 قضايا

أياد الزهيري: الاله في احضارة السومرية والبابلية

اياد الزهيريتطرقنا في بحث سابق تحت عنوان (الاله في الأديان والأقوام البدائية) في جزئيه الأول والثاني عن الاله في زمن ما قبل الكتابة، كما شمل البحث الأقوام البدائية في المناطق التي لم تدخل لها الحضارة لحد الآن، والتي تعيش في مجاهل الأحراش والغابات النائية، أما في هذا الجزء فسوف نتطرق الى الاله في الحضارتين السومرية والبابلية، وهي حضارات تميزت بأن أنسانها قد أكتشف الكتابة، وسجل الكثير من معتقداته وأساطيره،وأحداثه ومنجزاته على ألواح طينية، وهي تعتبر اليوم وثائق تؤرشف له أعماله وحفظتها من التلاعب والتزوير، وهذا أنجاز قد سبب أنعطاف تاريخي في مسار الأنسانية وبيان درجة تطورها، كما جعل المعلومات عن أنسان هذين الحضارتين على درجة كبيرة من الموثوقية والأمانة، والسبب أن هذه الأعمال التي ثبتت على ألواح الطين قد حافظت على حالها كما هي ولم تتعرض للتغير والتحريف والفقدان كسابقتها التي تناقلتها الأجيال شفاهةً، مما جعلها عرضة للتغير والتبديل والزيادة والنقصان، وأن من أشتغل عليها وكتب عنها، أعتمد في أكثر الأحيان على الحدس والترجيح في كتابة المعلومة، ولهذا لم يكتسب تاريخ الأنسان لما قبل الحضارة درجة عالية من الموثوقية والأمانة، ولكن الباحثين لم يألوا جهداً في أنتزاع ما أمكن من هذا التاريخ العصي على الوضوح.

أن قضية الاله في الحضارتين السومرية والبابلية حظيت بأهمية قصوى لأنسان هاتين الحضارتين، ونالت من تفكيره الكثير، وهذا الأهتمام هو أستمرار لأنسان ما قبل الكتابة، ويمكننا القول منذ أن وعى الأنسان نفسه في هذا الوجود، ورأى نفسه عارياً في هذا الكوكب، ساعياً وبدواعي غريزة حب البقاء أن يحمي نفسه، ويؤمن حياته، وبعد ذلك سأل عن مصيره والغاية من وجوده في هذا الوجود الذي لم يأتي أليه بأرادته، هذه الأمور جعلته في خضم من المشاعر، وأنتابته الكثير من الهواجس لأنه أصبح وجهاً لوجه أمام متطلبات البقاء الضرورية لأستمراره، والتي تتطلب دفع الضرر عنه، وتوفير العيش وطلب الحماية له، بالأضافة الى نزوعه وأمله بالخلود . هذه المشاعر والهواجس، قادته الى تساؤلات، اولها هو معرفة هذا الوجود الذي يحيط به، والذي هو جزء منه، والذي أثارت فيه دقة الخلق وما أنعكس عليه منه من الرهبة والحيرة جعلته يفكر بكيفية الحماية من الظاهرة الكونية الرهيبة والعجيبة التي أثارة في نفسه المخاوف والتساؤلات، كما فكر بكيفية الأسترشاد بما يضمن له النجاح والتطور الأيجابي في مسيرة حياته أسوة بالموجودات التي يراها في هذا الوجود الغريب عليه. من هنا يمكننا الأنطلاق من حقيقة أن الأنسان القديم أتجه الى المسألة الألهية أنطلاقاً من التصور العميق بأن لا بد من أن يكون هناك مُوجِد لهذا الكون ولكنه لا يعرف ماهيته، وأنه هو حبل النجاة لكل هواجسه التي أنتابت كيانه كأنسان حائر في وجوده ويتطلع لمعرفته .

