 قضايا

الايحاء.. وتاثيراته السلبية والايجابية على الفرد والمجتمع

"ان من النادر أن يختار الانسان يقينه كما يشاء، فالمحيط هو الذي يفرض عليه هذا اليقين وهويتبع تقلباته، وفي هذا سر تغيير الاراء والمعتقدات لدى كل زمرة اجتماعية" د.غوستاف لوربون

يعرف الايحاء على انه عملية مشاركة واستقطاب الافكارو التاثير النفسي بإمرار مجموعة من المعلومات المطلوب تاثيرها على النفس او على الاخرين بحرفية ومهارة.

جميعنا يعرف معنى الايحاء وتاثيراته بقصد او دون قصد، بمعنى اننا نمارس الايحاء مع انفسنا ومع الاخرين دون ان نشعر، متعمدين، او اننا نتصرف على سجيتنا.

وهناك عوامل عديدة يعتمد عليها الايحاء منها:

- العمرفالطفل ليس كالمراهق والكبير ليس كالصغيروهكذا.

- الذكاء وهذا يختلف من شخص لاخر، فهناك الانسان المحدود الذكاء والمتوسط الذكاء والذكي والحاد الذكاء والعبقري وهكذا.

- المعرفة وهذه تعتمد على ثقافة الانسان فالعارف ليس كالعادي و العالم ليس كالجاهل.

- الايمان وهذه تستند الى قوة الايمان او ضعفها"المؤمن القوي خيروأحب الى الله من المؤمن الضعيف"

- الشخصية وتقبلها للخير والشر"ونفس وماسواها".

اضف الى ذلك ان هناك امورا توحي بشئ ما كالموسيقى الهادئة مثلا او الحزينة او الصاخبة او اللون الذي يوحي هو الاخر بماهية الحدث او المناسبة، وله دلالات نفسية كثيرة وفيها قوة استشفائية وتاثيرات اخرى، فاللون الاسود يوحي بالحزن وللابيض ايحاءا مفرحا هادئا والازرق يوحي بالراحة والثقة والاسترخاء، بل انه لون الصفاء الذي خص الله به السماء والبحر لتحقيق حالة التوازن البيئي والاسترخاء ، وهذه الامور يعرفها جيدا الاخصائي النفسي .

واذا اردنا الخوض في هذا الموضوع بصورة اوضح فعلينا ان نقسم الايحاء الى:

- الايحاء الذاتي، وهذا يعتمد بصورة مباشرة على اداؤك النفسي وتاثيرك الفعال على عقلك الباطن من خلال تزويده بمعلومات جيدة والتركيزوالاصرار عليها لتاتيك النتيجة الجيدة، فمثلااصبت بانفلونزا وانت تعلم جيدا انك في المرة السابقة قد جعلتك طريح الفراش، فاول شئ سيتبادر الى ذهنك انك ستذهب الى النوم ولن تستطيع القيام بشئ وان المرض سيتمكن منك، فبذلك انك اتخذت قرار المرض واستجاب عقلك الباطن لذلك واعطى اشاراته لجسمك ليسترخي ولايقاوم، وفعلا تمكن المرض منك!

وعلى العكس فاذا اصبت بالانفلونزا وقلت في نفسك سأشرب مشروبا ساخنا واتناول عصير الليمون مع الفيتامين وكل شئ سيكون على مايرام، فانت قد اتخذت قرار الشفاء وفعلا نفذ عقلك الباطن الامر واوعز الى جهاز المناعة العمل على قتل الفايروس والنهوض من الفراش وتناول المشروبات الساخنة والفيتامينات التي رسخت بعقلك انك ستشفى حتما، وحقيقة هذا المثال البسيط ينطبق على الكثير من الامراض الصعبة التي يقال عنها ان فلان يصارع مع المرض فأي مصارعة هذه!

انها الصراع من اجل هزيمة المرض ، لان الانسان لم يخلق للهزيمة وانما خلق ليصارع من اجل بقاءه.

ونحن الان بصدد جائحة كورونا والتي تعتمد بصورة مباشرة على قوة مناعة المريض وقدرته على هزمها والشفاء منها بقوة الارادة التي يغذيها الايحاء للعقل الباطن، مع الاستعانة بكلمات ايجابية تضفي جوا من التفاؤل مثل"إن شاء الله، بقوة الله"فنحن نحتاج الى هذه القوة التي تمدنا بالعزيمة الى جانب الامور الضرورية الاخرى لنعجل بعملية الشفاء.

