 قضايا

التداوي بالتفلسف أم التداوي بالتصوف؟

جعفر نجم نصرفي الرد على المنتقدين.. (ردموضوعي.. ذاتي) على من انتقد مشروعنا (التصوف العقلاني).

وضع سعيد ناشيد الكاتب المغربي كتابا تحت عنوان (التداوي بالفلسفة) وهو كتاب ذو بنية معرفية جميلة لغة وتحليلا،ولكن عيبه الكبير انه يعتقد فيه ان حل كل مشاكل الانسان تتم عن طريق التفلسف او (العقل) وكأن كل الناس متفلسفة، وهذا الامر هيمن على الكثيرين.. ومن ثم اعلوا من شأن العقل حتى غدا الها عند بعضهم حاكما وناظما لديهم في التفكير والكتابة وحتى في نقد الاخرين بحجة ان عقلهم يوحي لهم ان هولاء الذين يدعون الى التصوف انما يغردون خارج السرب (العقلي).. .ومن ثم ينبغي التصدي لهم بحزم وبقوة!!!.

ولقد فاتهم ان للعقل انبثاقات وولادات خاصة ببيئته الثقافية بحسب المعنى الانثروبولوجي،وهذا ما سأمر عليه لاحقا.. ولكن الذي فاتهم هو وحدة الفكرين الديني والفلسفي،ولعل المفكر ابو يعرب المرزوقي كفانا موؤنة الرد في هذا الجانب،وهو الذي وصف غالبية النخب العربية التي تتكلم بأسم التنوير بأنها تنتسب الى الوضعية النسبية(الوضعية بمعناها التقليدي أصيلها ومحدثها)والوضعية العلمية الاطلاقية (الماركسية أصيلها ومحدثها).. والتي بفعل ذلك الأثر فصلت بين الواقعي والخيالي والفعلي والرمزي.. الخ.

ان اي مطلع على النزر اليسير من الانثروبولوجيا (علم الانسان) ليدرك ان العقل هو مركب ثقافي،مسوؤلة الجماعة عن صياغته وتشكيله بحسب تعاطيها مع الطبيعة،فهو مركب منجز ومصاغ بحسب المحددات الثقافية والاجتماعية،وهذا الامر سيكون مسوؤلا عن صياغة العلاقة بين(الفكر واللغة)، ومن ثم فأن اللغة تكون العاكسة لذلك النمط العقلي الذي يسود حينذاك .

ولهذا كان منطق القران الكريم واشاراته الكثيرة للحديث عن العقل انما تصطحب دائما الحديث عن (القلب).. وهذا الامر مرتبط بطبيعة بنية العقل العربي خصوصا،.. فاللغة هنا هي تعبير ادراك تال عن ادراك واقع قائم، ومع ذلك فهذا الادراك لايتم الا عبر اللغة وفي نطاقها واطارها.

ولقد عاب المفكر المغربي طه عبد الرحمن على الفلاسفة اليونانيين الاوائل عملية المفاضلة بين العقل والقلب،عبر جعلهم مفهوم العقل مستقلا عن مفهوم القلب،ولكن في العالم الاسلامي كان المتصوفة هم الذين جمعوا بين الامرين استنادا الى المعطى القراني.. ولهذا الامر مغزى جوهري وهو ان الغيب لايمكن التعاطي معه الا بهذين الجناحين : التبصر العقلي والبصيرة القلبية .

وهذا الامر يقودنا الى النسبية الثقافية التي تحدث عنها الانثروبولوجيون عندما قالوا ان الحقائق والقيم نسبية مشروطة ثقافيا او محددة بالثقافة، وهذا بخلاف المنتقدين الذين ينطلقون من احكام مسبقة

(غربية) المنزع،بل ان بعض الملاحظات النقدية الموجهة للتصوف العقلاني هي تعبير عن المركزية الغربية بل وتبني كامل لها لانها وضعت لهم معايير النظر والحكم والمفاضلة !!!!.

ان المنتقدين يركزون على الجانب العقلي وهو شأن ارتبط بعصر الحداثة ونحن الان نعيش تحت امطار عصر ما بعد الحداثة ان صح التعبير، وهذا العصر كف عن الاعتقاد بأن العلم هو الوجه الوحيد للحقيقة، ودعا الى اهمية عودة المخيال والاسطورة، وعمل على الغاء الازدواجيات التي يؤمن بها الذين مازالوا يتشبثون بالوضعية العقلية التي تعبر عن الفكر الغربي بعصره الاول، ولاتلتفت الى الثقافة الشرقية وخصوصيتها وكأنما العالم لديها نسخ كاربونية متشابهة او ينبغي ان تكون متشابهة!!!!.

