 قضايا

المثقّف المسلم في الاتّحاد الروسي اليوم

عادل بن خليفة بالكحلةتمثّل «النحن» الاتّحادي و«النحن» الإسلامي في «القوقاز» المعاصر:

حالة رمضان عبد اللطيبوف


1- مشكل العمل:

يتناول هذا العمل ذاتًا هي من «النَّحْنُ» لأنّها مسلمة مثل «النَّحْنُ»، وهي في الآن نفسه من «الهُمْ»، لأنّها تنتمي إلى عالم آخر هو «العالم الثاني»، كما  صُنِّف منذ تأسيس أوروبّا الشرقيّة الموالية للاتّحاد السوفياتي عقب الحرب الإمبرياليّة الثانية. هذه الذات هي الذات «القوقازيّة»، أو «القبْقيّة»[1].

لماذا المثقّف «القوقازي» وليس المثقّف الفرنسي أو الألماني أو الأمريكي كما تجري العادة؟

من سوء الحظّ أنّنا لا نملك معرفة جيّدة بالآخر الذي فينا، أي بذوات ذاتنا، وليس لنا بالجامعة التونسيّة قسم متخصّص في العالم الآسيوي- الإفريقي أو قسم متخصّص في العالم الإسلامي، بل نجد ذلك في جامعات أوروبّا الغربيّة وأمريكا الشماليّة.

و«القوقاز» هو جزء من مجال الانتشار العربي الإسلامي الأوّل، قبل دخول المغرب ضمنه، وهو من الجوار العربي الرئيس (الأثيوبي/ الإفريقي ـ الغربي/ الإيراني/ الأناضولي). والعربي لا يعرف عنه سوى أنّه موطن خير الدين باشا، النهضوي التونسي.

2- الحالة المختارة: حالة رمضان عبد اللطيبوف:

كان من المفترض أن يختار هذا العمل ثلاث حالات: حالة المثقّف القوقازي الذي ما زال ماركسيّا بعد سقوط الاتّحاد السوفياتي (حالة فصيح بدرخان)، وحالة المثقّف المتصوّف (حالة محمّد أميرخانوف)، وحالة المثقّف الليبرالي (رمضان عبد اللطيبوف)، وهم جميعا من داغستان. ولكنّ ضغوط التوقيت وتعقّد الموضوع اضطرّني إلى الاقتصار على الحالة الأخيرة.

3- التعريف برمضان عبد اللطيبوف:

هو مفكّر وسياسيّ معا. له دكتوراه فلسفة، رئيس منظّمة اتّحاد شعوب روسيا. وهو أوّل قوقازي يصل مناصب سياسيّة رفيعة، فكان رئيس دائرة الشؤون القوميّة في المجلس الأعلى للاتّحاد الإيلافي (الفيدرالي)، ونائب رئيس الاتّحاد «الفيدرالي» الروسي، والنائب الأوّل لرئيس مجلس الوزراء الروسي. وقد نُشِر له أكثر من عشرين كتابا ومائتيْ بحث في قضايا الفكر السياسي والدين. وسنتعامل في هذا المبحث أساسا على كتابه المعرّب: مصائر الإسلام في روسيا، الصادر عن دار المدار بدمشق، ترجمه يوسف سلمان عن الروسيّة مباشرة، وقد صدر بالروسيّة سنة 2000.

4- تعريف التمثّل:

تطرح نظريّة التمثّلات «عدم وجود قطيعة بين العالم الخارجي والعالم الداخلي للفرد (أو الجماعة)»[2]. والتمثّل «رؤية وظيفيّة للعالم، تسمح للفرد أو الجماعة بإضفاء معنى على هذه السلوكات، عبر نسق مراجعة الخاصّ، أي بالتكيّف وتحديد مكان»[3]

إنّه «شكل معرفة، هيّأ اجتماعيّا ومقتسم، وذو مقصد عماي متقاطع مع بناء الحقيقة المشتركة مع المجمل الاجتماعي»(Jodelet, 1989). إنّه في الوقت نفسه «نتاج نشاط ذهني وسيرورته، يعيد الفرد أو الجماعة عبره الواقعيّ الذي يواجهه، ويمنحه دلالة خصوصيّة»[4]. فالتمثّل ليس إذن انعكاسا عن الحقيقة، فهو تنظيم دالّ. وهذه الدلالة تتبع في الوقت نفسه العوامل الجائزة («الظروف» كما يقول فْلاَمُنْ) وإكراهات الوضع، والسياق الفوري، وغاية الوضع – والعوامل الأكثر عموميّة التي تتجاوز الوضع نفسه، أي السياق الاجتماعي والملّي، ومكانَ الفرد بالتنظيم الاجتماعي، وتاريخ الفرد والجماعة والرهانات الاجتماعيّة[5].

