 قضايا

سامي عبد العال: النسخة الأخيرة من المثقف

سامي عبد العالأبرز وجُوه الثقافة أنْ تقاوِم أشكال القُبح الخفية والظاهرة في العالم، ذلك القُبح بأنماطه الفكرية والمادية والمعنوية التي تفرزها المجتمعات. والقُبح ليس ظاهرةً ثانويةً أو قضاءً وقدراً، لكنه جزءٌ لا يتجزأ بالإجمال من ممارسة الحياة. إنَّه ظاهرة تصبحُ أكثر أثراً وشراسةً حين يُمسي الإنسانُ فارغاً من المعنى والروح والقدرة على التَّحرُر، وأنْ يسقط في حمأة الصراع اليومي للواقع. ذلك على حساب المعالم الإنسانية الكبرى لجوهر حياتنا المشتركة واختلافاتها الثرية. ولكمْ رأينا أنَّ المثقفين الحقيقيين لهم الإسهام الأبرز في إظهار هذا الشأن وابداع المضاد الحيوي الفكري لحالات الانحطاط، مثل: جورج برنارد شو وت. س. إليوت وآرثر ميللر وطاغور وكارل ماركس وادوارد سعيد..، وفي شرقنا العربي الاسلامي: أبو حيان التوحيدي وابن عربي والجاحظ وأحمد مطر وناجي العلي وهادي العلوي ونجيب محفوظ...

الآن ظهر جيل" المثقف المسْخ" في شرقنا العربي الاسلامي. ظهر بتنوع صوره الهجينة كالجراد المنتشر من حين لآخر، هذا المسْخ الذي يدّعي الثقافة ويفترض اسهاماً مزيفاً في دفع عجلة الواقع، ولا يفوته الزعم بكونِّه فناناً أو قاصاً أو شاعراً أو باحثاً أو خبيراً أو مُحلِّلاً أو مفكراً. لكنه في الحقيقة مثل(القرود) التي تتقافز انتظاراً لمُسليّات سيدها(أيا كان) عبر المكان الخطأ الذي يوجد فيه. وليس أنكّى من أنْ يتحول الإنسان العاقل إلى حيوان مستأنس بأسماء شتى، وهو راضٍ تمام الرضاً وخانع مُطلق الخُنوع، بل ويقبل دوره كمروّج لخطابات ساذجة أو كاتب تقارير أو كذيلٍّ يبصبص حول أسياده شمالاً ويميناً. وهذا المثقف عبارة عن علبة نفايات ملقاة على ضفتي" نهر الحياة "، لكونَّه افرازاً لتلوث هذا النهر الذي تُصّب فيه فضلات التاريخ. لقد تحول " نهر الحياة " ضمن عالمنا العربي إلى مكب نفاياتٍ للمجتمعات وظواهرها السلبية، بكل ما تجمعه الكلمة من صنوف الرواسب والبقايا والشوائب المهملة... كلُّ ذلك وبخاصة تجاه الثقافة.

الثقافة التي باتت مطاردّةً حدّ الانهاك بأشباح عصر التقنيات وأشباح الأنظمة السياسية والاجتماعية المتخلفة وهياكل الأيديولوجيات والسلفيات المتحللة وسيادة ظواهر الفشل الحضاري. تحديداً ليست هناك مصادر حرة لثقافة مفتوحة ولا أجواء عامة تُهيئ نمواً طبيعياً للعقول الألقة واللافتة الذكاء. لأنَّ الثقافة ما لم تُحررنا بالدرجة الأولى (حتى من ذاتها)، ستظل قيداً يرددُ رجع الأصداء الغابرة لتصورات أكل عليها الدهر وشرب. وهي تصورات كانت إفرازاً لعصور التراجع الفكري حين تركت بثورها على العقل. بينما إذا كان هناك عنوان دال وجوهري على " الثقافة " و" المثقف"، فهو الحرية بملء الكلمة والفعل. "كلُّ إشارة ثقافية ما لم تُحرر متلقيها، لن تفعل شيئاً إلاَّ أنْ تبرر شيئاً ليس لها أصلاً".

