 قضايا

مجدي إبراهيم: وادي الحُمَقاء

مجدي ابراهيمكثيرة هى الأحيان التي نزعم فيها لأنفسنا أننا أصحاب عقول، وقليلة هى الأحيان التي نتهم فيها أنفسنا بالغفلة والجهالة والعبث في غير طائل فتجيء أعمالنا قليلة الجدوى غير مرجّوة الثمرة. وما أكثر ما يكون المرء في تلك الحالة على البلادة والعنت ونكران الجميل: نكران الجميل لا مع الخلق وكفى؛ بل مع الخالق، جل شأنه، فإن البطر نكرانٌ للجميل مع رب الناس, رب العالمين.

يبدو المرء في الواقع بعيد في تلك الأحيان عن جميع الأوصاف الحميدة التي تؤهله لأن يكون من ذوي الوصف الجميل من الأخلاق والأفعال. لاحظ كل ما يمكن أن يكون موصوفاً به في مثل تلك اللحظات التي يضعف فيها، وتنبه جيداً إلى أحواله النفسية، إلى أفكاره وأفعاله وسائر تصرفاته، تجده مخلوقاً حقيراً لا يستطيع أن يقدّم فكرة ولا عملاً ولا طريقاً للهداية والتهذيب: إرادته مسلوبة، وفكره مشوش أو مضطرب، وعمله مشلول، معوَّق ومعتوه لا يصلح أن يكون قائماً بين الأعمال النافعة المفيدة، تلك هى أظهر أحواله وأخلاقه وصفاً لحالات الضعف التي تعتريه؛ وما أكثرها!

إنها لأوهام يتمثلها ومدارك يتوهَّمها، حتى إذا شاع الوهم في مدارك المحجوبين تبدَّت الحياة أمامهم وكلها كأنها حقائق. تلك الحقائق التي يتصورونها من فعل الوهم، وهى في الحق سرابٌ خادعٌ وعمل لا خير فيه! إنه لزمن عجيب؛ ذلك الذي نتصور فيه الحقائق في حين لا ندرك فيه إلا الأوهام!

زمن ليس فيه من القيمة إلا ما يملأ النفوس من الأوهام، وبخاصة أوهام الآفات التي تصطدم مع العقول المستنيرة ولا تعطي تصوراً واضحاً لإتاحة الفرصة لها كيما تفكر في تصحيح الأحوال؛ إذْ تراها معوجَّة كما تراها سارية وكأنها تمضي على منهج منظم مضبوط، لكنه مكتظ بالعديد من الأخطاء الشائعة الشائهة، على ما تراه من كثرة الآفات والمصاعب والعقبات التي تلازم كل عمل في كل حال: هذا زمن الآفات .. زمن العدوان، زمن الغفلة السارية دوماً بغير عقال! زمن العقول التائهة الحيرانة التي لا تدرك ولا تعرف كيف تدرك؛ لأنها لا تريد أن تدرك، ثم تتصور على الضلالة أن اعوجاجها إدراك. زمن الأوهام الشائعة الشائهة في دنيا الضلال والعوج والبلادة والتشويه. زمن يفتقد فيه المرء معالم الثورة الداخلية فلا يمضي إلا إلى ضياع.

ليس ينبغي علينا ولا يجوز أن نقول إن العيب فينا، فابحثوا - أفادكم الله!- عن عيوب نفوسكم لتستشعروا آفاتكم وتعالجوا - من ثمَّ - أمراضها، لا، لا ينبغي علينا أن نذكر هذا وكفى، وعلينا من أجل ذلك أن نتصدى لا لأنفسنا فقط بل أيضاً لزماننا الذي يجدر به أن يتطَّهر كما تتطهر النفوس من أدرانها؛ لأنه بلا ريب زمن الغفلة الشائعة الشائهة والضمير الساقط في الغالب من أكثر الأفراد حتماً في كل مكان، وبغير استثناء. 

وإذا كثرت فينا الأوهام وكثرت أمراض التصورات واضطربت الدنيا بالمطالب الفانية، أدركتنا كوارث هى من فعل أيدينا تطيح بنا ما لم تتداركنا في المطلق رحمة السماء. لكن جميع هذه الأحكام الشائعة فينا ترتد إلى ضعف محقق بكل تأكيد؛ سَبَبُه الأول والأخير يكمن فيما يبدو للوهلة الأولى في قلة الصبر على المكاره. وقلة الصبر على المكاره تعني فقدان الإرادة وفقدان المقاومة؛ وإذا فقدت الإرادة وفقدت المقاومة فقدت تباعاً أسس الأخلاق النافعة لترقِّي الفرد، وتهذيب مطامحه ومطالبه، وصار في جميع أحواله وأقواله عرضة للضياع الذي لا شك فيه.