يشتغل التمثّل باعتباره نسق تأويل للحقيقة التي تسوس علاقات الأفراد ببيئتهم الماديّة والاجتماعيّة ، يحدّد سلوكاتهم ومواقفهم ومارساتهم. فالتمثّل هو دليل للفعل، يوجّه الأفعال والعلاقات الاجتماعيّة. إنّه نسق ما قبل فكّ رموز الحقيقة لأنّه يحدّد جملة التوقّعات والانتظارات. ومن وظائف التمثّلات الاجتماعيّة أنّها تسمح «بفهم الواقع وتفسيره»[6]، و«تحدّد الضمير»[7]، وأنّها «تقود السلوكات والممارسات»[8]، وتبرّر اتّخاذ المواقف.

يحتوي التمثّل على جملة معلومات ومعتقدات وآراء تجاه المسائل، وهو جملة عناصر ضمن تنظيم وبنية. فتحليل تمثّل وفهم اشتغاله يقتضيان الوصول إلى مضمونه وإلى بنيته المتراتبة، وذلك مشروط بالوصول إلى النواة المركزيّة للنسق التمثّلي. فكلّ عناصر التمثّل منظّمة حول نواة مركزيّة «مكوّنة من عنصر أو بضعة عناصر تمنح للتمثّل دلالته»[9]. ووظيفة النواة المركزيّة الأولى توليد دلالات عناصر التمثّل الأخرى، أمّا الثانية فهي تنظيم الصلات التراتبيّة والتوحيديّة والتوازنيّة بينها.

5- النواة المركزيّة لتمثّل عبد اللطيبوف عن الإسلام:

محور تمثّل عبد اللطيبوف عن الإسلام هو فكرة «التسامح» وفكرة «وحدة الأديان»: «الله واحد والدين واحد»[10]. فللأديان جوهر واحد: «يتجسّد جوهر كلّ دين في إنقاذ الإنسان وروحه، وفي إيقاظ الخير والوداعة والرحمة والتعاطف فيه؛ وتدعو اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام والبوذيّة إلى الخير والعدالة والمساواة والتفاهم»[11].

وما يعني عبد اللطيبوف في الإسلام أكثر هو نظامه السلمي، فيستشهد بالحديث النبوي: «ما كان الرفق في شيء إلاّ زانة ولا نُزِع من شيء إلاّ شانهُ»[12]، ليؤكّد على دعوة الإسلام إلى الرحمة وتقييده استعمال العنف، حتّى مع الحيوان، فضلا عن الإنسان: «اتّقوا الظلم، فإنّ الظلم ظلمات يوم القيامة»[13]. وهو يرى أنّ الحقوق الإسلاميّة متطابقة مع حقوق الإنسان العالميّة وأنّ النظام السلمي للإسلام يتّسم «بطابع إنساني متتابع، وهو يتبنّى الدفاع عن كرامة الإنسان وحقوقه، حتّى في أكثر الظروف تطرّفا»[14].

ويرى أنّ أهمّ وصايا الإسلام الأخلاقيّة هي أن يكون المسلم متميّزًا «بالصدق، والابتعاد كليّا عن الخداع والتكبّر والغدر والحسد، وأن يكون مخلصا ووفيّا لالتزاماته، متميّزا بالأخلاق الحميدة ورقّة القلب والحياء، محسنا ومتسامحا مع الناس»[15].

إنّ فكرة وحدة الأديان عند عبد اللطيبوف تؤدّي ثانويّا وبالتبعيّة إلى فكرة التسامح بينها ضرورة. فاختلافها لا يعني أنّها لا تملك جوهرا واحدا، بل العكس هو واقعها، فما هو فيها «جوهريّ يوحّده فينا، ويوحّدنا جميعا (....) ومن الأهميّة بمكان أن ندرك هذا التنوّع ونفهمه ونظهره (...) فينبغي أن ندعو لمساعدتنا كلّ الآلهة، وأن نستعين بالمعارف كلّها، وبالروحانيّة والحقيقة كلّها وبالإيمان. لكن، من أجل تحقيق ذلك، ينبغي أن نكون أكثر روحانيّة وأخلاقيّة وتسامحا دينيّا. فالإنسان المثّقف والمؤمن، لا يمكن أن يكون عدوانيّا، ولا غير متسامح»[16]، فليس هناك في رأي عبد اللطيبوف «أديان سيّئة وأخرى معتمدة، فكلّها من عند الله»[17]، و«كلّها منزّلة من عند الله»[18]. وهنا ينتقل عبد اللطيبوف من «الآلهة» لينتهي إلى «الله» الواحد.