لعلّنا ننتبه إلى الحدث الأضخم حقاً في تاريخنا الراهن هو: أنَّ الولاء بات قوياً إلى "حياة الشارع". أي ثقافة الشارع كثقافة حيوية ناتجة عن الحركة اليومية للكائنات البشرية تاركة بصماتها القوية على كل ما يفرزه من معجم وآراء وأفكار. هناك أجيال تمتلكُّهم حركة الشارع، هناك عقول يمتلكها منطق الشارع، هناك أفكار وأفعال وليدة الشارع مباشرةً، هناك خطابات يصوغها معجم الشارع، هناك أنماط من التربية ترسخها معايير الشارع، هناك ممارسات يفرزها الشارع ذاهبةً إلى اللاوعي دون استئذان، هناك علاقات يعقدها الشارع بلا اتفاق بين أناس من كل حدب وصوب.

والشارع هو ظاهرة متغولة تغزو العقول وتفرض وجودها التاريخي يومياً، لأنها آخذة في الزيادة والاتساع والتراكم الزمني. فالشارع ممارسة لنوع من التلقائية الإنسانية جسدياً ولغوياً وفكرياً بحسب آلياته ووجوه تجلياته. ليس الشارع تنظيراً مجرداً، بل ممارسة، وهي المعنى المناسب لما يتركه عملياً من آثار.

ثقافة الشارع ظاهرة موضوعية تأخذ مسارها رغم أنف نسق الثقافة وتفرض معاييرها حتى على اكثر الناس والجماعات بعداً عنها ولا تعود إلى طبيعتها دون تشكل من جانب الآفاق التواصلية بين الأفراد. وقد لا تكون الثقافة بهذا التكوين واضحةً بالضرورة، لأنَّها افراز ثقافي داخل الأطر الناتجة عنها، هي التحول الضمني لضحالة الاسهامات الراهنة في الثقافة الأم ومورثاتها غير الفاعلة في حياتنا. فكل ثقافة تحتاج إلى تطهير هذا النهر وتقوية ضفافه ومد جذوره سارحة إلى منابعها وغاياتها وآفاقها المحتملة، ولكن حين لا تتم تلك العملية الحفرية الفلسفية( الجيو- ثقافية geo-cultural) بشكل ثري، تُسد المنافذ والمنابع إليها ويتحول نهر الواقع إلى بحيرةٍ راكدة.

لعلَّ ما يميز ثقافة الشارع هو مجموعة المعالم الخاصة بها، مع ملاحظة أننا يجب وصفها كما هي لا بلغة متعاليةٍ ولا بأساليب الاختزال الثقافي. إنَّ الشارع الراهن ليس هو ساحة أجورا  Agora بمعناها اليوناني، فالأخيرة كانت مكتفية في ذاتها كساحة تواصل فكري مدني حر بالتقاء فئات المجتمع المختلفة (المزارعون والعمال والموظفون والفلاسفة والساسة ورجال القانون)، حيث كانت أجورا دائرة إدارية ودينية وسياسية للدولة اليونانية. وكانت تُطرح خلالها أخطر القضايا السياسية والفلسفية وتناقش المشكلات وتتخذ خلالها أهم القرارات وترسم الخطط والاستراتيجيات. والأجورا هو الشكل القديم جداً لفكرة المجال العموميpublic sphere الممتدة إلى نظريات الدولة الحديثة والمعاصرة. وهو المكان المعبر يونانياً هكذا عن ممارسة الحرية والديمقراطية المباشرتين، لأن هؤلاء المجتمعين كانوا أحراراً بخلاف الجواري والعبيد والغرباء الذين لم يمارسوا حياة أجورا.

أمَّا الشارع street في مجتمعاتنا العربية، فهو التجلي المكاني المسطح للثقافة السريعة من جهة، ونقطة التقاء فوضى الأفعال والأفكار وإمكانية التلاعب بها من جهة أخرى:

1-  الغلبة:

ينتج الشارع الأفكار والتصورات التاك أواي take away concept تماماً مثل وجبات الطرق السريعة، أي الأطعمة الأنشط تجهيزاً والدسمة في زيوتها أو دهونها، والأكثر مذاقاً لاذعاً، لكنها بالوقت نفسه الأقل فائدة للجسم وغير الصحية على المدى البعيد. والثقافة التاك أواي take away culture تُطهى بالوقت نفسه بمصادر سريعة وسطحية وقريبة الاستهلاك. معروفٌ أن ما يطهي الثقافة هو التاريخ والزمن وآفاق الإنسانية جمعاء، غير أنَّ هذا الصنف الراهن من الثقافة يخضع للرائج والعابر في الشوارع الافتراضية والواقعية. مثل العبارات الدراجة والشتائم والقبائح والوقاحات والإشاعات والصور اللافتة والتعليقات المثيرة والدردشات الطافحة بالفجاجة والتعليقات التي تزيد وتتكرر.

