 قضايا

الطفولة واللسان والفطرة

نبيل عبدالامير الربيعينشرت جريدة الزوراء البغدادية في عددها ليوم 30 كانون الثاني 2019 عن الطفل الصيني ذات الـ 23 يوماً يتكلم ويصدم الجميع… فماذا قال؟

"يبدأ الرضيع العادي النطق عندما يبلغ العام تقريبا، لكن رضيعا حديث الولادة في الصين نسف هذه القاعدة المسلم بها، بعدما صدم أمه وممرضاته بلفظه على ما يبدو كلمة «ماما»، في عمر 23 يوما فقط.

ورغم اعتراف الأم أن رضيعها لفظ بالكلمة دون قصد على الأغلب، فإنها شعرت وعائلتها بالإعجاب الممزوج بالذهول عند سماعها، حسبما نقلت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية. ونطق الطفل «لأول مرة» في مركز لرعاية ما بعد الولادة، في مدينة تشانغتشون بمقاطعة جيلين شمالي الصين، في 20 كانون الثاني الجاري. وتم تصوير المشهد في لقطة فيديو وثقتها والدة الرضيع، وشاركتها عبر وسائل التواصل، وفي الثانية العاشرة من المقطع، يظهر الرضيع وهو نائم على طاولة بينما تدلك ممرضة ظهره بلطف. وفجأة، يسمع المولود الجديد يقول  aiya، فعلقت أمه بلهفة: «هذا الطفل مضحك جدا». لكن بعد ثوان ينطق الرضيع فجأة «ماما»، تاركا والدته وطاقمه الطبي في حالة ذهول. وقالت والدة الرضيع لمحطة تلفزيونية إن ابنها أنهى درسا في السباحة في ذلك اليوم، وإنها لم تطعمه سوى القليل من الحليب قبل التمرين لمنعه من التقيؤ، لذلك ربما يكون الجوع سببا وراء تلفظه بأصوات غير عادية. ويمكن للرضع التفوه بكلماتهم الأولى ما بين عمر 12 إلى 18 شهرا، وحينها تبلغ المفردات من 10 إلى 20 كلمة. وتعليقا على مقطع الفيديو، قال طبيب من مستشفى «تشانغتشون» للأطفال، إن الرضيع أصدر صوتا بكلمة ماما دون قصد".(1)

والسؤال هنا هل طفحت اللغة الصينية على لسان الوليد حين تلامس الروح العقل في مكمنه الخفي الأول. وحدث أن "نشرت جريدة الزوراء البغدادية عام 1996 عن طفل عراقي بدا لأهله مشاكساً وغريب الأطوار حينما بدا شغفاً برطانة وتكرار الكلمات بمهمة لا يفهمها أحد، وما أثار حفيظتهم أن الأمر تصاعد إلى أن يكون حواراً ذاتياً بين سائل ومجيب، حينما غاب المحاور، ممّا حدا بعائلة الطفل أن تعرضه على طبيب نفسي كونه يوحي بمسّ من الجنون أو الهلوسة.

وكانت مفاجأتهم كبيرة عند الطبيب، حينما أخبرهم بأن ما يتفوّه به الصبي هي لغة قائمة بذاتها، وليس هلوسة أو أصواتاً شاذة. واقترح عرضه على خبير ألسنة، علّه يجد عنده الإجابة الشافية. فتصاعدت المفاجأة أكثر حينما قال لهم الخبير اللغوي بأن ما يتكلمّه أبنهم لغة قديمة منقرضة، كأنها تبدو (أكدية) المخارج، والكلمات، بما يعني أن ابنهم يتكلم لغة انقرضت بما لا يقل عن ثلاثة آلاف عاماً خلت"(2).

يعتقد علماء اللسانيات أن لسان الطفل حينما تلامس الروح العقل في مكمنه الخفي الأول هنا قد انطلقت وطغت اللغة الأكدية على لسانه، وحدث أن انطلقت من عقالها وحبسها لتصدر صوتاً لسانياً من السليقة الطفولية، سرعان ما يختفي بعد أن يتطور الوعي لدى الطفل، ويأخذ عقله يتقولب مع إملاءات البيئة اللسانية المحيطة.

