسلم : "الظلم ظلمات غدا يوم القيامة". يقول الله تعالى : "فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض" صدق الله العظيم

 

د. محمد بنيعيش

..........................

1- ابن رشد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، مكتبة المعارف الرباط ج 2 ص 50

2- ابن رشد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ج2 ص 236.

3- جان شارل سورنيا: تاريخ الطب من فن المداواة إلى علم التشخيص. 4- ترجمة إبراهيم البجلاتي سلسلة عالم المعرفة عدد 281 ص 25.

نفس المرجع ص30.

 

ليلى الدسوقيمن يقرأ العصر الفرعونى ثم الفتح الاغريقى لمصر على يد الاسكندر الاكبر عام 332 ق . م ودخول البلاد عهدا جديد بطموحات الاسكندر الاكبر الى العالمية (تلميذ ارسطو الذى يدعو الى العالمية) حتى اخر حكم البطالمة الذين تسموا باسم بطليموس الاول حتى كانت موقعة اكتيوم البحرية وهزيمة كليوباترا عام 31 ق.م وفتحت صفحة جديدة لحكم البلاد مع الفتح الرومانى للبلاد (مصر مقبرة الغزاة وضيعة الشرق القديم)

بالرغم من استيلاء الاسكندر الاكبر على مصر فمن البديهى ان يطبق قانون المنتصر اى القانون الاغريقى على المهزوم (ان المنتصر يفرض قانونه على المهزوم) ويتوارى القانون المصرى ولكن حدث العكس بل اعلن البطالمة منذ فجر الاحتلال ودخولهم البلاد على احترام الديانة المصرية وايضا على احترام القانون المصرى وتركت الحرية كاملة للمصريين فى مجال العقيدة والتشريع

فالقانون فى كل زمان ومكان جزء لا يتجزا من الحضارة الانسانية فى بلد ما وفى عصر ما

ومصر الفرعونية بلغت علوا كبيرا فى سلم الحضارة الانسانية فلقد عاشت مصر قديما بمعزل عن باقى المجتمعات البشرية القديمة ومن هنا صنع العقل المصرى قانون نقى فى مبادئه صاف فى قواعده دون التاثر باى قوانين اخرى

كان القانون يخرج من فم الاله اوزوريس اله الخير ومن دار حوريس الكبرى دار العدالة ثم ان الفرعون باعتباره الها فكأن القانون قد خرج من فم الاله (الاله هو الخير والحق والعدل)

يقول الاله رع لكل الملوك " قل العدالة ، اصنع العدالة لان العدالة قادرة انها عظيمة انها سرمدية "

فالمصريون القدماء عبدوا الالهة معات الهة الحقيقة والعدالة واتخذوا منها نبعا من ينابيع القانون وكنا نرى قضاة المحكمة العليا " دار حوريس الكبرى " كل قاض يضع حول عنقه تمثال الالهة " معات " لتذكره ان يحكم بين الناس بالعدل لذلك اتصف القانون المصرى الفرعونى بالعدالة

ان الفرعون اله حى انه لا يموت انه يحيا باعماله ويفعل ما يحب اما لا يحبه لا يفعله

و هذه رسالة من احد ملوك الاسرة الثانية عشرة الى احد وزرائه بمناسبة تعيينه " ...و الذى يجب عليك عمله فى كل الاحوال ان تحافظ على القانون وعندما ياتى صاحب شكوى فاحرص على ان يتم كل شى طبقا لما يقضى به القانون وما يقضى به نظامه حتى يصل كل شخص الى حقه ...."

و امتد العدل من الحاكم الى القضاه

يقول القاضى رمنوكا فى عهد الملك منكاورع فى نقوش وجدت على قبره تذكارا لما كان يحكم به:

" ان الذى يحب الملك والاله انوبيس على قمة جبله لا ياتى باذى لمحتويات هذا القبر من القوم الذين سيصعدون الى الغرب " الدار الاخرة " اما من جهة هذا القبر الابدى فانى قد اقمته لانى كنت مقربا لدى الملك والناس ولم يحدث قط انى اغتصبت اى شى من اى انسان لهذا القبر لانى اذكر يوم الحساب فى الغرب " الدار الاخرة "

و عرف القانون المصرى الفرعونى (قانون الملك بوكخوريس) كل صور العقود المسماة وغير المسماة الرضائية (العقد شريعة المتعاقدين) والشكلية وايضا عرف التامينات العينية والشخصية

ساد المجتمع المصرى ابعاد القانون والقى ظلاله على قوانين العالم القديم بدءا من القانون اليونانى "قانون صولون" والقانون الرومانى "قانون الالواح الاثنى عشر" وعند نهايته موسوعة جوستنيان اخر اباطرة الرومان حيث كانت مصر ولاية رومانية وتعايش القانون الرومانى مع القانون المصرى

فالقانون المصرى الوضعى المعاصر استمد كثيرا من القانون الفرنسى الذى امر بوضعه " نابليون بونابرت " بتشكيل لجنة من كبار فقهاء فرنساء لصياغة القانون الذى استمد من موسوعة جوستنيان اخر اباطرة الرومان بالاضافة الى قانون الالواح الاثنى عشر (شكلت لجنة للذهاب الى اثينا للاطلاع على القانون اليونانى الشهير قانون صولون الذى زار مصر واطلع على قانون الملك بوكخوريس (الاسرة الخامسة والعشرون) وكان عام 595 ق. م واخذ من هذا القانون كثيرا من قواعده التى شكلت قانون الالواح الاثنى عشر) الذى اتصف بالدقة فى الصياغة القانونية واخذت الموسوعة منه كثير من قواعده القانونية

و ايضا واضعى قانون الالواح الاثنى عشر انفسهم اطلعوا على قانون بوكخوريس واشادوا به فى ساحة الفوروم الكبرى

و هكذا نرى بكل وضوح ان القانون المصرى الفرعونى (قانون الملك بوكخوريس) عاش مع الزمن فاعلا ومفعولا مع القوانين التى التقى بها على جسر تاريخه الممتد عبر الزمن

وان قانون نابليون الذى يمثل المصدر التاريخى للقانون المصرى المعاصر اخذ من منابع القانون الرومانى (الرومان الذين ابدعوا فى صياغة وصناعة القانون وكما قال خطيبهم شيشيرون نحن قوم اختارتنا الطبيعة لنحمل رسالة القانون الى العالم اجمعين " والذى له صلة متفاعلة مع القانون المصرى القديم (قانون الملك بوكخوريس)

لذا يمكن القول بكل ثقة " هذه بضاعتنا قد ردت إلينا "

 

ليلى الدسوقى