 قضايا

دولةُ المُتملِّق: في ذهنية الاحتيال (6)

سامي عبد العالفعل التملق لا يتم إلاَّ بتشغيل "عجلة الطبقية" في المجتمعات. عجلة تدور بكافة أوضاعها (الاقتصادية والسياسية والثقافية) ترسيخاً للفوارق بين أفراد الشعب. لأنَّ المواطن لو وجد فُرصاً دون استثناءٍ لما تسلَّق أكتاف غيره، وما كان ليتخذها مطيةً لقطف ثمار النفاق بالأعلى. تكشف حركة المتملق (صعوداً وهبوطاً) كم تهيمن طُغمة الحكام والمسؤولين بأسباب مدنيّة هذه المرة. حيث أفلَّت التملُّق من فلتر الدولة الحديثة غارساً الوصولية والمحسوبية في بنيتها. وليست الطبقية بمعناها الماركسي الصرف الذي يراها سُوساً اقتصادياً ينخر عظام المجتمعات، الطبقة الاقتصادية بالنسبة للتملق قد لا تعني شيئاً، لأن السلطة هي "الطبقة الأم والأب" معاً في ثقافتنا العربية، بكل غموضها وخرافاتها ورؤوسها. تخترق كافةَ الفئات، تبذلُ الولاء لنفسها، ضافيةً "القداسة المدنسة" على الأتباع والموالي.

إنه التناقض الحدي الذي يلعق المتملق أركانه يومياً، فهو يقدس البارزين عارفاً كونه يتدنى، يتدنس بقدر ما نستطيع. لسان حاله يقول على لحن سيد درويش وكلمات بديع خيري..." عشان ما نعلا ونعلا ونعلا، لازم نطاطي نطاطي نطاطي" ... واللحن تاريخي بامتياز كنوع من النقد الثقافي للوصوليين. هكذا تنفرز طبقية من نوع حديث، ولاؤها لعالم الخطاب النافذ. وقد استقطرت مخزون الجاه القديم ليحل كافة معضلات الواقع. أي ارتبط هذا بتراث اجتماعي لم يفتأ يتحول. فلئن تعينت القداسة دينياً، فهي تتوحل لتعيد انتاج نفسها في جوانب السياسة. تتعامى عن مصيرها المؤجّل نظير قطف مصير عاجل هو المنافع.

لعلَّ البيئات الثقافية العربية تستعيض عن قواها القديمة بأشكال حداثية تؤدي ذات الوظائف. وهذا جزء من إخفاق مشروعات السياسة والدولة لدينا. والتخبط في مضمارٍ كهذا ليس عشواءً، لكنه يلقي بنا في الاتجاه النقيض. بالأساس لم يكن هناك فهم حقيقي لفكرة الدولة ولا بناء كلي لطبيعتها وآلياتها وما تطرحه من نتائج. فلا تجتمع الطبقية والدولة في وعاء واحد، لأن المسافات بينها تهدر التنوع والعدالة والمساواة. وتبدو الأوضاع معبرةً في مرحلة استعمال الناس كقطعان لتحقيق رغبات المتملِّقين (والمتملَّقين).

يجيء السؤال تلقائياً: هل هناك ثغرات في جدار الدولة الحديثة تسمح بالتملق؟ كيف تؤدي الطبقية هذا الدور بشكل تأسيسي؟ ومن ثم: لماذا تُعطل القوانين في حالات دون أخرى؟ سؤال التملق هو سؤال القانون نفسه، انتقائيته والتلاعب به واغفال أسسه المعيارية لحركة الدولة بأدق تفاصيلها. إنه عمل ضد تلك المضامين حين لا تسمح بهذا الفعل.

المهم أن التملق لن يكون خارج حدود طبقات تستقطب (تستخدم) زبائنها من طبقات أدنى. لأن التطلع لأخذ مكانةً لن يمر بسهولة إلا بتطفل من نوع ما. والمعروف أن الطبقات الأعلى تفرز الفرص بما بخدم ممثليها وتجر الآخرين إلى الحلبة. وإذا كانت المتملق ناظراً إليها، فإنه يأتي هنالك بناء على شروط لا يمتلكها. إنه يخضع مقهوراً لذلك ولا محيص عن الدوران في فلكها.

