 قضايا

محمود محمد علي: الدكتور صادق جلال العظم والاستشراق المعكوس (2)

محمود محمد عليما زلت أومن بل ربما أكثر من أي وقت مضي بأن " صادق جلال العظم يعد واحداً من مفكرينا العرب العظام المعاصرين الذين تفردوا في تجربتهم الفكرية التي جمعت بين منهجين مهمين: الليبرالية والماركسية في السياق القومي العربي، ما شكل ظاهرة في الدائرة الفكرية والسياسية العربية الناهضة في بدايات النصف الثاني من القرن العشرين . وفي السياق نفسه، نقد جلال العظم بشجاعة حركة المقاومة الفلسطينية من موقعه المؤيد لها، والمساهم فيها، كما نقد حركات الإسلام السياسي وانسداد أفقها أخذاً بالفكر العلماني طريقاً واضحاً ومحدداً لقيام دولة المواطن العربي المدنية، لا دولة العشائر، والاثنيات، والعصبيات، والسياقات اللاديمقراطية (14) .

ومن هذا المنطلق وجدنا " صادق جلال العظم " يحاول في كتابيه:"من نقد الهزيمة"، و" نقد الفكر الديني " أن ينقد " البنية التحتية المنتجة للبنية الفوقية"، كما في اللغة الماركسية التي كانت مسيطرة علي خطابه في تلك الفترة فهما بنيتان، كما يقول، تتقاسمان مسؤولية هزائمنا ومسؤولية تخلفنا الذي قذف بنا إلي خارج التاريخ، فالعلة كامنة في بنيتنا المهترئة . والهزيمة التي عانيناها في جزيران 1967م بين مصر إسرائيل لم تكن عسكرية فقط، فهي لم تقتصر علي جبهات القتال، هي ليست مؤامرة " خارجية"، كما كان يستسهل القول كثير من الباحثين والمفكرين العرب (15).

إن " صادق جلال العظم " ينظر لهذه الأساليب علي أنها مجرد تبرير للفشل العربي وتملص من المسؤوليات والتبعيات، وهو لذلك يحيل الهزيمة وأسبابها، بالدرجة الأولي، إلي البنية المجتمعية المتخلفة معرفياً وثقافياً، والمفتقرة في جوهرها إلي العلم الحديث وأدواته، وهو يري أن التيار الديني هو التيار الأكثر إيماناً بالخرافة والمعجزة، وهو لذلك يحتاج إلي نقد لأسسه الفكرية، لا سيما أنه يبدو مهيمناً ومسيطراً علي المتخيل الجمعي العربي، وهذا ما ولُد كتابه " نقد الفكر الديني" الذي أحدث صدي واسعاً، وصفع " جلال العظم" نفسه في أحد حواراته بأنه " كُتب عنه حوالي 1500 صفحة، وهذا جزء من حيوية الثقافة في تلك المرحلة، فعندما كانت تطرح فكرة نقدية، تثير الجدل بهذا الشكل الواسع الذي جري" (16).

في كتاب نقد الفكر الديني يصف العظم الفكر الديني بالبؤس . وربما تكون المقالة الأولي في الكتاب التي تحمل عنوان " الثقافة العلمية وبؤس الفكر الديني" تمثل الفكرة المحورية فيه ؛ فقد حاول " العظم" مناقشة بعض المفكرين الإسلاميين، ورجال الدين / مثل " نديم الجسر"، مفتي طرابلس، و" موسي الصدر" وغيرهما، ونقد أسس فهمهم للعلم الحديث، فهم كما يري، يجهلون أي شئ عن العلم الحديث أو مناهج البحث العلمي (17).

وجاء دفاع " العظم" عن إبليس في فصوله التالية وإعلانه " الإلحاد" ليكون بمثابة الصدمة للفكر الديني، ولا سيما أن نص " العظم" لم يحمل مناقشة جدية أو علمية بقدر ما كان ينطلق من موقف أيديولوجي مسبق قائم علي اختيار " العينات الأسوأ"، وليس علي تحليل منطوق الخطاب الديني بتياره الأوسع (18).

