 قضايا

الحداثة وبؤس الراهن العربي

عمرون علي قراءة في فكر حمادي بن جاء بالله

استعمت اليه في احدى حلقات france24 ضمن برامج محاور ينعي الواقع الإنساني "معلنا ان العالم كله في ضرب من اليتم السياسي" بشخصيته الهادئة ولغته الواضحة المباشرة والتي تعكس فكره العقلاني ونظرته النقدية للراهن العربي الذي يعيش حالة من البؤس، اكد على حتمية أن نستيقظ"، منوهاُ بأنه "لا مستقبل لنا" دون الحداثة أي بدون الحرية والعلم أو ما يعرف بالديمقراطية.

الدكتور حمادي بن جاء بالله في مشروعه الفلسفي، اشتغل على إشكالية الحداثة، فككها وتوغل فيها وفق مقاربة أنثروبولوجية ورؤية إبستمولوجية ، مرتكزا على مفهومي القطيعة والانفراق كأدوات للتحليل والنقد، مؤكدا على حتمية استرداد الانسان العربي لفعل المبادرة وصناعة التاريخ  وان هذا الأمر ممكن من خلال العلم كوسيلة للتحكم في قوى الطبيعة ومشروط بتوفر مناخ  فكري  حر.

حمادي بن جاء بالله يعد اليوم من أبرز المشتغلين في حقل الفلسفة والابستمولوجيا وواحد من مؤسسي معهد البحوث في الأديان وهو أكاديمي وباحث تونسي حاصل على الجائزة الأوروبية العربية للترجمة. من مواليد عام 1950.من وجهة نظري هو أستاذ الفلسفة المشاغب بامتياز ليس فقط بمواجهته للإسلام السياسي بل بتحطيمه لكثير من الأوهام على مستوى تاريخ الفلسفة وفكرة الحداثة وما بعد الحداثة عبقريته تكمن في انه انزل الفلسفة من سماء البحث الاكاديمي الى ارض الواقع محاضرا ومحاورا متحركا في اتجاهات عديدة متسلحا بشخصية المثقف النقدي.

في مفهوم الحداثة ونقد مابعد الحداثة

الحداثة من منظور حمادي بن جاء بالله جهد علمي لفهم نظام الكون فهما مستحدثا. ومحددات الحداثة علميا واخلاقيا وسياسيا يمكن فهمها من خلال منطلقاتها التاريخية ومن ثمة لامعنى للحديث عن متى بدأت الحداثة وانما الأهم تحديد مرتكزاتها وإمكانية انبعاثها في العالم العربي فالحداثة وفاء لقيمة الحقيقة العقلانية في بعدها العلمي ولقيمة الحرية في بعدها الإنساني . العلم والحرية عنده هما عماد بناء الحداثة والمجتمع الديمقراطي الحر. والحرية ليست مفهوما نظريا بل مطلب ثوري وليس هناك فعل عملي جديرا بان يسمى ثورة إلا اذا طلب الحرية لا أكثر ولا اقل، لأنه ليس فوق الحرية فوق ولا تحت الحرية تحت ولا بعد الحرية بعد. وليس من قيمة باقية اذا ذهبت الحرية مفهوما وقيمة و هذا المفهوم قريب من تعريف جابر عصفور للحداثة "من حيث أنها:" البحث المستمر للتعرف على أسرار الكون من خلال التعمق في اكتشاف الطبيعة والسيطرة عليها وتطوير المعرفة بها، ومن ثم الارتقاء الدائم بموضع الإنسان من الأرض. أما سياسيا واجتماعيا فالحداثة تعني الصياغة المتجددة للمبادئ والأنظمة التي تنتقل بعلاقات المجتمع من مستوى الضرورة إلى الحرية، من الاستغلال إلى العدالة، ومن التبعية إلى الاستقلال ومن الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن سطوة القبيلة أو العائلة أو الطائفة إلى الدولة الحديثة، ومن الدولة التسلطية إلى الدولة الديموقراطية"

الحداثة بهذا المعنى تجديد في العلم والسياسة والأخلاق كما هو واضح عند ديكارت غاليليو، مونتيسكيو وميكا فللي وغيرهم. الفكر الحديث جوهره الحرية وهذه ميزة خالصة للعصر الحديث فلامعنى للإنسان خارج الحرية ثم ان قيمة الحرية في الفكر العلمي والسياسي والأخلاقي ثابتة لذلك عندما سأل كانط لماذا خلق الله الانسان؟ أجاب خلقه للحرية. وهنا يؤكد انه في محاضرة ألقاها سنة 2005 ببيت الحكمة موضوعها "خلق آدم" ومعاني التكريم الإلهي، انتهى فيها إلى أن قدر الله في البشر أنه خلقهم أحراراً.

