 قضايا

الدين ودستور الدولة والعلمانية (4): نبيل ياسين

تمت الإجابة على السؤال المطروح في الحلقات المتقدمة، من قبل: ا. د. محمد مسلم جمعة، ا. نور الدين علوش، ود. محمد عبده أبو العلا، د. علي رسول الربيعي، ود. أيمنة بن عودة، وا. محمد رياض الدقداقي، وأدناه جواب الدكتور نبيل ياسين:

أما السؤال: هل يمكنكم تقديم تسويغ لأيً من هذه النماذج كنظام دستوري يمكن أن يكون حلًا حيًاديًا أفضل أو معالجة دستورية تجدونها مناسبة للعلاقة بين الدولة والدين أو حتى نقدًا لكافة هذه الدساتير؟ (النماذج مذكورة في الحلقة الاولى على الرابط أدناه)

https://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_users&id=5889&lang=ar&view=articles

د. علي رسول الربيعي

.................................

نبيل ياسينجواب  نبيل ياسين عن سؤال الدستور

ماذا يفعل الدستور؟

ما يفعله الدستور عمليا، باحتوائه على قوانين اساسية، هو فصل الاستبداد عن الدولة. وبما ان الاستبداد ارتبط بالدين وفوّض نفسه الحكم المطلق باسم الاله، فقد كان فصل الدين عن الدولة، عمليا، هو فصل الاستبداد عن الحكم دستوريا.

لقد تحولت العلمانية تحولات تاريخية متراكمة . بالدساتير كانت تقلص من صلاحيات الملوك والأباطرة عبر حوادث ووقائع انتجت قوانين ومواد دستورية فعالة وحاكمة. فالدستور يحكم من خلال الرجال الذين اخترعوه ليلتزموا به.

واذا كانت (الشريعة) بمفهومها التاريخي سلاح التحالف بين رجال السلطة ورجال الدين الذي تم استخدامه تعسفيا، فان الدستور هو قانون الدولة الخاضع للمراقبة القضائية والبرلمانية وسلطة الرأي العام. انه منظمة تشرف على حل النزاعات سلميا.

وصل الدستور في القرن التاسع عشر الى ان يكون وثيقة اساسية للحكم . نحن نعلم ان عام ١٢١٥ كان عاما تاريخيا في نشأة الدستور حين صدر العهد الاعظم Magna Carta وتضمن مادة اساسية أصبحت سارية  المفعول بقوة، المادة التي تقول انه لايمكن سجن احد بدون محاكمة عادلة . وهي مادة بلغت من الفعالية عام ٢٠٠٤ أعلى مستوى، حين منع القاضي الفدرالي الامريكي، استنادا على هذه المادة، وبعد قرابة ٧٠٠ عام من صدورها، استمرار سجن  المقاتلين الذين القي القبض عليهم في أفغانستان في سجن غوانتينامو بدون محاكمة. كما رفض رئيس القضاة البريطاني عام ٢٠٠٧، بعد ان ضربت لندن موجة تفجيرات، طلب الحكومة تمديد فترة اعتقال المشتبه بهم لمدة ٧٢ ساعة، استنادا على مادة العهد الأعظم.

اكتب عن الدستور منذ ربع قرن . ولا اريد تكرار ما كتبته وكتبه الاخرون، فالدستور لايعني شيئا،بدون توفير العناصر الضامنة له، والتي تحميه. هذه العناصر تكمن في توفير  قضاء عادل وقوي، ورأي عام فعال، وصحافة قوية ومستقلة  كما هي الصحافة في فرنسا في القرن التاسع عشر. اذ يعتبر المؤرخ الفرنسي للدولة جاك دوفابر  فابر في كتابه ( الدولة) ان القرن التاسع عشر كان قرن حرية الصحافة في فرنسا. ويتعطل الدستور أيضا بدون وجود  مجتمع مدني فعال لايتخلى عن مجاله المدني للمجتمع السياسي كما يكتب منظر الديمقراطية الحديثة آلان تورين في كتابه ( مالديمقراطية) . فالدول الديكتاتورية أيضا تملك وثيقة  اسمها الدستور، وهي تنص غالبا على ماتضمنته الدساتير الديمقراطية في اوروبا، على الحريات وسيادة  القانون، وان السلطة مستمدة من الشعب. كما تنص على فصل السلطات والمساواة وتكافؤ الفرص وحرية الصحافة والمباديء الاخرى للديمقراطية . ولكن لاقيمة للدستور اذا بقي وثيقة غير محمية . فتعريف السلطة وتسويغها  مثلا، وهو ما يتضمنه أي دستور، لا يتحقق في النظام الجمهوري الذي تقوده طغم مدنية او عسكرية او قبلية او حزبية . كما ان الرأي العام، الذي يعرّفه الدستور بحقوقه وما ينتظره من السلطة لاينال من هذه الحقوق الدستورية شيئا، حيث يتسيد الاستبداد في ظل وثيقة دستورية تنص على تبادل سلمي للسلطة وعلى العدالة والمساواة وتوزيع السلطة وفصل السلطات ومنها فصل سلطة الدين على القوانين وحياة المواطنين، اذ ان فصل السلطات في الدستور الديمقراطي طال سلطة الدين على الدولة  ايضا، وهو ما سمح للعلمانية ان تقود فصل السلطات فصلا واقعيا ومتحققا  ليمارس الدين سلطته على المؤمنين به في البيت او دور العبادة لتكون الدولة ملكا لجميع المواطنين دون تمييز.