وانطلاقاً من حدية الموقف الذي اتخذه " العظم" في تعامله مع الفكر الديني، فإنه بدا جذرياً حتي في قدرة هذا الفكر علي التجديد أو الاجتهاد، لو حتي بعد تطعيمه ببعض مفاهيم الحداثة السياسية، إذ يري مثلاً استحالة القدرة علي التصالح بين الفكر الإسلامي والفكرة الديمقراطية . فالإسلام دين ثيوقراطي، وليس زمنياً . وهذا ما يتنافي قطعاُ مع الديمقراطية التي لا تنمو إلا في مناخ علماني، فهناك قطيعة كاملة بين الإسلام والديمقراطية، ويكاد الأمر ذاته ينسحب علي مفهوم المجتمع المدني، منطلقا في ذاته كله من نقده للفكر الديني، إذ يري أننا لا نشهد في البلدان العربية مجتمعاً مدنياً، وإنما هناك مجتمع أهلي، إذ تنحصر الخصائص والعلاقات الحاسمة في المجتمع المدني حول علاقات المواطنة، وتتركز فيها، وهي تميل، وفقاً لذلك، إلي أن تكون مدنية، وطوعية، وتعاقدية، وحقوقية، وأفقية، ومساواتية، في حين إن المجتمع الأهلي تعود العلاقات الارتباطية فيه إلي علاقات دينية أو مذهبية أو عشائرية، وهي، وفقاً لذلك، ليست علاقات طوعية مدنية، وإنما هي علاقات وراثية(19).

ونعود إلي موضوعنا الأساسي الذي يدور من خلاله الحديث، ألا وهو الاستشراق المعكوس، والسؤال الآن: كيف يمكن أن نفهم " الشئ المعكوس" .. لأية ظاهرة !؟! مثلاً، هل يمكن اعتبار " الحرية" " استعمارا" و" الاستقلال" تبعية" .. !؟!

من غير شك، إن الواقع المعيش، هو الذي يمدنا بحقائق الأشياء النسبية، أكثر في غيره، في الغالب، لا سيما حينما نخضعها للتجربة والتطبيق وللتطابق، مثلاً، بين الأقوال والأفعال .. النظريات والتطبيقات الفعلية التجريبية .. إلخ (20) . يقول " صادق جلال العظم ":" .. لتوضيح قولة ( توماس هوبز) الإنجليزي المشهور بقولته:" الإنسان ذئب للإنسان" حيث يقول كذلك: بطبيعة الحال لا يخطر في بال الكاتب أن توماس هوبز عايش طرفا من التراكم الرأسمالي البدائي من حياة أوربا الحديثة وعبارته الشهيرة عن الإنسان لا تتكلم في الحقيقة بالمطلق، بل تعبر عن التصور البرجوازي التنافسي التناحري لعلاقات الإنسان بالإنسان الذي أخذ يسود أوروبا في تلك الفترة (21).

علي أية حال، فإن هذه الأقوال لجلال العظم، تحلل وتناقش إشكالية " المعكوس" حيث تناول في دراسته "مسألة الاستشراق"، عدة عناصر أو إشكاليات أخري مماثلة، مثل الاستشراق والاستشراق معكوسا" .. وهذه الدراسة التي نجد فيها كذلك هذا القول:" العلاقة الوثيقة"، والمقلوبة في وقت واحد، التي تربط الاتجاه الإسلامي بالاستشرق" (22).

لقد حاول صادق جلال العظم في دراسته هذه، مناقشة إشكالية المعكوس من تجربته الخاصة وانطلاقا منهجه المحدد، والقائم علي مفهومين: الأول "ميتافيزيقيا الاستشراق"، والثاني "إبستمولوجيا الاستشراق". ميتافيزيقيا الاستشراق تعني تحويل واقعة تاريخية متحولة إلى حقيقة أنطولوجية ثابتة لا تتغير. و"إبستمولوجيا الاستشراق" تقول إنه بسبب الطبيعة الثابتة والجامدة للشعوب والمجتمعات العربية والإسلامية، فإن المناهج العلمية والبحثية التي أنتجها الغرب لا تنطبق عليها، ولا يمكن تحليل مشكلات وظواهر هذه المجتمعات تبعاً للمناهج العلمية والتصورات السوسيولوجية القائمة. وكلاهما يختصان بفعل واشتغال الاستشراق في الذهنية والتصور الغربي. ما يمكن أن نضيفه هنا هو مفهوم آخر يختص بفعل واشتغال أطروحة الاستشراق السعيدية في الشرق ذاته، وتحديداً في الفضاء العربي والإسلامي، وهو «إيديولوجيا الاستشراق»، وأقصد بها: تحول «الاستشراق» إلى إيديولوجيا ناظمة للنظرة إلى الغرب وتعامله مع العرب والمسلمين: كل سياسة، ممارسة، تعامل، احتكاك، تبادل معرفي أو غير معرفي، يوصم بأنه ممارسة استشراقية، وبالتالي يتم إغلاق منافذ الاستفادة من الغرب والانفتاح عليه. والخلاصة هنا أن "إيديولوجيا الاستشراق" نصبت سداً منيعاً يرفض استقبال أي نقد بزعم الدفاع عن الأصالة والذات والهوية. وشكل ذلك انقلاباً معرفياً شاملاً على فكر عصر النهضة ممثلاً بالأفغاني وعبده والكواكبي، وتناغم مع العداء المؤدلج للغرب بدعاوى اكتمال "نموذج الذات" واكتفائه بتاريخه وثقافته وعلومه (23).