وعبد اللطيبوف لا يعدم تأثير الأديان الأخرى في الإسلام مسيحيّا وعربيّا ـ جزيريّا ثمّ فارسيّا وبَرْهميّا، لكنّه يستدرك ليقول: «إنّ التصوّر ينبغي أن يتمّ النظر إليه رغم ذلك على أنّه ظاهرة أصيلة لأنّه طوّر الإيمان العربي بالله، الذي لا يتطابق لا مع التصوّرات اليهوديّة ولا المسيحيّة بشأن علاقة الله بالبشريّة، ناهيك عن التصوّرات البرهميّة»[19]. وهو يرى أنّ الإسلام كان «فكرة قوميّة جامعة للعرب، وفي سير التطوّر استطاع أن يتغلّب على محدوديّة الثقافة الإثنيّة ويصبح دينا عالميّا، كما كان مقدّرا له، فبدأ يؤثّر في نِحَل شعوب كثيرة وحضاراتها»[20].

6- أعلام المسلمين عند عبد اللطيبوف:

استعمل عبد اللطيبوف في مصائر الإسلام في روسيا 42 عَلَمًا، كان منهم 25 عَلَمًا مسلما، وكان من هؤلاء 14 عربيّا.

وقد استشهد بأهمّ أنبياء الإسلام (محمد وموسى وعيسى)، واستعمل 16 حديثا نبويّا، لكن ليست من مصادرها بل من مراجع استشراقيّة روسيّة في غالب الأحيان، أو مراجع لمفكّرين مسلمين من المجال الروسي.

غطّت فترة النبيّ والخلفاء الأربعة الأوائل 7 أسماء، ولكنْ عددا هامّا من الصفحات، فالعصر الأموي- العباسي لم يشمله عبد اللطيبوف إلاّ باسم وحيد هو اسم المأمون(الذي يعني عبد اللطيبوف في تأسيسه بيت الحكمة وتقريبه كلّ أهل الأديان في دولته). فهذا العصر إمّا أنّه لا يهمّ مشروع عبد اللطيبوف التسامحي في المجال الروسي، أو إنّه أقلّ أهميّة بالنسبة إلى العصر التأسيسي للإسلام (عصر النبيّ والخلفاء الأربعة)، أو إنّ معلوماته عنه ضعيفة. هو لا ينظر إلى المأمون نظرة نقديّة ـ تاريخيّة، فلا يرى فيه إلاّ وجه بيت الحكمة، بينما لا يراه في كلاّنيّته ورفضه التعدديّة المذهبيّة والسياسيّة والعدالة المعاشيّة.

وهو يتناول المذهب الحنبلي بتسرّع وابتسار قائلا إنّه «يتميّز بالحرْفيّة المبالغ فيها»[21]، فلم يوضّح إن كان يتناول المؤسّس (أحمد بن حنبل) في موقفه من تعسّفية المأمون إذ فرض فكرةً (وإن كانت معقولة) بالعنف، أو في مدوّنته الحديثيّة التي كانت غير «حرْفيّة» نسبيّا، إذ كانت أوسع من فضاء موطّأ مالك بن أنس وصحيحيْ البخاري ومسلم وأكثر تسامحا منهما؛ ولم يوضّح إن كان يتناول المذهب الحنبلي في تبلوراته المتأخرة والتي ذهبت في كثير من الأحيان عكس أطروحات أحمد بن حنبل (في الموقف من الشفاعة، والولاية، وفي فضائل الصحابة...) أو في مرحلته التأسيسيّة.

ومن يهُمُّ عبد اللطيبوف في الصحابة هم: أبو بكر وعمر وعلي بن أبي طالب وعائشة والعبّاس وعبد الرحمان بن عوف، لكن رؤيته لهم كانت تمجيديّة، غير تاريخيّة، ولم يبرّر اقتصاره عليهم، وترتيبه لهم. فمن المعلوم أهميّة عثمان في بلورة التاريخ الإسلامي بعده (تقريب بني أميّة سياسيّا ومعاشيّاالذي على أساسهم سلطانهم)، ومن المعلوم الأهميّة المِليّة لعبد الله بن عبّاس وعبد الله بن عمر وأمّ سلمة النقيضة المليّة والسياسيّة لعائشة، ولكنّ عبد اللطيبوف لا يعرف لهم أهميّة تاريخيّة.