طبقية المجتمع سياسية في تجلياتها الأبرز، وتصطنع أطيافها وأشباحها بحجم التمايز بين الناس. لكنها تعيد تدوير أوضاعها تبعاً لنمط العلاقات وتراتب المصالح. هناك (تواطؤ) بين الطبقات على ممارسة الأدوار بعناية وشمولية في الآن عينه. بحيث تغطي آفاق المجتمع لكيلا يتطلع الأفراد لتنفس هواء نقي. فالذي ينتمي إلى احدى الطبقات لا يستطيع الخروج من حظيرتها، كما لا يصرف الآخر نظره عن السابق، لأن بقاء الأول مرهون برسوخ الثاني فوق أنفاسه.  وبالتالي يرتهن المجال العام بتعامد الطبقات رأسياً فوق بعضها البعض، لأن حياة الناس تحولت إلى تنافر عمودي ضاغط وفارز. ومع وجدود المكونات الثقافية والرمزية يصنف الناس لا اقتصادياً وحسب، بل حتى على صعيد الشكل. وطبقية المجتمعات العربية تحشد قواها بدءاً من استعمال اللغة واللهجات وليس انتهاء بالأزياء وإكسسوارات التجميل.

والتملق بهذا الفرز كأنه إطار يحكم خارج مجاله. فهو لا يجر أطرافه بعيداً، لكنه يُنبئ عما تكون عليه الدولة في تكوينها. بكلمات أوضح كلما أصبح التملق شائعاً، تعرت الطبقات وازدادت شراسة. لأن المجتمعات المتخلفة تجد ما تلتحف به سريعاً كمن يغطي لحمه الحي. ولا تترك أعصابها العارية عرضة للهواء ونهباً للمارة إلاَّ بقدر ما تريد. فالدين- مثلاً- قد يقوم بالمهمة عن عجل وينذر الفقهاء أنفسهم لتغطية علاقات التملق بخطاب " تبسمك في وجه أخيك صدقة " أو " خير الناس أنفعهم للناس". لكن أخاك- لو فُهم الدين بعمق- لا ينتهي عما يتواطأ به لاستعمالك بقوانين ولوائح في صلب السياسة. فهو لا يسمح بالتملق فقط بل ينهب رمزية الدولة مطوعاً (إياها وإياك) لدوائر المنتفعين.

وقد يقوم بذلك رجل السياسة من باب استثمار علاقات القوى لمآربه. فالقُوى في مجتمعاتنا يسهل التلاعب بها ولا سيما من القوى الأعلى. لأنها لا تستند على قواعد حيادية صلبة. وأن تجلياتها منحازة سلفاً بحكم الطبقية. فالقبائل والعائلات والعشائر تحرص على لي عنق الدولة وبث ممثليها في المؤسسات والهيئات الحاكمة. إن هذه الكيانات البدائية تحافظ على أوضاعها بمنطق اللادولة. فالرجل المنتمي إلى عائلة أو عشيرة يعتبر نفسه ممثلاً لها بصرف النظر عن نظام الدولة ككل. إنه "مندوب دائم" بالمعنى الفئوي ناظراً إلى الآخرين كأنهم من دولة أخرى.

التملق بهذه الخلفية يتم بغطاء اجتماعي تراثي غالب في الشارع، فالحياة تضمحل فجأة وتقف عند حدود القرابة لا تبرحها. وليس أدل من دخول ممثلي الكتل البشرية إلى ساحة البرلمانات بالظهير العشائري أو القبائلي نفسه. المفروض أن يكون العكس، أي تسحب مفاهيم الدولة الأذهان من الموروثات الاجتماعية، لأنَّ الأخيرة تعرقل عجلة التطور السياسي. بينما الحاصل أن الموروثات تعوِّم ما ترسو به ليظهر حاضراً في المشاهد السياسية. وتبدو السياسة هي فن الطهي لهذه العناصر دون جدوى. فيظل الوعي قبلياً وعشائرياً في جوهره رغم أن المجتمعات الراهنة قد هضمتها بصورة قائمةٍ على التنوع.