هذه الغلّبة نوع من المذاق الحريف والحرّاق ليس أكثر. مع وجود تجمعات هوائية مهوشة من البشر الذين يضيئون علامات الاعجاب والدعم لكل ما يلصق على الصفحات الإلكترونية. وينثر المعجبون عبارات مثل "المثقف"، "المفكر"، "الشاعر" حول ما يخرأ هذا الكائن اللزج. والأدهى أنْ يصدق بدروه ما تمت كتابته من تفاعلات افتراضية، فينشأ في القول وتفل العبارات هنا وهناك. ولذلك تحولت فكرة (أصالة الثقافة) من كونها قدرة ورؤية للحياة والكون نحو الأفضل وإبداع صور جديدة من الفكر والممارسة إلى فكرة الترويج والغلبة بالمعنى السابق!!

بالنتيجة غابت الأصول والمعايير، فلم يعد الناس عارفين أية مهمة للثقافة ولا من هو المثقف ولا بناء على أية معايير سيكون الإنسان مثقفاً؟ بضغطات أزار ضوئية، سيكون أحدهم صاحب الحضور الأقوى، وهو صاحب الحوارات الألمعية والمفيدة لصحة الجسم والعقل!! ولا يخفى علينا أن وجود الجيوش الالكترونية بجوار الذباب الإلكتروني يفعل فعله في تغليب الكفة لصالح أذيال السلطة بمعناها العام. والسلطة هي الغلبة التي تسيد نمط التكرار في الشارع وهي الخادمة لأصحاب القوى السائدة في المجتمعات وترسيخ أوضاعها السياسية والاقتصادية.

2- السيولة:

في ثقافة الشارع، ليس هناك شيء ثابت وبخاصة سيولة القيم والأصالة والقدرة على التفكير والرفض. والسيولة درجة من درجات التدفق الطارئ لما يحدث وسيحدث، لكنه يبقى أساسياً. لأن مصادر المعرفة والتعقل فقدت جوهريتها لصالح مصادر الفرجة والإعجاب والعواطف وبريق المظاهر.

بالتحديد حدثت ثلاثة أنواع من التحول:

أولاً: تحول الأشياء الطارئة والمظاهر إلى أُسس وقواعد. مثل سيادة المودات والعبارات  والشعارات الخاطفة والأشكال البراقة كما يبدو في الاعلانات ومظاهر الثراء لا العمل والكد وبناء الواقع. وجاءت الثقافة على منوالها إذ تحولت مابعد الحداثة على سبيل المثال إلى لون من المصطلحات والصور والأدبيات منزوعة الجذور.

ثانياً: تحول المعرفة من قدرات عميقة على الإدراك والفهم إلى شكل من أشكال الانخداع الذاتي المرغُوب لتلبية شروط النقطة الأولى.

ثالثاً: تبدل مراكز التلقي من المبادئ إلى الاحساسات والعواطف العابرة. فليس مهما أن أُبدع وأن أكون منتجاً، بل الأهم أنْ اكون في شكل جذاب، ليس مهماً أن أبتكر لكن أن أرسم حالة يتعاطف مع الجمهور. أي بدلاً من العقل جاءت العين والغريزة هي مركز التأثير.

كل ذلك خلق حالات من السيولة الجارفة، لأن الشارع غامض غموض الظلام وحي حياة السحاب لدرجة التفاعل المذهل في مظاهره، مثل تيار النهر الهادر الذي يحمل الأخشاب والقشور والأوراق جارفاً كلَّ شيء أمامه.

3- السطحية:

دوماً تسود في الشوارع فقط معاني ما يظهر ويحضر بقوة. وقد يبدو هذا الظهور كلياً، ليس لأنه خادع، بل لأنَّ هذا كل ما يملكه اصحابه في الواقع. والسطحية ليست مقابلة للأعماق، لكنها معبرة عن الأكثر فاعلية في حياة عامةٍ ينتمي إليها الشارع ويمارس دوره. ولذلك هناك نماذج تجسد حركة الشارع سواء أكانت شخصيات أم أغاني أم شعراء أم فنون أم فنانين... إلى غير ذلك. المهم ستجد حضوراً طاغياً لهذا النموذج أو ذاك من الطغيان المحسوس.

