 قضايا

مجدي إبراهيم: وادي الحُمَقاء (2)

مجدي ابراهيملم يكن "سقراط" يقولها عبثاً تلك الحكمة الخالدة التي وجدها مكتوبة على معبد دلفْس بأحرف من ذهب "أعرف نفسك"؛ ولم يكن تمسّكه بها نهجاً فلسفياً لمعرفة الحقيقة وكفى، ولكنه كان فتحاً روحياً بالنسبة له في عالم المعرفة وعالم التفكير، إذْ التفكير الذي لا يقود إلى عرفان المرء لنفسه هو تفكير أخْرَق مركب مع الحماقة، وإنما صواب التفكير يعطي أن كل إنسان يحمل في باطنه "مبدأ المعرفة" وشرارتها المُنقدحة في قلبه، وله أن يطمر هذا وله أن يظهره، وهو في ذلك على اختيار من طاقة العقل إنْ شاء وإنْ أبى، بإمكانه ذلك وفي مقدوره، لكن منهجية سقراط قَضَتْ أن يتوصَّل المرء إلى ذلك النور المعرفي بطريقين: طريق التهكم وطريق التوليد.

غير أن عرفان المرء لنفسه من المؤكد يكمن في جهله بها على الدوام؛ لأن هذه المعرفة نفسها فيما لو تحققت من جهة أخرى لتحققت معها معرفة الله، وقد أجمع الصوفية على أن "مَنْ عَرَفَ نَفْسُه عَرَفَ رَبَّه".

ليس هذا من التناقض في شيء؛ بل غاية المعرفة هى في هذا الجهل، غاية المعرفة في الحيرة التي تقف المرء على قلة معرفته بنفسه، فضلاً عن معرفتها بربه، ولمحمد بن واسع أحد المتصوفة الكبار إشارة يقول فيها:"مَنْ عَرَفَ رَبَّهُ قَلَّ كلامَهُ وَدَاَمَ تحيُّره"؛ لكأنما المعرفة صمت في حيرة. إنما النفس بئر غائر سحيقُ قلما يصبر الماهر على الغوص فيها حتى الأعماق، وما أصدق حكمة الإمام محمد عبده حين قال كذلك: "أخفى شيء على الإنسان نفسُه، وليس من السّهل أن يعرف دخائلها".

ولمّا كان الإنسان مسئولاً عن نفسه أمام ربه، كانت محاسبته لها تزيد من إيمانه، وإهماله لها أيضاً تنقص زيادة الإيمان. ولا شك أن معرفة النفس تعكس قيمة المرء بمقدار ما تعكس قيمة الأمة وقيمة المجتمع الذي يعيش فيه المرء وهو عارف بنفسه غير جاهل بربه. عندي أن هذا قانون توزن به أفعال المرء كما توزن به أفعال الأمة ومدى قدرتها على الصلاح والمقاومة. قس على هذا القانون مدى اقتدار الأمم على الصمود والبقاء. أعرض الأمة كلها على هذا القانون يتبيّن لك حمقها وجهالتها من وعيها وترقيها. ولم يخطئ عبد الرحمن الكواكبي، رحمه الله، لما قال:" قد يبلغ فعل الاستبداد بالأمة، أن يحول ميلها الطبيعي من طلب الترقي إلى طلب التسفل، بحيث لو دفعت إلى الرفعة لأبت، وتألمت كما يتألم الأجهر من النور، وإذا ألزمت بالحرية تشقى، وربما تفنى". فالنور الذي تتألم منه الأمم يقف وراءه فعل الجهالة والحمق من جرّاء تواري النفوس عن طلب الترقي والنكوص الدائم مع عبودية الأغيار.   

من أجل ذلك أيضاً؛ قال الإمام محمد عبده في حكمة أخرى:"محاسبة النفس وخلجات القلب ركنٌ كبير من أركان الإيمان، وقد جعلها الصوفية شرطاً مهماً في نجاح الإنسان"؛ لكأنما نجاح الإنسان إنْ في حال الدنيا، وإنْ في حال الآخرة متوقفُ على مدى معالجته لنفسه ومدى قدرته في معاملة هذه النفس حين يضعها وجهاً لوجه أمام خالقها بحيث لا يطيعها في أمر ولا في نهي.

كان الإمام عبد القادر الجيلاني (ت651هـ) - رحمه الله - من الصوفية الأقطاب البارزين في أحكام الطريق، وهو صاحب كتاب "الغُنية لطلاب طريق الحق"، كتب كتابه "فتوح الغيب" مقالات جاوزت السابعة والسبعون، عبارة عن إشارات ومعاني ترشد إلى قيم السلوك الصوفي، كلمات ظهرت لمولانا من فتوح الغيب، فحلت كما قال في جنانه فأشعلت المكان فأنتجها وأبرزها صدق الحال، فتولى لإبرازها لطف المنان ورحمة ربِّ الأنام في قالب صواب المقال، لمريدي الحق والطلاب" (فتوح الغيب: ص6).