لكن الأبرز هو تملق الرأسماليين للسلطة، فهؤلاء أكثر شرائح المجتمع احساساً بنبض الدولة وتوجهاتها، صناع الفرص النادرة من خلال استغلال ثغرات القوانين وصياغته. ودوماً يترجم تملق الرأسماليين إلى عمليات حسابية. والرأسمالية جعلت الدولة سوقاً ضخماً بحجم الغرائز والأهواء مقابل تسليع المناصب والمكانة. أي أن من يفوته منصب يمكن شراؤه بما يمتلك. وليست عملية شراء الدرجات العلمية للأثرياء بعيدة عن ذلك. وأكثر من هذا، هناك شراء للوظائف بدفع مبالغ كبيرة والإنفاق الباذخ على أصحاب المؤسسات.

تشكل الطبقية مناخاً اجتماعياً وثقافياً لنمو الرأسمالية. فالتسليع والسوق يحتاجان إلى سيولة الرغبات والعنف والتراتب والقمع بين عناصر المجتمعات. وهو ما يشعل التكالب على الفرص لو جزئياً ويحول المجتمع إلى حلبة صراع حيث يكون التملق أنجع ضرباتها التي تحسم جانباً من العراك. ويستعمل فيها الأفراد كافة التناقضات والمفارقات لأجل الكسب.

يقول ابن خلدون: " إن كل طبقة من طباق أهل العمران من مدينة أو إقليم لها قدرة على من دونها من الطباق. وكل واحد من الطبقة السفلى يستمد بذي الجاه من أهل الطبقة التي فوقه ويزداد كسبه تصرفاً فيمن تحت يده على قدر ما يستفيد منه. والجاه على ذلك داخل على الناس في جميع أبواب المعاش ويتسع ويضيق بحسب الطبقة والطور الذي فيه صاحبه..." (ابن خلدون، المقدمة، تحقيق خليل شحاته، مراجعة سهيل زكار، ص ص 489- 490).

يحدد ابن خلدون آلية التفرقة الطبقية كأساس في أية عمليات اجتماعية أو سياسية.. فالقدرة مفتوحة على إمكانياتها المتوفرة. وبلغة الثقافة تكون الطبقات متجذرة في الوعي بالأحوال المعيشة. بدليل أن الأفراد ينتمون إلى طبقة بعينها سلفاً حتى قبل أن يولدوا، هم طبقيون رغم أنوفهم. غير أن صاحب المقدمة يواصل هذا "الرغم"، وتلك الحتمية طوال الحياة. ولا ندري ما إذا كانت ثمة نهاية أم لا!! لأن مجرد الانتماء إلى طبقة يعني أنها كل الحياة لا بعضها. فالتفضيلات قد تقررت وكذلك الانحياز والممارسات. ولا تفرق هذه الطباق بين مدن وأقاليم في إشارة إلى أن توابعها ذات طابع كلي مثل فضاء الدولة.

في ظل هذه الأوضاع، يفترض أن هناك علاقة عابرة للطباق لكنها تحمل التراتب ذاته. إنها علاقة هابطة من جنس الجاه. هذه السلطة التي تضع كل طبقة في مكانها الأدنى بينما يعلو أصحاب الجاه بأدوات الهيمنة. ولنلاحظ أنَّ المنتمين إلى طبقة دنيا يتمسكون بأهداب الجاه لتحقيق مكاسبهم. وهي عملية (رسملة) تجعل حثيات الطباق سوقاً كبيراً بحجم المجتمع. فالطبقية مطلوبة لتمرير الرغبات، كما أنها شرط متبادل الدلالة مع الجاه أي مع السلطة.

واللطيف أن المنتمي لطبقة سفلى يستفيد من الجاه على مستويين:

أولاً: يزداد تعلقاً بالأعلى والتمسك بأهدابه. وهذا يلبي حاجته النفسية والاجتماعية للمكانة التي تمثل هاجساً حياتياً. وحاجة المتملق للإشباع النفسي ربما توازي الكسب المادي.