من الثورة العلمية الى خلخلت الفكر السياسي

الثورة العلمية انتجت في أوربا ثورة سياسية فلم يعد الحاكم ظل الله على الأرض حيث ان هذه الفكرة في الاصل فكرة فرعونية انتقلت الى الفكر اليهودي مع الفيلسوف اليهودي فيلون الاسكندري الذي توفي 33م فيلون يؤمن بوجود سبع انواع وساطات بين الاله الخالق والعالم (المادي)، لهذه الوساطات درجات في اهميتها اولها هي لوغوس او الكلمة، ابن الله، ثم يليه الحكمة الالهية، ثم رجل الله (ادم)، فالملائكة، نفس الله، واخيرا القوات التي هي من الملائكة والجن.ثم اخذتها المسيحية “من خلال بطرس :"أنت هو الصخرة، وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي، وأبوابُ الجحيم لن تقوى عليها” (متى 16: 18). من هنا كانت الحداثة ثورة على هذا المفهوم حيث أصبح الحاكم موظفا وهو ترجمان اشواق شعبه وهكذا قامت الحداثة على مرتكزين الأول علمي من خلال علم الفلك والميكانيكا والفيزياء والثاني سياسي من خلال إعادة النظر في محددات النظام السياسي.

الطريق الى الحداثة في العالم العربي

الحداثة في العالم العربي ممكنة وهي انجاز لم يتحقق بعد ان الحداثة عصر فتي لم يكتمل وتاريخ البشرية يمكن ان ينقسم الى قسمين: ما قبل كوبرنيك حيث يمكن العودة الى ما قبل حمورابي هي فترة واحدة رغم اختلاف الأديان واللغات لان نموذج التفكير واحد وما بعد كوبرنيك . لقد عاشت الحداثة أزمات مستمرة والازمة كانت ولاتزال حالة إنسانية، هي رؤية يتقاسمها مع الدكتور والباحث المغربي مولاي احمد صابر المتخصص الفكر الإسلامي المعاصر من حيث ان الحضارة فعل تشاركي ،هي حضارة إنسانية واحدة رغم تعدد جذورها وفروعها مما يستلزم في نظره الخروج من ثنائية الشرق والغرب والانا والغير وغيرها من الثنائيات . فالأصل هو التعارف و التآلف والتحاور وان الحوار بين الحضارات لا التصادم هو المخرج من حالة التأزم. على اعتبار ان التفوق والتميز لا يرتبط بثقافة او حضارة دون أخرى فلاوجود لمعجزة يونانية فقط هو ارتقاء في الفكر ناتج عن حسن التلمذة فاذا كان الشرق قد فكر بالصورة فان الغرب قد فكر بالمفاهيم، وهنا يجب ان نتذكر على الدوام ان الحق لايضاد الحق بل يوافقه ويشهد له... ولكن علينا في كل الحالات  ان ندرك:

01 - ان الحداثة هي نتاج ثورة علمية من علم الفلك والفيزياء الى الرياضيات وان المثقف العربي اذا لم يدرك ان الحداثة هي بالأساس ثورة علمية تتيه به السبل في فهمها والدفاع عنها.

