 قضايا

الكاتب بين الموقف واللاموقف

اياد الزهيرييمكننا التميز بين الكتّاب على أساسين، الأول فني ومعرفي، كأمتلاكه لناصية اللغة، والأدوات الفنية للكتابة، وخزين معرفي ومعلوماتي، ولا شك أن الكتّاب يختلفون في مستوياتهم بهذا الشأن، أما الأساس الثاني فهو مواقفهم أزاء قضايا شعوبهم وأمتهم، وأوطانهم، وهم هنا كذلك مختلفون، فمنهم من يحمل روحه على راحته مدافعاً عن قضايا شعبه، متصدياً للطغاة الحاكمين، وللغزاة المحتلين، مسجلين مواقف بطولية عظيمة، وهناك النوع الثاني من الكتاب الذين يمثلون واجهات للسلطة الحاكمة المستبدة، فيزوقون وجه السلطة القبيح، ويحاولون التغطية على جرائمها الفظيعة، وهذا اللون يكون من المتاجرين بالقلم، ومن الجبناء والمتخاذلين، وممن يبيعون كلماتهم لمن يدفع لهم بالدولار.

السؤال الذي يطرح نفسه . لماذا يكتب الكاتب؟ هل يكتب لأجل الكتابة فقط كما هو الحال في نظرية الفن من أجل الفن؟ أم يكتب لأجل المال والشهرة؟ أم يكتب من أجل قضية عامة ومصيرية، مثل مكافحة الجهل والتخلف والفقر، أو مكافحة الظلم والأستبداد؟ أو يكتب عما يدور في خلجات نفسه من ضغوط الحياة والحكام؟ والأفصاح عن مكامن مشاعره وبواطن آماله ورغباته؟. فالكتّاب يتوزعون على كل ماذكرنا، لكن يبقى الكاتب الذي يمتلك موقفاً من الحياة، وخاصه المواقف الكبرى والمصيرية،هو الكاتب الذي يرفد الحياة بما يجعلها أكثر أنسانية، وأعظم أشراق، وأرقى أبداع، وأقل ظلم، وهذا ما يذكرنا بالكاتب يوسف أدريس، وهو نموذج للكاتب الملتزم لقضايا شعبه فيقول (أنا أداة حية في المجتمع، فأذا فقد مجتمعي وعيه، أهمس إليه وأنفخ عليه ليصحو، وأدفعه ليخرج الى المعركة وأحياناً أخزه في قلمي لأجدد نشاطه....)، وهذا نموذج للكاتب الحقيقي الذي يحمل عبء الواجب على عاتقه . أنه يحمل مشروع يعتقد بصلاحه للأنسان، يبغي تحقيقه لمصلحة عامة، لا لهاجس شخصي، وأنما لصالح أرتقاء الأنسانية، وتقليل معاناة الأنسان، وهذا ما يميز الكاتب الحامل للقضية، عن الذي يتميز بالأنانية واللا أبالية، فهو يكابد، ويحترق من أجل أشعال شمعة ينير بها دروب الحقيقة، عبر رفع الألتباس، وكشف المغالطات، وفضح كل ما هو مزيف وفاسد، والأنتصار للحقيقة عبر الكشف عن مسالكها وتوضيح دروبها . فالمعرفة التي تؤدي الى كشف الحقيقة هو دأب هذا النوع من الكتاب. فكتّاب من أمثال محمد باقر الصدر لم يهادن نظام دكتاتوري، وقَبلَ التضحية من أجل أن لا ينهزم أو ينحني أمام طاغية، فآثر أن يخط موقفاً بطولياً يكون درساً لشعبه في جهاده ضد النظام الأستبدادي البعثي، ورمزاً في دروب جهاده ضد الطغاة،كما أن التاريخ سجل لنا موقف بطولي آخر للفيلسوف سقراط في موقفه بالدفاع عن آرائه، وعدم تنازله عنها وواجه حكم الأعدام ببسالة، وهناك الكثير الكثير ممن ناضلوا من أجل حرية شعوبهم، ومنهم الكاتبة الأندونيسيه (ليندا كريستانتي) التي ساهمت بسقوط الدكتاتور الأندنوسي (سوهارتو) في التسعينات من القرن الماضي، في حين هناك من باع نفسه للحكام ولهث وراء مطامعه الشخصية، فزوروا الحقائق، وشوهوا التاريخ، مقابل الجاه والمال، وللأسف كان هناك الكثير من هؤلاء في واقعنا العراقي، الذين مجدوا النظام البعثي وكتبوا له القصائد العصماء في مدحه بالرغم مما أرتكبه من مجازر وحشية بحق شعبه. في حين وقفت الصحفية الأمريكيه (هيلين توماس) العضوه في فريق البيت الأبيض للصحافه موقفاً بطولياً كلفها موقعها الوظيفي المتميز عندما واجهت الحاخام اليهودي تيزيانوف عندما سألها أين يذهب يهود أسرائيل أذا لحقت بهم الهزيمه في حرب قادمة، فأجابته هيلين (عليهم أن يخرجوا من فلسطين ويعودوا الى ديارهم وبلدانهم الأصلية في ألمانيا وبولونيا والولايات المتحدة... وأن فلسطين لأهلها العرب) وهذا القول يذكرنا بالموقف المتخاذل والجبان لكثير من كتاب الخليج العربي، الذين روجوا للتطبيع أستجابةً لأوامر حكامهم المتخاذلين، وهذا أيضاً يذكرنا بالموقف الشجاع للكاتب الفرنسي (البير كامو) وهو فرنسي، عندما وقف ضد الأستعمار الفرنسي للجزائر.