تبدأ المقالة الأولى بعد خطبة الكتاب بعنوان "فيما لابد لكل مؤمن"، وهى إشارة هامة ولمَّاحة، مفرطة في ذكاء الروح، أن تجيء المقالة الأولى لتقول: لابد لكل مؤمن في سائر أحواله من ثلاثة أشياء: أمر يمتثله، ونهي يجتنبه، وقدر يرضى به، فأقل حالة المؤمن لا يخلو فيها من أحد هذه الأشياء الثلاثة، فينبغي له أن يلزم همُّها قلبه، وليحدِّث بها نفسه ويؤاخذ بها في سائر جوارحه" (فتوح الغيب: ص6)، ثم تتعاقب مقالات الكتاب على صغر حجمه إلى أن تصل للمقالة الثامنة والسبعين بعنوان:" في أهل المجاهدة والمحاسبة وأولي العزم، وبيان خصالهم" (فتوح الغيب: ص171).

كتابٌ ممتعٌ يَذاق كالشهد الطيب كما تذاق مقالات العارفين، مطرَّز في النهاية بلمح من قصائده رحمة الله عليه، مسبوقة بشيء عن حياته ووصاياه لأولاده، وتاريخ وفاته، ودخوله لبغداد، وشيء من سيرته رضى الله عنه.

أمّا المقالة التي أريد أن أضعها هنا أمام قلب القارئ لا بصره بل بصيرته؛ ليتذوق منها ما من شأنه أن يريحه من همِّ نفسه حين تجيء هذه النفس هى جماع الهموم، ينبغي أن يرتاح منها صاحب الهمِّ النكِد الطويل؛ فهى المقالة السابعة من الكتاب. هاهنا, وهاهنا فقط, رياض المعرفة ومتاع الذوق ورقي الحياة الروحية العامرة بتجاريب أصحابها القادرين عليها الموفقين من الله إليها؛ هاهنا الرَّوْعة، والجلال، والعلاج، والطمأنينة القلبية، والبصيرة الذوقية، والرياض الأبهجية، هاهنا ما لا يحصى وصفه بلسان ولا تتسع لتصوره كلمات، وليس يُحسن بالمرء أصلاً رسمه بقلم، وإنما الأوصاف تقريبية لا تفصيلية، مرشدة ودالة لكنها لا تمسِّ الحقيقة في شيء.

التجربة وحدها هى التي تقفُك على الحقيقة إنما الأوصاف لا تعطي الحقيقة، ولا شيء منها مما تراه فيك أنت وحدك ولا يراه غيرك منك. جرِّب فقط لتدرك، ذُقْ مَذَاق القوم ثم أنظر ماذا ترى، واعلم أن القوم ليسوا أهل أقوال ولكنهم أصحاب أفعال، وأن علومهم ليست علوم أفكار، ولكنها علوم أذكار: جرِّب وكفى.

عنوان المقالة هو "في إذهاب غمِّ القلب"، هى المقالة السابعة كما قلنا في ترتيب مقالات الكتاب، ترانا نحيطها أولاً بلفظ الشيخ على حرفه هو، ثم نوالي التعليق عليها تباعاً بما أمكن. قال الشيخ:" اخرج عن نفسك وتنح عنها، وانعزل عن ملكك وسلِّم الكل إلى الله، فكن بوابه على قلبك، وامتثل أمره في إدخال من يأمرك بإدخاله، وأنته بنهيه في صدِّ من يأمرك بصده، فلا تدخل الهوى قلبك بعد أن خرج منه، فإخراج الهوى من القلب بمخالفته، وترك متابعته في الأحوال كلها، وإدخاله في القلب بمتابعته وموافاته، فلا ترد غير إرادته؛ وغير ذلك منك تمنِّ وهو "وادي الحمقاء"، وفيه حتفك وهلاكك وسقوطك من عينه وحجابك عنه. أحفظ أبداً أمره، وأنته أبداً نهيه، وسلم أبداً لمقدوره، ولا تشركه بشيء من خلقه، فإرادتك وهواك وشهواتك من خلقه، فلا ترد ولا تهوى ولا تشته كيلا تكون مشركاً. قال تعالى: "فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً" (الكهف: آية 110).

تبيّن إذن أن وادي الحمقاء هو طلب الأمور بحظوظ النفس التي لاحظ لله فيها، والتعالي على قانون الله بتقديم قانون مشيئة النفس. وهذا عين الشرك.    

