 قضايا

اقتصاد المعرفة ودوره في تعافي الدولة المصرية من حروب الجيل الرابع (1)

محمود محمد عليشهدت بدايات القرن الحادي والعشرين تطورات مذهلة حققت تغيرات بنيوية عميقة في المجتمع والإدارة والاقتصاد، وتلك التغيرات لا يمكن مقارنتها إلا بتغيرات الثورة الصناعية التي حدثت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.. ولقد اتسمت هاتان الثورتان بطابع التقدم التكنولوجي، فالأولى ثورة صناعية والثانية ثورة المعلومات، ولم يكن ممكناً ظهورهما لو لم تظهر التكنولوجيا الملائمة لكل منهما: في الأولى الآلة البخارية وفي الثانية الحاسوب كما كانت الأولى تمهيداً للثانية، فقد وضعت أسس التقدم التكنولوجي والبحث العلمي، وحققت قفزة نوعية في ميدان المعرفة . ويقدم قطاع المعرفة فرصاً جديدة للبلدان النامية، خاصة الدول العربية ويتيح لهذه البلدان فرصة اللحاق بالسباق، والحصول على نصيبها من الاقتصاد العالمي، فإذا نجحت في تحقيق توغل جيد في قطاع المعرفة، فإنها سوف تترجم ذلك في مستوى عيش أفضل وأكثر استدامة لجميع شعوبها.

والمعرفة في جوهرها هي ذخيرة المعلومات التي تستخدم لاتخاذ قرارات أفضل، الأمر الذي يؤدي إلى أعمال رشيدة، لقد ظلت المعرفة طوال قرون عديدة الميزة التنافسية التي أعطت الحضارة الأوربية موقعها القيادي، اليوم يمكن أن نسمي عصرنا بعصر المعلومات لأن تكنولوجيا المعلومات سمحت ببناء الاقتصاد القائم على المعرفة: Economy Based - Knowledge وهو اقتصاد يشق طرقاً جديدة في التاريخ الإنساني، ويقدم كل يوم كل يوم. تطورات مذهلة سواء على الصعيد التقني الصرف، أو على صعيد التغيرات البنيوية العميقة التي تظهر وتتبلور كل يوم .

ولذلك يشير مصطلح اقتصاد المعرفة إلي الاقتصاد الذي يرتكز علي إنتاج المعرفة وإدارتها في إطار محددات اقتصادية معينة، وهو يختلف عن الاقتصاد القائم علي المعرفة الذي يرمز إلي الاقتصاد الذي يستخدم تقنيات المعرفة كالهندسة المعرفية وإدارة المعرفة، ففي اقتصاد المعرفة تكون المعرفة مُنتجا، أما في الاقتصاد القائم علي المعرفة فهي أداة، وبشكل عام فإن اقتصاد المعرفة يشير إلي التحول الاقتصادي العالمي الناجم عن مجتمع المعرفة وعن نجاح الاقتصاد الصناعي في إعادة صياغة أسسه وقواعده في إطار اقتصاد معولم ومتواصل، بحيث تكون مصادر المعرفة كأسرار العمل والخبرات أساسية كالمصادر الاقتصادية.

ويري سولو Solow بأن اقتصاد المعرفة فرع من العلوم الأساسية يهدف إلي تحسين رفاهية الأفراد والمجتمعات عن طريق دراسة نظم إنتاج وتصميم المعرفة ثم اجراء التدخلات الضرورية لتطوير هذه النظم، وبذلك فإنه يولد نماذج نظرية من خلال البحث العلمي، ويطور الأدوات والتقنية وتطبيقها علي الواقع، وبناءً عليه فإن اقتصاد المعرفة يهتم بكل من: إنتاج المعرفة من خلال (ابتكار، اكتساب، نشر، استعمال، تخزين المعرفة)، وصناعة المعرفة التي تعتمد علي (التدريب، الاستشارات، المؤتمرات، البحث، والتطوير) .

وقد عرف الشمري والليثي، اقتصاد المعرفة بأنه: الاقتصاد الذي يدور حول الحصول علي المعرفة،، واستخدامها، وتوظيفها، وإيداعها وابتكارها، بهدف تحسين نوعية الحياة بمجالاتها كافة، من أجل الاستفادة من التطبيقات التكنولوجية المتطورة، وقد استخدم العقل البشري كرأس مال معرفي، لإحداث مجموعة من التغييرات الإستراتيجية في طبيعة المحيط الاقتصادي .

