 قضايا

سامي عبد العال: حين يكون الكذبُ حقيقةً

سامي عبد العالربما تتعذر "ظاهرة الكذب" في مجال السياسة أمام التفسير المباشر، رغم أنَّ أغلب الطرق تؤدي إليها من جانب: أساليب إدارة الدولة ونظامها الحاكم، وتطبيق القوانين والمناصب العامة، وإقامة العدالة والمساواة، وعمل المؤسسات، وسلوك رجال السلطة، وآثار القرارات، والخُطب العامة، والاتهامات السياسية المتناثرة هنا وهناك. فهذا الأشياء جميعاً محفوفة برمال متحركة من الكذب الخفي حول الواقع والمأمول، حول ما هو حادث وما هو باقٍ لم يُحدّد بعد. ولا تستطيع أنت ولا أنا الحكم بأنَّ ما نسمع ونقرأ حقيقيٌ أم لا، وبأية درجة من درجات الصحة سيكون؟!

ذلك لأنَّ الحاصل هو وجوه سياسية يمكن أن تُرسم كصور خارج المألوف. كما أنها صور لممارسات ليست أحادية الصيغة، بل تمتد متسلقة على أذهان مواطنيها كنوع من تكملة الترويج لسياسات معينة. بجانب أن الشفافية المفقودة يجب أن تكون الخلفية العالية التي لا يمكن تجاوزها ولا ينبغي التنازل عنها أمام المتابعين. كل هذا إذا أردنا أن تكون السياسات معلنة على نحو تفاعلي يعود بالمردود الحقيقي على المواطن.

 الرصيد المتخيل

المعنى البعيد أنه نتيجة سلطة الدولة وهيمنتها سيكون الرصيد المتخيل من قوتها أكبر من الفعلي، وبالتالي سيسبب خوفاً لدي المواطنين من بطشها المفترض مع كل فعلٍّ عام. الأمر الذي يولد السؤال المنطقي عندئذ: ما مدى مصداقية هذه الأشياء ارتباطاً بغايات إنسانية واجتماعية أخرى تخص المجتمعات؟ إذ بالإمكان أنْ تنهمك السياسة جميعها في حركة وهمية ويُروج زعماً لنتائجها على النطاق الأوسع. ولاسيما مع تخلف الأنظمة السياسية وتدني ممارساتها وبروز المصالح الفئوية التي تمثل ثقباً أسود للآمال الشعبية المنتظرة.

ومن جهة أخرى لا ينطبق ذلك فقط على الأنظمة الحاكمة التقليدية، بل قد يرتبط الكذب بأنظمة الدول المتطورة كذلك مع تحولات السياسة وممارسة الخطاب العام. فقد قيل عن إدارة دونالد ترامب أنها كانت عبارة عن "تسونامي من الكذب"، آلاف الأكاذيب أطلقها الرئيس الأمريكي الأشقر الفاقع، وربما كان مهووساً بهذه النوعية من الأحاديث التي تضمر وهماً في إهاب الاعلام. وهي أحاديث تأخذ مراسم صارمة في الحديث والإلقاء بحيث يشعر المتابع أنها جادة لدرجة الإدهاش. وإدارة ترامب في حينها كانت تتعامل مع الأكاذيب بقوة الواقع وفرضه على الشعوب الأخرى (كالشعوب العربية) حين اعترف بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل.

فالأكاذيب كانت معدة سلفاً وجيء بها من وراء البحار لتحط فوق أرض (فلسطين) التي بها تراث لاهوتي وسياسي قديم، ثم أطلقت الأكاذيب على الملأ الكوني تحت عيون العدسات الإلكترونية وبكل وسائل الإبهار الممكنة. أليست تلك العملية صناعة فائقة الجودة لصنف من الأكاذيب التاريخية التي أخذت قوة السياسة واستعاراتها؟!