الهدف من الدستور، حسب فقهاء الدستور، هو اقامة  نظام عقلاني مستقر يتطور على ضوء الحاجات الواقعية وتجنب العنف والانقلابات التي تنسف استقرار الدولة، ويعزز من استقرار الدولة وفق مبدأ سيادة الشعب عبر الانتخاب العام،ويتجنب الانقلابات والاضطرابات من خلال اخضاع جميع القوانين والقرارات للنقد والمناقشة .

ان معظم الدساتير الحديثة، كما يؤكد دوفابر، تنطوي على بيان لحقوق الانسان والمواطن والحقوق الاقتصادية والاجتماعية.  وهذه الحقوق الدستورية تعززت بالاعلان العالمي لحقوق الانسان عام ١٩٤٨، وبصكوك فيينا عام ١٩٦٦  بعد ان بدأت في لوائح الحقوق في بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا منذ وقت مبكرنسبيا من تطور الحداثة السياسية  حين صدرت وثيقة الحقوق في بريطانيا عام ١٦٨٩ وتضمنت النص  على إن حق الملك في التاج مستمد من الشعب الممثل في البرلمان وليس من الله. كما نصت الوثبقة على حرمان الملك من الغاء القوانين او وقف تنفيذها او اصدار قوانين جديدة الا بموافقة البرلمان، وهو ما طالب به البرلمان في عهد المستبد الملك تشارلز وادى الى اعدامه . لقد تم نزع الالوهية عن الملوك وانهار حكمهم المطلق وظهر الدستور. اصبح الدستور هو الذي يحكم الملك بعد ان كان الملك يحكم ا باسم ا لله ويتعسف باعتباره مفوضا من الله.

الدستور هو (الكائن) المحصن بصلاحيات الفصل بين السلطات، وبتكريس سيادة القانون، كما في إنكلترا. فأحد مبادئ الدستور البريطاني هو انه يطبق من خلال سيادة القانون. أي حكم القانون  كما يكتب Sydney D .Bally  في كتابه British Parliamentary Democracy .اما المبدأ الدستوري الثاني فهو ان للبرلمان سيادة.

ولكن سيادة البرلمان ليست كافة بحد ذاتها. ففي العقد الثامن من القرن التاسع عشر ظهرت مجموعة من فقهاء الدستور في الولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بعمل السلطة التنفيذية وعلاقته بالدستور، تعتقد ان قوانين الحكومة وجهازها الإداري، الخاضع للدستور، هي قوانين لا حياة فيها، وان ما يبعث فيها الروح هي الهيئات غير الرسمية مثل الرأي العام والأحزاب السياسية، وان هذه الهيئات غير الحكومية هي قلب عملية الحكم، كما يقول Austin Ranney  في كتابه The Governing of Men.

ان الدستور والقانون بحاجة الى وسائل حماية لتطبيقهما . ويؤكد على ذلك الفرنسي آلان تورين في كتابه (مالديمقراطية) على انه لا يجوز للمجتمع المدني (أي الهيئات المستقلة) ان تسمح للمجتمع السياسي  الزحف على مجال عملها غير الرسمي، لأن احد اهم ضمانات حماية وتطبيق الدستور والقانون هي العمل المدني الموازي والمنافس للعمل الحكومي.

واذا قرأنا كتاب دافيد أو. ستيوارت المميز (الرجال الذين اخترعوا الدستور في صيف ١٧٨٧)، والمقصود هنا هو الدستور الأمريكي، سنحظى بمتعة الرواية الأكثر دقة عن اجتماع ونقاشات واشنطون وماديسون ومايسون وويلسون وفرانكلين وهاملتون وجيفرسون وبقية رفاقهم وسنجد ان النزاعات النهرية قبل اكثر من عام على اجتماع هؤلاء الرجال كانت الدوافع الأولى. ولكن بمجرد انعقاد الاجتماعات ظهرت قضايا اكثر حدة مثل العبودية، التي تحولت من قضية اقتصادية الى قضية أخلاقية، وصلاحيات الحكومات المحلية وصلاحيات الكونغرس. أي باختصار ظهر سؤال: كيف تحكم؟

الدستور أيضا،ومن جديد، هو منظمة لحل النزاعات سلميا وتجنب العنف. وهو اعتراف بحقوق المواطن وصلاحية الدستور ليكون الحكم عبر القضاء العادل والمستقل والمحمي هو الآخر بالدستور والرأي العام من خلال شبكة متنوعة من العلاقات والوظائف .

         

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5340 المصادف: 2021-04-19 01:39:09


Share on Myspace