في هذه المقال نحاول أن نبرز كيف تمثل المعرفة الصفة الأساسية للمجتمع الإنساني، إذ من خلالها تحقق تحولات عميقة مست وغطت تقريبا كل مناحي الحياة، فالمعرفة هي إحدى المكتسبات المهمة للاقتصاد والمجتمع علي حد سواء، حيث أضحت في هذ الاقتصاد الصاعد الجديد المحرك الأساسي للمنافسة الاقتصادية بإضافتها قيم هائلة للمنتجات الاقتصادية من خلال زيادة الإنتاجية والطلب علي التقنيات والأفكار الجديدة، وقد واكبت هذه المنتجات فعليا التغيرات الثورية في كل الأسواق والقطاعات.

والاقتصاد القائم على المعرفة يتكون من أربعة ركائز أساسية: هي النظام الاقتصادي والمؤسسي الذى يقدم حوافز الاستخدام المعرفة بكفاءة ويعمل على ازدهار ريادة الأعمال، والتعليم والمهارات والذى يمكن الشعب من الإنتاج، والبنية التحتية للمعلومات والاتصالات والتي تسهل التواصل بفاعلية، ونظام الابتكار في الدولة وفي الشركات والمراكز البحثية.

وعلي أساس ما تقدم سنحاول من خلال مقالنا هنا أن نجيب علي سؤال: كيف تعافت الدولة المصرية من حروب الجيل الرابع ؟ وفي اعتقادي أن هناك عدة استراتيجيات جعلت الدولة المصرية تتصدي لحروب الجيل الرابع، وتتمثل في ثلاثة مراحل: المرحلة الأولي: استراتيجية التوعية بخطورة حروب الرابع، والمرحلة الثاني: استراتيجية إنقاذ الدولة من خلال التحول الديمقراطي ؛ حيث لا بد للدولة من عودة المسار السياسي المتمثل في الاصلاحات الدستورية والتي تأتي كمرحلة ثانية بعد إدارة المرحلة الانتقالية في عملية التحول الديمقراطي، الهادفة إلي ضمان حرية التعبير والكرامة، باعتبار أن هذه الحرية كانت منحصرة في زمن النظام السابق للدولة، والتي علي أساسها كانت معارضة نظامه السياسي، وعقب الانتهاء من الإصلاحات الدستورية والتي ستفرز صياغة الدستور وإجراء الانتخابات. المرحلة الثالثة: استراتيجية تجديد أركان الدولة من خلال تجديد البنية التحتية وإقامة مشروعات اقتصادية تعين الدولة علي النهوض نحو التقدم والاستقرار. المرحلة الرابعة: استراتيجية تثبيت الدولة: وفيها لا بد للدولة من أن تتنبه من عودة حروب الجيل الرابع المتقدم، وفيه يصبح الإرهاب المعولم منتشراً من خلال حرب هجينة بين الدولة والجماعات المسلحة، وهنا لا بد للدولة من التصدي لتلك الحرب من خلال القيام بعمليات شاملة ضد الإرهاب الذي يسعي إلي زعزعة الاستقرار وعدم الاستقرار، وهذه الرؤية أعرضها في هذا المقال علي النحو التالي.

أولا: المرحلة الأولي: استراتيجية التوعية بخطورة حروب الجيل الرابع:

ذكرنا من قبل من خلال حديثنا عن حرب اللاعنف عند جين شارب، أن هناك ثلاثة أنواع من التكتيكات: أولها في الشعار، ويعد من أهم وأبرز التكتيكات التقليدية المستخدمة في المظاهرات والاعتصامات، ويلعب دوراً رئيسياً وحاسماً في التظاهر. ويمثل المضمون السياسي للشعار أحد أهم مكوناته، والذي يجب أن يلخص في كلمات قليلة حالة عامة شاملة، ومن ذلك الشعار الذي تناقلته القوي الثورية في الدول العربية "الشعب يريد إسقاط النظام

