 قضايا

كيف انتشرت ظاهرة الدروس الخصوصية في نظام التعليم المصري؟ (1)

محمود محمد عليبدأت فكرة الدروس الخصوصية منذ عهد الرئيس المصري "محمد أنور السادات"، حينما اتجه نحو تجاهل العملية، بسبب الانفتاح الاقتصادي الذي نادي فيه، مما أدي إلي قلة وندرة ميزانية الأبنية التعليمة، فلأول مرة يكون في عهد السادات فكرة تقسيم ساعات التدريس في مرحلة التعليم ما قبل الجامعي الفترة المسائية والفترة الصباحية، وهذا الأمر أدي بالتالي إلي زيادة كثافة الفصول نتيجة عدم وجود ميزانية يُنفق من خلالها علي بناء فصول جديدة.

إن الأمر أدي إلي أن تلجأ بعض الأسر الغنية إلي اللجوء للدروس الخصوصية، والذي ساعدهم علي ذلك طبيعة التعليم المصري الذي يركز علي فكرة اعتبار مجموع الدرجات هو المعيار الوحيد للالتحاق بالتعليم الجامعي الجامعي، مما ترتب عليه وجود كليات للقمة تستأثر بالمجموع الأكبر، وصنفت الكليات وأهميتها حسب مجموع الدرجات الذي يؤهل الطلاب للالتحاق بها، وكذلك وجود كليات القاع والتي تقبل الطلاب أصحاب الدرجات المنخفضة، ومن هنا استأثرت كليات القمة بالمجموع المرتفع والذي يحصل عليه غالبا أبناء الفئات الاجتماعية الميسورة ولم يبق أمام أبناء الفقراء سوي الكليات المتواضعة وأصبح التعليم أداة للتمايز الاجتماعي نتيجة لاعتماده مجموع الدرجات معيارا وحيدا لمواصلة التعليم في مراحله الأعلى.

إن الاختبارات والامتحانات النهائية تهدف في التحليل الأخير إلي قياس القدرة الأولية للطلاب وهي: الحفظ والاسترجاع، ولا تعتمد الامتحانات علي تنمية بقية القدرات الأخري كالفهم والتحليل والتركيب والنقد . ومن هنا لم يعد أمام الطلاب سوي تنمية ذاكرة الحفظ (ثقافة الذاكرة) التي تؤهلهم للحصول علي الدرجات الأعلي وتحقيق الحلم في الالتحاق بكليات القمة.

كما أن المعارف والعلوم المقدمة للطلاب، معارف وعلوم أحادية التوجه، ولا تسعي إلي الإيمان بنسبية المعرفة وتباينها من زمن لآخر. وبذلك اكتسب المعارف قداسة وهالة جعلت الطلاب يحافظون عليها ويحفظونها عن ظهر قلب بصرف النظر عن مدي صحة تلك المعارف أو مصداقيتها من عدمه.

كذلك لم يعتمد نظام التعليم طريقة الحوار والنقد في اكتساب الطلاب المعارف والعلوم، واعتمد طريقة وحيدة بالية، هي طريقة التلقين والحفظ في مواجهة طريقة اكتساب الطلاب منهج التفكير العلمي والتفكير النقدي. ومن هنا فإن نظام التعليم لم يكسب الطلاب طريقة للتفكير أو منهج للتفكير أو طريقة للحصول علي المعرفة، وإنما أكسبهم فقط طريقة الحفظ والتلقين، ثقافة الذاكرة في مواجهة ثقافة الإبداع.