7- تمثّل عبد اللطيبوف عن العالم الإسلامي المعاصر:

يقدّم عبد اللطيبوف العالم الإسلامي المعاصر على أنّه عالم يشمل «52 دولة مستقلّة ذات سيادة»، فالمركزيّ في هذا التمثّل هو التقديم السياسي القانوني لا الديني.

أمّا الأجناس التي يراها المكوّن الرئيس لهذا العالم فهي العرب أوّلا ثمّ الهنود، فالأتراك والصينيّين والماليزيّين والأُزْبَك والروس[22]. فأمّا جعله العرب أوّلا، فيمكن تبريره بأنّ النبيّ محمّدا عربيّ، وأنّ المسلمين الأوائل هم عرب، وأنّ أوّل بلاد مسلمة هي الجزيرة العربيّة. وأمّا جعله الهنود ثانيا، فيمكن تبريره بأنّهم أكثر المسلمين عددا (199 مليونا بباكستان و101 مليون بِبِنْغَالَدِيش و99 مليونا بالاتّحاد الهندي). وأمّا جعله الأتراك بعد ذلك (حتّى وإن قصد بهم أتراك تركيا وآسيا الوسطى وأذريبجان مجتمعين)، فعددهم ليس أعلى من عدد مسلمي جنوب شرق آسيا (إندونيسيا وماليزيا والفيليبّين.....). وأمّا أن يجعل من الأُزْبَك جنسا مستقلاّ فهو خطأ فادح لأنّهم من الجنس التركي. وأمّا جعله الماليزيّين جنسا مستقلاّ وكذلك الروس فهو كذلك أمر غير عمليّ. فتمثّله عن العالم الإسلامي يشوبه بعض الارتباك والضبابيّة، أي ما زال نسبيّا بعيدا عنه وعيًا.

ويرى عبد اللطيبوف أنّ تقسيم العالم المعاصر إلى «إسلامي» «وغير إسلامي» هو «تقسيم صارم» وهو «يتناقض مع مصالح البشريّة»[23]، وذلك لأنّ انتماء لروسيا المتعدّدة الأديان وذات الأكثريّة الأرثوذكسية يعني في لاوعي عبد اللطيبوف مفارقة لعالم إسلامي ذي أكثريّة ذات دين إسلامي، أو بالأحرى قد يعني انتماء مسلم الفيدراليّة الروسيّة (الإيلاف الروسي) للهويّتيْن (الهويّة العالم ـ إسلاميّة والهويّة العالم ـ روسيّة) في لاوعيه شرخا هوويّا يهدّد الوحدة «الروسيّة»، «فمصالح البشريّة» هي في الحقيقة «مصالح الوحدة الروسيّة»[24]، أو يجب أن تكون كذلك في لاوعيه، في حين أنّ المطابقة هنا ليست ضرورةً.

8- الاتّحاد الروسي والإسلام والعرب:

يؤكّد عبد اللطيبوف أنّ «الإسلام هو دين التقدّم والحضارة والخير والأخلاق. والإسلام يعني في العربيّة الأمان والسلام مع النفس»[25]. وهو يركّز كثيرًا على ارتباط النهضة الأوروبيّة بالنهضة الإسلاميّة، وعلى أنّ الإسلام وجد «مكانا له في ثقافة روسيا وفي الروحانيّة الروسيّة، وأصبح دينا تقليديّا لأكثر من أربعين شعبا، ممّا يسمح لنا بالحديث عن عالم روسيا الإسلامي حيث يعتنقه الملايين من مواطني روسيا»[26]. أمّا اليوم فالإسلام في روسيا «يتجدّد على خلفيّة السيرورة الديمقراطيّة»[27].

وإن كان يرى أنّ أصل الإسلام السياسي، وهو «خطر» كلّه[28] عربيٌّ، وقد دخل شيشانيا وداغستان، فإنّه ينبغي أن «تتغلّب أشكال التمثيل السياسي الحضاري الهادئة ومشاركة المؤمنين كافّة في حياة المجتمع والدولة على الراديكاليّة والتطرّف اللّتين تجدان لها مكانا على هامش كلّ الأديان»[29].

وهو يدعو إلى تقوية الصلات بالدول العربيّة، وقد نشط هو نفسه - باعتباره سِفَاريّا- في هذا الاتّجاه. وزار عديد الدول العربيّة، وتفعيل دور روسيا في التوسّط بين «العرب وإسرائيل»[30]. فالقوقاز والقوقازيّون المسلمون لن يكونوا بذلك شركاء في الصراع، بل شركاء في التوسّط.