 كان ضرورياً من ثم أن نستحضر ثقافتنا الروحية لنتذوق جهاد المرء لهذا الخضم الهائل من ضروب المتناقضات؛ فإذا أمامنا المثال القائم عند صوفية الإسلام: كان ضرورياً للصوفي أن يبدأ الطريق بضرب النفس بأقدم حذاء، وصار واجباً أن يتخلى وهو بإزاء رحابه العلوي عن الغرور الأجوف والإدعاء البغيض والأنانية الحمقاء، وأن ينصرف إلى ما يهمَّه من مرضاة ربه غير عابئ بما يَتَوَهَّمه من انتصارات يتحصَّلها في وادي الحمقاء.

ألا ما أصدق حكمة الشيخ الأستاذ الإمام "محمد عبده" حيث قال: " أخفى شيء على الإنسان نفْسَهُ، وليس من السَّهل أن يعرف دخائلها". وفي كتابه "الرياضة وأدب النفس" قال الحكيم الترمذي بعد كلام طويل:"إنّ النفس إذا اعتادت اللذة والشهوة والعمل بالهوى، أقبل على فطمها عن العادة في كل شيء؛ فكلما أشتد عليها فطم شيء، فأقبل قبل (اشتداد) ذلك الشيء حتى تفطمها عنه حتى يصير قلبك حُرَّاً, يألف الله عز وجل ببِّره ولطفه". ومن تعريفات سيد الطائفة "الجنيد بن محمد البغدادي" للصدق إنه قال في مخطوط له بعنوان "في الفرق بين الصدق والإخلاص" ما مفاده؛ إنه من الضروري في مسيرة الطريق، ومما لابد منه فيه:" القيام على النفس بالحراسة والرعاية لها، بعد الوفاء منك بما عليك ممَّا دلَّك العلم عليه، في إقامة حدود الأحوال في الظاهر، مع حسن القصد إلى الله عز وجل في أوَّل الفعل".

وأنت ترى من تلك الشذرات النادرة المعجونة بأرواح أذواق أصحابها ما من شأنه أن يفيد القيام على النفس بالمراقبة، والصمود عند زوغانها، واتهامها على الدوام بالتقصير، وحُسْن سياستها إلى حظيرة الجهاد، وفاءً منك بما عليك في مدلول العلم والشرع مما يقيم ظاهرك على التوجُّه بحسن القصد إلى الله في الأعمال والأفعال بُلْه الضمائر والأسرار.

وإذا اتصلت السريرة القلبية بوحدة قصدها نالت ما تريد مما لم تكن تتوقعه مطلقاً، المهمُ هو هذا الاتصال، المهمُ هو رفع الهمَّة عن دنايا النفس بالمرة واتصالها بالله سبحانه؛ وفيه قال الجنيد أيضاً في الفرق بين الصدق والإخلاص:" إذا اقتصرت همَّة عبد على الله نال معرفته. وإذا أنال الله عبده معرفته، فقد حيزت له الدنيا والآخرة"؛ المُهم أن تقتصر الهمَّة، وتنكمش في هذا المطلب وحده دون سواه.

ومعنى اقتصار الهمة: ليُّ عنق النفس ليَّاً قوياً بالتمرين على فنون المجاهدة، والتدريب على العناء. هنالك يكون الفرح بالله لا يعدله فرح سواه كما روي الإمام الجنيد في أدعيته المأثورة أيضاً:" اللهم أملأ قلبي بك فرحاً ولساني لك ذكراً، وجوارحي فيما يرضيك شغلاً. اللهم أمح عن قلبي كل ذكر إلا ذكرك، وكل حب إلا حبك، وكل ودِّ إلا ودِّك، وكل إجلال إلا إجلالك، وكل تعظيم إلا تعظيمك، وكل رجاء إلا لك، وكل خوف إلا منك، وكل رغبة إلا إليك، وكل رهبة إلا لك، وكل سؤال إلا منك".

ومن المؤكد أن الانتصار على النفس يكون بالدعاء، والتضرُّع إلى الله في أن يعين العبد على نفسه، والثقة بالله في نيل المطلوب، مادامت الهمَّة موصولة غير مقطوعة، ومادام النَّفَس العلوي باقياً على هِيجِّير الحضور وديدن العرفان.