وترتب علي كل ذلك تعزيز قيمة وأهمية المعلم بحيث أصبح هو المكون الرئيسي والوحيد في العملية التعليمية. وأصبح هذا المعلم هو حامل المعرفة وناقلها إلي أذهان الطلاب، فاكتسب أيضا هالة وقدسية تعادل قدسية المعرفة التي يحملها، وأصبح هو القادر علي تنمية قدرة الحفظ والتلقين لدي الطلاب. لقد تم ذلك في ظل مناهج غير مطورة، وأصبح المعلم هو وحده الذي يستطيع عبر لقاءات مع طلابه في منازلهم أن يجود لديهم قدرة الحفظ وآلية الحصول علي الدرجات المرتفعة التي تؤهلهم بدورها للالتحاق بكليات القمة، فدعم ذلك انتشار ظاهرة الدروس الخصوصية مع عوامل وأسباب أخري.

إن الدروس الخصوصية تمثل ظاهرة مرضية، لما لها من أثر ضار علي الطلبة حيث تضعف روح الاعتماد علي النفس وتبث الاتكالية علي الغير، وتهدد البنية التحتية للعملية التعليمية حيث أصبح التعليم عند الكثيرين أشبه بالتعليم المنزلي، فبعض الطلبة وكأنهم يتجهون إلي المدارس لإثبات وجودهم ولتمكينهم من الانتقال إلي مراحل تعليمية متقدمة فنجدهم لا يعتمدون علي الكتب المدرسية بل علي بل علي كتب خارجية يقومون بشرائها ولا يصغون بإنصات للمعلم في الفصل ولا يتفاعلون معه بل يعتمدون علي الدروس الخصوصية، وهذا الأمر يشكك بفاعلية التدريس وملاءمة المناهج لطبيعة المتعلم.

صحيح أن بعض الطلاب قد ينظرون للدروس الخصوصية علي أنها قد تكون نجاة لهم، لكنها تمثل هلاكاً للمعلم، فالطالب يبحث عن أي منفذ يوصله إلي بر الأمان ويساعده علي تخطي المادة الدراسية والنجاح، أما المعلم فمهدد دائماً بالفشل ويبحث دائماً عن الطرق الجديدة التي تساعده علي تحسين أدائه الوظيفي، وتكمن خطورة الدروس الخصوصية في التناقضات التي فرضت نفسها علي هيئة قانون ممنوع، وبدأت تتضاعف عندما أخذت صفة الدوام النسبي وبدأت تقبل في الواقع وتفرض نفسها بسبب الظروف المحيطة بها.

بالإضافة إلي ذلك أصبحت هذه الظاهرة لا تهدد فقط الجودة التدريسية، إنما كذلك تؤثر علي اقتصاد الأسرة في أغلب الأحيان، فبينما توفر الدولة التعليم المجان، تضطر الأسرة إلي دفع طائلة للمدرس الخصوصي، أي أن "الدروس الخصوصية" تمثل عبئا ماديا للغالبية العظمي من أولياء الأمور، في الوقت الذي تلتزم فيه الدولة بمجانية التعليم.

وقد يكون لعامل الخوف النصيب الأكبر لانتشار هذه الظاهرة في مجتمعنا، فخوف الآباء من فشل أبناءهم أو انخفاض نسبهم أو سعيهم لتفوق أبناءهم وخوف الأبناء أنفسهم علي مستقبلهم يدفعهم إلي الاستعانة بالمدرس الخصوصي، وقد بالغ بعض الناس في هذا الأمر فنجدهم يستعينون بالمدرسين الخصوصيين حتي قبل دخول أبناءهم إلي المرحلة الابتدائية لمساعدتهم علي مواجهة هذه المرحلة، ظنا منهم أن ذلك سيعين صغارهم علي تقبل المواد والمناهج بسهولة.

وهناك عوامل أخري قد تساعد علي انتشار هذه الظاهر كالكثافة الطلابية في الفصل، وغياب الآباء والأمهات عن أبناءهم، وعدم توافر البيئة المناسبة للطالب في المنزل، وعدم تقبل الطالب للمادة .

