 قضايا

الطبقات الاجتماعية في الحضارة

محمد كريم ابراهيمتُعرف الطبقة الاجتماعية على إنها مجموعة من أفراد داخل المجتمع مختصين بأداء وظيفة معينة من وظائف الحضارة. وتنقسم هذه الطبقات إلى أعدادٍ مُطاردة مع تعقيدات الحضارة، أي كلما كانت الحضارة كبيرة في الحجم ومُعقدة في التركيب، كلما أزدادت فيها الطبقات الاجتماعية المتنوعة. وكلما كانت الحضارة صغيرة في أعداد سكانها وبسيطة في أجزاءها، نرى بأن الناس فيها لا يختلفون عن بعضهم البعض كثيراً. وهذا واضح عند المقارنة بين القرية والمدينة، نلاحظ إن أهالي القرى يكونون متساوين أو متقاربين في طبقاتهم الاجتماعية، ولعل جميعهم يعمل في الوظيفة نفسها أو ليست بعيدة من ذلك الوظيفة الغالبة، أما أهل المدينة ففيهم تنوع عظيم وطبقات اجتماعية متفاوتة فيما بينها، ووظائف دقيقة ومختلفة بشدة عن بعضها.

الأشخاص المترعرعين في القرى يبدون أكثر مرونةً للتنقل بين الطبقات الاجتماعية من أصحاب المدن، ولا يمنعهم مانع في تعلم وإجادة عمل آخر لعملهم الرئيسي، بينما نرى صلابة ومناعة من أهل المدينة في التنتقل بين الوظائف بسهولة (وبالتالي بين الطبقات الاجتماعية). وذلك لأن أهل القرى غير ناشئين في بيئة صلبة يحدد أدوارهم داخل المجتمع كما يحصل داخل المدينة، من المدارس والجامعات والمؤسسات التي تفرض على عقل الإنسان وظيفته في مجتمعه. وفوق كل هذه التحولات الكامنة الذي يحمله القروي في داخله، فإنه بالتأكيد في بيئته النائية القروية الطبيعية، يقوم فعلياً بعدة وظائف مختلفة حسب الظروف المفروضة، فإنه يستطيع أن يصبح جندياً إذا تطلب الأمر الدفاع عن نفسه وعائلته وأرضه، أو يصبح فناناً إذا اراد ذلك أو فيلسوفاً إذا تسنى له أو رجل دين إذا أقبل الجمهور عليه. من الصعب على عقلية إنسان اجتماعي الذي يعيش في خضم حضارة كبيرة أن يتنقل بين طبقات مجتمعه.

هناك بعض من الطبقات الضرورية في الحضارات البشرية التي لطالما تواجدت منذ نشوء البشر. مثل الخلايا الموجودة في جسم الإنسان التي تقوم كل من أنواعها بوظائف مختلفة عن الآخر، فكذلك أهل الحضارة ينقسمون إلى عدة طبقات، تقوم كل منها بوظيفة معينة.

بشكل عام، ينقسم الوظائف إلى قسمين: الوظائف التي تُغير وتُعدل وتضبط الأنظمة والإنتظامات الغير البشرية (أو ليست من نظام أهل الحضارة)، والوظائف التي تحافظ وتعدل وتضبط من نظام أهل الحضارة وتركبيتها الأساسية.

1- الوظائف المحولة لأنظمة البيئة: وهي تتمثل بوظائف مثل الحدادة والفلاحة والصناعة والهندسات المختلفة والبناء، هؤلاء الاشخاص أعمالهم هي تحويل انظمة المتنوعة في البيئة إلى نظام أهل الحضارة.: يندرج تحتهم العلماء والباحثين والمستكشفين الذين يطورون الحضارة بإيجاد طريقة في تحويل إنتظامات الانظمة الحية وغير الحية إلى اشياء مفيدة للناس. وظائف هؤلاء هي الإنتاج (السلع المنتجة).

2-      الوظائف المحافظة لنظام أهل الحضارة: الوظائف مثل الطب والتمريض والتعليم والتربية والعسكرة والإدارة التي تحافظ على أهل الحضارة وتضبطها (تحافظ على نظام الغالب في الحضارة). تصنف تحت هذه الوظائف السياسة والاقتصاد والهندسة الاجتماعية وغيرها من الاعمال التي تعدل تركيب المجتمع وتحافظ على افكاره وأسسه. كذلك الكتاب والمؤرخون الذين يحافظون على ارث الحضارة ومعلوماته من الضياع. وظائف هؤلاء هي خدمة الناس (السلع الخدمية).