02- هي ثورة دامية وليست سلمية لم يرحب به الأوربي منذ البداية .ورفض الأوربي كان اشد من رفضنا لها اليوم في البلاد العربية فجميع الحركات التجديدية في الفكر والثقافة تقابل بالرفض وبالعنف بما يشبه الاجماع التاريخي ولا توجد مرحلة اكثر مرارة من بداية الحداثة في الفكر الأوربي فاكثر الفلاسفة ورجال الفكر اما قتلوا سجنوا شردوا ديكارت عاش شريدا لم ينشر أي كتاب في فرنسا ولم يدرس فيها لم يستعده الفرنسيون الا بعد مماته وتطلب الامر ما يقارب القرن غاليلي سجن .وفي يوم 17 شباط/فبراير 1600، اقتيد جوردانو برونو Giordano Bruno نحو ساحة كامبو دي فيوري (Campo de Fiori) عقب حلق شعره. وعلى حسب عدد من المصادر، ثبّت لسان الأخير بمسمار على قطعة خشبية صغيرة قبل أن يعلق رأسا وهو عار ويحرق حيّا. توماس كامبانيلا ألقى الإسبان القبض عليه عام 1599، وسجنوه في نابولي مدة 27 سنة، وعدوه شخصاً شديد الخطورة. كان يقرأ ويكتب في السجن، ويهرّب أصدقاؤه مايكتب وينشرونه خارج نابولي. وعندما أفرج عنه أعادوا القبض عليه بأمر محكمة التفتيش بتهمة الكفر والهرطقة.

ادراك الانسان العربي لمحددات الحداثة لا يكفي لقيامها حيث انه لايمكن ان تتجسد الحداثة في العالم العربي والإسلامي الا من خلال تجاوز العوائق المختلفة :سوء التفاهم بين المسلمين والحداثة واستخدام مصطلح الحداثة تهكما والذي يدل على عدم الفهم الصحيح للحداثة واعتبار الحداثة مرادفة للتفسخ الأخلاقي وهذا العائق وجد أيضا في اوربا منذ أربعة قرون حيث اعتبر اكثر رجال الفكر والفلسفة والعلم آنذاك متآمرين مع المحمديين وكانوا يعنون بذلك الاتراك باعتبارهم استعماريين والمحافظة على الامن الفكري لأوربا كان يستوجب محاربة هؤلاء بدليل انه في سنة 1277اصدر بابا الفاتيكان توبيخا لأسقف باريس تونبيي لأنه ترك باريس نهبا للغزو الفكري والأخلاقي المحمدي وطالبه بضرورة تحريم وتجريم تعليم الفلسفة العربية وهو في الواقع تجريم للأرسطية ممثلة في فلسفة ابن رشد هذه الحجة استردها العصر الحديث في مواجهة كوبرنيكس وغاليلي ....اوربا قاومت سجنت للحفاظ على اركان بيتها الثقافي. واليوم نحن في العالم العربي نحارب الحداثة من نفس المنظور.. تناقض الضمير العربي حيث الادعاء اننا اصل الحداثة واننا علمنا اوربا وان الفكر الأوربي محصلة للفكر العربي ثم نتنكر للحداثة .العربي يقبل على منتجات الحداثة بقدها وقديدها ويعرض عن الفكر الحداثي فنحن نستخدم منتجاتها وونكر أصولها يجب الاعتراف بان زادنا قليل عندما يتعلق الامر بالفكر النقدي ذلك ان الترجمة في العالم العربي محدودة ، وأستطيع أن أقول عنها إنها ُ فضيحة للعرب فنحن لا نترجم خمس ما تقوم به اليونان من ترجمة. وتقرير الأمم المتحدة حول حركة الترجمة العربية كان بمثابة فضيحة مدوية للمثقفين والمفكرين العرب واتهمهم بأنهم كسالى يرفضون التفكير. رغم ان هناك بوادر طيبة منها التنبيه الى أهمية الترجمة وتعلم اللغات الاجنبية .

الراهن العربي وبؤس الفلسفة

الفلسفة الغربية أصبحت فلسفة نعي لأنها اعلنت عن موت الانسان مع فوكو وموت الاله مع نيتشة وهيدجر ونهاية التاريخ ونهاية الذاتية الفلسفية . واليوم لاوجود لفيلسوف عربي .ومن من خلال العودة الى جهود كارل ياسبرس ومحاولته الإجابة عن سؤال من هو الفيلسوف نجده يضع شروطا كثيرة لا تتوفر الا عند هوسرل ،ففي فرنسا لا يوجد فلاسفة بعد ديكارت وأغست كونت اليوم لاوجود لفلاسفة في العالم العربي الا على جهة الادعاء .

