 قضايا

الاستشراق والعلم العربي (2)

محمود محمد عليإذا كان بعض المستشرقين قد رأي أن العالم العربي هو مجرد امتداد للعلم اليوناني كما أوضحنا في المقال السابق، فلم يكتفوا بهذا، بل أكدوا أن ما قام به العرب في مجال العلم كان يدور في ذلك الإطار الذي حدده اليونانيون قبل ذلك بفترة لا تقل عن آلف عام، بل لقد تجاوزت حدود الموضوعية حين ذهبوا بأن المرحلة الإسلامية من العلم، إنما كانت همزة الوصل بين الحضارة اليونانية والحضارة الأوروبية الحديثة، وأن فضل العرب والمسلمين ينحصر علي التراث العلمي اليوناني ونقله بأمانة إلي أوروبا لتبدأ به نهضتها الحديثة،

وأصحاب هذا الرأي هم بعض المستشرقين أمثال رينان ودي بور وجولد وماكس هورتن ومن تابعهم في هذه المقالة، ورغم اختلاف بعضهم عن بعض فيما يسوقه من مبررات تؤيد رأيه، فإنهم جميعا ينكرون أن يكون للعلم العربي شئ من الجدة والأصالة، وأن يكون لعلماء العرب شئ من التجديد والإضافة والابتكار، بل أن بعضهم قد بلغ حد من التطرف فقال : " أن ما يدعي بالحضارة العربية لا وجود له البتة كظاهرة مبررة للعبقرية العربية، فهذه الحضارة إنما أنشأتها شعوب أخري كانت لهم مدينات قائمة قبل أن تستبعد قهرا من قبل الإسلام، فاستمرت خصالها القومية في نمو برغم ما صب عليها الفاتح من ألوان الاضطهاد ولم يساهم العنصر العربي إلا بمقدار هزيل لا يذكر، فالكندي مثلا، وقد كان له صيت عظيم في القرون الوسطي ولقب بالفيلسوف، لم يكن سوي يهودي من الشام اعتنق الإسلام، وما كتبه العلماء العرب في مجال الرياضيات والهندسة والطب والفلسفة وغيرها، ليس إلا مجرد نقل واقتباس من أرسطو وشراحه، وكثيرا ما نسب استنباط علم الجبر إليهم، والواقع أنهم لم يكونوا إلا نسخة عملوا علي نقل رسائل " ديوفانطس " الاسكندر أني الذي كان حيا في القرن الرابع للميلاد، وفي الطب أيضا لا نجد طرافة ولا ابتكار، ورسائل آبي القاسم (الزهراوي) وابن زهر وابن البيطار – وثلاثتهم من أصل أسباني نسخ مطابقة بعض المطابقة للأصل – أعني لمؤلفات جالينوس وأطباء الإسكندرية، وقد تم نقلها عن طريق السريانية،

ويمكن أن نفند رأي هؤلاء المستشرقين فنقول : نحن لا نتنكر أن العلم العربي قد تأثر بالعلم اليوناني، وأن معظم العلماء والفلاسفة العرب أخذوا عن أرسطو معظم آرائه، وأنهم أعجبوا بإقليدس وجالينوس وارشميدس وتابعوهم في نواح عدة، ولو لم يكرر الكلام لنفذ، ومن ذا الذي لم يتتلمذ علي م سبقه ويقتفي أثر من تقدموه،

إننا نعترف بأن ظاهرة التأثير والتأثر بين الحضارات المتعاقبة، بحيث تؤثر الحضارة السابقة في الحضارة اللاحقة حقيقة لا شك فيها، إلا أنه يجب أن نميز بأن هذا التأثير تتعدد إبعاده وتختلف مجالاته، فتارة يكون التأثير من جانب السابق في اللاحق تأثيرا قويا عميقا وعلي درجة من الشمول تكاد تذهب باستقلالية المتأثر وهويته العلمية، ومن ثم  تظهر العلاقة بين الطرفين في صورة علاقة تابع بمتبوع ومقلد بمبدع، وتارة يكون التأثير ضعيفا في درجته محدودا في مجاله بحيث يظل كل من الطرفين : المؤثر والمتأثر محتفظا بفردانيته واستقلال نظرته وفكره، ومن ثم تتواري معدلات التأثير فلا تكاد تظهر ،