أن ما يصب في مصلحة الشعوب وقضاياها المصيرية، هو ليس عبقرية الكاتب الكتابية، بل مواقفه الوطنية، فمثلاً ماقيمة المستوى الفني واللغوي لشعر الشاعر عبد الررزاق عبد الواحد، وهو لاشك شاعر نحرير، ولكن للأسف وَظف هذا الشعر لتزويق وجه نظام دكتاتوري مجرم، فماذا تفيدني شاعريته، وقامته الكتابيه العظيمة أتجاه ما سوق للنظام في توظيفه لهذه الطاقه الشعرية الكبيره بتزويق وجه النظام الكالح، وما خدع به من جمهور يطربه شعره من ستر جرائم النظام والتغطية على أفعاله الخبيثة والشيطانية.

أن الكتّاب وخاصةً في عالمنا العربي قد أنقسموا من خلال مواقفهم مما جرى ويجري من أحداث، وما تعرض له واقعنا من أزمات الى ثلاث أقسام، فمنهم من أنهزم وركع  وأدى طقوس الطاعه والتمجيد للحكام الظلمه، ومنهم من أعتزل وتوارى عن الأنظار وهاجر أتقاءاً من سوط الطغم الحاكمه، ومنهم من صمد، وكافح، ودفع ثمناً غالياً لمواقفه المبدئيه والوطنيه، وهم للأسف قله قليله . أن واقع الكاتب العربي عامه والعراقي خاصةً، بما يتميز فيه من موقف مرتبك، ومتخاذل، وضعيف، هو من ألقى بظلاله على واقعنا المتهالك والمنهك، وهو من أسس لحالة الأرتباك في المواقف لكثير من الناس . وأن حالة الوهن والضعف التي تعيشها مجتمعاتنا يتحمل الكتّاب القصد الكبير منها . نحن الآن بأمس الحاجه الى كتّاب ينتجوا نصوص من خلال تجربتهم النضالية والحياتية، وأن تتميز كتاباتهم بالواقعية، لا كتاب الأبراج العاجية التي لا تهمهم ألا أناقة نصوصهم، وتزويقاتها اللفظية . نحن بحاجة الى كتاب يعون مواقعهم، ومهامهم الوطنية، وواقع مجتمعهم الآيل للأنهيار والتمزق، وأن يأخذوا دور أجهزة أنذار لشعوبهم عندما يلمحون رياح الخطر تهب من مكامنها البعيدة، ليتقوا شرها، ويتجنبوا خطرها.

 

أياد الزهيري

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5264 المصادف: 2021-02-02 03:01:12


Share on Myspace