 قضايا

المسافات الشخصية ودورها في عملية التواصل

منى زيتونيمكن تعريف المسافة الشخصية Personal space بأنها المنطقة المحيطة بجسم الشخص ذات الحدود غير المرئية، والتي يشعر الفرد عند عدم اختراقها من قِيل من يتواصل معه بالارتياح، ويحاول منع أي متطفل من اختراقها.

تختلف المسافة الشخصية الملائمة بين موقف وآخر وفقًا لطبيعة التفاعل، وللعلاقة مع الأفراد المتفاعلين. واحترام المسافة الشخصية الملائمة يساعد على نجاح التفاعل، بينما يكون لانتهاكها تأثيرات سلبية حادة على عملية الاتصال، ما لم يحدث تعديل لإعادة التوازن النفسي وإنهاء قلق الآخرين بسبب انتهاك مسافاتهم الشخصية.

ولا يلزم وجود الحواجز المادية كالمكاتب والكراسي وأجهزة الكمبيوتر وغيرها لحماية المسافة الشخصية، فكل فرد يشعر بحدوده الشخصية رغم كونها غير مرئية!

وقد أظهر بحث هول (Hall,1996) عن المسافة بين المتفاعلين، والذي أجراه على مجتمع أمريكا الشمالية أن المسافة بين المتفاعلين يمكن أن تقسم لأربعة نطاقات اعتمادًا على طبيعة العلاقة والهدف من التفاعل وهي:

- النطاق الخاص الشخصي جدًا Intimate Zone

يكون بين هؤلاء الذين تربطهم ببعضهم علاقة حميمة، حيث يتفاعلون على مسافة 50 سم أو أقل. أي إنها إما اقتراب شديد أو لمس فعلي.

- النطاق الشخصي Personal Zone

هؤلاء الذين تكون بينهم علاقة شخصية سوف يأخذون مسافة بين 50 سم ومتر واحد. أي إن الشخص سيكون بمنأى عن اللمس، وإن كان بقرب من يحاوره. هذا النطاق يُستخدم كثيرًا في العلاقات الشخصية، مع أفراد الأسرة والأصدقاء.

- النطاق الاجتماعي/الاستشاري Zone Social /Consultative

ربما تكون 2 – 3 أمتار مناسبة للتفاعل بين زملاء العمل، غالبًا في وجود حاجز بينهم. ونظرًا للبعد يقل دور تعبيرات الوجه في التفاعل الاجتماعي.

كلما زادت المسافة قلت الحميمية؛ لذا فإن مكاتب كبار المسئولين يُراعى في تصميمها وتصميم الكراسي المصممة معها أن تتفق مع هذا النطاق. وعادة كلما سُمح للضيف أن يجلس في كرسي أقرب كان لهذا أثره في تحديد شكل التفاعل الاجتماعي.

- النطاق العام Public Zone

يُرى هذا النطاق العام في المناسبات العامة؛ فالمتحدثون في تلك المناسبات يقفون على بعد 3– 4 أمتار فأكثر من المستمعين إليهم. عند هذه المسافة يفقد المتحدث تمامًا المعلومات الدقيقة لتعبيرات الوجه وتعبيرات العينين، ولا يتبقى له غير استدامة خط النظر كعلامة على انتباه المستمع لما يقول.

لكن هذه النطاقات تم حسابها بناءً على ارتياح الناس في الثقافتين الأمريكية الشمالية والأوروبية، في حين أن الثقافة اللاتينية على العكس من ذلك تسمح بالاقتراب الزائد بين الأفراد إلى حد يوشك التلامس، ولا يجدون غضاضة في ذلك. في أمريكا الشمالية، يُلاحظ أنه في الأماكن المزدحمة؛ حيث يتم انتهاك مسافات الآخرين الشخصية بغير قصد أو تعمد، يتعلم الناس عدم التواصل بالعيون مع هؤلاء الغرباء الملاصقين؛ لخلق نطاقهم الخاص على المستوى النفسي، ونرى هذا الحال أوضح ما يكون عند ركوب المصاعد. بينما في أمريكا اللاتينية حيث لا ينزعجون من الاقتراب الذي يوشك على التلاصق ينظرون إلى بعضهم في تلك الأماكن المزدحمة.

وكثير من العرب ينزعجون من وقوف الناس - خاصة الأوروبيين-  بعيدًا، ويعتبرونه دليلًا على عدم التقدير وعدم الاهتمام، وربما رغبة في إظهار السيادة. وهناك من على العكس يشعرون بالانزعاج في حال التقارب أو عدم وجود حاجز مادي بينهم وبين الآخرين، وربما وصل الأمر للشعور بعدوانية من يتفاعل معهم وينتهك مسافاتهم على هذا النحو. وينبغي علينا أن ننتبه لتعبيرات وجه وحركة جسم من نتعامل معه لنفهم إن كان لا يشعر بالارتياح إزاء مسافتنا منه، ونحاول تصحيح المسافة لنكون غير مبتعدين أو مقتربين منه كثيرًا.

