 قضايا

غيضان السيد علي: المقدس والبشري في التراث بين الأستاذ والإمام

غيضان السيد عليمازالت أصداء تلك المناظرة الفكرية بين الأستاذ الدكتور محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة وبين فضيلة الإمام أحمد الطيب شيخ الأزهر تتردد بقوة في جوانب حياتنا الثقافية والدينية؛ حيث كانت تلك المناظرة التي جرت وقائعها في 28 كانون الثاني/ يناير 2020 بين مفكر أكاديمي صاحب توجه تنويري معتدل، ورأس المؤسسة الدينية الأهم في العالم السني، بمثابة إلقاء حجر ضخم في بحيرة راكدة منذ سنوات طوال. ولِمَ لا وهي مناظرة بين فضلاء يجمعون بين الغيرة على الدين والتمكن من المعارف الإنسانية.

وقد انصبت المناظرة حول الموقف من التراث وتجديد الفكر الديني؛ إذ رأى الدكتور الخشت أن التراث ليس مقدسًا بشكل كلي، فهو منجز بشري قابل للصواب والخطأ، وعلينا أن نتعامل معه من هذا المنظور، فالتراث به ما هو إيجابي وعقلاني ومعبر عن الوحي الكريم، وبه ما هو رجعي وأسطوري علينا أن نحرر ديننا منه، ومن كل ما علق بأهدابه من تصورات فاسدة نشأت بسبب مرويات ليس لها مستند من الوحي الكريم والسنة المتواترة.

ففي حين بدا الخشت داعيًا إلى العودة إلى الينابيع الصافية للدين من القرآن والسنة الصحيحة المتواترة، مؤكدًا على ضرورة العودة إلى الإسلام الحي، ذاك الإسلام المنفتح البعيد عن ضيق المذاهب والفرق المتصارعة، وأن المشكلة ليست في الإسلام وإنما في اختلاط المقدس بالبشري في التراث الإسلامي مما أدى إلى اضطرابات المرجعيات وأساليب الاستدلال. بدا فضيلة الإمام مدافعًا بقوة عن التراث محذرًا من الاقتراب منه أو المساس به، وقال موجها كلامه إلى الدكتور الخشت، ما نصه: "الكلام عن التراث كلام عجيب، خسارة ما يقال عن التراث، هذه مزايدة على التراث، هذا التراث الذي نهون من شأنه اليوم ونهول في تهوينه، التراث خلق أمة كاملة وتعايش مع التاريخ، قل حضرتك قبل أن نلتقي بالحملة الفرنسية كيف كان يسير العالم الإسلامي كان يسير على قوانين التراث... تصوير التراث بأنه يُورث الضعف ويُورث التراجع هذه مزايدة عليه".

ولكن الأمر لم ينته عند ما آلت إليه هذه المساجلة الفكرية، بل فاجئنا فضيلة الإمام بتغير كامل في موقفه من التراث من خلال برنامج "الإمام الطيب" عبر الحلقات التي أذيعت في نهاية شهر أبريل 2021؛ إذ تخلى تماما عن موقفه السابق، وصرّح بما نصه: "إن التجديد الدائم في التراث هو المنوط به بقاء الإسلام دينا حيا متحركا ينشر العدل والمساواة بين الناس، والتراث حين يتخذ من التجديد أداة أو أسلوبا يعبِّر به عن نفسه يشبه التيار الدافق، والنهر السيال الذي لا يكف لحظة عن الجريان، وإلا تحول إلى ما يشبه ماء راكدا آسنا يضر أكثر مما يفيد". ثم أتبع فضيلة الإمام هذا التصريح بتصريح آخر يؤكده يقول فيه: "إن الدعوة لتقديس التراث الفقهي، ومساواته في ذلك بالشريعة تؤدي إلى جمود الفقه الإسلامي المعاصر، نتيجة تمسك البعض بالتقيد -الحرفي- بما ورد من فتاوى أو أحكام فقهية قديمة كانت تمثل تجديدًا ومواكبة لقضاياها في عصرها".

وبعيدًا عن التأويلات الكثيرة في الشارع الثقافي التي ربطت تغير موقف فضيلة الإمام بتغيرات إقليمية، إلا أننا نرى أهمية المساجلات الفكرية بين أكابر المفكرين وعلماء الدين وضرورة الإكثار منها لما لها من مردود تنويري ينعكس بصورة مباشرة وغير مباشرة على أحوالنا المعيشية والحياتية. كما تجعلنا ندعو كافة المؤسسات المعنية بوضع مشروع الدكتور الخشت الفكري موضع التنفيذ وخاصة حول دعوته إلى تأسيس عصر ديني جديد، وإقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة ولغة جديدة ومفردات جديدة بدلا من الدعوات التقليدية إلى تجديد الخطاب الديني.

 

د. غيضان السيد علي

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

كلام جميل بس ما هو المتواتر من السنة وهل غير المتواتر نرميه أي نلقي أكثر من ٩٩% من السنة . أضف الى ذلك ما هو أسلوب الرد من وجهة نظرك لما لا تريد من التراث ؟ هل ترده بمجرد عدم موافقته لعقلك أم بقواعد أهل العلم ؟ .
فضيلة الإمام يقصد التجديد الذي لم يتوقف يوما في الفقه الإسلامي الذي تبحث فبه النوازل كل يوم ويعاد النظر في الفتاوى وما الشافعي منا ببعيد إذ له فيه جديد وقديم وتغيرت فتواه بتغير الزمان والمكان . رد أصول الدين الذي تسعون إليه بحجة التنوير لم يرده الإمام ولا أحد من أهل العلم .

محمود محمد مجاور حسن
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا أستاذ محمود مجاور على ردك وعلى كلماتك الطيبة .. لكن ما لا نريده من التراث هو كل أسطوري وخرافي وغير عقلاني ، من قبيل التوسل بالبشر موتى وأحياء وطلب المدد منهم أو تقديس رؤى بعض المجتهدين من الفقهاء ووصفها بأنها من صميم الدين فكل كلام الفقهاء والإئمة يوخذ منه ويرد وليس منهم من هو حجة على الله ..وليس هناك رأي فقهي مطلق فالفقه متغير حسب الزمان والمكان وفقا لمصالح البشر ، فالأديان جاءت لخدمة البشرية وإسعادها وإخراجها من الظلمات إلى النور وليس العكس ...أما أحاديث الآحاد فلا يمكن أن يقوم عليها وحدها أمر ديني ما لم يوافقها دعم قرآني وكذلك الأحاديث الضعيفة والموضوعة .

د. غيضان السيد علي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5355 المصادف: 2021-05-04 02:11:01


Share on Myspace