 ولكن إجمالاً لكون الإلحاح من قبل أية سلطة قائمةٍ على ترويج مواقفها والإيمان بها لا يذهب سُدى، فقد تتعلق الصور المرسومة حول " ما يجري " بالوعي كما لو كانت حقيقية. أي تخرج صور الخيال إلى فعل يسعى (كعصى موسى حين انقلبت أمام سحرة فرعون إلى حيّة تسعى). وليس هذا فقط، بل قد تخلق الصور الزائفة إيقاعها الداخلي عوضاً عن التأثيرات على الصعيد الملموس، ثم تحيط نفسها بسياج من " التتابع والتزامن " على مداها البعيد بطريقة نظام اللغة الذي يولد الدلالة ويفهمنا الكلمات والجمل رأسياً وأفقياً.

لو تخيلنا السياسة مادة دسمة للخداع، فهي تشتغل- بالمقام الأول- على الأوهام كإطار تكويني. أي بسبب أننا نصدق الوهم المختلط بأنشطتها ونتحسب له وننخرط فيه أحياناً، ولأننا نجري وراءه طوال الوقت، فإنَّه يستدرجنا نحو مزيدٍ من حرق المراحل دون طائل. فالآمال والحقوق التي يسعى وراءها الإنسان تحترق كالشموع يومياً حتى وإن تحققت في وقتٍ ما. وهو ما يدفعنا لطلب المزيد، فحبال الأكاذيب طويل ويخترق وعينا رغم جميع التدابير الاحترازية التي نتخذها في لحظات الاستفاقة ومن وقت لآخر. إن جرعات الأوهام التي قد تراق يومياً في وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي تشتغل على تحفيز الرغبة ولا تشبعها. وهي جرعات تدرك كيف تحيط بالمواطن دون أن ينال منها أو يبتعد عنها.

ذلك أننا نتقبل ما هو سياسي بضمان آمال منتظرة (مثل الحياة الكريمة وتحقيق العدالة وفرص العمل الأفضل والمساواة وتداول السلطة واحترام التنوع وقيمه الثقافية) تجد نفسها عارية وسط غابة المصالح والذرائع حيث الصراع والتنافس. ودوماً تعول السياسة على هذا الضمان المفترض لدى الخيال الجمعي collective imagination بلا ضمانات، أي ستكون هناك وقائع مفترضة بلا واقعٍ حتى وإن كان الأخير محدوداً جداً ولا يحتمل أفقاً سواه. وبخاصة في مراحل الانتخابات وكطرح البرامج السياسية والخطط المعدة للنهوض بحياة المواطنين.

ليس هذا مدعاةً لنكران الجهد أو لإجهاض الإصرار على بناء المجتمعات والدول والسير في ركب الحضارة، إنما لكشف طرائق العمل التي تدفع السياسة نحو الانحراف. وتحليل لماذا يصدمنا اختياراتنا السياسية كما لو لم تكن هي بذاتها ما نطرحها؟ وكيف يتجسد ما نخشاه من أكاذيب كواقع له قناع الحقيقة وبلاغته المتلونة؟ وهل تعد الأكاذيب أشباحاً لأشياء فعلية أم أنَّها كائنات هلامية تفرز حيلها عبر اللاوعي؟

 قوة الكذب والكهنوت

التفرقة هنا ضرورية بين مقولة " الكذب بوصفه حقيقة "lying as truth وبين "الحقيقة بوصفها كذباً "truth as lying . في الحالة الأولى عادة ما يكون الكذب سلطةً ذاتيةً تلتهم الفرص المتاحة لفرض سطوته محاولاً إقناع المتلقي بأهميته وخاطفاً الوعي نحو ما يزعم. وبالتالي يصبح لدى الكذب مساحة للانتشار وجلب عوائد معنوية أكبر من أنْ تحصى. بكلمات واضحة أنَ الكذب نظراً لوعيه الذاتي المراوغ بفاعليته يندفع لتحقيق وجوده كما لو كان كذلك. ربما أنَّ مجمل تأثيره يكمن في تكريس أشكال الحضور forms of presence طالما لديه القدرة على التكرار. الأفعال السياسية لا تمل من تكرار الوقوع في الأخطاء لتخرج منها (كأنَّ شيئاً لم يكن). وإذا كانت هناك سمة عامة تتمتع بها السياسة فهي عمليات التكرار الزلق نحو انحراف داخلي كنوع من التشوه الذاتي، لأن هناك عوامل كثيرة ومتغيرات مفاجئة على نطاق واسع. فالمجال العام يستحيل التحكم في متغيراته مهما تكن السياسات التي تهيمن عليه.