ثانياً: تزداد قبضته من الواقعين تحت طبقته. أي أن وجوده سيكون جاهاً لمن دونه. وبتلك الحالة سيمارس عنف الطبقية في اسقاط ما يعانيه على الآخرين. والازدواج لا تخطئه العين، فالفرد فاعل ومفعول نتيجة مفهوم الكسب. إذ يعطي الأخير المسألة صبغتها الاقتصادية والثقافية الشاملة. لأن الكسب يتوقف على حركة الفرد في التملق والتسلق.. وكذلك على مكانة الطبقة التي ينتمي إليها وأهميتها اجتماعياً.

والربط يبدو بارزاً في قانون ربحي: أن المتملق يزداد كسباً فيما يمتلك تحت يده بمقدار ما يزداد تعلقاً بما فوق. وإذا كانت العوائد بالتكوين السابق، فالمجتمع بمثابة علاقات بين قاهر ومقهور. وابن خلدون يرشد هذه العلاقات على نحو طبيعي كما لو كانت الطبقية هي الفطرة الخاصة بالإنسان. ولا غضاضة أن يفعل في غيره ما يُفعل فيه. وبالتالي كان الكسب متناسباً طردياً مع أهمية الطبقة. فلئن كانت الأخيرة أكثر هيمنة جاءت المكاسب من وراء تملقها كبيرة. والوجه الضمني لذلك هو اشعال صراع الطباق دون حدودٍ. وليس سهلاً ممارسة التجاوز إلى أية طبقة من غير الازدواج المشار إليه...إنه بمثابة الطريق الملكي لبلوغ موقعاً يرتئيه الفرد. وليس الأمر فقط مرهون بالطبقة بل بالطور( المرحلة) الذي يبلغها. والطور هنا لا يخلو من حث على مواصلة الطريق نحو المزيد.

ومن ثم يؤكد ابن خلدون: "فإذا كان الجاه متسعاً كان الكسب الناشئ عنه كذلك، وإن كان ضيقاً قليلاً فمثله. وفاقد الجاه وإن كان له مال فلا يكون يساره إلاَّ بمقدار عمله أو ماله ونسبة سعيه ذاهباً وآيباً في تنميته كأكثر التجار وأهل الفلاحة في الغالب وأهل الصنايع كذلك إذا فقدوا الجاه واقتصروا على فوائد صناعتهم فإنهم يصيرون إلى الفقر والخصاصة في الأكثر ولا تسرع إليهم ثروة إنما يرمقون العيش ترميقاً ويدافعون الفقر مدافعة.. (المرجع السابق، ص490)0

الجاه الطبقي سابق على السلطة رغم كونها الذراع العملي له. وهو اقتصاد سياسي تترتب عليه معايير مادية. وبالتالي يغدو مؤهلاً لأن يكون اللاعب الخفي في نظام المجتمع. ولعل السلطة بهذا تتحول في تاريخ العرب إلى أرصدة مادية قابلة للبيع والشراء. ظهرت على أثرها عملية نهب الثروات الوطنية للشعوب والدول. حتى أضحت من أبجديات الوظائف العامة مع انتشار الفساد والاختلاس واحتكار المنصب. لأن الوجه المقابل للتملك هو مكوث المسؤولين في مناصبهم حتى الموت. فالفرص متاحة للتربح من عوائدها والعيش في ظل الأطر التي تفرضها. ولعل المنصب الرسمي يوازي في الذهنية العربية مفهوم الغنيمة. لكون صاحبة لا يمتلك فكرة واضحة ولا تاريخاً قوياً حول العمل العام.  يسطو عليه كما لو كان جنته الوحيدة.

وابن خلدون دون وعي يفسر لنا: لماذا شهدت الدول العربية الحديثة تكالباً على المناصب الرسمية؟ ولماذا لا ينهي الاَّ الموتُ حقبَ الرؤساء والوزراء والمسؤولين الكبار؟

لقد شاعت على أثر ذلك عبارات مثل: "فلان واصل أو علان مهم".. لمجرد أن الوصول ينقل أصداء التراتب الطبقي. فالوصول معناه أن الهوة بعيدة بين أناس وبين سواهم. وعندما يصل إنسان- إلى أغراضه -  يدل على أنه آت من سَفر قاطعاً دروباً وعرة، وعلى الراغبين في ذلك سلك الاتجاه نفسه.