ويرى عبد اللطيبوف أنّ «العالم العربي هو عالم سحريّ، عالم الفرادة الروحانيّة والاكتشافات العلميّة، عالم الفلسفة العظيمة والشعر الفنّي»[31]، وهي نظرة ابتساريّة انتقائيّة ترجع إلى مراحل الاستشراق الغربي الأولى وهو تمثّل غير تاريخي، وغير علمي، إذ لا يحيلنا على تعقّد هذا العالم العربي ماضيا، ولا تعقّد واقعه الراهن. ولم يستشهد بأيّ عَلَم قوقازي واحد، ولا نعرف هل أنتج القوقازيّ أمس واليوم للإسلام؟ فجلّ الإنتاج الذي استشهد به كان عربيّا وفارسيّا غير قوقازيّ. ولم يؤكّد لنا توطّن الإسلام في القوقاز التي أنجبت حسن حلمي القَحِِي وشعيب الباكنيّ ومحمّد الدَّرْبَنْدي وعبد الوهاب الجَسطاوي والفاضل الدَرْبَنْدي وغيرهم.

وهو متمزّق بين داغستان تريد الاستقلال الناجز عن الروس إذ يذكر بإعجاب شديد بطل حرب الاستقلال، الإمام شاميل: «كان الشيخ شاميل، قائد سكان الجبال الشجاع والموهوب، إنسانا عميق الإيمان، مدافعا عن دينه وأرضه»[32] طامرا نزعته الاستقلاليّة اللاواعية بالتسترّ وراء الشيخ شاميل، وبين تأكيده في جلّ ما يكتبه عن اندماج في «الفيدراليّة» الروسيّة.

خاتمة

يمكننا أن نفترض أنّ المثقّف الداغستاني اليوم، من خلال رمضان عبد اللطيبوف يعيش نواة ضميريّة متشظّية. فهو يريد أن يعيش قوقازيّته وإسلاميّته وروسيّته ضمن تأليفة مستعصية نسبيّا. فقوقازيّته ما زال غير ممسك بها، ما دام لم يستشهد في بناء أطروحته بأيّ عَلَم قوقازيّ شارك في بناء الحضارة الإنسانيّة. وإسلاميّته ما زالت غير تاريخيّة وغير نقديّة وغير علميّة، بل ما زالت انتقائيّة، غير مستدلّ عليها. و«روسيّتة» ما زالت دون وضوح دستوريّ كافٍ، ينفي تغلّب الهويّة الروسيّة «الفيدراليّة» وافتراسها لقوقازيّته.

فهذا النسق التمثّلي الدّاغستاني المؤوّل لحقيقة الانتماء الداغستاني للعالم ما زال دون عناصر متماسكة، ومن ثمّة دون نجاعة كافية للتأثير في تاريخ داغستان والقوقاز الآتي.

 

د. عادل بن خليفة بالكحلة

(باحث إناسي، الجامعة التونسية)

....................................

[1] نسبة إلى بلاد "القَبْق" (بلاد القوقاز) حسب الجغرافيّين والمَسَالكيين بالعصر الوسيط (البلاذري، اليعقوبي، البكري...).

[2] Moscovici, Preface, in C. Herzlich, Santé et maladie, Mouton, Paris, 1969.

[3] Jodelet, (D.), Folies et representations sociales, PUF, 1989, p. 9.

[4] Abric (J. C.), « les représentations sociales : aspects théoriques », in : Abric (J. C.) (dir.), pratiques sociales et représentations, P.U.F., Paris, 1994, p. 64.

[5] م. س، ص. 13.

[6] م. ن.، ص. 15.

[7] م. ن.، ص. 16.

[8] م. ن. ص. 16 أيضا.

[9] م. ن.، ص. 19.

[10] ص. 118.

[11] ص. 119.

[12] ص. 113.

[13] ص. 114.

[14] ص. 114.

[15] ص. 114.

[16] ص. 119.

[17] ص. 78.

[18]  ص. 305.

[19] ص. 271.

[20] ص. 271.

[21] ص. 97.

[22] ص. 69.

[23] ص. 106.

[24] ص. 106.

[25] ص. 319.

[26] ص. 318.

[27] ص. 318.

[28] ص. 123.

[29] ص. 319.

[30] ص. 78.

[31] ص. 76.

[32] ص. 6.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5289 المصادف: 2021-02-27 02:15:31


Share on Myspace