وسطحية الثقافة بهذا المفهوم تشمل التمسك بالعابر والظاهر بالنسبة للوعي الجمعي. وهو الوعي الذي يحمل السمات نفسها. كل مثقف من هذا اللون الراهن يصبغ ما ينتج من كتابات أو نصوص أو فنون أو أفكار على ذات الصعيد. فيرى في الأفكار العميقة تقعراً لا قيمة له، ويري في الموضوعات الجديدة أمراً لا سبيل إليه، وينظر إلى الإبداع بالقدرة على انتزاع الاندهاش بصرف النظر عن مضمون ما يطرح.

والمثقف المسخ أشبه بصائد انطباعات في بحر هائج لا يفتر ولا يستقر. بقدر ما يزعم ارتباطه بالحياة والتعبير عما يشعر يرى نفسه قادراً على صيد علامات الآهات والإعجاب. وبالمناسبة وسائط التواصل الاجتماعي زيفت هذه الرؤية إلى أقصى درجة، جعلت من العقل فخاً منصوباً لكل فكرة عميقة دون أنْ تأخذ حقها من النضج والتروي والاكتمال والنمو والسقاية في جوف التمهل والتفكير. فغالباً ما تخرج الأفكار نيئة، حرّاقة، برّاقة من الخارج، مثلها مثل ثمار الفاكهة التي تُهندس وراثياً وتغطى بالمبيدات لتسريع انضاجها من الخارج فقط كي تلحق بالسوق. فإذا أردت أكلها وتذوق طعمها، كان التذوق تجربة مريرة. فالشكل حاضر داخلاً إلى مسام الغرائز والرغبات، في حين يكون الطعم لا قيمة له ولا اختلافاً بينه وبين غيره، إنه نوع من الطعم الخاص بمادة خضراء برية لا أكثر.

4- المباشرة:

خاصية الشارع هي خاصية " الطفح والطفو والاخراج" المباشر دون ضابط ولا تصفية. واللافت أن "المثقف المسخ" سيقبل بكل أريحيةٍ هذه الخاصية منهمكاً فيما ينتج. ولعلَّ هذه الفكرة جعلت الثقافة سوقاً بجميع ما ينتمي إلى الأسواق من مظاهر وعروض ومحاولات بيع وشراء واستعجال جني الأرباح. تمشياً مع المقولة الرائجة أن السوق غلاّب أو (الجمهور عاوز كده).

ولا أدري من أين جاءت هذه المقولة في مجال الثقافة والقول والفكر؟! هل وصل الحال أنْ يفرض المتلقي نمط الإبداع؟! كيف يحدد المتلقي حتى شروط الإبداع والمناخ الثقافي ككل وأي نتاجاته هي الأهم دون سواها؟ لأنَّ تلك الفكرة انسحبت على كل شيء، على أية مياه جديدة تصب في نهر الحياة. والغريب أنْ يذهب المثقف المسخ إلى أفكاره هادئاً مطمئناً لو تحلقت حول أقواله علامات الاعجاب مراراً وتكراراً. وكأنه بائع جوال في ضواحي ومدن العاصم الكبرى المزدحمة بالأصوات والألفاظ والأزياء والألوان الزاعقة.

5- خارج السيطرة:

ليس يوجد منطق يتحكم في مثقف الشارع، لأنه يلخص كيانه في هذه المعالم الطافحة لدرجة الفوضى. فأنت لن تدرك بسهولة: لماذا يتقبل الناس العاديون هذه الفنون وهذه الأشعار وتلك الأغاني؟ سيكون كلُّ الولاء للترديد والتكرار والمباشرة التي تشمل أي شيء حتى رجع الأثر لدى ما نفكر فيه.