البؤس العربي اليوم نتيجة لإكراهات عديدة منها الاسلام السياسي الذي هو تعبير عن مجرد اغتراب في الزمن وشكل من اشكال الارتماء في أحضان الماضي انه الغربة في جميع معانيها. الاسلام السياسي عاجز عن وضع الحلول فقد اكتشف مصاعب الحكم بمجرد ان اتيحت له فرصة ممارسة الحكم  ثم ان التيارات الإسلاموية  جميعها كانت نتيجة للفشل الاجتماعي والاقتصادي والقحط الوجداني والتصحر الفكري والقمع السياسي. فهل يمكنها ان تنتج غير ما أ نتجها هي بالذات.؟ ودور ما يسمى «بعلماء المسلمين» و«المفتين» و«الفقهاء» في صناعة هذا البؤس أشهر من ان يذكر به، لا سيما في عهد الفضائيات وتكنولوجيات الاتصال العاتية.

الاخفاق والفشل لا يلازم فقط العالم العربي بل هو حالة عامة فعندما سأل الإعلامي التونسي كمال بن يونس المفكر حمادي بن جاء بالله في حوار الخاص بـ "عربي21"عن المتغيرات الحاصلة اليوم في العالم بعد انتشار فيروس كورونا أجاب شخصيا لا أرى في العالم قيادات لديها حكمة سياسية قادرة على أن توجه العالم في وجهة جديدة.. نفتقر إلى حكماء حقيقيين.. يكونون في مستوى الحاجة لبناء نظام عالمي جديد..

نحن في وضع حرج جدا وتاريخي: القوي يكتشف حدود قوته، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، والضعيف أصبح لا يتحمل ضعفه.. ودول "الجنوب تبدو" تحت ضغط مضاعف ومتعدد الأشكال..

النتيجة قد تكون مزيدا من التفكير في الهجرة والمغامرة بالحياة والأمن والمصالح القديمة .. واكد انه

ستسقط في المدة القادمة 3 أوهام كبرى:

ـ الوهم الأول الذي برز بعد الثورة الصناعية والاعتماد على الآلة الحديثة وبروز شخصيات في حجم آدم سميث والدعوات إلى مقولات ليبرالية من نوع "دعه يعمل دعه يمر".. أعلنوا عن تراجع "نهائي" لدور الدولة الاقتصادي لصالح رأس المال الذي يخلق الرفاهية والازدهار والسعادة.. وتابع مفكرون ومنظرون اقتصاديون بعدهم الترويج لهذه المقولة التي تبين فشلها.. وأنها كانت "وهما"..

ـ الوهم الثاني: سقوط النظريات التي قام عليها فكر رواد الاشتراكية والشيوعية حول نهاية الدولة ونهاية التاريخ وفق مسار صراع الطبقات.. وبشرت هذه النظريات كذلك بنهاية الرأسمالية وانتصار الديمقراطية الاجتماعية.. لكن الحصيلة كانت الوصول إلى الدولة القمعية الحديدية ورأسمالية دولة جديدة.

ـ الوهم الثالث يهم مقولات "ما بعد الحداثة".. والعولمة الاقتصادية والفكر السياسي الاقتصادي الذي وعد بالتنمية الشاملة والديمقراطية والشراكة بين الإدارة ورأس المال والمجتمع المدني.. واعتبر دور المجتمع المدني محوريا.. لكن الحصيلة كانت عولمة متوحشة أنتجت أصنافا من الظلم واختلال التوازن والفوارق.. ونظما في الحكم وتوزيع الثروات من أبشع ما عرفت البشرية من ظلم ..

 

عمرون علي - الجزائر

أستاذ الفلسفة

...............................

* حمادي بن جاء بالله: أكاديمي تونسي من مواليد عام 1950، يشتغل ضمن حقلي تاريخ الفلسفة الحديثة والإبستيمولوجيا. من إصداراته: "تكوّن مفهوم القوة في الفيزياء الحديثة" (صدر بالفرنسية، في جزأين عام 2006 وترجم إلى العربية عام 2015)، و"تحوّلات العلم الفيزيائي ومولد العصر الحديث" (1986) و"العلم في الفلسفة" (1986) و"مبادئ المعرفة في نقد العقل المحض" (1997). كما ترجم كتاب "العلم والفرضية" لـ هنري بوانكريه، وله تحت الطبع "تأملات ومواقف في التحولات الوطنية الراهنة" و"الدين تأسيس للحرية".

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5272 المصادف: 2021-02-10 03:17:06


Share on Myspace