أن أختياري لحضارة وادي الرافدين لم يكن أعتباطاً ولكن لأنها أول الحضارات التي أكتشفت الكتابة وأن أثارها مليئة بالمسألة الألهية، فأنسان وادي الرافدين قد شغلته كثيراً المسألة الوجودية وخاصة الألهية . من الملاحظ أن أنسان هذين الحضارتين لا يختلف عن غيره من أنسان الحضارات الأخرى بأنه متعدد الألهه، وأنه يعتقد بأن كل اله مسؤول عن ظاهرة كونية معينة، فهناك اله للشمس واله للقمر واله للمطر واله للسماء وهكذا أيماناً منه بأن أله واحد لا يكفي أو غير قادر على خلق كل شيء، وأن أدارة هذه الظواهر تحتاج الى أكثر من اله يدير شؤونها، وهذه الفكرة أسقطها من نفسه على الألهه، لأنه يرى أن الأنسان الحاكم لشؤون المجمع غير قادر بمفرده لوحده بالقيام بكل هذه المهام الكثيرة والمعقده، أذن فلابد من وجود المعين، وهنا في هذه المرحلة ترى أنسان ذلك الزمن مايزال يعمل مقاربات بيه وبين الآلهه، وكما أن البلاد وأدارة المجتمع تحتاج الى بشر تنشأها وترعاها، كذلك هو الأمر نفسه مع الكون ومظاهره، يحتاج الى كائنات أخرى أكثر قدرة وذات أمكانيات متفوقة، وتمتلك ميزة الخلود، وهذه لا يمكن الا في كائنات أستثنائية سماها بالآلهة. أنه يشعر بالعجز أتجاه ما تراه عينه وأنطلاقاً من شعوره بقدراته المحدوده والقاصره، وأفتقاده للخلود مقابل قدرة كلية ومطلقة قادرة على هذا الفعل والخلق الكلي، و أن بساطة الأنسان وسذاجته البدائية لا تحتمل هذا التعقيد بالخلق بأن يصدر من قوة واحده، لذا آثر التعدد في الألوهية. هذا التصور هو من قاده الى تسمية اله انيليل للرياح والعواصف، وهناك من هو مسؤول عن المياه الجوفية والعذبه والذي أطلق عليه اله أنكي، وهناك اله مردوخ اله العواصف الرعديه والمسؤل عن خلق البشر، وهناك الكثير من الهه التي يمكن للقارئ الأطلاع عليها في كتب متخصصة في الحضارتين السومرية والبابلية.

مع مرور الزمن وتطور ملكات الأنسان الذهنية وتراكم تجاربه، أصبح أكثر نضجاً وأعمق تصور، وذلك بسبب أستيطانه في المدن، حيث أصبحت حياته أكثر أستقرار، وذلك بتأثير الزراعة وتربية الحيوان، وهذه تحتاج منه أن يمسك الأرض ويفكر بتقلبات الجو، وتتابع الفصول، وهذا جعله أكثر تعلق بمظاهر الطقس، واكثر مراقبه للسماء وظواهرها الطبيعية مما جعله اكثر أنشغالاً وأهتماماً في أمور الشمس والقمر والأمطار . أن مشاهداته لهذه الظواهر الكونية جعلته يفكر فيها ملياً، ورأى أن دقة نظامها وأنضباط مواعيدها أثارت في نفسه الكثير من التفكير وتأمل بأن وراء هذه المخلوقات الكونية وما تحمله من برمجة غاية في الدقة والنظام،أن هناك خالقاً ومحركاً وفاعل لها،وهي من ترسم لها مقاصدها وغاياتها، وهي من تديرها في حركتها المتسقة، أعتقد أنسان هذه الحضارة،أن هناك قوة خفية ماورائية تختفي أو تتكثف في هذه المظاهر، لذلك تصور أن الأله يتجلى فيها،فجعل  القمر اله وسماه ننار أو يسمى أحياناً سن وأله السماء وسماه آن، واله للماء وسماه أنكي، واله للشمس وسماه أوتو وغيرها الكثير من المظاهر الكونية التي أختزنت ألهه في داخلها، ولها أسماءها المعروفه، وتوسعوا في تعدد الآلهه حتى دخلت في أمور عملية يتناولها البشر في أعمال الزراعة، ونراهم كلما تعقدة الحياة وأتسعت، نراهم يستحدثون الهه لها، أيمانا منهم بأن أدارة الكون تحتاج الى ألهه عديدة، حتى أنهم لشدة تقسيمهم للآلهه جعلوا حتى للمحراث اله،وهو من جاء بهذه الآله وهو من علم الأنسان أستعمالها للحراثة وقد سموه بالاله ( نينورتا)، كما أن تفكيرهم وصل الى أن الحياة بكل ما فيها وأدارتها ترجع الى الهه، فهي من تدير كل شيء، حتى وصلوا الى قناعه أن الآلهه هي من ترسم التاريخ، وهي من تحدد المستقبل، والقدر، لذا أمنوا بمسألة الأرواح بشقيها الخيرة والشريرة، حتى راجت عندهم عملية التعامل من الأرواح وراجت عندهم صنعة العرافين في قراءة المستقبل، وهؤلاء لهم حضوة عند الحاكم وخاصة في وقت الحروب حيث قبل أن يبدأوا الحرب يستشيروهم عن نتيجة  هذه الحرب أن دخلوها مع خصمهم. أن كل ما ذكرناه عن دور الألهه جعل أنسان هاتين الحضارتين يحرص على التقرب وأرضاء هذه الألهه عن طريق تقديم النذور والأبتهالات وتقديم القاربين تقرباً لها لغرضين أساسين وهما تجنب غضبهما وكسب رضاها، وهذا ما جعل هناك مذبحاً في كل معبد من معابدهم، وله مكان مخصص فية أملا بأن تقابلهم هذه الألهة بالعطايات الكثيره من غزارة الأمطار وديمومة الخصوبة وزيادة الولادات في حيواناتهم، بالأضافة ظهرت في هاتين الحضارتين السومرية والبابلية مسألة التمائم التي تبعد الشر والأمراض وأبعاد الأرواح الشريرة عنهم . من الأمور اللافتة للنظر  أن الأنسان البابلي والسومري ظهرت عليه علامات تكشف عن نزوعه الى التجرد والتأمل الماورائي، وأصبح أوسع خيالاً وأكثر تجريداً، لذا نزع لأسلوب المجازات والأستعارات في تصوير القوى الماورائية، والتي تعزى له المسؤولية عن هذه الظواهر الكونية، فهو بات يفكر أن الشمس والقمر والنجوم والأرض ليس الهه بذاتها، وأنما أن الألهه تتجلى فيها وكامنة فيها وأنها تمثلات مادية لها، لأن الأنسان على الرغم من أقترابه لدائرة التجرد الا أنه مازال يحن للمحسوس ولا يستطيع الفكاك من أسره، ورغم ذلك يعتبر أنسان هذه المرحلة وقد أنتقل نقله نوعية في  تفكيره العقلي، حيث التأمل والحدس في التفكير الذي ينقله خارج حدود المادة .