ولكن رغم هذه الفوضى البادية إلاَّ أن السوق هو المتحكم الخفي، ثم هناك من يتحكم في السوق من رأسمالية تحرك الخيوط والأنماط الفكرية والسلوكية. وطالما الأمر كذلك، فالأنظمة السياسية سيستقر لديها أطراف الخيوط ومفاتيح اللعبة بالنهاية. ففي ثقافتنا العربية الجارية، ليس هناك تيار غالب سطحياً كان أم أصولياً إلاَّ وتسمح به الأنظمة القائمة، حتى ولو بالصمت المطبق كصمت القبور. إنَّ الأنظمة السياسية تتلاعب بتوجهات الشارع وروضت المثقفين بالدخول في ذلك القفص، قفص براق له جماهيره الغفيرة وتياراته المدهشة ولا توجد عليه أية اسيجة ولا أسلاك شائكة ولا محظورات. وبدلاً من أن تكون السلطة موضوعاً مفضَّلاً للنقد، سيكون على المثقف أن يجد حاله كائناً لعوباً منخرطاً في الرقص بالنوادي والساحات العامة والمنتديات على أنغام القهر. وليس عليه أي إلزام بتجديد الخطاب ولا بقراءة التراث ولا بالعيش الحر ولا إبداع رؤى تصلح لإنسانيتنا الكونية في أي مكان.

السؤال المنطقي: ما هو نمط هذا المثقف؟ إنه النمط المسخ الأخير موازياً لهذا التكوين، أي جاء المثقف العربي كياناً رخواً مقذوفاً نتيجة فوضى الحياة العامة. هو اللطخة الوقحة لمجتمعات فقدت وزنها التاريخي وقد أدمنت حتى الثمالة ما يأتي لها من ثقافات أخرى. وهو مثقف لا قوام له إلاَّ مع تسلقه لأكتاف الآخرين الأكثر سطوة ولأصحاب المناصب والسلطة في المجتمعات سواء أكان انتفاعاً أم خدعاً أم تزلفاً. وهو يلتزم بصور التلون والتقلب لا المواقف الواضحة، ولا حتى ابتكار الرؤى في أحد مجالاتها. فالكيانات الرخوة تحتاج إلى شيء تستند إليه. ولهذا كانت فضائيات الحكام والرؤساء العرب مدججة بالمثقفين المتلونين صباحاً ومساءً. أمسى المثقف حرباء راهنة تتشكل تبعاً للوسط الذي توجد فيه. وإذا كان هناك ما يميزه فهو كالزئبق يراوغ ويناور خدمة لأسياده( رغم أنه مكشوف لكل الناظرين).

هكذا ظهر المثقف عارياً كالقرد تحت المطر. ولم يرجع إلى أي تاريخ مقبول لدى مجتمع الأذكياء والمنتجين العظماء في تاريخ الإنسانية. وطالما أنه يستغبي المتلقين هروباً من مهمته الناقدة والتساؤلية على الأصالة، وطالما لا يصنع من أفكاره آفاقاً حرة لرؤى متنوعة، فإن المثقف سيظل ظاهرة ثانوية. سيدور مع هكذا أحداث سياسية واجتماعية. وهو البديل المعاصر لنفير القبيلة الآتي منذ أزمنة عربية غابرة. ومارس مهنته بروح " السمسار الألمعي" لا المبتكر والمنشئ للأفكار. وفي هذا الاتجاه خُلقت معه أزماته حتى الاختناق اليومي. لكونه لا يقوى على التمرد بقدر ما يحتاج إلى (عائل اقتصادي). ومن هنا ايضاً كان سبب رضي المثقف العربي بالاحتماء بأقفاص الحكام العرب، ليظل يروض حواسه وعقله للالتصاق بأنوفهم وسراويلهم. لقد دجن قواه وطاقاته من أجل حفنات الدولار هنا أو هناك. وفي مجتمعات بلغ العفن سطحها وقيمها العليا، كان على المثقف أنْ يكشف الكوارث ويتنبأ بالمصير. لكنه رغم ذلك ظل زراً بجلباب هؤلاء الرؤساء والأمراء والملوك. لقد أصبح ظاهرة عابرة لا تذهب بعيداً. واشعل خرائط الأيديولوجيات والتلاعب بالوعي، فبات ضيفاً دائماً على موائد النفاق ومنصات الدجل الديني والسياسي.

