 قضايا

هيكل سليمان في القدس بين التلفيق والتصديق (2)

علي ثوينيفلسطين والتاريخ: جدير بنا تصفح تاريخ بلاد فلسطين لتبيان من سكنها من الأقوام. فقد وجدت الحياة البشرية قبل أكثر من 600 ألف عام في جنوب بحيرة طبريا، وثمة مستوطنات (قروية) عند البحر الميت ولاسيما في أريحا (تل السلطان)، تعود لتسعة آلاف عام خلت، تحوي الكثير من سمات البناء والجدر السامقة المبنية من مداميك الحجر الغشيم. لكن أقدم ما يمكن تسميتهم من الأقوام هم الكنعانيين، ويعود أقدم ذكر لهم الى العام 3000 ق. م بما يعاصر سومر في العراق وبواكير الدولة القديمة في مصر. حدث ذلك بعدما شهد التاريخ القديم أكبر الهجرات من شبه الجزيرة العربية إلى فلسطين، وورد أسم هؤلاء في الوثائق المصرية والآمورية القديمة بصيغة "كيناهي" او "كيناهنا". واشتغل الكنعانيون بالصناعة والزراعة والتجارة وبنو مدنا عديدة مثل القدس، أريحا، عكا، عسقلان، وغزة (15). وقد تم اكتشاف الكثير من الآثار التي تدل عليهم، ومنها لقى من البرونز وأقمشة وعمائر كالأسوار والأنفاق. و(اليبوسيون) هم حمولة من كنعان، وهم من أسس وسكن القدس أول مرة، وشرعوا بحفر الأنفاق تحت جبالها للتزود بالماء أو السكن (16). ويرد في مدونات التاريخ أن جماعات بدوية أطلق الباحثون عليهم اسم (العبرانيين)، كانوا قد حلوا في فلسطين بين أعوام 1400-1200 ق. م. ويعتقد البعض أن أسمهم ورد من مصدر (عبر) بما يتعلق بقصة النبي موسى وعبوره البحر. أما (التوراة) فهي واردة من (الطور) وتعني الجبل، بما يتعلق بقصة طور سيناء (17).

وفي عام 1016-976 ق. م تولى النبي داوود الحكم وهنا تم إقامة أول هيكل لليهود والذي استكمله ابنه سليمان، والذي اهتم بالصناعة والتجارة. وفي عهده توسعت الدولة ومكثت 80 عاما، لكن حدث أن انقسمت لمملكتين "إسرائيل" و"يهودا" وذلك في عام 928 ق. م. ووردت إشارات مبهمة في التواريخ والتوراة الى مكان إنشاء دولتين (مشيختين أو إمارتين) عبرانيتين، إحداها في الشمال قد انتهت عام 732 ق. م، والأخرى في الجنوب، درست عام 586 ق. م، ولكن الباحثين اختلفوا في مكان قيامهما وفي حجمهما ونوعهما، وأن كانتا مثقفة وعمرانية، أم بدوية رعوية، والأهم هل كانتا في فلسطين أم خارجها، وذهب بعض الباحثين أنها كانت جنوب جزيرة العرب (عسير والسراة) كما في أطروحة الباحث كمال الصليبي (18)،.

ورحلت بعد ذلك الى فلسطين أقوام من بحر أيجه يدعون (الفلسطينيين) سحنتهم بيضاء، وتركزوا على الساحل، وهم من أسبغ تباعا أسمه على البلاد بعدما كانت تدعى (بلاد كنعان)، وربما كان " هيرودوتس "المؤرخ اليوناني هو أقدم من أورد أسم فلسطين في مدوناته (19). وكانت فلسطين بوتقة اختلطت بها أمشاج الأقوام والأعراق، وهجين البشر الواردين من أرومات شامية وحيثية وعراقية ومصرية. لكن يبدوا أن اللغة الكنعانية، وهي قريبة من الأكدية العراقية، قد فرضت سطوتها، وتداعت بعد حين أن تحل الآرامية الغربية محلها التي وحدت لغات الشام بالعراق، وكل تلك اللغات تمت الصلة لأصل وفصل وحيثيات مشتركة مع اللغة العربية. أما القدس فكانت تدعى (أور- شليم) (مدينة السلام)، ويبدو أن اسم (أور) ورد من السومرية أو الحضارة العبيدية التي سبقتها، فقد كانت أور وأوروك في جنوب الرافدين. (20). أما أسم (ايليا) التي وردت حتى في عهدة الخليفة عمر (رض)، فإنها ليست رومانية كما يعتقد البعض، وتمت لنفس الأصل الشرقي، حيث أن (أيل) هو الله الأكدي، كما في (باب-أيل) آو بابل، ومثلها الكثير من التسميات، و (يا) تستعمل للصفة وترد في الآرامية، واستعارتها جل اللغات وتجسدت في نهايات أسماء الدول، وبذلك فأيليا تعني (الإلهية) أو المقدسة (21).