وللعناية بالجاه، فإنَّ فاقده - وإنْ امتلك مالاً - يستقر كسبة عند مجهوده خالصاً من الوصولية. وكأن الجاه هو ما يوازي الربا والأرباح الإضافية لأصول عينية ونقدية ليست بهذا الحجم. وصراحةً، سيكون العمل لدى العرب هو النشاط الخالي من أي جاه. إنه يبدو منبوذاً وموضوعاً للسخرية لكونه لا يدر الربح الذي سيكونه لو ضُرب في الجاه. إن قيم العمل وتصوراته مكروهة في البيئات العربية، لا لشيء إلا لأن الذهنية قد اعتادت على الكسب من طرق أخرى. وهي طرق سهلة وأكثر ربحاً...تحتاج فقط إلى قدرات بهلوانية ومهارات زائفة وانتهاب الفرص ومداهنة الكلام وملاينته ومزيد من الخنوع.

لقد جاء الجاه عربياً بالمدلول التجاري. فلئن كانت هناك تجارة معروفة، فممارسة السلطة تجارة اجتماعية واقتصادية. والتجارة تفترض طرفين. يعد الطرف الآخر خفياً... وهو عادة صاحب الجاه والسلطان والصولجان. لأنَّ البقاء في المجال العام ليس للأفراد بل لحيثيات المنصب في الدولة. وهو ما يقرر إلى أي مدى هناك نهب متواصل من هذا الباب. لأن كل مسؤول جديد يعلم تمام العلم أنه سيمارس الدور نفسه الذي كان لسابقه.

ورغم كون العمل مهماً في نهضة المجتمعات إلاَّ أن فقدان الجاه يحقرها. بل مهما كسب أصحابُها، فإنهم يصيرون إلى فقر مثل الفلاحين وأهل الصنائع. وهذا يلقي ضوءً على تأخر النهضة لدى العرب. لأن الإنتاج والصناعة كانا محقرين بفعل اجتماعي ثقافي أصلي. ليس من باب الترفع أو الوجاهة، بل إن الأرصدة الحقيقية للمعاني والرمزية  كانت في اتجاه آخر تماماً. أغلب الشعوب العربية شعوب ليست عاملة بالمفهوم الحديث للعمل، ذلك الذي دفع المجتمعات كافة إلى تطوير حياتها وتغيير وجه التاريخ.

الافقار عملية سياسية اجتماعية تترسخ طالما كانت ثمة قيم بديلة عن قيم البناء والتحضر والتمدن. وهنا تبدو الطبقية بمثابة الوجه المسيس لتراتب الجماعات والأفراد، استعمال عمومي لإجهاض المساوة وغلق مجال التقدم. والسقوط في الفقر إمكانية لا تخطئ أصحابها بمقدار ابتعادهم عن السلطة ودوائرها. إذن ورثت الدولة العربية هذا السقوط الصريح فيما يناقض نهوضها ويفشل جميع محاولات التنمية، بل هي ذاتها تشتغل على تسديد غاياته المدمرة للحقوق والرؤى والفكر. وما لم نتحرر من سيطرة تجار السلطة بهذا الوضع، لن تكون الدولة العربية إلاَّ عجلة طبقية تفرز الشعوب وتفقرها.

وليس معنى ذلك اسقاط الدولة، بل ينبغي أن تجدد ممارساتها للقضاء على الفقر بأنواعه وهيمنة الطبقية وغلق منافذ التملق. الدولة كتصور ذكي لا يمكن محوُها بجرة قلمٍ ويستحيل التدخل في كيانها الكلي. فهي تدير وجودها النشط لصالح الشعوب أو هكذا يفترض، وتعمل على انتشالهم من الميراث القميء،  تصحح مسارها شريطة وجود طاقات إجمالية لديها على التصحيح الذاتي. وكل مبادئ العقلانية والفكر والتثقيف تصب في هذا الإطار من بعيدٍ لدفع الأخطار القريبة.

 

سامي عبد العال

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5065 المصادف: 2020-07-18 03:49:21


Share on Myspace