 قضايا

ماذا يعني أن يمارس عالم الدين الموسيقى؟

عادل بن خليفة بالكحلةمقابلة مع السيد حسين علي الحسيني

مقدّمة: في السياق التشيعي اللبناني، نلاحظ أن عبّاس الموسوي، كوَّن الفرقة الموسيقية للمقاومة، ضِمْن مؤسّساتها الأُولى زمنا، وكان شراء آلاتها الموسيقيّة من ماله الخاص. وكان محمد حسين فضل الله، مُدَافعًا عن حق مرسال خليفة في تلحين آية من سورة يوسف، عكس علماء دين سنيين أدانوه.

فالموقف الفقهي الشيعي من الموسيقى (والممارسة الفنية عمومًا) إمّا محلّل، أو مرجئ للأمر إلى تقدير المكلّف، أو صامِت، على عكس الموقف السني الغالب الذي هو التحريم والشيطنة .

يقول المجتهد سيد علي الحسيني: «إن جميع الحناجر الإنشادية تُخرج أنغاما تنطبق على هذه الأجهزة (الإيقاعات) الإثنتي عشر. فهذه ليست محرمة، إذ أن الموسيقى ليست سوى هذه الأنغام والإيقاعات والأدوار. وعليه ليست محرّمة إلا إذا داخلها شيء محرَّم» . والعمل الفني لديه مرتبط بالاستقلال الذاتي لمبدعه، إذ «الفنان لوَحْدِهِ عالَمٌ» . ولذلك ينبغي أن لا تكون الرسالة الفنية –في نظره- نَمطيّة، فَجَّة الوعظ، بل يجب أن تَتَحمل الفرادة المنفتحة على الناس والحياة و«هموم الناس البسطاء» .

كان عالِم الدين، السيد حسين علي الحسيني، قد شغل كثيرًا من الناس، بعزفه على آلات موسيقيّة، بالأنترنت، فأيده ناسٌ واحتجَّ عليه الشق الإخباري مِن علماء الدين الشيعة. لقد التزم هذا الشق الصمت على السيد حسين علي الحسيني عندما كان يمارس الموسيقى في صمت دون إعلان للعموم(ويشاركه في ذلك عالما دين شيعيان لبنانيان إثنان بالأقل).

إنها لحظة  تاريخية أن يكون عالم الدين الشيعي فارابيا وسينويا معترفا بالموسيقى ممارسة مثلما اعترف بها نظريا. ومن العيب أن لا يكون عالم الدين داوديا تؤوب معه الجبال والطير. بل من العيب أن ينفصل الحقل الديني عن الحقل الفني وقد كانا حقلا واحدا منذ بداية الإنسان، قبل أن  بنفصلا في الغرب الحديث. فمن هذه الناحية تعتبر لحظة السيد حسين علي الحسيني انخراطا في التاريخانية الابستيمية الشيعية_السينوية.

فهل كان السيد حسين علي الحسيني، داخل السياق العرفاني-التشيعي التاريخي ام خارجه؟

نص المقابلة:

2181 علي الحسيني

1- هل كان للأب والأم ميول نحو الموسيقى؟ فيم تتمثل؟

- كلاهما يحبان الموسيقى، ولكن الأب كان ذوَّاقا وشديد التأثر بها.

2- هل كان من أقاربكم من مارس العزف على آلات موسيقيّة؟

- لا

3- هل كان بمدرستكم اهتمام بالموسيقى؟

- لا

4- ما هي ميولكم الموسيقيّة الأولى في الطّفولة؟

- تعلّمت أوّلا في فرقة موسيقيّة إسلاميّة على آلة الأُرْغُنْ، وحينما التفت أحد الأساتذة لتميّزي تعهّد بتدريسي على البيانو، فبقيت أتردّد إليه سَنَةً متعلّما السنفونياتِ ذاتَ الصّعوبة. ثم عزفت في الفرقة الموسيقيّة لكشّافة الإمام المهدي التّابعة للمقاومة، فعزفت على آلة الكلارينت، والكليرون، والسكسوفون.

والتحقت بمعهد موسيقي متعلم على آلة الكمان. وحينما صرت متمكّنا من كلّ الآلات المتقدّمة، تعلمت وحدي على العود والغيتار والنّاي. كلّ ذلك حصل من سن الرّابعة عشرة إلى العشرين.