وفي الحديث عن المخيال، نجد ان غاستون باشلار بخلاف ما قدم المنتقدون قد اشار في كتابه (الفكر العلمي الجديد)1934 لهذه الثورة المعرفية الممثلة بعودة المخيال والتخيل،ولم يربطها بالمخيال الادبي كما يزعم البعض!! بل ربطها مع تشكيلات معرفية متعددة، اذ كانت الفكرة المفتاحية لنسقه الفلسفي تقوم على فكرة اساسية هي :قبل الفكر تتألف الصورة بوصفها اللحظات الاولى لتشكل النفسية،بينما تتشكل المفاهيم في لحظة تالية، وبالطبع في تضاد معها.. الفكر والحس نفسه يسبقهما (الخيال) عنده، وهو الذي يملك القدرة على توليد الصور وتحريكها منتجا بذلك مخيالا.

وهذا الامر اتاح لهنري كوربان الفيلسوف المعروف للحديث عن المخيال الصوفي وحضوره.. وتقديم البراهين والادلة على وجوده.. بل والذي يدعم هذا الحضور اكثر اشارات الانثروبولوجي (موريس غودلييه) الذي تحدث في كتابه (المتخيل: المخيال والرمزي) عن ان المخيال الديني هو مجموعة صور تكون حاضرة ومهيمنة في حياة الناس استنادا الى مجالهم الثقافي الخاص!؟؟.

على صعيدا اخر للرد،متى نجحت المشاريع الفلسفية في العالم الاسلامي حتى يتم التقليل من شأن الحركات الاحيائية او الاصلاحية، وان كنت أومن بأن التصوف لاينطبق عليه هذا المصطلح او الكليشيهات الجاهزة!!.. لانه يمثل تدفقا ذوقيا يرتبط بأستمرارية التجارب الروحية الخاصة، والذي يتجلى بمدونات عرفانية او بأ شعار او بكتابات اصلاحية / أخلاقية..

ان الفلسفة دخلت بلاط الخلفاء والسلاطين تحت مظلة الطب بوصفه (حصان طروادة) الخاص بهم، وفشلت فشلا ذريعا في اقناع العالم الاسلامي بمقولاتها وهذا الامر انا احزن لاجله.. ولكن هذا الفشل يرتبط ببنية العالم الشرقي والاسلامي الثقافية التي يصر الناقدون على تجاهلها وكأنما نعيش في مدينة فلسفية متكاملة البنيان (نتفلسف) بها!!!.. ولعل مرد هذ الفشل ببعض اسبابه ان العالم الاسلامي لايتماهى الا مع الدين والمقدسات.. ولهذا لم ينجح ابن رشد في تمرير بعض اطروحاته الا لكونه فقهيا هل تدركون مغزى ذلك ايها المنتقدون على مستوى الفهم الانثروبولوجي لا التمنطق الفلسفي المجرد!!.

اما عملية الاستخفاف والضحك والتقليل من شأن الحركات الاصلاحية او الاحيائية التي ظهرت وكان لها اثر بالغ في العالم الاسلامي.. فهوامر مستنكر ومرفوض كليا.. بل هو امر عجيب!!؟.. فهل المشاريع الفلسفية نجحت.. اين مشروع حسن حنفي.. اين مشروع الجابري.. اين مشروع طرابيشي.. لماذا هذه الفذلكات اللغوية للتعمية على انصاف المتعلمين او البسطاء من الناس.. لماذا هذا التعالي والتكبر على جهود اصلاحية كبيرة.. الافغاني وعبده ومحمد اقبال وغيرهم الكثير..

اما قولكم انها تجارب فردية لايمكن ان تكون جماعية . .نعم من جهة خصوصية كل تجربة.. ولكن على مستوى ثمارها ونتائجها الامر مختلف.. انتم ايها المنتقدون الذين تحكمون بظاهر الامور وبرؤية مستعجلة.. فالننظر الى تجربة المتصوف / الفقيه ولي الله من دلهي (توفى 1762)وكيف صاغ مشروعا لاتباعه.. واين انتم من تجربة احمد السرهندي (المتوفي1707) الذي كتب وهو المتصوف.. نقدا لاذعا ضد ابن عربي، وانتج عقيدة صوفية جديدة على مستوى النظر والعمل.. واين انتم من تجربة الشيخ بوكار الحاج طال في دولة (مالي) الذي توفى في بدايات القرن العشرين.. والذي جراء سماحته الصوفية ومشروعه الاخلاقي التعددي اجاب عندما سأله احدهم :هل الله يحب الملحد؟ فكانت اجابة الشيخ: نعم.. واضاف ان ذلك على خلاف الفروق التي تستحوذ على من سماهم (المتعلقين بالظاهر) الذين يكذبون بالاله الواحد ثم يدعون الحديث بأسمه؟..

