 قضايا

الوطن العربي وتحديات المستقبل

قاسم المحبشيأمس في معهد البحوث والدراسات العربية التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة  والعلوم (الكسو) بجامعة الدول العربية. ربما كانت المرة الأولى استمع بها إلى محاضرة رجل سياسي دبلوماسي مصري عربي مثقف. في الجلسة الافتتاحية افتتح الندوة العلمية الأستاذ الدكتور محمد مصطفى كمال مدير المعهد بكلمة ترحيبة أشار فيها إلى أهمية الندوة وحيويتها الراهنة ثم تكلم ألاستاذ الدكتور، محمد ولد أعمر المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عبر تطبيق Zoom

أوضح فيها الأهمية الاستثنائية لتلك الندوة العلمية في بيت العرب الأثير

المعني بالبحث في قضايا العالم العربي الراهنة والمستقبلية مشددا على أهمية الحفاظ على اللغة العربية الرابط القومية الثقافية للأمة العربية. بعد ذلك جاءت محاضرة معالي الأستاذ أحمد أبو الغيط ألأمين  العام لجامعة الدول العربية بعنوان (الوطن العربى والتحولات الكبرى في العالم)

إذ بسط الصورة العامة لمستقبل القوة في العالم بسلاسلة ووضوح وعمق فكري أثار دهشة الجميع إذ جمع بين خبرة الدبلوماسي المخضرم ورؤية المفكر الاستراتيجي العارف وأفق المثقف الذي يعرف عن ماذا يتحدث. إذ أكد أن العالم مقدم على شكل جديد من العلاقات بين القوى الكبرى، وأن الصعود المتسارع في قوة الصين قد يُدخل العالم في حرب باردة لن تكون بالضرورة على نفس نمط الحرب الباردة التي شهدها العالم بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، موضحا أن ذلك بسبب الاعتماد المتبادل الكبير بين القوتين العظميين وحجم التجارة المشتركة، والمصالح الكبيرة لدى كل طرف، التي قد تتهدد إذا ما انخرطا في صراعٍ مباشر وشدد على أن الدول العربية قد تجد لديها هامشًا أكبر للمناورة في ظل وجود قوتين متنافستين على قمة الهرم الدولي، غير أن أوضاع هذا التنافس ستضع أيضًا قيودًا على الحركة حيث تسعى كل قوة عُظمى إلى استقطاب الحلفاء وأن العرب عليهم الاستعداد لمواجهة أوضاع دولية سوف تشهد سيولة وسرعة في إيقاع التغيير، وبحيث يكون من الصعوبة استشراف اتجاهات المستقبل، مؤكدًا أن أجواء التنافس بين الصين وأمريكا قد يجري إدارتها وضبط إيقاعها حتى لا يحدث تصعيد، ولكن احتمالات الخطأ في الحساب -كما يخبرنا التاريخ- واردة في مثل هذه الأوضاع القابلة للاشتعال. وأوضح الأمين العام أن المنطقة العربية عانت كثيرًا خلال السنوات العشر الماضية، وأنها تحتاج إلى استعادة مكانتها وقدراتها، مؤكدًا أن المنطقة في حاجة إلى إحياء اقتصادي شامل، وأن هناك تفاوتًا في أداء الدول العربية والمطلوب هو تحقيق قدر من التكامل الاقتصادي يبدأ بإلغاء التعريفات الجمركية، وهو أمرٌ يُمكن التوصل إليه قريبًا. وغير ذلك من القضايا التي تناولتها في محاضرته الضافية التي اختتمها بالتشديد على أهمية تطوير جامعة الدول العربية بوصفها المؤسسة العربية الوحيدة التي بقيت للعرب اليوم.ثم فتح باب الأسئلة والنقاش العقلاني فيما تفضل به معالي الأمين العام فاغتنمت الفرصة وسألته بشأن ممكنات العرب الأن في مواجهة تحدي التحول إلى التعليم الالكتروني والتعليم عند بُعد؟! فكان رده واقعيا جدا إذ أشار إلى أن عدد من البلدان العربية اليوم لازالت تعيش في الظلام لعدم وجود الطاقة الكهربائية الكافية وهذا يجعل من تحدي التعليم الالكتروني أمر  بالغ الصعوبة.

بعدها استمعنا إلى كلمة الأستاذ الدكتور  صلاح فضل رئيس مجمع اللغة العربية الذي حدثنا عن تاريخ مجتمع اللغة العربية منذ بدايته الأولى في مصر وسوريا والعراق حتى تم جمعه في بيت العرب الأكاديمي معهد البحوث والدراسات العربية.