وكانت فلسطين والشام دائما مكان تباري وحصة لمن غلب في خضم الصراع بين القوتين العراقية والمصرية، وحدث أن أجتاح مصر بحدود عام 1600 ق. م قوم أطلق عليهم (الهكسوس) وردوها من جنوب فلسطين أو سيناء ويذهب البعض أن قصة سيدنا يوسف (ع) حدثت إبانها، واحتلت اليونان وسيرت الدين والفكر بها (22). لكن وقعت فلسطين عام 732 ق. م تحت الحكم الآشوري وهنا انتهت مملكة إسرائيل تماما. وفي عام 586 ق. م سيطر البابليون بقيادة نبوخذ نصر على فلسطين وقام بسبي ونفي كل اليهود إلى بابل وتم تدمير الهيكل تماما، حتى أن المهجرين اليهود أستطابوا الحياة في بابل، فلم يعد منهم بعد 57 عام من الهجرة، إلا نفر قليل، ومكث الأغلبية في العراق، بعدما سمح لهم قورش الفارسي بالعودة بعد سقوط بابل 539 ق. م. وهنا تنقل التواريخ أن قورش الفارسي أعاد أجزاء من الهيكل.

وفي عام 333 ق. م احتل الاسكندر المقدوني القدس وخضعت له فلسطين. وبعد وفاته وتقسيم دولته، وقعت فلسطين تحت حكم السلوقيين والبطالمة، وتم تدمير الهيكل جزئيا أثناء حكم السلوقيين من جديد. وتأرجحت السيطرة على أورشليم في عهد خلفائه، وقام الملك السلوقي أنطيخوس الرابع حوالي عام 165 ق. م بتدمير الهيكل وأرغم اليهود على اعتناق الديانة الوثنية اليونانية بعدما علم بتآمرهم على حكمه، وكانت نتيجة ذلك أن اندلعت ثورة المكابيين ونجح اليهود في نيل الاستقلال بأورشليم تحت حكم الحاسمونيين من سنة 135 ق. م إلى سنة 76 ق. م.

ثم جاء دور الرومان ففي عام 63 ق. م احتل الرومان فلسطين في زمن طيطس Titos، بعد حرب (66- 70 م)، ، وأنتصر بها الرومان بقيادة (بومبي)، وسمح لليهود بشيء من الحكم الذاتي، ونصبوا عام 20 ق. م "هيرودوس الآدومي" ملكا على الجليل وبلاد يهوذا، وظل يحكمها باسم الرومان حتى السنة الرابعة الميلادية. وفرضوا على من بقى من اليهود مقيماً في القـدس (درهمين) (23). وقد حاول (هيرودوس) إعادة بناء هذا الهيكل بعد تظاهره باعتناق اليهودية تزلفاً، وشرع بذلك ولم يكمله. ويمكن أن يكون عمله هذا شكلياً مثلما كان تهوده. ويعتقد انه مازالت قسم من أعماله باقية مثال جزء من الدكة التي أقيمت عليها قبة الصخرة عام 692م. وقد أقام (هيرودوس) منصته بطول 480 م وعرض 300م على الحافة الضيقة للمدينة لتكون دكه اصطناعية مستوية لاقامة المبنى والساحة العمومية المحيطة بها، ولم يلتزم بأي أثر أقدم البتة.

وهنا يجدر الى أن عيسى المسيح (ع) دعى اليهود إليه فلم يستجيبوا، و امتهنوا الهيكل، فأنبهم، وكان هذا الخلاف سبب نقمتهم عليه التي أدت لإعدامه عام 29 م، ودمر الهيكل تدميراً تاماً. وفي عام 135 م حرق الإمبراطور الروماني "هدريان" مكان الهيكل وهنا اختفت آثاره تماما، وبالتالي لم يتبقى منه أثر، وطفق الرومان بفرض ضريبة تجمع لبناء معبد لعبادة كوكب جوبيتر (المشتري). كما قام "هدريان" بقتل وحبس الكثير من اليهود بعد محاولاتهم الفاشلة بالثورة، كما قام بتحويل القدس إلى مستعمرة رومانية ودعيت (إيليا). وهنا هاجر اليهود للخارج وتشتتوا ولم يكن لهم في فلسطين بعد ذلك دور يذكرحتى الأزمنة الحديثة، بل إن القدس ذاتها هجرت وأصبحت قرية صغيرة مهملة تابعة لقيسارية العاصمة الجديدة. وكان سكانها خليطاً مع السوريين الآراميين، وأقل من ذلك اليونان والرومان، وصارت أنقاضها مقلعاً للحجارة، وسجل (يوسيفوس) فجيعته لذلك. كما سجل شاهد عيان (اليعازر) ذلك بأن الهيكل (أصبح خراباً وأن مدينة القدس قد دمرت بكاملها ولم يبق منها إلا معسكر أولئك الذي دمروها... الخ). واستمر وجود الحامية في هذا المعسكر إلى عام 289 م، حيث انتقلت إلى ايلات. وهكذا انتهى الوجود اليهودي في القدس ومعظم فلسطين. وخلف الرومان بعدهم أوابد ومعالم شاخصة كالمدرجات، والطرق، وصهاريج المياه، ولم نجد أثر لما زعم بأنه الهيكل أو أثر يهودي كبير. وبعدما أعتنق الإمبراطور قسطنطين المسيحية (330 م) أعاد اسم أورشليم وقامت والدته هيلانه ببناء الكنائس فيها، غير أن اسم إيلياء ظل متداولا بين الناس إلى أن فتحها المسلمون وتسلمها الخليفة عمر بن الخطاب سنة 15 هـ/ 636م وأعطى أهلها الأمان.

 

د. علي ثويني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4619 المصادف: 2019-04-29 00:54:50


Share on Myspace