إذا كان ذلك في الأفق العام للمجتمعات العربية، فالنسخة المحلية لدى أي قطر عربي من هذا المثقف مثيرة للرثاء. هو في الغالب كما أشرت مجرد " كاتب تقارير"، "بائع جوال"، " مخبر صغير"،" كاهن دَرّك" ليس إلاً، تأتي به الأقدار استاذا في مادة الفكر أو الأدب أو الاقتصاد أو القانون أو الفنون، لكنه ينسى كل ذلك متجهاً بكامل إرادة إلى العبودية. ويقدم تقاريره المغموسة بالفشل الإنساني إلى مرؤوسيه على نحو قميء، ولا يشعر بإراقة أية قطرة من ماء وجهه ولا وجه العقل الذي يتوهم حمله جيئة وذهاباً. وعند (الدرجة الصفر للتدني)، ينزل برأسه المفترض أنها تحمل بعضاً مما يحمل الإنسان المفكر، ويحاول دسها في التراب عند اللزوم. وتلك حركة مراوغة لكي تمر العواصف التي تهب حول أذنيه من حين لآخر، معتبراً إياها لوناً من الذكاء. إنه للأسف إطلال مثقف فَقدَ كل شيء داخله إلاَّ من انحطاط وتداعٍ.

بالمقابل يجب على المثقف أنْ يكون مستقلاً ومبدعاً، لأنَّ نهضة الحياة تقف على عاتقه بالدرجة الأهم. وفوق هذا وذاك عليه أنْ يعي دوره الخطير في حياة المجتمعات العربية إن وجد. وحدود وجوده هي حدود عالم لم يتشكل بعد داعياً إياه إلى التبشير به وجعله قيد الفهم والانتظار. انتظار بناء الفضاء العام لدولنا على أسس الحوار والمناقشة والنقد المتبادل والحريات والحقوق وشفافية تداول المعلومات. وليس عيباً أن يكون المثقف لصيقاً بحركة الشارع ومعرفة نبض الحياة، فيرى أبسط الأشياء والعلاقات والظواهر العابرة، لكن العيب أنْ يضع شراعه على أسنة الأمواج معتبرا ذاته بائعاً لأكثر البضائع ركوداً في تاريخ البشر المتحضر، بضاعة (ترويض الجماهير وتخدير العقل).

 

سامي عبد العال

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا للدكتور سامي عبد العال على هذه النظرة النقدية لدور " المثقفين" في تخلف المجتمعات العربية، الذي لا يشمل، بالطبع، كثرة من المثقفين الأحرار الذين التصقوا بالدفاع عن قضايا الشعوب وتعرضوا لشتى أنواع الأستبداد سواء، من السلطات الحاكمة او التشويه من فئة " النسخة الاخيرة من المثقف"، حسب الوصف الذي ورد في المقالة. وبودي أن اضيف إلى دور هذه الفئة من المثقفين في تشويه البنية السياسية في المجتمعات العربية خلال الفترة التي تلت تكون الدولة الوطنية العربية المعاصرة، حيث كان لهذه الفئة من المثقفين، دورا رئسياً في تشوية البينة السياسية للمجتمعات العربية، من خلال تشوية التجربة الحزبية، وتمثل ذلك، أما بالترويج لمشروع السلطات الحاكمة عن العمل الحزبي والحريات العامة والخاصة، او الانتقال من حزب للآخر دون مبررات عقلانية، أو الانتقالات الفكرية الحادة، وآخرها الإنبهار بتيار الليبرالية الجديدة. أن انعدام الديمقراطية في الحياة السياسية العربية وغياب تكافؤ الفرص امام فئة المثقفين للتعبير عن وجودها وحقها في ممارسة الابداع الثقافي والنقدي، للظواهر السلبية في المجتمع، لا يبرر غياب الموقف الوطني النقدي للمثقفين، بخصوص تشويه السلطات الحاكمة لحرية العمل السياسي والفكري، حيث لاحظنا ان أغلبية المثقفين يميلون للولاء للسلطات وليس للشعب ،على الصعيد الداخلي، ولقوى الهيمنة الدولية على الصعيد الخارجي. إن ذلك يتضح لنا من خلال متابعة مواقف كثرة من المثقفين العرب خلال فترة الستينييان، حيث أصبحوا المروج الرئيسي لنهج القيادات القومية الحاكمة في تأطير المجتمع من خلال منظمات طلائعية ( الاتحاد القومي، الاتحاد الاشتراكي، في الدول التي حكمها الزعماء القوميين في مصر والعراق واليمن والسودان في فترة النميري) أو نظام الحزب الواحد لاحقاً، اضافة لذلك مساهمة كثرة من المثقفين في المواجهة الأيديولوجية الحادة بين التيارين القومي والماركسي. أما في الظروف الراهنة التي تشهد تصاعد الحراك السياسي ـ الاجتماعي في العديد من البلدان العربية التي تشهد احتجاجات شعبية، فنلاحظ انقسام مواقف المثقفين حول هذه التطورات. ففيما يخص التدخل الخارجي في البلدان العربية على سبيل، نلاحظ تيار منهم يؤيد التدخل الخارجي، تحت ذريعة مساعدة الشعوب العربية للتخلص من السلطات الاستبدادية، متمثلاً بتيار الليبرالية الجديدة من المثقفين العرب، الذي يتكون من مصادر فكرية وسياسية متنوعة، يساريين ماركسيين، قوميين، ليبراليين وإسلاميين، حيث يروج هؤلاء إلى نزعة الليبرالية الجديدة في الغرب ومفهومها عن تصدير نموذج الديمقراطية الليبرالية للبلدان العربية باعتبارها النموذج الوحيد للتطبيق بعد ازاحة الانظمة الاستبدادية، وقد تجلت هذه المواقف بعد الاحتلال الامريكي للعراق، ولاحقاً من التدخل العسكري في ليبيا والمساعدة في استمرار الصراع الدموي في سوريا. مقابل التيار السابق، نلاحظ تيار آخر من المثقفين العرب، يروج للمشاريع الطائفية ـ المذهبية، ويتبنى مواقف تيار الإسلام السياسي، بقسميه، الشيعي والسني، من التطورات الراهنة وخاصة الصراع حول اقامة دولة دينية" مستترة " بأغلفة مدنية، وهذا الأمر يلاحظ من دفاع شرائح من المثقفين عن تجربة حكم تيارالإسلام السياسي في العراق، منذ الاحتلال الأمريكي ولحد الآن، أو الموقف المتخاذل من مشروع " أخونة " المجتمع والدولة في مصر، بعد اسقاط نظام مبارك.
د. فاخر جاسم