إذن الكذب كما لو كان حقيقة (كصورة مزيفة false image) يستحوذ على السلطة في هيئة قوة دفع ذاتي، ورغم كونه يستعيرها (أو بالأحرى يجسد استعارتها metaphors)، إلاَّ أنه يعكسها متوحداً بأثرها القوى. وتعبير (كما لو (as if مهم جداً لأن السياسة مشبعة حتى الثمالة بهذا المعنى، وقد لا تُعنى إطلاقا بما وراء كأن هذه، أنها تظل قيد التشبيه، المجاز حتى بالنسبة لفعل إدراكها من المتلقين. والسلطة عندما تجد الكذب مجدياً في غلبة معارضيها وفرض تأثيرها، فإنَّها تظل هاجساً داخله والعكس يصح أيضاً، تحدد حضوره وتستعمله في تحقيق مصالحها. ومن تلك الزاوية ربما لا يسمى أي كذب كذباً بمعناه الأخلاقي، ويصعب بل يستحيل تصنيف أية أفعال وأية خطابات تنتمي إلى تلك الدائرة وأية أشياء تخرج إلى غيرها.

علينا التمييز بين عدة مستويات من الكهنوت الذي يغطي ويخدر الوعي لتمرير الأكاذيب. الكهنوت الديني يفرض سردياته المجازية في شكل تأويلات خاصة بالدين وتاريخه الممتد، وينفخ فيها سلطة مطلقة مطبقاً إياها كلياً بحسب الاعتقاد السائد. والتأويل نوع من المجاز اللغوي لأحدى وجوه النصوص المؤسسة، وإذا كان لن يُقبل من جهة الفهم، بل من زاوية القوة السياسية والاجتماعية التي يحملها، فإن كل تأويل يحاول اقتناص (خلق) قوة تعادل طبيعة الواقع والتغلب عليه. وعليه سيكون التأويل نوعاً من أيديولوجيا الكهنوت في أشكال أخرى، ولن يكون حقيقياً بمعنى الحقيقة المعروفة. فالكذب بالنسبة إليه ليس آتياً من زاوية مخالفته للحقيقة، بل سيأتي انحرافاً في فهم النصوص الدينية واستغلالها وبناء ممارسات وأفعال فوقها تأخذ المعالم نفسها.

 ونتيجة استمرار المنطق ذاته، يغتصب الكهنوت الديني كافة أشكال الحقائق، ويعيد إنتاجها في أنماط مقدسة تخضع لأصحابه بنهاية الأمر. وبالتالي فالمشكلة تكمن في اتساع مفهوم القداسة كشيء مادي، أي يتحول من شعور قوامه الخوف والرهبة لدى المؤمنين إلى كيان عيني يتقمص مؤسسات وأشخاصاً ونصوصاً. وفي محاولة لرد الفعل، سيتحول الكيان المصور هكذا إلى سلطة مطلقة في ذاته. اغلب الظن أنَّ ذلك هو ما يحدد طبيعة المذاهب والجماعات والتنظيمات الدينية. وهو أيضاً يحدد طبيعة التصورات والأفكار، لتكون الأخيرة منطوية على نوع من المجاز غير الحقيقي. ولذلك فإن كل عبارات الجماعات المتطرفة وشعاراتها هي مجرد مجاز يصطاد ضحاياه على مذبح اللغة إذ يؤدي في النهاية إلى الإرهاب. ويجعل من الكلمات تفريغاً عاطفياً قوياُ بموجب الكيان الضخم للعاطفة الدينية التي تجتذب إيمانهم فيما ليس ملموساً.

الكهنوت الاجتماعي قوة تنزع نحو استلاب حرية الأفراد، حيث تفرغ إرادتهم الرافضة والمتمردة على أساليب الضبط والهيمنة. وطالما غدا الإنسان ضعيفاً بلا قدرة على الرفض، فإنه سيعطى نفسه وإرادته للآخرين. يبدأ الكهنوت الاجتماعي بفرض الصمت على سريانه وينتهي بالقتل الرمزي غير المباشر فارضاً مناخاً من الزيف المشترك. وهو يتضخم باستمرار مع حجم قدرة الاستعباد وبث المخاوف وتعميم القهر وإعادة فرض العادات والتقاليد، عندئذ فإن الكذب هو الوسادة الوثيرة التي يريح الفرد عليها عقله وجسده وحياته ومصيره، ويغط في نوم مريح ليسمع أصواته الجانبية كل الآخرين.

