 قضايا

نقد خطابات النمذجة الاحيائية.. رؤية نقدية لمتبنيات التصوف العقلاني

علي المرهجلك أن تكتب في الإحيائية ومتبنياتك التجديدية أو الإصلاحية لنظام مُتأترث لم ينجح أصحابه في تقديم رؤية خلاصية (نهضوية) لمجتمعهم خارج الشعارات والخطابات الوعظية.

كتب د. جعفر نجم نصر عن التصوف العقلاني مدافعاً، فوجدته ينتقي ما يشاء من تراث التصوف العقلاني ويعده أنموذجاً أمثل للاقتداء، ولكنه سيبقى من عوالم المتمنى لديه، ولا خسارة في التمني، فبعض إنجازات الحياة تتحقق بفيض التمني.

ولكن هذا على مستوى فردي قد تتمكن من تحقيق المتمنى، كأن تحلم بالوصول للحصول على شهادة عُليا فتجد وتجتهد لتحقيق هذا المتمنى، ليتنتفي المسافة بين المثالي والواقعي في تحقيقك للمتمنى لتضعه بمصاف الواقعي.

لكن أن تحلم لمجتمع تدعوه لتبني تجربة فردية سواء أكانت فلسفية أو صوفية أو شعرية، لتجعل منها تجربة كونية، فهذا من قبيل التمني لنزول المطر في الصيف، وهو ليس من المستحيلات.

وإن رغبت في تمني المستحيل والعمل على إمكانية تحققه في شخصك، فقد يكون ذلك ممكناً، إن كنت قادراً على نقل مجتمعاً كاملاً ليعيش تجربتك في التحدي وكسر أطر المستحيل، فذلك أمر لا أمنك عنه، ولكنني أستغرب حينما تجعله ممكناً ومُتاحاً، وباستطاعتك أن تجعله كونياً!!.

مفكرون حالمون يُحاولون جعل الإسلام كونياً وفق رؤية صوفية عقلانية مستقاة من التجربة الروحية الإسلامية، وهؤلاء كُثر، ولا أبخس تجربتهم، ولكن من حقي نقدها، لأنها تقرأ الواقع بنظارة تعكس لهم المتمنى في توقعهم لرؤية عالم أمثل بوجود ما يُسمونه (إسلام كوني).

وقد نقبل نحن المسلمين بهكذا رأي على تفرقنا وخلافنا لا اختلافنا وتنوعنا، وقد نتغاضى عن نزوعنا للطائفية، وقد يكون المفكر فينا الذي يدعونا للإسلام الكوني يعتقد (إنسان كامل) من دينه ومعتقده، قد لا يوافقه عليه من هو من دينه ويختلف معه مذهبياً!.

بمعنى أننا نفكر برؤى نخبوية لا تحل مشكل الصراع بين الأديان، ولا حتى بين الطوائف.

الغريب العجيب المبهر المفارق، هو أنني وجدت بعض هؤلاء المثقفين، وقل المفكرين لا يتحمل بعضهم بعضا، بل ويُسخف بعضهم قول بعضاً، وهم يفكرون من داخل الدائرة أو الإطار الفكري الذين يرومون به تحقيق نهضة ليست عربية أو إسلامية فقط، بل إسلامية كونية!!، وتناسوا أن هناك مجتمعاً بالمليارات لا يعترف بهم، بل وهناك مفكرون عرفانيون أو صوفيون من أديان أخرى يعدون الإسلام مجرد فرقة هرطقية يهودية أو نصرانية، فعلام الدعوة لإسلام كوني لا يحل مشكلة في مجتمع أغلبيته مسلمة؟!، ويُعقد دعاة الاحيائية المشكلة في التقارب بين الأديان.

التجارب الصوفية ليست تجارباً احيائية، ولكنها بمُضمر الدعوات لها عند المُريدين تتلاقى مع هكذا تجارب.

إن قلت عنها أنها تجارب عقلانية، فذلكأمر قد يصح أو لا يصح، أو تجارب سلوكية لا يرتضيها دعاة (التثوف العقلاني).