د. فاخر جاسم
This comment was minimized by the moderator on the site

شكري وامتناني استاذنا الدكتور فاخر جاسم
تعليقكم الضافي أضاء الواقع المرير للمثقف وأعمل المشرط النافذ في تفاصيال التاريخ وأبرز إلمامكم الرائع بالمسألة
ودوماً أنا كنت لا أبرئ المثقفين من خيانة الشعوب وقضاياها وآمالها المنتظرة:
أولاً: على الصعيد الوطني، لم يعرف المثقفون فصلاً بين( الوطن والرئيس المفدى) وما زالوا حتى الآن. وهم الذين أفشلوا التجارب الوطنية وشوهوا الأحزاب والأيديولوجيات كما أظهرتم د. فاخر بذكاء ودقة. فكان أقصى أماني المثقف أن يقف بوقاً على رأس الحزب جامعاً خلفه جوقة الشطار والعيارين لتمجيد الزعيم وفتوحاته السياسية بينما القصد منها نيل التربح والحظوة.
ثانياً: على صعيد التدخلات العسكرية في المنطقة، أتذكر المثقفين الذين انبروا مثل الغربان لتوضيح أهمية ضرب العراق واحلال الديمقراطية المزعومة وتغيير نظام الحكم البعثي... كل ذلك وهم جاهلون لا يعرفون نوايا أمريكا ولا يدركون تاريخياً مدى معاناة الشعب العراقي والشعوب العربية. واتضح بعد ذلك أن مشروع أمريكا في العراق كان البادرة الأولى التي طبقت لاحقاً في التدخلات المختلفة في الاقطار العربية. أين الثقافة والفهم والتفسيرات التاريخية المتبصرة لما يجري وسيجري؟ للأسف لا شيء...!!
ثالثاً: شوّه بعض المثقفين الليبرالين كما أشرتم تجارب الربيع العربي، لكونهم منذ البدء لم يمارسوا أدوارهم في تقريب آمال الشعوب وظلت أفكارهم عند عتبات الغرب جيئة وذهاباً. بل ومن كافة التيارات الدينية أو الماركسية وأو الليبرالية لم يعرفوا تحليل ما حدث بالضبط. وهو ما أدى في النهاية إلى إحداث فوضى كانت الغلبة فيها للقوى الراديكالية الاسلامية على الأرض. وقد أتاح ذلك الفرصة للدواعش ومن قبلهم القاعدة لإقامة محمياتهم الإرهابية واجتياح المنطقة بالأرهاب والدم.

تقديري لكم د. جاسم على هذه الإضاءة القيمة وطابت أوقاتكم بكل خير وسعادة

سامي عبد العال
This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي د. سامي الحبيب

في كل مرة تتحفنا برائعة من روائع إبداعاتك السامية .. حقيقة لفتاتك تثير إعجاب القارئ الذي يصبر على تلقي الثقافة الرفيعة.