ولا  يختفي علي أحد أن العلم اليوناني قد تأسس أصلا وأساسا علي ما أخذه علماء اليونان من علوم الشرق القديم في مصر وبابل وأشور، ويبدو هذا التأثير واضحا لدي طاليس وفيثاغورس وأفلاطون وجالينوس بصفة خاصة، ولا يستطيع أحد أن يدعي أن هؤلاء اليونان رغم تأثرهم بالعلم الشرقي كانوا مجرد نقله ومقلدين لما كان لدي الشرقيين القدماء من هذه العلوم،

ثم إننا نتساءل إذا كان العلماء العرب قد استقوا معظم ماداتهم العلمية من التراث اليوناني، فهل وقفوا عند حد التأثر ؟ أم تجاوزوه إلي حيث قدموا بعض عناصر الابتكار والإضافة والتجديد ؟

للإجابة علي هذا السؤال، نقول : إننا نجد مؤشرات علمية واضحة عند العلماء العرب تدل علي الأصالة والإبداع والجدة والابتكار، فهناك مؤشرات نجدها عند ابن سيناء وأبو بكر الرازي في مجال الطب – وأبو القاسم الزهروي وابن زهر وابن النفيس في مجال علم الجراحة – وابن الهيثم في مجال علم المناظر – وجابر بن حيان في مجال علم الكيمياء – وبن يونس في مجال علم الفلك – وابن بيطار في مجال علم الصيدلية – وثابت بن قرة في مجال علي التفاضل والتكامل – والخوارزمي في مجال علم الجبر وهلم جرا،

إلا أن هذه المؤشرات رغم أصالتها فلم تبلغ الحد الذي بلغته علي يد العلماء اليونانيين، بل هي دونها مستوي لأنها تمخضت عن ذا الينبوع فأخرجت منه الجديد الذي لم يكن من قبل، فكان عملها جديدا بهذه الدلالة، لأنه سينتهي فيما بعد إلي أن يكون هذا الجديد مصدرا لبعض نزعات العلم الأوربي الحديث، وتلك هبة تغافل عنها المستشرقين وانحسرت أفكارها دونها ناقصة من اعتراف بجميل أو إنصاف لحق،

ونحن لا نتنكر في هذا السبيل لتأثيرات العلم اليوناني في العلم العربي، ولكننا نجد في العلم العربي جوانب جديدة يتميز ابتكارها بالكيف لا بالكم، والإضافة الحقة تمثلت في عمليتين متتاليتين : تحليلية من جهة وتركيبية من جهة أخري تعتمد علي عناصر قبلية للتجربة الجديدة في الفكر، ففي التحليل نتوصل إلي العناصر الأساسية في الموقف أو التجربة، فنقدم شيئا جديدا في الرؤية التي نريد والصورة التي نقصد – وفي التركيب حال أخري تعتد علي التدرج من البسيط إلي ما هو أكثر، ومن الأحكام النسبية إلي أحكام أشد عموما وأبعد ضرورة،

وقد تختلف هذه التجربة حدة وشدة باختلاف صانعيها، ولكنها في صميم طبيعتها لا تخرج عن صفة الإبداعية Creative التي قصدنا، أو بمعني أخر أن الأصالة : أية أصالة تتفق في مدلولها نوعا وتختلف كيفا، بمعني أن الأصالة هي تحقيق نحو من التجريد في عملية التأثير الفكري، من حيث أنها في صدرها الأخير تجديد جاء علي غير مثال،