ويتمثل التكتيك الثاني في المكان، وهو من أهم الأساليب المستحدثة في المظاهرات والاعتصامات التي شهدتها بعض الدول العربية أخيراً، حيث مثل التجمع في الميادين العامة سمة مشتركة بينها، مثل ميدان التحرير في القاهرة، والساحة الخضراء في ليبيا، وميدان التحرير بالعاصمة صنعاء في اليمن، وميدان اللؤلؤة في البحرين. وهذه الميادين عادة ما تكون لها رمزيتها التاريخية في مجتمعاتها، فضلاً عن اتسامها باتساع رقعتها الجغرافية، بما يسمح باستيعاب العديد من المتظاهرين، فضلاً عن سهولة وصول وسائل الإعلام إليها.

ويتعلق التكتيك الثالث بالتنظيم والحشد والتعبئة، حيث لم تكن المظاهرات والاعتصامات التي شهدتها الدول العربية في 2011 عفوية، وإنما اتسمت بالحشد والتعبئة والتنظيم، عبر الاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تبادلت فيما بينها ما تمت تسميته بـ "كتالوج" أو "إرشادات" التظاهر، مع سرعة انتقاله من مكان إلى آخر دون إمكانية احتجازه في حدود الأنظمة، مهما بلغت درجة الرقابة فيها.

كما أوضحنا الطرق التي وضعها الغربيون وعلي رأسها الولايات المتحدة في اختراق الدولة، حيث بينا أن هناك ثلاثة أسباب تجعل الدولة قابلة للاختراق: الضعف الاقتصادي، والعجز العسكري، وافتقاد التماسك الاجتماعي، والحاجة إلي الاستعانة بالخارج، علاوة على أن هناك عاملاً مهما وهو "هشاشة النظام السياسي" الذي يجعل الدولة تطلب تأييداً خارجياً يحميها من انتقادات المنظمات الحقوقية الدولية ومحاسباتها وربما من الثورات والانتفاضات الداخلية، أو يعينها علي توريث السلطة لمن يشاء الحاكم.

كما ذكرنا بأن هناك أدوات تساعد علي هذا الاختراق، منها " التسميم السياسي"، الذي يهدف إلي محاولة زرع أفكار معينة، أو قيم دخيلة من خلال الكذب والخديعة، ثم العمل على تضخيم هذه القيم تدريجياً، لتصبح قيماً عليا في المجتمع المستهدف. وعملية التسميم السياسي، بهذا المعنى، مرحلة من مراحل المعركة مع الخصم أو مقدمة لمعركة قادمة، وهي تستهدف تبديل القيم أو التحلل من قيم معينة بشكل تدريجي وغير مباشر. والأخطر من كل هذا أن التسميم " لا يمارسه العدو مباشرة، وإنما يتم استعمال نخب فكرية وثقافية وفئات مختارة لتُنقل لها – في مرحلة أولى -الأفكار الدخيلة، ثم تُترك هذه النخب والفئات – في مرحلة ثانية-لتنقل تلك الأفكار إلى الجماهير من خلال أدوات الدعاية والإعلام المختلفة" .

ولقد نجحت الولايات المتحدة بمعاونة حلفائها الإقليميين: قطر، وتركيا، وإيران، من تصدير فكرة "الربيع العربي" الذي أحدث ثورة على الحكام العرب في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ما بين 2010 و2012، وهذا الربيع كان مستمداً من فكرة "الثورات الملونة" التي حدثت في أوربا حين تم استخدام تكتيكات جين شارب في حرب اللاعنف القائمة علي فكرة الدكتاتورية؛ حيث يمكن وصف أي نظام يمكن إسقاطه في دولة ما بأنه نظام دكتاتوري، من خلال شعوبها؛ حيث تقوم بعض منظمات المجتمع المدني الممولة من الخارج ومعها سلسلة من الطابور الخامس ليلاً ونهاراً عن طريق الإعلام الممول التصدير للشعب الموجود في الدولة المستهدفة، إبراز فكرة أن هذا النظام ديكتاتوري، وفكرة الدكتاتورية هنا هي نوع من صناعة الوهم الذي يمكن استشفافها من واقع الفساد الذي كانت تعيشه الدولة المستهدفة (، وهذا الواقع لا تخلو منه أي دولة.