ليس الشرك عبادة الأصنام فحسب؛ بل هو متابعتك هواك، وأنت تختار مع ربك شيئاً سواه من الدنيا وما فيها والآخرة وما فيها، فما سواه عز وجل غيره، فإذا ركنت إلى غيره فقد أشركت به عز وجل غيره. فاحذر ولا تركن، وخف ولا تأمن، وفتش فلا تغفل فتطمئن، ولا تضف إلى نفسك حالاً ولا مقاماً، ولا تدع شيئاً من ذلك، فإن أعطيت حالاً أو أقمت في مقام فلا تختر شيئاً واحداً من ذلك، فإن الله كل يوم في شأن؛ في تغيير وتبديل، وأنه يحول بين المرء وقلبه، فيزيلك عمَّا أخبرت به، ويغيرك عما تخيلت ثباته وبقائه؛ فتخجل عند من أخبرته بذلك؛ بل أحفظ ذلك فيك ولا تعده إلى غيرك فإنه كل الثبات والبقاء، فتعلم أنه موهبة وتسأل التوفيق للشكر واستر رؤيته، وإنْ كان غير ذلك، كان فيه زيادة علم ومعرفة ونور وتيقظ وتأديب. قال الله عز وجل في سورة البقرة:" ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها، ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير".

فلا تعجز الله في قدرته، ولا تتهمه في تقديره ولا تدبيره، ولا تشك في وعده، فليكن لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة: نسخت الآيات والسور النازلة عليه المعمولة بها المقروءة في المحاريب، المكتوبة في المصاحف، ورفعت، وبدلت وأثبت غيرها مكانها، ونقل صلى الله عليه وسلم إلى غيرها، هذا في ظاهر الشرع، وأما في الباطن والعلم والحال فيما بينه وبين الله عز وجل فكان يقول:" إنه ليُغَان على قلبي فأستغفر الله في كل يوم سبعين مرة"، ويروى مائة مرة.

وكان صلى الله عليه وسلم ينقل من حال إلى أخرى ويسير به في منازل القرب وميادين الغيب، ويغير عليه خلع الأنوار؛ فتبين الحالة الأولى عند ثانيها ظلمة ونقصاناً وتقصيراً في حفظ الحدود؛ فيلقن الاستغفار لأنه أحسن حال العبد، والتوبة في سائر الأحوال لأن فيها اعتراف بذنبه وقصوره، وهما صفتا العبد في سائر الأحوال، فهما وراثة أبي البشر آدم عليه السلام إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم حين اعتورت صفاء حاله ظلمة النسيان للعهد والميثاق، وإرادة الخلود في دار السلام، ومجاورة الحبيب المنان، ودخول الملائكة الكرام عليه بالتحية والسلام؛ فوجدت هناك نفسه مشاركة إرادته لإرادة الحق، فانكسرت لذلك تلك الإرادة، وزالت تلك الحلة، وانعزلت تلك الولاية، فانهبطت تلك المنزلة، وأظلمت تلك الأنوار، وتكدر ذلك الصفاء، ثم تنبه وذكر صفي الرحمن؛ فعرف الاعتراف بالذنب والنسيان، ولقن الإقرار فقال:"ربنا ظلمنا أنفسنا، وإنْ لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين". وجاءت أنوار الهداية وعلوم التوبة ومعارفها، والمصالح المدفونة فيها ما كان غائباً من قبل، فلم تظهر إلا بها، فبدلت تلك الإرادة بغيرها، والحالة الأولى بأخرى، وجاءته الولاية الكبرى والسكون في الدنيا ثم في العقبى، فصارت الدنيا له ولذريته منزلاً، والعقبى لهم موئلاً ومرجعاً وخلداً، فلك برسول الله وحبيبه المصطفى وأبيه آدم صفي الله عنصر الأحباب والأخلاء أسوة في الاعتراف بالقصور والاستغفار في الأحوال كلها" (فتوح الغيب: ص 16 - 19).

هذا نص فتوح الغيب كما جرى به لسان شيخنا الجيلاني، تقرّرت في أجوائه أحواله في التوبة والاستغفار على منهاج المتابعة والموافقة؛ فليس من قيمة في هذه النصوص الممتازة المدركة لمفاتح الغيب أعمق ولا أعلى ولا أقمن للنفس من تلك القيمة النزاعة إلى التطهير على الدوام، المتعلقة بأصل الوجود، الكاشفة لحقيقة الإنسان الأصلية؛ إذ تصرف قواطع الدنيا بالمواصلة عند التقدير لما يلاقيه المرء من مواجهة الذات وصفائها وخلوصها بنقاء العمل الإيجابي في رحاب الله.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم   

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5345 المصادف: 2021-04-24 01:38:13


Share on Myspace