ولا ندعي في حديثنا هذا أن العلم العربي جاء علي غير مثال، ففي ذلك مبالغة لا نريدها له ولا نضيفها إليه، لأنها تفتقر في صدقها إلي معايير التحقيق العلمي الدقيق، بل نعني الجانب النقدي لهذا العلم فيما أضافوه أو حذفوه من العلم اليوناني

إن أحد الأمثلة المهمة للتدليل علي بروز الجانب النقدي في العلم هو انتشار ما يمكن أن نطلق عليه حركة الشك أو كتب الشكوك : فكثير من علماء العرب نقدوا العلم اليوناني وشككوا بنتائجه بشكل علمي، وكانت هذه خطوة مهمة للانطلاق نحو معرفة جديدة، فلقد كان تقديس علوم السابقين هو أحد معوقات التطور العلمي سواء في الحضارة العربية الإسلامية أم في أوربا في العصر الوسيط، حيث سطر أرسطو علي حركة الفكر والعلم، وكانت مرحلة إزالة التقديس عن المنهج الأرسطي القديم فاتحة لتطوير المعرفة الجديدة وتقدمها،

فهذا ثابت بن قرة الحراني يكتب كتابا في إصلاح المقالة الأولي من كتاب ابلوينوس في قطع النسب المحدودة، والكندي يكتب كتبا عديدة في هذا المجال مثل رسالة في إصلاح كتب اقليدس، رسالة في إصلاح المقالة الرابعة عشرة والخامسة عشرة في كتاب اقليدس، رسالة في تصحيح قول ابسقلاس في المطالغ، ويكتب محمد بن زكريا الرازي كتاب الشكوك علي جالينوس، كتاب في الشكوك علي برقليس،

وهذا ابن مفلح في الأندلس يكتب كتابا بعنوان " كتاب الهيئة " : إصلاح المجسطي يحاول فيه إصلاح نظام بطليموس، ثم يأتي بعده البتروجي فيكتب كتابا بالعنوان نفسه وبالموضوع عينة، ويكتب ابن الهيثم في كتابه المرسوم " الشكوك علي " بطليموس " قائلا : " أن حسن الظن بالعلماء السابقين مغروس في طبائع البشر، وأنه كثيرا ما يقود الباحث إلي الضلال، ويعوق قدراته علي كشف مغالطتهم، وانطلاقة إلي معرفة الجديد من الحقائق، وما عصم الله العلماء في شئ من العلوم ولا تفرقت آراؤهم في شئ من حقائق من الأمور "،،،، فطالب الحق عند ابن الهيثم ليس من يستقي حقائقه من المتقدمين، ويسترسل مع طبعة في حسن الظن بتراثهم، بل عليه أن يشك في إعجابهم بهم، ويتوقف عن الأخذ عنهم، مستندا إلي الحجة والبرهان، وليس معتمدا علي إنسان تتسم طبيعته بالخلل والنقصان، وعليه أن يخاصم من يقرا لهم، ويمعن النظر فيما قالوه، حتى تتكشف له أخطاؤهم، ويتوصل إلي حقائق الأمور،

ومن دلالات هذا عند " ابن الهيثم " أنه يقول عن "بطليموس" أنه " الرجل المشهور بالفضيلة، والمتقن في المعاني الرياضية، المشار إليه في العلوم الحقيقية " وأنه وجد في كتبه " علوم كثيرة ومعاني غريزة، كثيرة الفوائد عظيمة المنافع " ومع ذلك فإن " ابن الهيثم " حين وقف منها موقف من يخاصم صاحبها مع أنصاف الحق منه، وجد فيها مواضع مشبهة،، وألفاظا، ومعاني متناقضة "،

ويمضي قائلا " فرأينا في الإمساك عليه هضما للحق وتعديا عليه، وظلما لمن ينظر بعدنا في كتبة في سترنا ذلك عنه، ووجدنا أولي الأمور ذكر هذه المواضع، وإظهارها لمن يجتهد من بعد ذلك في سد خللها، وتصحيح معانيها، بكل وجه يمكن أن يؤدي إلي حقائقها "،