5- ما هي المراجع الدّينيّة التي قرأتها لجعل توجّهكم نحو الموسيقى شرعيّا؟

- أكثر المراجع يجيزون الموسيقى غير اللهويّة كالسّنفونيات والموسيقى الهادئة والعسكريّة، وعلى رأسهم السيّد السيستاني والخامنئيّ.

6- هل وجدتم صدّا في العائلة، في القرية التي نشأتم فيها، في المدرسة الدّينيّة، عن ممارسة العزف والتّلحين؟ فيم يتمثّل؟

- بعض المشايخ كان لهم رأي معارض ولكنّه لم يستوقفني.

7- عندما دخلتم الحوزة، هل وجدتم بين زملائكم من لهم بينكم حلف ثقافي؟

- هناك من المشايخ من يحبّ الموسيقى بل يمارسها ولكن سرّا، ولا يتمكّن من البوح بها كما فعلت. لذلك من الواضح أن المؤسّسة الدّينيّة لا زالت لا تتقبّل مشهديّة عزف عالم دين للموسيقى وإن كان حلالا. وهذا يعود للصورة النّمطيّة التي أرادوها لعالم الدّين ليميّزوه عن عامّة النّاس. وهذا ما رفضته، لأنّي أرى أن عالِم الدّين ينبغي أن يكون رساليّا في كلّ شيء، وأن لا يتعامل مع النّاس بازدواجيّة، ولا يجعل لنفسه هالة قدسية تميّزه عن النّاس.

8- متى لحّنتم أوّل مرّة؟ لمن قدّمتم اللّحن؟

- لحّنت في سنّ المراهقة كثيرا، ولكن لم يخرج لحن للعلن إلاّ قصيدة واحدة كتبتها ولحّنتها باسم: «علّمني الموت حياة العزّ»، وهي موجودة على اليوتيوب، إلاّ أنّ مشاركتي كانت معظمها بكتابة الشّعر.

9- من لحّن أشعاركم؟

- فرقة الإسراء الإسلاميّة، وهي تابعة للمقاومة.

10- ما موقف قيادة المقاومة ومرجعكم الفقهي من عزف عالم الدّين؟

- قيادة المقاومة لم تتكلّم لا سلبا ولا إيجابا، وكذلك المرجعيّة.

11- ما موقع داود (النبي العازف) وجلال الدين الرومي (العازف) مِنْ مخيالكم الفنّي؟

- لم أتّخذهما قدوة، وزنما تصرفت بشكل فطريّ وإنسانيّة مطلقة، إذ رأيت أنّ الذي خلق أصوات الطّبيعة الغنّاء لا يكره صوت الموسيقى بأبعاده وتأثيراته على النّفس البشريّة. وهذا من بدهيات اليوم بعدما أصبح العلاج بالموسيقى أمرا علميّا لا ينكره إلاّ الغافل عن تطوّر حركة الإنسانيّة.

12- هل حاولتم تحسين علمكم الموسيقي؟ كيف؟

- أنا لم أحترف الموسيقى، ولم يكن ذلك هدفا لي، لأنّي كنت منكبّا بشكل كامل على دراستي الحوزويّة، ولكن كنت دائما أتمرّن على معزوفات جديدة.

13- هل تحضرون حفلات الرّحابنة ومهرجانات بعلبك؟

- لم يحصل ذلك، ولكن لا إشكال في حضور حفلاتهم الموسيقيّة.

14- هل تستعدون لمشروع طويل المدى في الإبداع الموسيقي؟

- لا، لأنّ هدفي من المشهديّة التي أبرزتُها هو إلقاء الضّوء على عالم الدّين باعتباره إنسانًا عاديًّا يحقّ له ممارسة هواياته، وإنسان راق رافض للبدواة وسالك سكّة التحضّر.

15- ماذا تعرف عن تراث الضّيعة الموسيقي؟

- لا أعلم.

16- هل هناك علماء دين في المشرق الإسلامي (غير العربي) ممارسون للموسيقى؟

- لا أعلم.

