 قضايا

الدولة المدنية.. خروج الديني على عباءة السياسي

المقدمة: اشكالية الفكر السياسي العراقي الرئيسية تتمحور في عدم القدرة على تنظيم العلاقة بين الكلي والجزئي، بين العام والخاص، بين المجتمع والفرد، بين العدالة والسلطة. من هذه الاشكالية تتناسل اشكاليات عدة، واحدة منها غياب المجتمع المدني وما يترتب عليه من عدم وضوح هذا المفهوم، المختفي خلف عقيدة سياسية تفترض وجود قصور في وعي المواطن بل وعدم اهليته في ادارة خياراته السياسية، وتفترض هذه العقلية ان الإرادة الفردية عاجزة وغير فاعلة في تقرير ما هو النافع للفرد، لذا فهو بحاجة دائما الى من يقوده ويوجهه, ولأنه أيضا شرير بطبعه فلا بد من قوة قادرة وقامعة لهذا الشر المتأصل في سلوكية الفرد العراقي(1).

المشكلة البحثية

ان غياب الايديولوجية الشمولية المفاجيء بعد عام 2003 ، ظهر بشكل بارز دور العامل الديني كمؤثر حاسم في تشكيل طبيعة النظام السياسي لادارة الدولة العراقية. حيث تمدد الديني في وساطته من العلاقة بين المتدين والحصول على الثواب، الى وسيط موجه ومؤثر في علاقة المواطن بالعمل السياسي وطبيعة نظام الحكم.

فرضية البحث

يأتي خطاب المرجعية الدينية في يوم خطاب 4/6/2018 في سياق دعوتها للدولة المدنية وان لا وسيلة للحكم إلا التداول السلمي للسلطة، مما يشكل علامة فارقة في تاريخ الخطاب الديني الشيعي الحديث، وانعطافة كبير في الفكر الديني ورؤيته السياسية، مما يدل على رغبة المرجعية الدينية بخروج ما هو ديني عن ما هو سياسي والتحول من الشمولية الى التعددية في ظل نظام سياسي دنيوي (الديموقراطية).

السؤال البحثي

هل يمكن لخروج السياسي من عباءة الديني ان يتحول الى نفي لمبدأ الوساطة؟.

المتن

المبحث الأول: خروج السياسي من عباءة الديني

بغياب الايديولوجيا الشمولية تم احتواء السياسي تحت عباءة الديني، فاصبح الديني يمثل القاعدة الاساسية للتفكير والسلوك السياسي، فبرزت من جديد اشكالية علاقة الدين بالدولة في الفكر السياسي العراقي. ففي انتخابات عام 2005، تم اعتماد الديني سياسيا عندما انضوى الجامع تحت راية الاحزاب الاسلامية فاثبت الجامع قدرته على توجيه الراي العام في ذلك الوقت ولكنه شعر بوطأة السياسي ورغبته في السيطرة على الديني.

المبحث الثاني: استقلال المجال الديني عن السياسي

يأتي خطاب المرجعية يوم 4/6/2018 محاولة لإعادة الاستقلالية للمجال الديني عن السياسي، واستعادة الدور الذ استحوذ عليه السياسي بتحويل السياسية من خانة الواجب الشرعي الى خانة المباح، مما قد يؤدي الى ان يستعيد المجتمع العراقي حيويته وفاعليته السياسية من خلال المشاركة الفاعلة في المجال السياسي بالتفكير السياسي الحر الفردي، في اطار من التسامح السياسي والفكري، والقبول بالاختلاف والتعددية.

فالديموقراطية تفترض:

- استقلال المجال الديني عن السياسي.

- التعددية.

- تفتت المرجعيات الايديولوجية والاثنية والطائفية (2).

ان ما طرحته المرجعية من مبادئ يمكن لها ان تكون مشغل لأسس عامة تتمثل في ان المجال السياسي يجب ان يوجد بشكل مستقل وعليه ان يحدد هويته من وخلال مبادئ نجدها في الخطوط العام للمرجعية، عبر طرحها لفكرة الدولة المدنية والمجتمع المدني، المرتكز على ارادات الافراد الحرة، فالسلطة السياسية تاتي من وعي الافراد وتفاعلهم، وليس على ارادات الجماعات والاحزاب الممثلة لها، اي هي في ذاتها تجاوز لمبدأ الديموقراطية التوافقية للجماعات القطاعية، لذا يمكن الادعاء ان مبادئ اعلان يوم 4/6 يمثل جملة من المبادئ منها:

1- مبدأ التمثيل الحقيقي للرأي الناخب (المواطن).

2- مبدأ اعلاء القانون العادل، القانون الانتخابي البشري المتفق عليه.