وإذا ما تم الكشف عن حقيقة ذلك، يمكن بالتالي (في نظر المنظرين لحروب الجيل الرابع) دعوة الجماهيـر عـن طريـق قنـوات إعلامية وكـوادر إعلامية شبابية تم إعدادها في مراكز أعدت لهـذا الغـرض مثـل "فريـدم هـاوس" وغيرها، بالإضافة إلـى إعـداد كـوادر سياسـية عاشـت لسـنوات فـي حضـن الولايات المتحدة وســبق أن ســاهمت فــي التآمــر علــى الدولة التي احتضنتها وتربت فيها، وهؤلاء انطلقوا في تحقيق ذلك من خلال فكرة مظلومية الشعب وحقه في العيش بكرامة، ليصلوا به إلى نتيجة "عبقرية"، وهـي أن المشـكلة الرئيسـية للدولة المستهدفة، تكمـن فـي الفسـاد، والاستبداد، وغيـاب الديمقراطيـة أساسـاً، وليـس الاحتلال والتبعيـة.

ولقد نجحت الولايات المتحدة وحلفاؤها في تنفيذ المخطط في كثير من دول أوربا الشرقية، مثل أوكرانيا، وجورجيا، وقيرقيزستان، وفي منطقة الشرق الأوسط نجحت في مصر من خلال ثورة الياسمين التي أسقطت نظام "زين العابدين بن علي"، وثورة 25 يناير التي أسقطت "نظام حسني مبارك"، وثورة 17 فبراير في ليبيا التي أسقطت نظام "معمر القذافي"، وثورة اليمن التي أسقطت نظام "علي عبد الله صالح" .

والسؤال الآن: ما الهدف من إسقاط الأنظمة من خلال حروب اللاعنف؟

والإجابة هو أن تقع تلك الشعوب التي سقطت أنظمتها السياسية بفضل أبنائها في حبائل " مصيدة المرحلة الانتقالية"؛ والدليل علي صدق هذا القول هو "حينما تفجرت الثورات العنيفة، بشكل متتابع، في تونس، ومصر، وليبيا، واليمن، ثم سوريا، على الساحة العربية، كان الهدف الرئيسي لها، أيا كانت الشعارات التي حملتها، هو إسقاط النظم الاستبدادية التي حكمت تلك الدول طويلاً كما قيل "، وبأساليب مختلفة، تم التمكن بالفعل من إسقاط أربعة من تلك النظم، لتدخل الدول بعدها مراحل جديدة، تم الاعتياد على وصفها بـ "الانتقالية"، التي يفترض أن تشهد الترتيبات الخاصة بإقامة النظم الجديدة، على أسس مختلفة، تحقق أهداف تلك الثورات في "جمهوريات أفضل".

لكن ما حدث هو أن المخاوف النظرية، التي تشير- من واقع خبرات سابقة- إلى أن الانتقال إلى نظم ديمقراطية حقيقية ليس سهلاً، وأن أشباح عودة الاستبداد، أو انتشار الفوضى، تمثل احتمالات قائمة، قد تصاعدت مع الوقت، وأصبحت هناك أسئلة مقلقة بشأن المستقبل.

إن التاريخ سوف يسير في النهاية في الطريق الذي دفعت الشعوب ثمناً باهظاً له، لكن يبدو أن المسيرة تتعثر بدرجات تتفاوت من دولة إلى أخرى؛ فقد " تحولت المراحل الانتقالية في عدة حالات إلى ما يشبه "مصيدة"، يبدو الخروج منها، بدون آلام إضافية، وفي وقت ملائم، في اتجاه الانتقال من الثورة إلى "الدولة" التي تشهد بناء نظم سياسية ديمقراطية "مدنية"، متعذراً، إلى حد كبير، في ظل تداخل غير منضبط بين مستويات مختلفة من الصراعات، بين عناصر النظم القديمة والجديدة، وعناصر الثوار المدنية والدينية، وارتباك أداء السلطات الانتقالية، مدنية أو عسكرية، في ظل مصاعب سياسية واقتصادية وأمنية، تضغط على الجميع، وتؤثر في هياكل الدول، بحيث ظهر سؤال حول "مستقبل الدولة" ذاتها، كما هو مطروح في حالتي ليبيا واليمن.