ومن الطبيعي أن يختلف اختيار المسافة المناسبة للتفاعل الاجتماعي على عدة عوامل أخرى غير الثقافة، أهمها النوع والسن والشخصية ودرجة الألفة مع الشخص الذي يتم التفاعل معه. النساء يفضلن المسافات الأكثر قربًا كلما أمكن مع الأقرباء والعكس مع الغرباء. والناس كلما كانت أعمارهم صغيرة فضّلوا المسافات الأكثر حميمية إلى حد الالتصاق، وحتى يصلوا سن المراهقة –وربما ما بعدها-  يتهيبون التفاعل في النطاق العام، وكلما كان عمر الشخصين المتحاورين مقاربًا كلما اقتربا من بعضهما أثناء الحوار. كذلك تؤثر درجة انطوائية/انبساطية الفرد في إحساسه بانتهاك مسافته الشخصية، والمسافة التي يشعر عندها بارتياح أثناء التفاعل الاجتماعي. كما أنه كلما كان الشخص مألوفًا لمحاوره كان قرب المسافة بينهما أثناء التفاعل أكثر احتمالًا مما للغرباء. إضافة إلى تلك العوامل فإن للفروق الفردية أثرها في تحديد درجة المسافة التي يشعر الإنسان عندها بالارتياح.

كما أن محتوى الرسالة يؤثر في المسافة الشخصية بين المتفاعلين، حيث ينبغي أن يكون الشخص في النطاق المناسب، والمثال الأشهر على ذلك أنه لا يمكن الإخبار بسر على مسافة 2م!

وينبغي أن نعي أيضًا أن اختيار مسافة خاطئة لإجراء التفاعل الاجتماعي يمكن أن يُفسد التفاعل برُمته، فالاقتراب ممن لا يجب الاقتراب منهم يُعد انتهاكًا لمسافاتهم الشخصية، خاصة في الأزواج المختلطة من الجنسين، والابتعاد الزائد يُعتبر إشارة إلى عدم الرغبة في التفاعل بحميمية، وهو ما يكون مخيبًا للظن بين الأصدقاء. كما قد يكون مخيبًا أن يغير أحد الطرفين موقعه مقتربًا توددًا للطرف الآخر ليفاجأ بتعبيرات وجهية غير مرحبة وابتعاد الآخر.

وربما لأن الشخصيات العامة الجماهيرية معتادون على النطاق العام، الذي يكون فيه الغرباء على مبعدة منهم، فإنهم يكونون أكثر انزعاجًا ممن يحاول الاقتراب منهم وصولًا إلى النطاق الشخصي، وغالبًا سنجدهم يبتعدون أو يحاولون إنهاء الحوار، وربما عقدوا أيديهم خلف ظهورهم للتعبير عن انزعاجهم.

وأحيانًا يضع بعض الناس حواجز مادية كالمكاتب والطاولات بينهم وبين الآخرين للمساهمة في تحديد مسافاتهم الشخصية التي يرونها ملائمة. كما يمكن للناس إبراز الحاجز المادي وزيادة تحديد منطقتهم العازلة بواسطة وضع كومة من الأوراق أو الكتب على المكتب، وأشياء على حوافه لتزيينه، وكلها تساعد على خلق مساحاتهم الشخصية، خاصة عندما يتشارك عدد من الزملاء المكتب نفسه. لكن حذار من خلق فوضى تعطي انطباعًا سيئًا عنك.

يمكن أيضًا أن تمسك ذراعي الكرسي الذي تجلس عليه لمزيد من الشعور بالراحة، ثم تسحبه تجاه المكتب الذي يشكل الحاجز المادي. بينما عند وضعك يدك على كرسي فارغ بجانبك يشير هذا الوضع إلى انفتاح شديد على الشخص الذي تتحاور معه، على العكس مما لو حركت هذا الكرسي بحيث تضعه أمامك وتستند إليه أثناء حديثك مع الشخص نفسه، فأنت بذلك قد خلقت حاجزًا ماديًا بينك وبينه!

وفي عصرنا الحاضر صار وضع جهاز الحاسوب أمامك –وليس جانبًا- ، أو التلاعب بالهاتف المحمول - مع تقريبه من وجهك-  يُستخدم أيضًا كحاجز. والشيء نفسه يحدث عندما تضع المرأة الحقيبة كحاجز محمول أمام جسمها أثناء السير. كما يمكن للمرأة أن تستخدم خاتم الزواج كحاجز عندما تفركه أو تحركه في يدها، وذلك مع أي رجل يتعدى مساحة خصوصيتها.

وكثيرًا ما يخلق الناس حاجزًا بواسطة الجسد في حال عدم وجود حاجز مادي. في حال الشعور بالتهديد أو عدم الألفة بالمكان وعدم الراحة، قد يتم اصطناع هذا الحاجز بواسطة عقد الذراعين حول الصدر، وهي طريقة معروفة لدى كلا الجنسين. وهناك طريقة أخرى تشيع أكثر لدى النساء لخلق الحواجز الشخصية؛ عندما تفرد أحد الكفين وتضعه أمام نصف وجهها المواجه لشخص ما.

ونعود لنقول إن هذه الحركات بالنسبة لبعض الأشخاص قد تكون حركات نمطية معتادة، بينما هي بالنسبة لآخرين تعتبر تعبيرًا انفعاليًا عن شعور ما يؤخذ في الحسبان عند التواصل معه.

 

د. منى زيتون

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4733 المصادف: 2019-08-21 03:53:24