- أبرز وجوه القلم الفلسفي إفراغ الطاقة في نقد القيم، وفي النسخة الاخيرة من المثقف، أظهرت نقدك الموضوعي لقيم الثقافة في سلسلة فكرية كاشفة عن نظام القبح المؤصّل في جذور هذه الثقافة ودعاوى منتجيها. وقد تولاها نفرٌ غير قليل ممّن فرغوا من المعنى ومن الروح، ومن القدرة على التحرر من هذا الواعش البشري الذي لا يتورع عن خسة الافتراء من غير بيّنة ولا حياء.
وهذه عندي أهم دعامة يستند عليها النقد الموضوعي العالي فيما لو جاز تقديرى.

- وفعلاً ما تفضلت به يا عزيزي من أن : كل إشارة ثقافية ما لم تحرر متلقيها، لن تفعل شيئاً إلا أن تبرر شيئاً ليس له أصلاً، غير أنه تحرر يقوم على تلك الدعامة التي لا تخلو من بقاء المعنى وحضور الروح.

- أشرت يا صديقي إلى خصائص وخصال أو قل توصيف "المثقف المسخ"، وهو توصيف بالغ الدلالة والإشارة، إذ هو نفسه من يرى في الأفكار العميقة تقعراً لا قيمة له، لأن دالة التسطيح عنده أغلب من دلالة العمق والتجديد.

- تقديرى لك في الصورة التي رسمها يراعكم المبدع عن الأفكار تشبه الثمار التي تهندس وراثياً، فتلك صورة دالة على خيال خصيب، شأنها شأن الصور البديعة الكثيرة التي يُلقيها خيالكم فتثير فينا الدهشة والإعجاب .. تلامس شغاف الفؤاد ليضفي الابتسامة الآسفة على واقع أسود مرير .

- الله عليك فيما ذكرته في الفقرة قبل الأخيرة .. رثاءٌ لمثقف عربي مات. ثم انقرض نتاجه ولم يبق منه سوى مسح شائه لا عبرة به، وهو وإن يكن توصيفاً يبعث في النفس الأسف والأسى، لكن أملاًً يبقى فيك يا دكتور سامى، وفي أمثالك ممّن تذخر بهم الأمة وتفخر ..
دام عطاءك وتبتّلك للثقافة والوعي والتفكير.

د. مجدي إبراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي الحبيب والكاتب الفذ المبدع د. مجدي ابراهيم
عظيمةٌ وصادقةٌ هي العقول السامية كعقلكم الرائع الذي يرى في الأشياء ما يفيد ويدُل أكثر مما يُتخم ويُمَل
وأنَّ تعليقكم وإنْ كان ألقاً وذكياً، فليس يكفي وصفه بالمدهش والرائع، لأن تشريحكم للأفكار بتوءدة وعمق أمر لافت يزيد عن طرح المقال. هل تعلم أنكم أشرتم إلى فكرة ارتباط الجانب الروحي فيما نكتب ونقرأ، وهي فكرة يراها البعض بعيدة عن المعرفة والعلم بمعناهما الدقيق... وهذا قمة التخلي عن الكتابة أصلاً. لأن كل الكتاب العظماء كانوا يستندون إلى ذخيرة روحية تبلغ بهم مراتب سامقة فيما يقصدون. وقد يظن هؤلاء أن الكتابة عمل آلي وأنها فعل مادي ليس أكثر وهذا خطأ آخر لأنه حتى الكُتاب غير المعترفين بالروحانيات!! إنما هم أصحاب جوانب روحانية شاءوا أم أبوا وليس يوجد كاتب ملحد واحد لا يستند عليها لتوصيل أفكاره ولمعرفة أبعاد المعنى والتعبير. لأن اللغة منطوية على أرصدة روحية لصيقة الصلة ببناء الفكرة واللفظ إلى أقصى درجة. وأن الصورات الروحية للفكر يستحيل لكاتب أنْ يفصلها عما يكتب ويطرح.
شكراً صديقي متمنياً لكم جميل الصحة والسعادة
فأنتم من أصحاب القلم الرفيع والثقافة العالية.

سامي عبد العال
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5354 المصادف: 2021-05-03 02:07:00


Share on Myspace