إن الدروس الخصوصية تعد وباءً اجتماعياً انتشر وتفشي في المجتمع وسرطاناً ينهش في جسد التعليم والأسرة المصرية. ان الدروس الخصوصية مثلها مثل الهرمونات التي تستخدم في صناعة الدواجن البيضاء والتي نحصل منها علي لحوم صناعية شتان بينها وبين لحوم الدواجن الغير هرمونية. بالمثل فإن الدروس الخصوصية قد تحقق، وفي أغلب الأحيان، مستوي وهمي للطالب ينال به النجاح اللحظي والحصول علي الشهادة المرجوة سرعان ما ينحدر هذا المستوي الصناعي ويرجع الطالب الي مستواه الطبيعي. والدليل علي ذلك أن خريجي المدارس الثانوية متعاطي الدروس الخصوصية عندما ينتقلون الي الجامعة قد يظهرون بمستواهم الحقيقي اذا لم يستمروا في تعاطي الدروس الخصوصية. والجامعة بها الأمثلة الكثيرة ممن لم يحققوا حتي مجرد النجاح ببعض الكليات، التي لا تعترف بالمستوي الوهمي، مما أجبرهم علي التحويل الي كليات أخري تتناسب وقدراتهم الحقيقية.

كما أن الدروس الخصوصية قد تؤدي الي عدم تحقيق تكافؤ الفرص، فهناك طلاب ذو قدرات ذهنية فائقة ولكن قدراتهم المالية متواضعة خالت دون انجرافهم في طريق الدروس الخصوصية الأمر الذي ترتب عليه عدم استمرارهم في المنافسة واكتشاف قدراتهم في المراحل المتأخرة من التعليم.

أيضاً أن الدروس الخصوصية قد تؤدي الي عدم تحقيق تكافؤ الفرص، فهناك طلاب ذو قدرات ذهنية فائقة ولكن قدراتهم المالية متواضعة خالت دون انجرافهم في طريق الدروس الخصوصية الأمر الذي ترتب عليه عدم استمرارهم في المنافسة واكتشاف قدراتهم في المراحل المتأخرة من التعليم.

وكذلك الدروس الخصوصية، كما قلنا، هي أس مشاكل التعليم التي تحول دون تطوير التعليم واذا تم القضاء عليها لتم القضاء غلي معظم المشاكل التعليمية. فاذا لم يكن هناك دروس خصوصية لم يلجأ الطلاب لأختلاق الحيل والأسباب الواهية في الغياب عن المدرسة وانتظموا في المدرسة وطوال العام الدراسي، كما أن المدرسين ينتظمون ويجدون في شرحهم أثناء الحصة المدرسية، ولذهب الطلاب بشنطة مدرسية حقيقية وليست صورية كما نلاحظ الآن، ولم تظهر المجاميع الصناعية التي تفوق ال 100%، ولتم اكتشاف قدرات الطلاب الحقيقية، ولم نحتاج الي ما سمي أخيرا بالتعليم المتميز والتعاوني.. ربما يقول قائل بأن الدروس الخصوصية مسألة شخصية والغير قادر لا يتعاطاها، ولكن للأسف فُرضت علي الفقير قبل الغني وعلي الضعيف قبل القوي ولا مفر من تعاطيها للمنافسة.

وثمة نقطة مهمة نود الإشارة إليها ألا وهي أن لا شك أن تدني مرتبات المدرسين، وغياب الرقابة الميدانية بالمدارس، وعدم تحقيق مبدأ الثواب والعقاب، وحرص أولياء الأمور على أن يحصل ابنائهم على أعلى الدرجات، كل ذلك ساعد على انتشار ظاهرة الدروس الخصوصية في جميع محافظات مصر .

ومن ثم يتعذر الآن القضاء على الدروس الخصوصية قضاءً مطلقاً لأن ذلك من ضروب المستحيل ولكن يجب ان نسعى للحد منها وتضييق الخناق عليها حتى نصل لدرجة تقارب القضاء عليها حتى لا نصاب بخيبة أمل فى حالة الفشل وربما ينقلب الأمر وتتجه الأمور بعكس ما نريد... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5304 المصادف: 2021-03-14 02:01:23


Share on Myspace