سمها (فلسفة صوفية) عند أصحاب الرؤى العرفانية، ولك أن تقول أنها (تصوف فلسفي)، ولك أن تستبعد كل (التصوف الطُرقي) الذي قد يكون أكثر "أنسنة" من (التصوف النظري) وأنت تستبعده لأنه لا يتوافق وموجهاتك المعرفية التي هي بمضمرها (أيديولوجية) في النفي والاستحضار وتفضيل الاحياء لأنموذج في التصوف واستبعاد غيره.

أن تختار تجربة ابن عربي وتعدها تجربة أنسنية في العقلانية الصوفية، وفي اختيارك هذا استبعاد لتجربة الطُرقيين المتأثرين بتجربة مولانا (جلال الدين الرومي)، ولا أعرف المقياس للعقلانية هذه داخل أطر يغيب فيها العقل البرهاني، وإن حضر عند ابن عربي أو ابن سبعين أو عند ملا صدرا، فهو لصالح تغييب الوجود في الوجد والوجدان والإنوجاد.

اختر وحدة الوجود أو اختر الحلول أو اختر الفناء، فكلها طرق صوفية لتغييب العقل العلمي والفلسفي النقدي، ولا ألومك للهيام بها بوصفك صوفياً أو عرفانياً أو شاعراً، ولكن عليك أن لا تجعل من عقل يُفكر في الغيب ليغيب، لتقارنه بعقل يُفكر بالغيب ليحضر، أو عليك أن لا تُفكر بعقل توهمنا بأنه نقدي بقصد تغييب العقل العلمي والعقل الناقد.

يتحدث بعضهم عن الخيال، ليوهومونا بأن الخيال العلمي هو ذاته خيال الصوفية أو خيال الشعراء، لأقول أن الاشتراك في اللفظ لا يعني الاشتراك في الدلالة.

لا ينطلق الخيال العلمي من لا شيء، بل ينطلق وفق التوقع لأفق النظرية العلمية في الفيزياء أو البايلوجيا والفلك والرياضيات ومقتضيات البناء الفلسفي عليها، فهي لا تصدر من توهمات أشخاص، لأن ما يضبط الخيال العلمي أنه يصدر وفق توافق مع نظرية علمية ما، لا خيال تحكمه (شطحات صوفية) بتعبير عبدالرحمن بدوي.

لأن الشطحات الصوفية تدخل في مجال (الفنتازيا) وخلق عوالم مثالية لأناس حالمين تخترق أفق التوقع العلمي لتسيح في فيض العوالم السحرية.

قد يستفيد العالم من عوالم الأدباء الرواة والشعراء وحتى الصوفية والفلاسفة المثاليين والتأمليين، ولكن ما يُميز أصحاب الخيال العلمي عن أصحاب الخيال الصوفي أن أصحاب الخيال العلمي يبنون الخيال وفق (منطق المحاولة والخطأ) وفق قول باشلار أن تاريخ العلم تاريخ تصحيح أخطاء، بينما الصوفية والفلاسفة المثاليين ومن شابههم ينطلقون من الحدس الذي بنون عليه معارفهم بأنه اليقين الذي يتجاوز كل مصادر نظرية المعرفة التجريبية والعقلية على أنهم أدركوا اليقين الذي (لامجمجة فيه) بعبارة الفلاسفة المسلمين، أي الحق كله!.

هذا ما تنبه له باشلار  في كتاباته (الماء والأحلام ـ دراسة عن الخيال والمادة) و (شاعرية أحلام اليقظة) وبعض كتبه الأخرى هو الربط بين المعطى الأدبي والمعطى العلمي والافادة من هذا المعطى للكشف عن ممكنات للمعنى في الوجود فيما أسماه "الأمزجة المُتخيّلة" ومحاولته توظيفها بمايخدم منطلقات النظرية العلمية في الإبداع والابتكار.

 

ا. د. علي المرهج – أستاذ فلسفة

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5262 المصادف: 2021-01-31 01:51:21


Share on Myspace