إنَّ الكذب فن اجتماعي أصيل إلى درجة الظهور في المجتمعات المقهورة، لكونه أشبه بالمرايا العاكسة لضخامة الأشكال والأوزان وأبعاد العلاقات السائدة. إنّ قوته لا تأتي من تماسك داخلي بقدر ما هو مشبع بمحاولات الهيمنة على الآخر. ولذلك يخاتل الناس بعضهم البعض من خلال الممارسات والطقوس الاجتماعية كأنهم يشاهدون مرايا متقابلة ويمعنون في تضخيم صورها بالتبادل. وبالطبع يتم ذلك عبر مظاهر الثراء والعلاقات الاجتماعية وعلاقات السلطة والتمايز الطبقي والفئوي والمفاضلة في الأعمال وأهميتها.

كلُّ كذب يعالج العلاقة المزدوجة التالية: الامتلاء الأجوف بحضور المعنى من ناحية وقطع المسافة تجاه الشركاء عائداً بردم متخيل للثغرات من ناحية أخرى. والكذب أيضاً نوع من إكسسوارات accessories الحياة الاجتماعية التي تتغير من مرحلةٍ لأخرى، كأنها قيمة مضافة تجلب أرباحاً رمزية طوال الوقت. فمظاهر البذخ والطقوس والمناسبات وما يتعلق بها من إعداد ومغالاة وأعمال إنما هي أكاذيب براقة إلى حد القبول المشترك. والغريب أن يمارسها المحتاجين والفقراء بعض الوقت للحاق النسبي بقطار التسابق الاجتماعي، ورغم انهم داخل نفق شبه مظلم لا أمل يرجى منه غير أنهم يجدون في الكذب واقعاً بديلاً ولو كان مؤقتاً. ولا يتم ذلك بشكل أرادي كامل بل هناك قهر مسلط ومعكوس في تصرفاتهم.

في المجتمعات العربية تمارس سلطة التقاليد دور الكهنوت، ولارتباطها بالموروث الديني فهي تخاتل الأفراد نافذةً إلى جميع أنشطة المجتمع صغيرها وكبيرها. وهي في أساسها قدرة على التظاهر السطحي بما يتوافق مع الشأن العام ويخادعه، ويتناوب فيه لأفراد علاقات برانية دون جوهر. إن الكذب يتسرب حتى في أنماط برانية من الحضور المغلظ اجتماعياً ويرشق نفسه لدى العلاقات والظواهر المحكُّومة بالعادات والمظاهر المترتبة عليها.

 أما الكهنوت السياسي فيستند إلى الكهنوتين السابقين، ففي المجتمعات الأقل تحضراً تستثمر السلطة السياسية الدين والنظام الاجتماعي لتكريس استبدادها وتخلفها. فالحاكم العربي مازال يجلس على كرسي العرش كنصف إله دون رقيب ولا حسيب ولا نقد ولا مساءلة ينبغي توجيهها إليه. وبين ليلة وضحاها يخلق من ذاته اسطورة داخل بزه حداثية وعبر فضائيات ساحرة واجتماعات مهيبة وعبارات رنانة، غير أن عقله في الأخير مجرد صندوق أسود لعمليات الكذب المبرّرة سلفاً بطابع الدين والمجتمع.

الحاكم العربي لا يكذب حرفياً، لكنه يعلم – من مكانة التألُّه والتقديس المزيفين- أنه يعمل لصالح شعبه بكل يقين ممكن!! وأنه يدرك كافة الأشياء النافعة والضارة لهم دون جدال. ولا ينبغي لأي فرد أو جماعة أو حيوان اجتماعي حتى مراجعته ولا معرفة ماذا فعل ولا ماذا سيفعل في المستقبل، كل شيء كان يتم وسيتم بتكتم شديد انتظاراً لإعلان النتائج على الملأ دون أدنى اعتبار للشعوب. ذلك في غياب مبدأ الشفافية الذي في غيابه يصبح كل شيء مباحاً أو على الأقل غير حقيقي.