لم تنقطع تلميحات الصوفية ولا تلويحاتهم في الإشارة المعمقة بوجوب الطرق الدائم على أن الوصول إلى الله تعالى لا يكون إلا بموت النفس، من ذلك ما قاله ابن عباد الرندي في شرحه على حكم ابن عطاء الله السكندري:" وسبيلُ المريد إلى الوصول إلى موت النفس، إنما يكون بتقديم الافتقار والالتجاء إلى مولاه في أن يعينه ويقوِّيه على أمر نفسه، ويسهل عليه طريق سلوكه. وعليه أن يستعمل هذا (العلاج دواء لنفسه المريضة) في كل حال ووقت، وليجعله عُمْدَته فيما هو بسبيله ..".

وليس من شك في أن الدعاء مخ العبادة، ومحور العبودية في مناجاة الله: هِجِّير العارف في مناجاته، وعبادته على الإخلاص توفيق، ولنتذكر شذرة سَهْل بن عبد الله التُّسْتَري التي تقول:" الأعمال بالتوفيق والتوفيق من الله, ومفتاحها الدعاء والتضرُّع".

نفذ شاعرنا العربي ببصيرته إلى حقيقة النفس البشرية عندما قال إنها على الدوام تنزع إلى الرغبات إذا هى وجدت المساندة من صاحبها فيشتد بها هذا النزوع حين يدفعها إلى ذلك، لكنها في الوقت نفسه تكتفي بالقليل لو أنها ارتدعت وكفَّت عن النزوع إلى الكثير الذي تريده؛ فحيث يكون الرضي ترضى، وحيث تكون الرغبة ترغب، وما يقال عن الرضى والرغبة، يقالُ كذلك عن إرادة الامتناع؛ فحيث يكون المنع تمتنع، وحيث تكون الرغبة ترغب، وحيث تكون القناعة تقنع:

والنفسُ راغبة إذا رغَّبْتَها       وإذا تُرَدُ إلى قليل تقنع

غير أن القانون في علوم الطائفة يبدأ بالصبر والمقاومة والإرادة: مطالبُ النفس القوية العجيبة، لكن الذي يدفعك إلى الصبر هو "الحب"، والذي يدفعك إلى الحب هو "الإيمان": والصبر نصف الإيمان، والنصف الثاني فتح بصير من عند الله، لكأنما الشاعر يريد أن يقول لك من بعيد: أصبر نصف دينك، وانتظر رحمة الله في النصف الآخر. إنما الصبر فضيلة عظيمة، هى هى الفضيلة الباقية من جوهر الإنسان، كانت موجودة ولا زالت في جميع الثقافات والحضارات الإنسانية، كانت تسمى إرادة جبارة، أو عزيمة فعالة، أو كانت تسمى تنبُّهاً وتركيزاً شديدين، وهما في الواقع عبارة عن "الصبر" بالاصطلاح الديني، وإنْ أتخذ هذا الاصطلاح أشكالاً من التعبير الفني في الثقافات المختلفة.

إن قلة الصبر على المكاره وابتعاث الإرادة في وادي الحمقاء، لهو عينه الهلاك المحقق للذين فقدوا إرادتهم حين فقدوا الصبر ولم يتحلوا بالتصبُّر وركلوا الاصطبار. ومع فقدان الإرادة وفقدان العزم النافذ والتصميم الفاعل تنبعث الإرادة الإنسانية لتصير كما السائمة في وادي الحمقاء.

وادي الحُمَقاء! وما هو وادي الحُمَقاء؟!

وقبل أن نوضِّح من جانبنا ماذا عَسَاه يكون وادي الحُمَقاء هذا، علينا أن نجلي حقيقتين بإزاء ما يجري تعاملاً مع النفس البشرية. أما الحقيقة الأولى التي نستخلصها فهى عندي دعوى معرفة الإنسان نفسه بنفسه أو دعواه بأنه أعرف الناس بالناس؛ فهذه وحدها تعبيرٌ مما لا شك فيه عن "بصيرة مطموسة" في التَّوَجُّه وفي التقدير:

أكبر داعية لوصف المرء بأن بصيرته مطموسة هو تلك الداعية المقرَّرة في وصف الذين ينصرفون عن أعمالهم إلى غيرها، ويتأذون بما يسمعون من لغط منفِّر تضخُّه في آذانهم ألسنة الحاقدين الحانقين. هؤلاء ليسوا في الواقع أهلاً للعمل ولا هم بأهل للإنتاج؛ لأنهم ليسوا على قناعة بجدوى أعمالهم. فإن الذي يمضي على قناعة تامة بعمله لا يتوقف أمام نظر الآخرين ولا أمام انتقاداتهم وتعليقاتهم، مهما كانت هذه الانتقادات من السلب تدبيراً ومكيدة في الجلسات الساقطة، أو من العبث الذي لا فائدة فيه، وكائنة ما كانت تلك التعليقات من البخس والجور وهضم القيمة - كل قيمة وأي قيمة - على كافة الأصعدة.