أما العالم عبد اللطيف البغدادي (ت 629 هــ) فإنه يؤكد علي عظمة جالينوس وتمكنه من الطب لا يعنيان علينا تكذيب حواسنا وعقولنا عندما تتناقض مع ما يقوله جالينوس، ولذلك فإن علينا ألا نسلم بما يقوله الأقدمون تسليما أعمي مهما بلغ هؤلاء من رجاجة العقل ومن تمكن، فإن جالينوس " وإن كان في الدرجة العليا من التحفيظ فيما يباشره ويحكيه إلا أن الحس أصدق منه "،

ويسوق البغدادي مثالا أثبتت فيه مشاهدته كذب جالينوس في مسألة " عظم الفك الأسفل " فيقول : "،،،،،،، أن الكل قد أطبقوا (اجمعوا) علي أنه (عظم الفك الأسفل) عظمان بمفصل وثيق عند الحنك، وقولنا الكل نعني به هنا جالينوس وحده (وشراحه)، فإنه هو باشر التشريح بنفسه وجعله دأبه ونصب عينية، وصنف فيه عدة كتب معظمها موجود لدينا، والباقي لم يخرج إلي لسان العرب، والذي شاهدناه، من هذا العضو أنه عظم واحد، ليس فيه مفصل ولا درزا أصلا، واعتبرناه (فحصناه) ما شاء الله من المرات في أشخاص كثيرة تزيد علي آلفي جمجمة بأصناف من الاعتبارات، فلم نجده إلا عظما واحد من كل وجه، ثم إننا استعنا بجماعة متفرقة اعتبروه (فحصوه) بحضرتنا، فلم يزيدوا علي ما شاهدناه منه وحكيناه، وكذلك في أشياء أخري غير هذه ولئن مكنتنا المقادير بالمساعدة وضعناه مقالة في ذلك نحكي بها ما شاهدناه وما علمناه من كتب جالينوس، ثم إني اعتبرت العظم أيضا بمقابر بوصير القديمة (في مصر) فوجدته علي ما حكيت، ليس فيه مفصل ولا درز، ومن شأن الدروز الخفيفة والمفاصل الوثيقة إذا تقادم الزمان أن تظهر وتتفرق، وهذا الفك الأسفل لا يوجد في جميع أحواله إلا قطعة واحدة "،

أما البيروني " والذي يسميه المستشرقون العرب، فهو الآخر يشكك في معارف السابقين، ومن قوله في مقدمة " القانون السعودي ": " ولم اسلك فيه من تقدمني من أفاضل المجتهدين،، وإنما فعلت ما هو واجب علي كل إنسان أن يعمله في صناعته من تقبل اجتهاد من تقدم بالمنة، وتصحيح خلل أن عثر عليه بلا حشمة، وخاصة فيما يمتنع إدراك صحيح الحقيقة فيه من مقادير الحركات وتخليد ما يلوح له فيها تذكره لمن تأخر عنه بالزمان وأتي بعدة وقرنت بكل عمل في كل باب من عللة، وذكرت ما توليت من عملة، ما يبعد به المتأمل عن تفكيري فيه ويفتح له باب الاستصواب لما أصبحت فيه، أو الإصلاح لما زللت عنه أو سهوت في حسابه "،

وهكذا إبان البيروني في هذا النص أنه لم يقلد أحدا من سابقيه، وأنه صحيح ما وقع فيه أسلافه من أخطاء، ودعا قرائه إلي مناقشة ما أورد وتصحيح ما يحتمل أن يكون قد أخطأ فيه "،