أن الأنسان السومري كما أخيه البابلي لا زال لا يستوعب أن يكون هناك اله واحد خالق كل شيء لأن عقله لا زال لا يمكنه أن يستسلم بأن هذا التلون والأختلاف بالطبيعة ترجع الى مصدر واحد، لذلك تراه يجعل حتى  للقصب اله وسماه الاله (انورو) وأن للسمك اله فسماه (نانشي) وللماء وسماه انكي وحتى هناك اله للزراعه والخضرة وسماه (دامو) وحتى  هناك اله  لخزن البلح وتسمى اينانا واله للحبوب ويسمى ازينو، لكن مع هذا التعدد الا أن هناك ما يسمى بالبانثيون أو مجمع الآلهة، حيث هو مجلس يضم كل الآلهه،الغاية منه عقد الصلة بين الآلهه، وأن منازلهم درجات، كل وحسب أهميته ومهامه،  وأن منزلته تقررها أهمية الظاهرة الكونية التي يمثلها،  ولكن نرى أنه أعطى المرتبة الأولى في سلم الأولويه الى أله السماء والرياح والمياه وتليها آلهة الكينونات الأصغر كالقمر والشمس، وأخيراً تأتي الهة العالم السفلي . يتضح لنا من خلال متابعة العقل السومري والبابلي، أن هناك تطور وتغير في بنيته الفكرية والذي أنعكس بشكل مباشر على طريقته العقائدية، فهو أبتدأ بتعدد للآلهه، وبعد ذلك جعل بين هذه الآلهه علاقة يجمعهم بانثيون أو مجمع الهي تتبوءه مجموعة من الآلهه الرئيسية، وهناك من الآلهه من هي بمستوى ثانوي، كما تطورت صورة الاله في ذهنيته، فنراه يرى اله المطر (نينجيرسو) بصورة حيوان طائر الرعاد، وبعد حين جعلوه على صورة بشري بالرغم من أحتفاظه بجناحيه، وهذا ما نشاهده حتى بالحضارة الرافدينية الآشورية حيث يكون الثور المجنح وهو اله اشوري برأس بشر وجسم حيوان الثور، فالرأس يرمز للعقل وجسد الأحيوان يرمز للقوة، كما نرى أن الحضاره الرافدينية القديمة أعتبرت تصوير الأله بالأنسان، يكون أكثر عظمة وجلال، وأن الأله الذي يكون على شكل أنسان أكثر ألتصاق بهم وأقرب لهم لأنه يقربهم بالمظهر بل ولعلهم أعتبوا شكل الأنسان وقابليته هو الشكل الأمثل، ولم يقفوا عند ذلك بل تطور الأمر في نظرتهم الى الآلهه بأن جعلوا منها شكلا رمزيا، فقد جعلوا هناك رموز يعبروا عنها، وهذه حالة تطور ذهني لديهم بأعتبار أن الأله حالة لا يمكن معرفة كنهه بالضبط، وهو طور تجريدي في طريقة تفكيرهم والتي تدرجت من المحسوس الحيواني الى نصف بشري وحيواني، وقد يكون هذا التحول هو من باب أيجاد حل للتناقض الحاصل بين الفاني والخالد، كما ينبغي التنويه الى أن السومريون لم يكتفوا بمجمع الآلهه، بل هناك الأله( آن) اله السماء بأعتباره الحاكم الأعلى لمجمع اللآلهه وهذه خطوه بأتجاه التوحيد بالحقيقة، وأن كانوا بين فترة زمنية وأخرى ينتقلون الى أله اأخر كرئيس لمجمع الآلهه،كما أعتقدو بالأله (انيليل) كزعيم مجمع الآلهه، وبعد ذلك وخاصة بالألف الأول قبل الميلاد جعلوا من مردوخ هو من يكون على رأس هذا المجمع وهو رب الأرباب، وخالق وحاكم هذا الكون، وهكذا بين زمن وآخر نرى رئيسا لمجمع الآلهه يتبنى هذا المنصب .