يضاف إلى كل ذلك مشكلات لا تنتهي، تأتي من كل اتجاه، على نحو يمكن مشاهدته بالعين المجردة، بدرجات متفاوتة، في الدول العربية، على غرار ما يلي:

1- تثار في المرحلة الانتقالية احتياجات ومطالب فئوية وعامة لا نهائية، وفي الوقت نفسه تواجه الدول حالة من تقلص الموارد، الأمر الذي يجعلها عاجزة عن تلبيتها. فقد نتج عن الثورات ثورة هائلة من التطلعات، لكن حقائق الواقع قد تحولها لثورة من الإحباطات، نتيجة عجز الموارد عن الوفاء بهذه المتطلبات

2- تؤدي التعارضات الخاصة ببناء النظام الجديد، بكل مؤسساته التشريعية، والتنفيذية، والقضائية والأمنية، في الحالات التي تنهار فيها تلك المؤسسات بشكل شبه كامل، إلى الحاجة لوقت طويل، في ظل توقيت حرج، فيحدث نوع من الاستقطاب الشديد في المجتمع، والارتباك من جانب الإدارة الانتقالية، التي قد تفتقد الإمكانات والرؤية في اختيار السياسات المناسبة، والقادة المؤهلين لقيادة المرحلة الانتقالية، وهذا ما يضاعف من حجم الأعباء الملقاة على عاتقهم.

3- كثيراً ما تجابه المراحل الانتقالية بتحد خطير؛ حيث يوجد قطاع كبير من الثوار يرفض بالأساس فكرة الخضوع لأي سلطة، مثلما حدث في ليبيا، حيث تم الامتناع عن الاستجابة لنداءات السلطة بتسليم أسلحتهم، فضلاً عن تكرار حدوث مصادمات بين بعض الميليشيات، وهو الأمر الذي قد يؤدي لانزلاق البلاد إلى حرب أهلية.

4-هناك تحديات أخرى تكمن في طبيعة العلاقة بين الثورة والتحول الديمقراطي، أي العلاقة بين الشرعية الثورية، والشرعية الديمقراطية. فهناك من ينظر إلى الثورة باعتبارها غاية، ومن ثم يعتقد أن الثورة دائمة، بمعني ألا يكون للثورة حدود، فتسقط النظام ثم تسقط الدولة، ثم تؤسس على أنقاضها دولة الثورة، التي تدعي تطهير نفسها من النظام القديم والبشر القدامى، بحيث لا يعرف أحد أين يتم التوقف.

5-تحديات أخرى تتمثل في السلبيات المزمنة التي تخلفها النظم السابقة في كل مؤسسات الدولة الحيوية، سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً، وإدارياً، على نحو تتحول معه إلى عقبات هيكلية أمام الثورة، الأمر الذي يثير فكرة العجز الانتقالي عن مواجهتها، خاصة في الجهاز البيروقراطي، الذي يناهض التغيير من ناحية، ويفتقد روح الإنجاز والفاعلية من ناحية أخرى، وقد يفرز نفس نوعية المحسوبيات والفساد، وقد يدفع في اتجاه ما يسمي "الثورة المضادة

6- وكذلك، فإن العلاقات الدولية والإقليمية تمثل مشكلة حادة تثير أزمات طوال الوقت، من زاوية عدم وجود اتفاق على الطريقة التي تتم إدارتها بها، والتخبط أحياناً، عندما تتم مواجهة مشكلة. بالإضافة إلى أن التدخلات الدولية والإقليمية داخل دول الثورات تتصاعد إلى مستويات شرسة في فترات ما بعد الثورات، بحيث قد تربك المعادلات الداخلية.

وهكذا، فإن المشكلة واضحة. فمراحل ما بعد الثورات، تأتي بمطالب شعبية ملحة، تستدعي إجراء تغييرات جذرية، في توزيع القوة والثروة داخل المجتمع. ولكن تحقيق مثل هذا التغيير الشامل يواجه بعقبات متعددة، فالمؤسسات بطبيعتها مقاومة للتغيير، والطبيعة المعقدة للمشاكل التي تواجهها النظم في مراحل التحول تفتح الباب دائماً أمام الدعوات للتمهل والتدرج في تنفيذ التغييرات المطلوبة.