 ومن أسف ٍ أن الكذب يعشعش، يبيض، يفرِّخ، يمشي، يطير بتلك الأدمغة الحاكمة التي أكل الصدأ عليها وشرب، والحكام يعلمون سلفاً أنهم لا يقولون الحقائق ولن يقولونها. فكل شيء مبرر في مفاهيم الدول الحديثة لدينا: الاعتقال و الأقصاء والملاحقات الأمنية والقتل والمحاكمات غير العادلة لأجل الحفاظ على هيبة الدولة، وهناك سياسات الإفقار بدعوى انتشال الناس من المرحلة الحرجة، فضلاً الاستبداد والديكتاتورية لكيلا ينفذ أعداء الوطن إلى مواقع المسئولية. كل هذا متاح بينما لا تعرف الخطط وبرامج التنمية إلاَّ بعد فشلها دون غربلة ودراسات جدوى وتنقية الآثار الجانبية.

هذه الأوضاع السياسية التي تمر بها جميع دول العرب تقريباً هي بيئة خصبة جداً لاعتبار الأكاذيب حقائق، أوضاع هي بيولوجيا السلطة لنشأة واستفحال فيروسات الكذب، فمجتمع الاستبداد والعبودية يمثل حاضنة رئيسة للكذب وتجسيده في هيئة مسئولين ومؤسسات لممارسة التضليل الاعلامي وطقوس التصديق المجاني. وإذا كانت بعض النصوص والسرديات الدينية وقعت فريسة للتحريف والتزييف في إطار ظروف سياسية واجتماعية، أفلا تكون الدساتير والقوانين مجرد أكاذيب مقننة في إطار شعائر السلطة. ثم حال التطبيق لا تلوى على أي شيء في أرض الحياة. وعلى الأقل تمثل (معلقات قانونية) على جدران مجتمعات محرومة من أبسط حقوقها الإنسانية.

أمَّا مقولة " الحقيقية بوصفها كذباً "... فوراء تلك العبارة يوجد انكشاف وافتضاح لأمرها قائمان على الإنكار والوعي الناقد ومراجعة التاريخ واستعمال العقل استعمالاً صارماً. وفي تاريخ الثقافة العربية هناك من الأفكار والطقوس والنصوص التي تتعرى تدريجياً. ويتضح أن هالة القداسة التي تغلفها كانت محض صناعة سياسية واجتماعية، فالكهنوتان الديني والسياسي ارتكبا حماقات لا تغتفر في إشعال الحروب بين الطوائف والملل والنحل والمذاهب وصولاً إلى موجات الإرهاب والتطرف المعاصرين. فالإرهاب أثبت أن الأكاذيب بمعناها التأويلي والمجازي بإمكانها أن تدمر الحياة وتقتل الإنسان. فالكذب ليس لغويا من خلال الخطب الصوتية، لكنه تراكم كراهية تجاه المخالفين وتجاه المجتمع ككل.

 القفز على الواقع

إنَّ الكذب في تاريخ الإسلام السياسي لا ينتهي، فهو فجأة يقفز على أرض الواقع (خريطة الأحداث) فيصبح أشد شراسةً من الكوارث المدمرة. فالإخوان على سبيل المثال كانوا بالأمس القريب ومازالوا يفرضون جماعتهم نفسها كحقيقة بناء على مدونات فقهاء العنف والدم والجهاد والنحر، ولا تفرق أدبياتهم بين الاعتداء على بشر وحيوان أو شجر. وأخذ المتطرفون الحركيون يتعاملون مع سياستهم الشرعية كامتداد لدولة الرسول مع أنه محض تزييف إعادة اختراع اخواني أو سلفي للخلافة التي لم تتجاوز مساحة ضئيلة جداً من عمر الإسلام المبكر.