من الملاحظ أن اللاهوتيون السومريون أعتقدوا بأن مجمع الألهه هو المدير الحقيقي للكون وهو مشغله والذي يمارس مهمة الأشراف عليه، وأن هذه الآلهه هي ذات قدرات عالية وذات مستويات بالغة القدرة والقوة، وهي محجوبه عن أنظارهم، وأنها  كائنات من نوع خاص لا يفقهون حقيقتها،  ولا يتوصلون لكنهها رغم تصويراتهم المجسمه لها وأن شبهوها بشكلهم البشري أحيانا.

أن ما أود التوصل اليه أن اللاهوت السومري والبابلي قد توصل الى أمر مفاده أن هناك منطقا وراء هذا العالم، وأنهم بدأوا من المعلوم التي هي الطبيعة الى المجهول الذي هو الآله، وهذا عين السؤال الذي سأله الدكتور محمد الطائي العراقي الجنسية وأستاذ الفيزياء بجامعة اليرموك الأردنيه عندما سأل عالم الفيزياء البريطاني (ستيفن هوكينغ) في مؤتمر جمعه معه في كندا، فقال له، هل ترى هناك منطقا وراء هذا العالم، فرد عليه لاشك بأن هناك منطقا وراء هذا الكون، وعلى هذا الأساس رجح انسان سومر وبابل وبدافع هذا المنطق نفسه،أن وراء هذا العالم الكوني عالم ماورائي،هو السبب في نشوء وأدارة هذا العالم، ولكن هناك أختلاف في تصور هذا العالم الخفي بينهم وبين غيرهم من بني البشر، ولكن يبقى من خلال ما لمسناه أن أنسان الحضارة الرافدينية القديمة قد توصل بمنطقه العفوي والبسيط الى أن هناك أله أعلى خالق وحاكم ومدبر لهذا العالم على رأس مجمع الآلهه الذي يندرج تحته آلهه ثانويون يعاونوه بالمهمه الكونية.

 

أياد الزهيري 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية حارة للكاتب الأديب الأستاذ أياد الزهيري بمناسبة هذه الدراسة القيمة،
مع أطيب التمنيات له بموفور الصحة وموصول الإبداع.
علي القاسمي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً عزيزي الغالي على مرورك وأهتمامك لما نكتب , مع خالص الود.
أياد الزهيري

أياد الزهيري
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5340 المصادف: 2021-04-19 01:19:15


Share on Myspace