كما أنه كثيراً ما يكون هناك تضارب بين المطالب العاجلة للفئات المجتمعية المختلفة، واختلاف بين القوى السياسية حول شكل النظام الجديد، بل والإجراءات التي يتطلبها، كما "أن القوى السياسية والاجتماعية التي كانت الأكثر تنظيما على الأرض، عند اندلاع الثورات، غالبا ما يكون لها دور كبير في توجيه مسارات في فترات ما بعد الثورات لتحقق أكبر قدر من المكاسب".

وتلعب طريقة إدارة المرحلة الانتقالية والقوى المتحكمة فيها دوراً محورياً في تحديد نجاح أو فشل الثورات في تحقيق أهدافها. فقد يؤدي غياب الرؤية الواضحة والمتفق عليها إلى التخبط والفشل، كما قد تنجح قوة سياسية أو مجتمعية، أو تحالف بين عدد منها، في تحويل مسار المرحلة الانتقالية إلى ما يخدم مصالحها، معيقة بذلك حدوث تغييرات جذرية أو ثورية.

إن كل ما سبق يمثل إشكالاً لما يعرف بمصيدة المرحلة الانتقالية، والتي "تتسبب في امتداد مرحلة التحول بشكل يقوض فعلياً من فرص تحقيق التغيير الثوري المنشود، بل من الزخم الثوري نفسه، ولو إلى حين. فالمجتمعات تفقد الثقة في فعالية الثورة كأداة للتغيير، كلما طالت المدة بين الفعل الثوري، وتحقيق مكاسب ملموسة على الأرض".

من كل ما سبق يتضح لنا أن الولايات المتحدة وأعوانها حين أرادوا شن حروب الجيل الرابع من خلال استخدام تكتيكات حرب اللاعنف كانوا يريدون:

أولاً: قتل المسار السياسي الذى تتحرك فيه الدولة المستهدفة ؛ بحيث تعود إلى الفوضى أطول مدى زمنى ممكن.

ثانياً: إشاعة حالة دائمة من الفوضى المجتمعية عن طريق إنهاك المجتمع واستنزاف الدولة فى معارك داخلية حول قضايا قد تكون بعضها عادلة ولكنها تقدم في إطار من تحدى الدولة وتعميق الخلافات فى المجتمع، لنصبح جميعاً في حالة اقتتال داخلي ولا نلتفت لكوارث أخلاقية واقتصادية واجتماعية وسكانية أخرى تعيشها الدولة المستهدفة وستدمرها على المدى البعيد.

ثالثاً: إشاعة جو من الحرب النفسية والإعلامية لترويج أفكار ومعتقدات تقسم المجتمع أكثر.

المستهدفون من هذه الاستراتيجيات ثلاثة:

أولاً: المجتمع حتى ينقسم على نفسه على نحو يجعله يرى بين أبنائه من هم عدوه، وهذا ما حدث بين فتح وحماس، وحدث بين السنة، والشيعة، والمسيحيين فى لبنان والعراق وسوريا، وبين القبائل في الصومال وليبيا وهكذا، إذن هي محاولة لأن تتحول الدولة المستهدفة في حالة اقتتال داخلي وإضعاف ذاتي وانقسام مجتمعي، بحيث لا تستطيع أن تفكر فى الدخول في معارك داخلية ضد الجهل، والفقر، والمرض، والظلم، والعدد، أو معارك خارجية لضبط موازين القوى فى المنطقة.

المستهدف الثاني هو الجيوش العربية وبالذات الجيش المصري الذى يريدون له أن يلقى نفس مصير جيوش أخرى في المنطقة خرجت من معادلة القوة الشاملة العربية لأسباب مختلفة: مثل الاحتلال الأجنبي في الحالة العراقية، لكن هذا كان مكلفاً جداً للولايات المتحدة والغرب، إذن الأفضل هو الانقسام الداخلي والتحول إلى ميليشيات تشارك فى الاحتراب الأهلي في الصومال والسودان وسوريا وليبيا.

المستهدف الثالث هو بنية الدولة في المنطقة العربية كلها بأن تتحول إلى دويلات لا تزيد حجماً على إسرائيل.. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5223 المصادف: 2020-12-23 02:31:35


Share on Myspace