واين انتم من تجربة الاستاذ محمود محمد طه المفكر السوداني الذي تم اعدامه عام 1985جراء افكاره الصوفية / العرفانية التجديدية الخاصة بالشريعة وكون او شكل (الجمهوريين) وهم مجموعة صوفية خاصة ومتجددة فكريا وروحيا وكتبت عن الاستاذ طه كتابي (الاسلام الكوني والاسلام العربي/ محمود محمد طه والحل الصوفي للشريعة) الحل الصوفي للشريعة لا الفلسفي لان لايوجد من يجتهد في سبيل ذلك!!. الم يكونوا هولاء جميعا من اصحاب التجارب الفردية التي تحولت الى تشكيلت اصلاحية جماعية.. اما قولك هل يوجد اسلام كوني وتنتقد ذلك وليس لك بذلك من علم.. فاللاسلام الكوني الذي هو جزء من مشروعي مشتق من الاية المباركة (وما اارسنالك الا رحمة للعالمين) وهو دين عالمي كوني لامحل التفصيل هنا..

لماذا الحكم علي بأني ايديولوجي من قال لك؟!! التصوف والمعرفة الصوفية عصية ان تكون ايديولوجيا بحسب المنطق العقلاني الذي ادعوا له.. لماذا هذا الاتهام والحكم المتسرع المنافي للحقيقة استغرب ذلك ام هو لاجل جمع المؤيدين لكم بسرعة حتى يصطفوا حول راية العقل التي تدعوا لها!!والعجيب انا ادعو للعقلانية وهذا ما اردته بمشروعي الفكري.. هنا.. وانا الذي كتبت كتاب (اللاهوت المزيف) الذي بينت فيه بنحو دقيق وصارم وعلمي الفرق بين الاسلام الايديولوجي والاسلام المعرفي..

ولماذا تطالبني بأن اختار الحلول والاتحاد او الفناء.. وانا لم اذكرهما في ابدا في ما قدمته في الندوة.. بل واقول بعقلنة ذلك لان البعد المجازي والاستعاري (اللغوي الصوفي) خاص للغاية.. لماذا هذا الاستعداء وجلب الانصار الى جانبك عبر تقديمي بوصفي انسان جوال في عوالم غيبية / خيالية لاوجود لها!!، وانا مشروعي هو يقوم على (اصلاح التصوف) الذي تناسيته كليا واخذت ما تريد واضفت اليه احكامك الشخصية والذاتية.

اما قولك ان بعض المثقفين لايتحملون بعضهم بعضا وهي اشارة واضحة لي لاني رددت عليك بالندوة فأنت الذي لم يتحمل اللون الجديد الذي اقدمه بحلة نقدية /انثروبولوجية.. ودافعت عن افكاري وما مقالك الا تعبير عن انك من لاتتحمل وما ردودي الا لتوضيح ما شوهت من افكاري واطروحاتي بقراءة مجانبة للموضوعية.

وانا لم اسخف احدا كما زعمت والندوة موجودة لمن اراد الرجوع لوقائعها.... اما قولك (ولكن عليك ان لاتجعل من عقل من يفكر في الغيب ليغيب، لتقارنه بعقل يفكر بالغيب ليحضر) هذا تقديم لنفسك بوصفك انت من يفكر بالغيب ليحضر وهذا تجني علي فأنا لم اقل بغياب العقل ابدا.. بل قلت بحدوده وسقفه المحدود كما يشير وليم جيمس وهنري برغسون وكارل يونغ وانا معهم.. بل اني اكدت على اهميته بالندوة والدليل هي تناقش (التصوف العقلاني).. فكيف تخيلت ذلك ولماذا هذه المقولة المتعسفة الاستعلائية للغاية!!!!!.

لماذا تستكثر علي ان اقدم مشروعا اصلاحيا يقوم وسطا بين معرفيا بين العقل والحداثة.. انا ادعوا للتواضع المعرفي والانساني امام مقدسات الناس وعدم النظر اليها من الاعلى بمنظار فلسفي / صرف بل وبمعايير غربية!! فأنا ادعوا الى سيادة منطق انثروبولوجي لاجل بناء مشروع نقدي / اخلاقي غاب عن الكثيريين من المتفلسفة.

المشروع الذي قدمته قابل للحوار وليس المناكفة والمعاندة والمكابرة والمغالطات او التجني او تقويلي ما لم اقوله.. هنالك معايير ضابطة وناظمة للتحاور.. ولايحق لاحد تنصيب نفسه حاكما وناظما على افكار الاخرين.. كلنا مازلنا تلاميذ في طريق المعرفة.. والله ولي التوفيق.

 

د. جعفر نجم نصر

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5262 المصادف: 2021-01-31 01:53:11


Share on Myspace