- الايحاء الجسدي وهو مايعبر عنه بالايماء ولغة الجسد المتجسدة بعدد من الحركات للتعبير عن الرضا مثلا بابتسامة او الرفض عن طريق رفع الحاجبين او هز الراس او استخدام السبابة للتحذير والتوبيخ او رفع الكتفين دلالة على الحيرة وهكذا، وهذه الحركات الايمائية توحي لتنفيذالامر بدون كلام.

- الايحاءالاجتماعي وهذا يعتبر من اخطر انواع الايحاء كونه يؤثر بصورة مباشرة على فرد او مجموعة من الافراد ، عن طريق تمرير الفكرة المراد قبولها بذكاء ودهاء شديدين، وهذه تحدث كثيرا بين الاصدقاء، ولايخفى على احد تاثير صديق السوء والكوارث الناجمة من تلك الصداقة التي تتخذ من ضعاف النفوس مطية لتمرير الافكار والسلوكيات الخاطئة التي اتت ا’كلها في المجتمع مؤخرا وللاسف الشديد، فان الايحاء الاجتماعي السلبي ينتقل بالعدوى كالنار في الهشيم ليصيب اكبر عدد ممكن من الافراد، وهذا مانراه جليا بالعديد من الظواهر السيئة كالعقوق والادمان والموظة العجيبة الغريبة التي تنتشر بسرعة البرق خصوصا بين الشباب والمراهقين والالفاظ السوقية التي ماانزل الله بها من سلطان، وانحطاط الاخلاق التي تنتقل من شخص لاخر عن طريق العدوى النفسية وهي عدوى جارفة لاينجو منها الا القليلين ممن كانت جذورهم قويمة.

ان الكثير من الافراد يقعون فريسة الايحاء الاجتماعي الذي يؤثر على طريقة تفكيرهم، معتقدهم، سلوكياتهم ، طريقة كلامهم ، بل وحتى اللكنة وطريقة نطق الكلمات، فهم مندفعون لاشعوريا بالايحاء الذي يجعل عقلهم الباطن مغيبا او منوما مغناطيسيا فهو لايرى ولايسمع الا"قدوته"المسيطر عليه، وهذا الامر يُستغل كثيرا عند مجاميع السوء التي تزين الامر وتهيأ له المناخ المناسب والادوات اللازمة لتنفيذه.

ومن جانب اخر فلكل عملة وجهين ، فالتاثير الايجابي الذي يتركه الابوين مثلا في نفس الطفل من خلال نقل الصفات الجيدة والسلوكيات المحترمة ومجموعة القيم والعادات، يعتبر ايحاءا سلوكيا اجتماعيا مهما انتقل بطريقة ديناميكة محببة انغرست في نفس الطفل وترسخت مع السنين لتصبح عادة وسلوكا سائدا، كذلك المعلم الذي له تاثير ايجابي على تلاميذه تجعل بينه وبين تلاميذه مجالا مغناطيسيا له تاثيرا رائعا، وكم من معلم تخرج على يديه اجيالا من المبدعين تاركا بصمته واضحة ، بل انهم لازالوا يحفظون مثل قاله لهم او عبارة او بيت شعر لان"التعلم في الصغر كالنقش على الحجر".

كما ان تاثير الايحاء الايجابي للصديق الجيد على سلوكيات صديقه الذي يعاني من علة ما، له افضل الاثر في تغييره نحو الافضل خصوصا ان الانسان ينجذب الى نصائح الاصدقاء اكثر في بعض الاحيان.

ان الانسان الحكيم يلجأ الى الايحاء الاجتماعي لتغيير اسلوب حياته او فرد او مجموعة افراد عن طريق محاكاة العقل بصورة غير مباشرة وتلك مقدرة بحد ذاتها.

- الايحاء الديني :وقد ارتبط الدين اصلا بالايحاء كونه يوحى من الله سبحانه وتعالى الى رسله وانبيائه وبعض من اولياءه ومخلوقاته عن طريق الوحي"جبرائيل"، ومما جاء في معاجم اللغة العربية ان اصل "الايحاء"القاء الموحي الى الموحى اليه، وذلك يكون بكتاب، اشارة، إيماء، الهام، رسالة، والوحي سمة الدين باختلاف انبيائه ورسله وكتبه"وأوحينا الى إبراهيم وأسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط" النساء163

بل ان وحي الله جل وعلا لم يقتصر على الانسان بل تعدى ذلك الى مخلوقاته، فقد اوحى الى الارض" إذا زلزلت الارض زلزالها ، وأخرجت الارض أثقالها، وقال الانسان مالها، يومئذ تحدث أخبارها، بأن ربك أوحى لها"الزلزلة1- 5