فليس كل من يريك من نفسه نقداً أو تعليقاً هو من أهل الفتوح في عالم النقد والتعليق، وكم من الناس يزعمون لأنفسهم مزاعم الثقافة والعقل والشمول والإحاطة، وفي المقابل تجد هذه المزاعم مجرَّد مزاعم لا أساس لها من الصحة ولا صحة لها من أساس مقبول؛ بل أساسها الوحيد هدم القيمة أينما وجدت، واتصال الهدم بشيء محفور في نفس الناقد ليس له ما يبرِّره سوى تسفيه الأعمال، وسوى ذلك السواد الباطني من تمكن الغلِّ والضغينة لبني الإنسان من خلق الله. ربما يكون ذلك الذي ينقد أو يعلق من خاصَّة المثقفين كما يزعم هو لنفسه, ربما ولكنه في نظر كثيرين يبدو في المقابل من الأدعياء، وكل دعيِّ هو في الواقع من أهل البصائر المطموسة، والذي يتبعه في رأي أو في  منهج أو في تقليد هو كذلك ذو بصيرة مطموسة. وأهل البصائر المطموسة ليسوا أهلاً للصحبة؛ لأنهم ليسوا أهلاً لأن يكونوا أصحاب وعي ينفتح على بصائر الصابرين من ذوي الصدق النافع؛ إذْ البصيرة المطموسة وحدها هى التي تحركهم، وهى التي ترشدهم إلى ما في النفوس من مقدرة على خلق الشرور والآثام.

كذلك؛ هى هى التي تصوِّر لهم الحقائق أوهاماً، والخيال واقعاً والواقع خيالاً، كما تصوِّر لهم بصائرهم المطموسة تلك، أن يمضوا إلى درجة كبيرة من درجات الوعي بما في نفوسهم من مواهب وقدرات حصَّلوها من عنت التفكير في أذيّة خلق الله، يمضوا إلى تحطيم كل خير وكل سعادة يشعر بها الآخرون. أن التدبير الحقيقي الذي يخلقونه بعقولهم كيما تنفتح على وقائع الأحياء، هو هو التدبير الذي يقدَّم على أنه خير، وخير كثير، وهو في الواقع تدمير: أشر ما تنضح به سخيمة الإنسان.

هذه هى الحقيقة الأولى التي نقف عليها في تجلية ما عساه أن يكون تعاملاً مع النفس البشرية. أما الحقيقة الثانية؛ فهى المقصودة مباشرة من وادي الحمقاء هذا؛ فما هو وادي الحمقاء؟ هو وادي لأناس تصوَّروا جهلاً أو غفلة أنهم أعرف الناس بالناس، وأعرف الناس بأنفسهم، حتى إذا ما راجعت أحدهم في كلمة قالها أو فكرة تشبث بها أو رأي ارتضاه لنفسه أو حتى خطة من خططه المقلوبة، قال لك من فوره: إني لأعرف جيداً نفسي فضلاً عن عرفانه بالناس! وهو في الحق كاذب أو مخدوع؛ لأن درجة معرف النفس على حقيقتها هى من الصعوبة بمكان بحيث تنعدم معرفتها أو تكاد في الغالب أن تكون متاحة من الوهلة الأولى: كل الأمور تهون، ولا تهون قط معرفة الإنسان لنفسه؛ فالأحمق هو الذي يدَّعي أبداً أنه أعرف الناس بنفسه فضلاً عن دعواه بأنه أعرف الناس بالناس، تقوده الدعوى هذه التي يقرر فيها أنه عَرَفَ نفسه حتى انقشعت عنه ظلماتها، فإذا هى أمامه نور أو ما يشبه النور، إلى جهل محقق لا معرفة فيه ولا هداية بكل تأكيد بل هو غرور.

(وللحديث بقيِّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5344 المصادف: 2021-04-23 02:05:41


Share on Myspace