في الجلسة الأولى للندوة بعنوان (تحديات وأفاق الاعلام والهوية) كنت مدعو إلى القاء مداخلتي بجانب الاستاذ الدكتور محمود علم الدين أستاذ الصحافة بكلية الاعلام جامعة القاهرة ومعهد البحوث والدراسات العربية الذي تحدث عن تحدي الإعلام الجديد ونتائجه الاجتماعية ومخاطرة على الأجيال الشابة إذا ترك على عواهنه. أما ورقتي المعنية بمقاربة وضع العلوم الإنسانية والاجتماعية العربية والتحديات المستقبلية فقد اشرت فيها إلى سؤال المستقبل وتحدياته سؤال بالغ الحيوية والأهمية في لحظتنا الراهنة ، لحظة إضراب العالم كله بجائحة فيروس كورونا كوفيد19 لم يسبق أن ظهرت البشرية بتلك الهشاشة، الضياع، العماء، وانعدام اليقين، مثلما حدث في أثناء المواجهة المستمرة منذ ما يقرب السنة مع جائحة كورونا، حيث ساهمت العولمة التي جعلت الكوكب متصلًا كقرية صغيرة، في إبراز تلك الهشاشة، ومشاهدة التخبّط العالمي في القرارات والإجراءات على أوسع نطاق. فماذا بوسع العلوم الإنسانية والاجتماعية العربية فعله في مواجهة ذلك التحدي الوجودي؟ ذلك هو ما سوف نحاول مقاربته في ورقتنا إذ يتجلى الخوف من الفيروس في كونه أولًا عدوًا لا مرئي، قد يوجد في أي مكان وعلى أي سطح، وانعدام الرؤية يعني العماء والظلام الكالح، والسير في ظلام كالح ما زال يستدعي أعمق المخاوف البشرية، ولا سيما أنه لا يوجد آخر لمساعدتك، بل إن الآخر هو ذاته جزء من المشكلة التي قد تنتهي بموتك. ويتجلى ثانيًا في أنه عدو مجهول لا دواء له، ولا شيء يضمن الشفاء منه، إذ إنه قَتلَ من الرياضيين والأصحّاء مثلما قتل من المرضى والمدخنين، وقتل من الكبار والصغار. وجهلُنا بمدى مقاومة جسمنا له لا يفعل سوى تأجيج تلك المخاوف العميقة. في لحظتنا الراهنة يواجه العالم العربي جملة واسعة ومتشابكة من التحديات بنِسَب ومستويات مختلفة تحديات محلية خاصة بكل قطر على حدة وتحديات إقليمية تتصل بالوجود العربي بكليته وتحديات عالمية تواجه الوجود الإنساني في كوكب الأرض برمته. وقد سعدت بالملاحظات النقدية الأريبة من الاستاذة الأفاضل الذين ابدوا اهتمامه الكريم بما قلته بشأن تحديات العلوم الاجتماعية والإنسانية العربية ومنهم؛ الاستاذ الدكتورمحمدصفي الدين خربوش أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة

القاهرة ومعهد البحوث والدراسات العربية وألاستاذ الدكتور أحمدزايد أستاذ علم الاجتماع غير المتفرغ بكلية الداب جامعة القاهرة ومعهد البحوث والدراسات العربية والأستاذ محمد عبدالباري القدسي والآنسة هبه شريف.

وفِي الجلسة الثانية بعنوان (تحديات وأفاق السياسة والاجتماع والاقتصاد) استمعنا إلى مداخلات علمية بالغة الأهمية من الاستاتذة؛ الاستاذ الدكتور محمدصفي الدين خربوش وألاستاذ الدكتور أحمدزايد والدكتور محمد شقورة مسؤول ملف التنمية بقطاع فلسطين وا ألراضي العربية المحتل بجامعة الدول العربية. وكان ختامها مسك بكلمة معالي السيد، محمد العرابى وزير الخارجية المصرية ألاسبق عن تحديات وأفاق العمل العربى المشترك. كان يوما حافلا من الصباح حتى المساء وكانت ندوة ثرية بما زخت به من مداخلات ونقاشات مهمة جدا عن المستقبل وتحدياته.  إذ إن استشراف المستقبل والبحث فيه لم يعد اليوم من باب الرجم بالغيب أو التنجيم أو التنبؤ أو التخمين و الظن و الشطح الصوفي، بل غدا اليوم ضرورة حيوية وجودية وإستراتيجية للبقاء والعيش في عالم تعصف به الأحداث و المتغيرات بخطى سريعة الايقاع) فلا مستقبل لمن فقد موقده و ضيع بوصلة اتجاهه (ويرى توفلر أن الأمم التي تجعل ماضيها هو مستقبلها تشبه ذلك الذي راح يبحث عن روح أجداده في رفات الرماد، فأيهما يحكم الآخر عندنا الماضي أم المستقبل ؟! وبدون تحرير المستقبل من الماضي لا يمكن لنا أن نتقدم خطوة واحدة إلى الأمام بينما نتراجع خطوات كثيرة إلى الخلف، لقد أصبحنا اليوم نهرب إلى الماضي ونقرأ فيه مستقبلنا، فأضعنا الحاضر والماضي والمستقبل ولفظنا التاريخ في زوايا الهامش المنسي.

 

ا. د. قاسم المحبشي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5228 المصادف: 2020-12-28 04:31:20


Share on Myspace