هاتان الوظيفتان هما اساسيتان في الحفاظ على الحضارة ولتطويرها وتوسيعها. اما الوظائف الاخرى، فتأتي ثانوية، منها وظائف صيانة الأنظمة التي تحولت بالفعل إلى منافع للبشر (من السيارات والالكترونيات وغيرها). هناك أيضاً بعض من الأعمال المهمة التي لا تصنف تحتهم، مثل وسائل نقل والاتصالات.

يمكنك تخيل الحضارة كصندوق مغلق فيه مجموعة من النقط نعتبرها أهل الحضارة، هناك فتحتان موجودتان في الصندوق، فتحة من الفوق والتحت. الفتحة الفوقية تضاف نقط من خلالها داخل الصندوق وذلك بسبب الوظائف المحولة لنظام البيئة الذي يعمل انظمة مشابهة لنظام اهل الحضارة،  والفتحة التحتية تخرج النقط منها وذلك بسبب الامراض التي تصيب اهل الحضارة والموت الطبيعي وفوضى البيئة والانظمة الاخرى التي تغير اهل الحضارة لنظامها.

الوظيفة المحولة لأنظمة البيئة مهمة جداً في بقاء الحضارة، لانها تضيف كيانات اكثر الى الحضارة، وهذه الوظائف يجب ان تتواجد بشكل أو بآخر في جميع الحضارات البشرية وغير البشرية. اما الوظيفة المحافظة للنظام، فهي تعمل عملاً توازنياً في تضييق الفتحة التحتية ومنعها من سحب اهل الحضارة خارج الحضارة (الصندوق). الوظيفة التوازنية ليس مهمة مثل الوظيفة المنتجة للإنتظمات الحضارة، وهناك عديد من الحضارات لا تمتلك اهلها وظائف الحفاظ على ذاتها، لكنها تبقى موجودة ما دامت فيها وظائف المحولة للأنظمة البيئية، بالرغم من خسائرها العظيمة لأهل حضارتها وعمرها القصير، إذا استطاعت أن تزيد من عمليات تحويل انظمة البيئة الى نظام وانتظام اهل الحضارة، فإنها تستطيع العيش دون الحاجة الى وظائف محافظة للحضارة، لأنها وسعت من فتحتها الفوقية للتعويض بما تخسره في الفتحة التحتية.

يجب أن يكون هناك توازن داخل الصندوق ما بين الاضافة والنقصان بين الفتحتين. الحالة المرغوبة هي توسعة الفتحتة الفوقية بقدر الامكان وتضييق الفتحة التحتية بقدر الامكان، والحالة المتوازنة هي عندما يتوازن ما يدخل داخل الصندوق من الفتحة الفوقية مع ما يخرج خارجها من الفتحة السفلية. اما الحالة المدمرة للحضارة هي عندما لا تقدر على انتاج بشكل كافي للتعويض من خسائرها، قد يتضيق الفتحة الفوقية لاسباب عدة أو قد يتوسع الفتحة السفلية، بكلتا العمليتين، سوف تموت الحضارة مع موت أهلها عاجلاً أم آجلاً.

ليس هناك افضلية عظيمة بين الطبقات، حيث انها مسألة الوقت والجهد، الفلاح يقوم بجهد جسدي والطبيب يقوم بجهد عقلي، بعضنا ولدوا ضعفاء بسبب اخطاء اجدادنا، وبعضنا ولدوا اقوياء بفضل تصرفات آباءهم، بعضنا اغنياء بمحض الحظ والصدفة، وبعضنا فقراء بسبب العقبات والمطبات التي أصابتنا عشوائياً. وهذا لا يعني إن بعض الوظائف هي افضل من الاخرى، بل يعني إن هناك من يصرف جهداً أكثر ووقتاً أطول ليستحق مكانة أكبر، بالرغم من أنه هناك من يستغلون هذا النظام ويتسللون إلى قمته دون حق وجهد.

 

محمد كريم إبراهيم – محلل وكاتب عراقي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5271 المصادف: 2021-02-09 02:00:14


Share on Myspace