ويكتب ابن البيطار أشهر صيادلة مصر مؤكدا ضرورة تغليب منهج البحث العلمي والحسي علي أخبار القدماء ونظرياتهم فيقول في كتابه " الجامع لمفردات الأدوية والأغذية " : (فما صح عندي بالمشاهدة والنظر، وثبت عندي بالخبر لا بالخبر ادخرته كنزا سريا وعدت نفسي عن الاستفتاء بغيري فيه – سوي الله – غنيا، وما كان مخالفا نبذته ظهريا وهجرته مليا، وقلت لناقلة أو قائلة لقد جئت شيئا فريا  "،

وهكذا فإن العلماء العرب لم يكونوا مجرد شارحين ناقلين مكررين لعلوم اليونان، بل إنهم ترجموا هذه الكتب ودرسوها وتمثلوا ونقدوا نتائجها وأصلحوا ما يمكن إصلاحه أقاموا معرفة جديدة بما يتفق مع إمكانيتهم وحاجتهم ومستوي التطور الاقتصادي والاجتماعي لعصرهم الذي عاشوا فيه،

ولقد عبر المستشرق " جون برنال " Ghon Bernal عن هذه الحقيقة بالقول: " أن العلم الإسلامي لم ينقل العلم الإغريقي نقلا حرفيا، بل أعادة إلي الحياة من جديد بعد هضمه ومزجه بالثقافة الإسلامية، أي أنه مر بنفس العملية التي مر بها تراث الشرق القديم عندما هضمه وتمثله الفلاسفة اليونانيون الأوائل "،

وثمة نقطة أخري جديدة بالإشارة نود فيها تفنيد بعض آراء المستشرقين في مسألة انعدام الجانب الحسي التجريبي في العلم العربي، فهذا هو المستشرق الألماني " فرانتز روزنتال " يذكر بأن هناك مستشرقون عللوا تأخر البحث العلمي عند المسلمين نتيجة انعدام الجانب الحسي التجريبي، وفي هذا يقول : " أن المرء لا يتمالك أن يري التناقض الظاهر في الآراء السالفة التي استشهدنا بها، وليس من العسير أيضا أن نجد باحثا يأخذ بوجهات نظر معاكسة تماما لتلك، فيبرهن لك بيسر أن أروع إبداع قام به الباحثون المسلمون كان في حقل التفكير النظري، وأن الباحث المسلم لم يأبه بالملاحظة والتجربة بل اعتبرها أمور ثانوية، وأنهما أحيانا تفقد أن فقدانا يثير العجب، كذلك يستطيع المرء أن يدلل لك أن الباحث المسلم لم يكن رجلا نفعيا ماديا، بل كان كثيرا ما يمعن في المغامرات الفكرية دون أن يكون في ذهنه غاية معينة يسعى إليها أو رغبة في نفع أو كسب "،

واعتقد أن هؤلاء المستشرقين الذين ذكرهم " روزنتال " لهم بعض العذر في زعمهم بأن علماء العرب لم يأبهوا بالملاحظة والتجربة في أبحاثهم العلمية، خاصة وأنهم يؤمنون بوجود تقارب بين العلم العربي وتراث اليونانيين: إذ أن الأسماء اليونانية، مثل أرسوا وابقراط وجالينوس، كانت تتردد في المؤلفات العلمية العربية، كما أن الإطار الفكري لهذه المؤلفات كان يحتفظ بقدر غير قليل من مفهوم عند العلم عند اليونانيين : إذ نجد عند فلاسفة العرب نظرة متدرجة إلي العلوم، تعلي من قدر العلم النظري البحت وتقلل من شأن العلم التطبيقي وتجعل مكانه أي علم مرتبطة بمكانة الموضوع الذي يبحث فيه، ولكن كتابات الفلاسفة كانت تسير في طريق وممارسة العلماء كانت تسير في طريق آخر مختلف كل الاختلاف إذ أن الاهتمام بالعلم التجريبي وباستخدام البحث العلمي من أجل فهم قوانين الطبيعة المحيطة بنا، كان هو الهدف الرئيسي من أعمال علماء مشهورين مثل جابر بن حيان في الكيمياء والحسن بن الهيثم في البصريات (علم الضوء) والبيروني في الفلك والرياضيات والرازي وابن سيناء النفيس في الطب،