17- من هم الرّافضون بالضّبط لظهوركم وأنتم تعرفون؟ هل كانت مُرَادَّتُهُم أخلاقيّة؟

- ذكرتُ أنّهم بعض المشايخ أو الكثيرون منهم. والكثير منهم كانت مُرَادَّتُهُم مؤذية. ولكنّي لم أَعْبأ بكلّ تصرّفاتهم وأقوالهم، لأنّي مؤمن ومقتنع بما فعلت.

18- هل وجدتم حماية وتعاطفا من بعض زملائكم في هذا الإمتحان؟

- نعم، لدى القلّة فقط.

19- ما رأيكم في الإنتاج الموسيقي «الإسلامي»؟

- ضعيف جدّا، وينبغي وضع ميزانيّة لهذا الموضوع، خصوصا بعدما صدر من السيّد الخامئني كلمة واضحة الدّلالة مصوّرة، حيث قال: «قد تفعل الموسيقى ما لا يفعله الكتاب، وقد يفعل البُوسْتِر ما لا تفعله المقالة».

استنتاجات أوّليّة:

1- نلاحظ أن الحضور الموسيقي للسيد حسين علي الحسيني لا يتجاوز المرحلة الموسيقيّة الأولى في تنظير محيي الدين بن عربي لتطور الممارسة الموسيقيّة. فهو ضمن مرحلة «الموسيقى الطبيعية»، مُسْتجيبًا للحالة السّماعية الأولى (الإجابة عدد 11).

2- لم نجد لدى السيد حسين علي الحسيني هفوًّا للمرحلة الموسيقيّة الثانية في تنظير ابن عربي: مرحلة «السماع الروحاني»، حيث الإصرار الإبداعي بالالتزام الأنطولوجي الكادح. فلم نجده إلاّ مصرّا على المَشهديّة، أي «إلقاء الضوء على عالم الدين باعتباره إنسانًا عاديًّا»، وعلى الحقوق الأنَوِيَّة، إذ أن عالم الدين «يحق له ممارسة هواياته»، فلا يعنيه تراث «الضيعة» ولا أوضاع «الناس البسطاء»، فلا علاقة له بأنطولوجيا الفن عند ابن عربي والمجتهد سيّد علي الحسيني.

فهو عادة ما يكرّر إبداع الآخرين، مع ألحان ذاتية قليلة لا تحمل بحثا معمّقا في الموسيقى، ولا يحمل تموقعا ضمن أنطولوجيا الموسيقى الداودية وأنطولوجيا الفن لدى جلال الدين الرومي.

3- صَمت جل النسيج الحوزوي على ممارسة عالِم الدين فضل مْخدَّر التشكيليّة (وإن لم يتجاوز مرحلة الفن «الطبيعي» كثيرًا)، فلم يحْتَفِ به ذلك النسيج، إمّا لإخباريّةٍ متماهية بالموقف السّلفي-السني المرتاب من الفن، أو لتقيَّة مِن النسيج العُلَمَائي السني الذي قد يَصِمُ الحوزةَ بالبدعة الفنية (موسيقى، سينما، مسرح، رسم، نحت...)، فمحمد قُطب في منهج الفن الإسلامي يُقْصي الفنون من الحِلّية.

وإجمالاً مازالت الثقافة الحوزية ثقافة غير خلاّقة  غير متفهمة للممارسة الفنية، نظرا للأغلال غير الواعية للمدرسة الإخبارية المسيطرة عليها لاشعوريًّا. وقد كان صوت الموسيقىَ أعلى من صوت اللوحة، ولذلك كان الغضب على السيد حسين علي الحسيني عاليا، وكان الموقف من الممارسة التشكيلية للشيخ فضل مخدّر هو الصمت.

إنّ المدرسة التّشَيعية – التي انتمى إليها ابن سينا والفارابي، فأنتجَتْ لدَيْهما فلسفة موسيقى وفلسفة فن، ضروريّان لمدينتهما،- مازالت دون تلك الفلسفة اليوم، تنظيرًا حديثًا وممارَسَةً، رغم الإمكانيات الثورية الضخمة فيها.

 

د. عادل بن خليفة بالكَحْلَة

(باحث أنثروبولوجي، تونس)

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5262 المصادف: 2021-01-31 01:37:46


Share on Myspace