3- مبدأ التداول السلمي للسلطة.

المبحث الثالث: الارتياب (خلخلة الايمان)

فحيث يقدم الانسان التضحيات والجهود والاتعاب فتكون المهمة صعبة عليه عندما يطلب منه ان يقدم المزيد وهو لا يرى مصلحة مباشرة، تكون المهمة صعبة عليه لمعرفة الحق اين يكمن فيبدأ بالتشكيك(3)،

وكل فعل ايماني ينطوي على عنصر عيني، ولكن قد يتبين ان لا هذا الشخص ولا ذلك الشيء يمثل الايمان، حينئذ يكون الايمان اخفاقا في تعبيره العيني،(4)، (اخفاقا في تحديد المصداق، ولكن الشك ينسحب للمفهوم. في هذه الاشكالية المتمثلة بإخفاق العيني يختفي لدى المؤمن اليقين بغير المباشر ويحضر الريب المباشر، لان الوعي المباشر بالعيني يطغى على الوازع الايماني فيكون الشك حاضرا.

المبحث الرابع: نفي مبدأ الوساطة (تحرير المفهوم من اسر المصداق)

وهنا يمكن النظر لعلاقة الايمان بالشك من منظورين اثنين هما:

- الايمان بوصفه اعتقادا يتعارض مع الشك. فلا يمكن المجازفة بالايمان، فيطغى الفهم الايديولجي وعلاقة التملك.

- الايمان بوصفه قلقا وجوديا، فيكون الشك عنصر ضروري فيه. وهنا يمكن المجازفة بالايمان لان العلاقة علاقة كينونة وليست تملكا.

فالايمان في الحالة الاولى يتطلب التسليم ويرتبط بالواجبات الدينية يرتبط بفلان وعلان، يرتبط بالمصداق لا بالمفهوم. اما الايمان في الحالة الثاني يتطلب اليقين بالمفهوم فهو يحرر الفهم من دائرة المصداق الضيقة.

كل ذلك يشي بشيء مهم جدا وهوان خطاب يوم 4\6 يمثل دعوة لنزع التبعية الدينية للمواطن في ما يخص المجال السياسي، عبر تعزير الفهم السياسي للفرد ودفعه باتجاه المشاركة السياسية الواعية، اي على الفرد ان يمتلك تفسيره الخاص، وتأويله الذاتي لما هو سياسي. على عكس التبعية الدينية التي تفترض ان التفسير ياتي للفرد من الخارج، من الوسيط (الفقيه).

اني أذهب الى ان المرجعية أرادت ان يمتلك الفرد معناه الخاص لما هو سياسي. وهذا الامر ان يمتلك الفرد تفسيره الخاص وتأويله الذاتي مما يدفع باتجاه التحول من الكلانية الى الفردية، ومن وحدة الهوية الى تعدد الهويات، من الثابت الى المتغير، مولدا فضاء معرفي جديد تمثل في تغيير شبه شامل لمبدأ الوساطة.

ان الصراع المحتدم بين السياسي المنقاد بشرعية الديني، الذي يريد اخضاع ضروريات الحياة الدنيا الى اعتبارات الحياة الاخرة، وبين المتطلع الى خروج السياسي من عباءة الديني، الذي يريد الخروج من هذا الاخضاع، صراع سيجبر التيار الديني ومن يمثلهم على اعادة النظر بدورهم في تأسيس هوية سياسية بعيدا عن قداسة الحكم وشرعيتها الدينية، والنظر الى الحكم برؤية زمنية لا روحية، وان الدولة ليست الا اداة بخدمة المجتمع المدني وليس باستطاعتهم تحديد غاياتهم الخاصة طبقا لسلطة يعتقدون ان الله منحهم اياها.

الخلاصة

ان تفوق الديني على السياسي اثبت عدم قدرته على الحياة خلال الخمسة عشر سنة الماضية ليبدأ الاعلان يوم 4/6/2018، بدعوة الديني لخروج السياسي من عباءته في اختيار شكل نظام الحكم.{فقد سعت المرجعية الدينية منذ سقوط النظام الاستبدادي السابق في ان يحل مكانه نظام يعتمد التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة عبر الرجوع الى صناديق الاقتراع في انتخابات دورية حرة ونزيه(5)}.

 

سليم جوهر

..........................

 1- انظر ياسين

 2-  الدين في الديموقراطية- بول تيليش، ص9}

3-  الصدر، محمد باقر، ائمة اهل البيت تنوع اداور ووحدة هدف, ص179

4-  بول تيليش، بواعث الايمان، ص25

5-  من خطبة المرجعية يوم 3\6\ 2018

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4971 المصادف: 2020-04-15 02:46:33


Share on Myspace