والشواهد علي ذلك كثيرة، نقتطف منها ما يلي :

كان " جابر بن حيان " (ت 198 هــ / 813 م) الذي قيل أنه يحتل من علماء الكيمياء مكان أرسطو من علم المنطق يقول في المقالة الأولي من كتاب الخواص الكبير : " ويجب أن نذكر في هذه الكتب خواص ما رأيناه فقط – دون ما سمعناه أو قيل لنا وقرأناه، بعد أن امتحناه وجربناه، فما صح عندنا بالملاحظة الحسية أوردناه، ويظل ما رفضناه، وما استخرجناه نحن أيضا قايسناه علي أقوال هؤلاء القوم "،

ومعني هذا أن الملاحظة الحسية وحدها هي وسيلة لكسب الحقائق، ومصدر المعرفة الصحيحة، وأن شهادة الغير مرفوضة ما لم تؤيدها مشاهدات الباحث،

ولم يكتف جابر بهذا، بل يري أن أول واجب علي الكيميائي، هو أن يعمل ويجري التجارب، وفي هذا يقول " من كان دريا، كان عالما حقا، ومن لم يكن دريا، لم يكن عالما، وحسبك بالدربة في جميع الصنائع، أن الصانع الدرب يحذق وغير الدرب يعطل،

وقد كان جابر يقول أيضا : " وملاك كمال هذه الصنعة العمل بالتجربة، فمن لم يعمل ولم يجرب لم يظفر بشئ أبدا "،

من هنا يتضح لنا أن جابر بن حيان كان من المهتمين بالمنهج التجريبي فهو يحتفي بالملاحظة والتجربة، ويدعوا إلي تطهير الكيمياء من شوائب الجدل ومظاهر السحر والتعمية، وقد شهد له بهذا بعض المستشرقين المصنفين، فهذا هو المستشرق " هولميارد " يقول : " لقد أسس جابر الكيمياء علي الجانب العملي محاولا تفسير ظواهرها بالنظريات الفلسفية المتفق عليها في عصره، وكان بفعلة هذا يؤكد العلاقة الوثيقة بين " النظرية " و" التطبيق " وبين " الفرض " و " التجربة الواقعية "،

ثم يستطرد هولميارد فيؤكد بأن جابر بن حيان يستحق لقب مؤسس علم الكيمياء وذلك لاعتماده البالغ علي التجريب والتقنية إلي ضرورة الفعل والمران وفي هذا يقول : " إن التأمل غير المفيد والبعد عن الملاحظة أمران لم نشهدهما في عبقرية جابر الذي كان يفضل العمل تاركا مجال الخيال، لقد كانت وجهات نظرة واضحة متقنة، وبسبب أبحاثه الدقيقة الشاملة أستحق لقب المؤسس الأول للكيمياء علي قواعد راسخة وأسس سليمة " ،

وقد ساير كثير من العلماء العرب منهج جابر بن حيان في أبحاثهم العلمية، فهذا هو الحسن بن الهيثم (ت 420 هــ / 1029 م) يعرض في مقدمة كتابه " المناظر " لمراحل المنهج التجريبي فيقول : " ونبتدأ في البحث باستقرار الموجودات، وتصفح أحوال المبصرات، وتميز خواص الجزيئات، ونلتقط باستقراء ما يخص البصر في حال الإبصار، وما هو مطرد لا يتغير وظاهر لا يشتبه من كيفية الإحساس ثم نرتقي في البحث والمقاييس علي التدريج والترتيب، مع انتقاء المقدمات والفحص في النتائج، ونجعل غرضنا في جميع ما نستقريه ونتصفحه استعمال العدل لا إتباع الهوى، ونتحرى في سائر ما نميزه وننقده، طلب الحق الذي به يثلج الصدر ونصل بالتدريج والتلطف إلي الغاية التي عندها يقع اليقين، ونظفر مع النقد والتحفظ بالحقيقة التي يزول معها الخلاف وتنسجم بها مواد الشبهات "،