وأوحى الى الملائكة "إذ يوحي ربك الى الملائكة أني معكم"الانفال12

وأوحى الى ام موسى ولم تكن نبية او مرسلة انما انسانة صالحة "وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فاذا خفت عليه فالقيه في اليم ولاتخافي ولاتحزني.."القصص 7

واوحى الى الحواريين لتصديق دعوة عيسى(ع)"وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي.."المائدة111

فالله يوحي لعباده المخلصين ولمخلوقاته ويدلهم على سراط الحق

بل ان الله جل وعلا تجلت عظمته بالوحي الى النحلة، تلك الحشرة الصغيرة التي وضع فيها الله سرا وحكمة تجسدت بذلك البناء الهندسي الرائع الذي لايقبل الخطأ، وتلك المؤسسة العسكرية المنتظمة التي يؤدي افرادها عملهم على اكمل وجه (سبحان الله احسن الخالقين) وقد اخذت توجيهاتها مباشرة من الله اذا ماقورنت مثلا بالذبابة فالفرق واضح وشاسع! "وأوحى ربك إلى النحل أن إتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر و"مما يعرشون"النحل68

وهكذا وكما نرى فان للايحاء تاثير كبير على الموحى اليه وهوخطاب موجه الى العقل الباطن يتخذ عدة اساليب واتجاهات يتطلب ذكاءا وحنكة لايصال المعلومة واكثره نفعا ماكان يؤثر ايجابا على حياة الانسان، بل ان الكثير من التجارب الحياتية سواء على سبيل الافراد او الجماعات تاثرت اما سلبا فادت الى ظواهرسيئة احدثت شرخا في المنظومة الحياتية "شياطين الانس والجن يوحي بعضهم الى بعض زخرف القول" الانعام

اوايجابا ساهمت في اثراء الحياة بكل ماهو مفيد.

واخيرا اقول: كن حذرا ومتيقظا بتمرير الافكار والمعتقدات، فاذاكنت واثقا من نفسك فلاتثق ابدا من نية الاخرين تجاهك، لان في الحياة دروسا قاسية لم تأتِ من فراغ..

 

مريم لطفي

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزتي مريم
مقالتك اللطيفة هذه لها أمثلة لا تحصر في مجتمعاتنا ...زارتني جارة في عز معمعتي مع السرطان كان أغلب حديثها عن معارف لها خاب فالهم وتبدد جهدهم في رد المرض عنهم فتوفاهم الله
وانا وانا أخرج من المستشفى في الطريق الى البيت هناك من يلفتني إلى اللافتات السود التي تحمل أسماء الموتى كأنني لا أراها ..
هناك من لا يحسن المواساة ولا ينقل طاقة إيجابية لمن هو في أشد الحاجة إليها عامدا أو ساهيا .
كوني بخير واكتبي لنا عزيزتي ومقالاتك لطيفة ومؤثرة وإيجابية

سمية العبيدي
This comment was minimized by the moderator on the site

والدتي الحنونة استاذتي الاديبة السامقة سمية العبيدي مساءالخيرات والمسرات وتحية طيبة تليق باطلالتك الرائعة التي تفيض على متصفحي شلال بركات
عافاك الله والدتي القديرة واسبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنة وحمدا لله على سلامتك..
وحقيقة ان والدتي اصيبت ايضا بالمرض اللعين وكان لنا وقفة معها نشد ازرها ونتحدث معها كنت أتصل بها أكثر من مرة باليوم لارفع معنوياتها واقوي عزيمتها واخوتي واخواتي كذلك ،وكان لذلك بالغ الأثر بشحذ همتها للتشبث بالحياة أكثر ومقاومة المرض وقد اجريت لها العملية الفوق الكبرى ونجحت والحمد لله لا قوة الا بالله..
وحقيقة فالايحاء له قوة سحرية هائلة للاستشفاء ولزرع الامل والتفاؤل والرضا ونقل الأفكار والطاقات الإيجابية التي لها دور كبير في حياة الإنسان،لان الإنسان مغناطيس جذب خلقه الله ووضع فيه سره فالمتفاءل مغناطيس لجذب الامور الجيدة التي تدخل السرور الى نفسه وينعكس ذلك على المحيطين به بعكس المتشاءم الذي يكون مغناطيس نكد ومرض ويكون وبالا على نفسه وغيره وهذا الابتعاد عنه فضيلة..
مسرورة جدا لان مقالاتي تنال رضاك ومسرورة أكثر لان الله من عليك بالصحة والعافية فحمدا لله على كل نعماءه
اودعتك برعاية الله وحفظه والدتي الكبيرة
مع خالص احترامي وتقديري

مريم لطفي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5282 المصادف: 2021-02-20 01:43:34


Share on Myspace