وهي المرحلة ما لم تخضع للنقد والفحص التاريخيين على نحو تفصيلي: كيف ولدت الخلافة، وماذا عن الأحوال التي آلت إليها؟ ولماذا كانت الخلافة ولم تكن سواها؟ وكيف حكم الخلفاء الأوائل كبشر خطَّاءين مثل كل البشر كما يقول التاريخ؟ وما طبيعة الصراع السياسي والاجتماعي الدائر بينهم؟ وكيف أنتجوا نصوصاً واتفاقيات وتصورات مازالت عالقة بالإسلام حتى الآن؟ بل كيف ظل الإسلام نفسه كدين كوني (كرسالة للعالمين) متعلقاً بالمحددات البيئية التي انتجتها الخلافة؟!

ما ينطبق على الإسلام السياسي ينطبق على مفاهيم الدولة العربية الحديثة، تلك التي ظهرت بعد الاستعمار حيث فرضت وجودها ككيان معنوي حداثي بينما هي مختلطة (حتى الغرق) بتصورات بدائية وقبيلة ولاهوتية وعائلية وأخيراً وظيفية. لكونها كمفهوم حداثي (شخصية اعتبارية) لا تجد ماصدقاً بلغة المنطق (شخصية عينية) على الخريطة الفعلية من الأحداث والتطورات. إذن الحقائق تقول هناك جثة مادية مترهلة اسمها الدولة، غير أنَّها بلا روح تقتات على نتاج الأكاذيب والاستعارات التي تتولد في عقول مواطنيها. والصراع الدائر الآن (منذ ما قبل الربيع العربي وبعده) هو نتيجة الصراع بين الاستعارات السياسية التي تتطاحن داخل كل مؤسسة حاكمة وداخل كل قصر رئاسي وكل قرار يتخذه حاكم ناقضاً أسس دولته الملقاة بإحدى زوايا التاريخ.

هناك سؤال بسيط جداً ينبغي لكل مواطن عربي أنْ يطرحه: هل حاكم دولته أو ملكها أو أميرها أو سلطانها حاكم يتسق مع مفهوم الدولة أم أنَّه أي شيء آخر إلاَّ أن يكون ذلك؟ ماذا يكون بالضبط، هل هو شيخ قبيلة أم كبير عائلة أم قاطع طريق أم زعيم عصابة أم فَتَّاء في جميع القضايا بمنطق الإفتاء الديني؟ لماذا تجتمع كل تلك الرؤوس المشوهة في رأسه ككائن خرافي تسلل إلينا خلسة من التاريخ الغابر؟ هل مازالت تلك الحفريات السياسية موجودة وسارية؟

 مهما تكن الإجابات التي يجب الكد بحثاً عن صياغتها، فالواقع يحتاج فهما بمزيد من التدقيق ومطاردة الاكاذيب. نحن في أمس الحاجة إلى ابتكار وسائل ثقافية وفكرية لصيد الأكاذيب كصيد الفئران. ليست تكفي كل أجهزة " كشف الكذب" عندما يكون الأخير مسكوتاً عنه نفاقاً وتزلفاً، لكن الوعي الناقد والحر يبقى هو الغربال الذي يتجنه رجال السياسة. ولا يتحقق هذا الوعي إلاَّ بتحرير العقل من هيمنة القوى المتسلطة على الفكر.

وبخاصة أنَّ تلك القوى لا تأتي إلينا عارية واضحة كوضوح النهار، بل على العكس هي تتسلل خفية إلى كل أنشطة الحياة ولا تترك شاردة ولا واردة دون استثمارها لفرض وجودها. حتى أنها قد تتحول إلى شفرات أحيانا، فالكذب لا يُرى عادةً، لكنه يُحس كالغريزة الكامنة في تضاعيف الحياة، ومن ثم علينا أن نقاومه تفصيلياً وتشريحياً بالطريقة ذاتها. شريطة أن تكون السياسة انفتاحاً حُراً يثري التنوع في المجتمعات الإنسانية على أسس الشفافية والاختلاف والحوار وتداول السلطة. فالسياسات ليست فنونا للممكن إلاَّ من حيث كونها فنوناً لإمكانية التحقق لا فرض الكذب فرضاً لدرجة التوهم.

 

سامي عبد العال

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5341 المصادف: 2021-04-20 03:32:18


Share on Myspace