ولا شك أن صادق جلال العظم العظم بنزعته النقدية لكتاب "الاستشراق" لإدوارد سعيد أثار ردود فعل سلبية من بعض المثقفين العرب الذين رأوا في نقده اتهاماً صريحاً لإدوارد سعيد بالعمالة للغرب، وهذا يجعلنا نتساءل: هل بالإمكان قيام حوار ثقافي خصب ومثمر بين الشرقيين والغربيين المعاصرين ؟

في اعتقادي أنه لن يقوم حوار من هذا القبيل إلا من خلال تناول الاستشراق كقضية منهجية في معالجة بعض المسائل التاريخية، والحضارية، والثقافية، يستند إلي تمركز علي الذات، وإلي منظومة قيم هيمنة ذات الباحث وهيمنة منظوريه الحضاري والعرقي، وعليه، فإن الاستشراق " استجابة للثقافة التي انتجته أكثر مما استجاب لإرادات المستشرقين كأفراد ذوات ورغباتهم واختياراتهم الشخصية" (24).

يفرض المقام إذن كما يقول الدكتور سالم يفوت، إذن طرح الاستشراق كقضية، كإشكال، أي كأسلوب منهجي في معالجة القضايا التاريخية، والحضارية، والثقافية للشرق، يستند إلي رؤية معينة قوامها التمركز علي الذات الغربية، وإلي منظومة قيم تكرس هيمنة ذات الباحث وهيمنة منظورة الحضاري .. ليس هذا العيب المنهجي حكرا علي الغرب وحده، فكل حضارة في رؤيتها للغير تبدع هذا الأخير وتخلقه فتجعل منه " غيراً متخيلاً" يتجلي هذا بوضوح في " الاستشراق المعكوس "، أي في أغلب الكتابات العربية التي أراد أصحابها منها الرد علي الاستشراق وانتقاده، أو الطعن في أسسه ورؤاه، وهي كتابات تركز علي الذات، ذات مؤلفيها، في الرد علي المركزية العربية، فتخلق من حيث لا تدري مركزية مضادة تذكي وتؤجج ما أصبح يسمي بصراع الحضارات أو المركزيات (25).

إن كل معرفة بالغير، هي معرفة تقييمية، تستند علي منظومة قيم تتخذها مرجعاً، فتمارس تأثيرها علي الباحث موجهة تعامله مع الموضوع الذي يدرسه واختياره للمفاهيم والفرضيات والوقائع، وبذلك يتكرس انغلاق كل ثقافة علي نفسها (26).

علي كل حال لسنا نستطيع في مقال كهذا، أن نزعم بأننا قادرون علي تقديم رؤية ضافية شاملة ومستوعبة لكل مقدمات شخصية " صادق جلال العظم " بأبعادها الثرية، وحسبنا هذه الإطلالة السريعة الموجزة علي الجانبين الإنساني والعلمي لمفكر فلسفي، ونموذج متفرد لأستاذ لمفكر جليل نذر حياته بطولها وعرضها لخدمة الثقافة العربية، وأثري حياتنا الفكرية بكل ما قدمه من جهود، وما تركه من آثار تجعله الحاضر بيننا رغم رحيله عنا، الغائب في عنا رغم تواجده وحضوره في عقولنا وقلوبنا. وبين حضوره وغيابه درجات لا تكاد تبين، فهو لم يغب عنا ولن يغيب.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...................

14-هاشم قاسم ( محاور): مقابلة مع حلال صادق العظم، مرجع سابق، ص 110.

15- رضوان زيادة: نقد الفكر الديني، الثقافة العربية في القرن العشرين، مركز دراسات الوحدة العربية، مج1،2018، ص 815.

16- نفس المرجع،ص 815.

17- نفس المرجع،ص 816.

18- نفس المرجع،ص 817.

19- نفس المرجع،ص 817.

20- جلال الدين العظم: الاستشراق والاستشراق معكوساً، دار الحداثة للطباعة والنشر، بيروت، 1981م، ص 52.

21- بوسلهام الكظ: إشكاليات الاستشراق في كتابين سالم حميش وصادق العظم، الإجتهاد، دار الإجتهاد للأبحاث والترجمة والنشر، مج 13 , ع 50,5، 2001م،، ص 373.

22-د. خالد الجروب: الاستشراق بين «سعيد» و«العظم»، جريدة الاتحاد الإماراتية، السبت 22 أبريل 2017.

23- سالم يفوت: الاستشراق: وعي بالذات من خلال الوعي بالآخر، ص 65-66.

24- نفس المرجع، ص 66.

25- نفس المرجع، ص 67.

26- نفس المرجع، ص 67.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5321 المصادف: 2021-03-31 00:54:46


Share on Myspace