من هذا النص يتضح لنا أن بن الهيثم ينصح الباحث أو العالم بملاحظة الظواهر الجزئية وتحديد صفاتها ثم يندرج في بحثه مع التمحيص والحذر من الوقوع في الخطأ حتى يبلغ اليقين،

ولم يكتف ابن الهيثم بهذا بل يري أنه لابد للعالم من مزاولة التجربة العلمية علي أساس أنها مكملة للملاحظة الحسية وهو يسمي التجربة بالاعتبار " وقد قام هو نفسه في كتابه المناظر بالكثير من التجارب التي مكنته من التوصل إلي كشوفه العلمية، فمن ذلك أنه توصل إلي تحليل العلاقة بين الهواء الجوي وكثافته وأبان عن أثرها في أوزان الأجسام، ودرس بقوانين رياضية فعل الضوء في المرايا الكرية وأثناء مروره في العدسات الزجاجية الحارقة، ولاحظ شكل الشمس الذي يشبه صورة نصف القمر أثناء الخسوف مستخدما جدارا يقوم أمام ثقب صغير في مصارع نافذة فكان هذا أول ما عرف من الغرفة المظلمة التي تستخدم في كل صنوف التصوير الشمس "،

وفي هذا يقول الدكتور "مصطفي نظيف": " أن بن الهيثم قد استطاع أن يعرف أن امتداد الأضواء علي سمت الخطوط المستقيمة يؤدي رأسا إلي أن الضوء المشرق من جسم مبصر، إذا نفذ من ثقب ضيق في حاجز، واستقبل علي حاجز ابيض من خلفه، تكونت علي هذا الحاجز صورة منكوسة الجسم، ويمكن الحصول عليها عن طريق جهاز يسمي في كتب الضوء الابتدائية بالخزانة المظلمة ذات الثقب،

ثم يستطرد فيقول : " وهو بهذا قلب الأوضاع القديمة وأبطل علم الناظر اليوناني وإنشاء علم الضوء بالمعني والحدود التي نريدها اليوم،

هذه نماذج تدل علي أن العلماء العرب لديهم منهج تجريبي بالمعني الحديث وبالتالي فليس حقيقة ما يدعيه بعض المستشرقين بأن كتابات علماء العرب تخلو من الجانب التجريبي ويكفينا لتفنيد رأي هؤلاء المستشرقين ما ذكره المستشرق المنصف بريفولت Briffault في كتابه " تراث الإنسانية " making of humanity بقولة : " أن ما يدين به علمنا لعلم العرب ليس هو ما قدموه لنا من اكتشافهم لنظريات مبتكرة غير ساكنة، إن العلم يدين للثقافة العربية بأكثر من هذا،،،،، أنه يدين لها بوجوده، وقد كان العالم – كما رأينا – عالم ما قيل العلم، أن علم النجوم ورياضيات اليونان كانت عناصر أجنبية لم تجد لها مكانا ملائما في الثقافة اليونانية، وقد أبدع اليونان المذاهب وعموا الأحكام، ولكن طرق البحث وجمع المعرفة الوضعية وتركيزها ومناهج العلم الدقيقة والملاحظة المفصلة العميقة، والبحث التجريبي كلها كانت غربية عن المزاج اليوناني أن ندعوه بالعلم في أوربا كنتيجة لروح جديدة في البحث ولطرق جديدة في الاستقصاء طريق التجربة وتلك الملاحظة والقياس ولتطوير الرياضيات في صورة لم يعرفها اليونان، وهذه الروح وتلك المناهج أدخلها العرب إلي العالم الأوربي،

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5216 المصادف: 2020-12-16 03:48:08


Share on Myspace