وهذا يفتح خيالنا إلى كم الجمود الإبداعي واللساني الذي يمكن أن يصيب الشعوب المقهورة، أو التي عانت من الضيم والطغيان كما العراقيون. وهذا أقرب للعقل والصواب، حيث أننا ما زلنا نجد أن حروفاً في اللغة هي مستوحاة من تكرار أصوات مصدرها الطبيعة أو الكائنات، كما هو الحال خرير الماء وتأوّه الإنسان من الألم وصدور كلمة (آخ) وغيرها.

وحسب ما أمسى به العالم الأمريكي (نعوم شومسكي) حيث قال (إنه أمر مستحيل أن يتعلم الطفل اللغة الأم بالتقليد، إنما بملكة موجودة في الدماغ تسمى Language Acquisition Device حين يكتمل نموها. وأثبتت الدراسات المفصّلة على اكتساب الأطفال اللغة يتبع جدولاً زمنياً تفصيلياً من حيث أن الطفل يبدأ بالتصويت، ثم بالمناغات (الملاغات) فالكلمة الواحدة، فتنغيم الجملة ما، ثم الكلمتين معاً، ثم بجمل تبدو غير صحيحة، وهذا بعد مروره بعدة مراحل تطورية. وخاصة تطور الدماغ والتوصل لقدرات تمثيل وترميز الدافع بأفكار مناسبة. وهذا كان أهم عوامل حدوث القفزة التي ميزتنا عن باقي الكائنات الحية، وهي القدرة على التخاطب الفعّال بواسطة الإيماءات والاشارات أو الأهم تمثيل الواقع بلغة محكية، ثم مكتوبة متطورة.

يذكر د. علي ثويني في كتابه (الألسنة العراقي) قائلاً: "فمنذ حوالي 300 ألف سنة بدأت اللغة بالكوّن باختراع الكلمات، وتطوّرت لتصبح كما هي عليه الآن خلال 150 ألف سنة. كانت أهمية اختراع الكلمات في التواصل تتمثل في ابتكار أصوات محددة معينة أوضح وأدقّ من الإيماءات، يتمّ تعليمها للصغار بسهولة. لقد سهّلت اللغة عملية نقل الأفكار المتزايدة التعقيد"(3).

لذلك فنحن الوحيدين من بين الكائنات الحيّة الذين نستطيع تمثيل غالبية الأحاسيس بواسطة رموز لغوية فكرية، وهي الكلمات. فتطورت كثيراً طرق وأساليب الترميز والتمثيل لدينا نتيجة نشوء اللغة المحكية، فبواسطة اللغة التي هي ترميز ثانٍ للرموز الحسية الخام (البصرية والصوتية وغيرها) تم تمثيل أو ترميز واردات الحواس المختلفة بلغة أو رموز واحدة، وأيضاً تمّ تمثيل أحاسيسنا وعواطفنا وأفكارنا بتلك اللغة.

فاختراع الكلمات وسّع حدود العقل والوعي وتطورت طريقة ربط الأفكار، هذا مما أدّى لنموّ الذكاء البشري بشكل كبير وسريع وغير مسبوق. فبواسطة اللغة المحكية بدأت القصص والروايات ومن ثم الأساطير بالشكل والتداول بين أفراد الجماعة.

لذلك عندما تشكلت اللغة المكتوبة وهي بداية التاريخ المكتوب تمّت قفزة أخرى سمحت بتناقل المعلومات والأفكار دون التواصل المباشر، وبذلك نشأ التاريخ نتيجة التواصل بين البشر الذي حدث نتيجة اللغة المكتوبة.

وقد نشأت اللغة المحكية من خلال الإشارات والإيماءات إلى لغة محكية ثم مكتوبة بدلالة إعطاء الأوامر وذكر الحوادث والقصص والروايات. وكان لنشوء الثقافة والحضارة نتيجة التوارث الاجتماعي للأفكار والمعلومات والتصرفات والتقنية بكافة اشكالها الدور الأساسي الذي جعل تفكيرنا مختلفاً عن باقي الكائنات بكافة اشكالها.

 

نبيل عبد الأمير الربيعي

...............................

المصادر

1- جريدة الزوراء البغدادية ليوم 30 كانون الثاني 2019.

2- د. علي ثويني. الالسنة العراقية.. أمالي الشجون في الذاتية الثقافية. دار ميزوبوتاميا. ط1. 2013. ص55.

3- نفس المصدر السابق. ص58.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5260 المصادف: 2021-01-29 01:44:30


Share on Myspace