 قضايا

رحيم الساعدي: التغريب بوصفه تحديا للهويات

رحيم الساعديلا شك في أن الظروف السياسية والوقائع الاجتماعية التاريخية هي التي تقرّر مسيرة الحضارة، مع الفعل الثقافي فيها على وجه الخصوص، إن كان في نهوضها، أو في جمودها، وحتى في اضمحلالها وزوالها، والعوامل التاريخية .

 والتاريخ يدلّنا على أن ظروف نشوء الحضارة وازدهارها، أو اضمحلالها، متعلقة بعلاقتها مع بيئتها وموقعها ونشأتها، وطرق تعاملها مع ماضيها وحاضرها، وكيفية نظرتها إلى مستقبلها، مستمدة من روحيتها وإيمانها بعناصر الوعي لموقعها في العالم، ولبناء علاقاتها مع الآخرين وترسيم مستقبلها مع الآخرين لتأمين مصالحها، باعتبارها مصالح مجتمعاتها، أو مصالح كل فرد فيها أو باعتبار مصالح المجتمع هي محصّلة مصالح الأفراد، أو باعتبار مصلحة المجتمع تتجاوز مصالح الأفراد .

ويعلل بعض الباحثين من أنَّ الأسلوب المنظَّم الإيجابي الذي ينطوي عليه سلوك إنسان واحد يمكن أن يكون مؤثراً على آلاف البشر الآخرين سواء بشكل مُباشر أو غير مباشر، فكيف إذا ارتبطت الحالة بمجتمع إسلامي كبير، من هُنا نتفهم عدم غفلة الاتجاهات الأخرى المعادية وسعيها الدائب (كما تعترف بنفسها) في الكيد لإطفاء شعلة النور التي يأبى الله لها الانطفاء

وعندما شعر الغرب بخطورة المد الإسلامي في القرن الراهن توجس خيفة، فاخذ يخطط بجد لتحجيمه والقضاء عليه من موقع القوة والغرور والتعالي، ولقد عالج المفكرون الغربيون الكثير من القضايا السياسية التي ترتبط بمفهوم تأصيل وجودهم او تقويض الهوية الخاصة بالأمم الأخرى وكان ربما آخرها في 1989م في نظرية نهاية التاريخ في أعقاب سقوط الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة .

وبرزت تيارات الفكر العربي الإسلامي حتى نهاية الحرب العالمية الأولى بشكل عام تتمثل بتيار التجديد الديني والتيار الثقافي الذي يمزج بين الشرق والغرب كما عند الطهطاوي وخير الدين التونسي والتيار الثقافي الغربي لليسوعيين وتيار الجامعة الإسلامية للأفغاني والكواكبي وتيار الجامعة العربية .

على انه يلاحظ ان التيار المازج بين الشرق والغرب أراد الاقتباس من الغرب بالترجمة والتعريب وخلق الرأي العام وتنبيهه بالصحافة ورفع مستوى الشعب بالتربية والتعليم وتبسيط اللغة العربية وتحريرها من السجع والزخرف والدعوة الى تعليم المرأة وتصحيح المناهج .

إن الغرب نفسه يطرح مفهوم تحدي الهوية المتداخلة مع حضارته فقد وجد (ريتشار كوك) و(كريس سميث ) في كتابهما (انتحار الغرب) أن الغرب مهدّد بالتلاشي والاندثار، ليس بموجب قوى خارجية تهدّده، بل بموجب تقاعس الغربيين عن نصرة حضارتهم الملهمة والرسولة في نشر عقيدتها الليبرالية على صعيد العالم كله، ولا بد من تدارك الموقف، والعودة بالحضارة الغربية إلى مجدها التليد، ويحدد المؤلفان المرتكزات الأساسية للحضارة الغربية ومنها أهمية وعي الغرب لذاته، ولهويته، بالإضافة إلى الفردانية والليبرالية والإحساس بهوية الجماعة، وهي صبغة الغرب، المركّبة بسحر ساحر من أوروبا كهوية قومية إقليمية وأميركا كهوية حليفة، ولا بأس من جمع أستراليا ونيوزيلندا، وبهذا الخليط، تقع مسؤولية تحضير العالم ورفعه، بالتبعية اللازمة، إلى المصاف الذي يقترب فيها من الغرب والحضارة الغربية، وان أي بديل (للهوية الغربية هو إما شكل من أشكال الهوية التي تقسّم الغرب وتقود إلى عالم كريه وخطر، أو هي هوية ليست هوية جماعية مشتركة).

وهذا الالتفات الى الهوية نجده عند هيكل عندما يقسم الحضارات الى أصناف عديدة منها الحضارات القديمة قبل اليونان والتي يرى فيها ان الوعي فيها ضعيف لفقدانها الحرية بسبب حكم الملوك الاستعبادي ثم الحضارة اليونانية والرومانية التي امتلكت الوعي والحرية ولكنها استعبدت غيرها اما العنصر المرضي عنه بحسب هيجل فهو الجرمان وهو انحياز لهوية موطنه .

وهو امر لم يبتعد عن فكر شبنكلر وتوينبي، فالكتابة لدى فلاسفة التاريخ مثلا إنما هو عملية إحياء لأممهم أو للفكر الإنساني وبالتالي فهو وان دخل تحت مسميات النهضة أو الإصلاح او الوعي، فان مرده الى مفهوم الهوية او بناء الصورة العامة المتشحة بمجموعة أسس وقواعد يتفق على أهميتها وضرورتها مجموعة من الناس وهؤلاء الفلاسفة والمفكرين يدافعون عن تلك الأسس، بتلافي الأخطاء ومحاولة استقراء أفضل الأفكار وتقديم كل ما يمكنه من تعزيز وجودهم وهوياتهم .

ولا شك ان مفهوم صراع الحضارات لهنكنكتون يمثل جرس الإنذار المهم للفكر والسياسية الغربية، والذي أشار الى دراسة استشرافية لصدام يخص حضارات لها وجود على الأرض و ضرورة الانتباه الى خصائص كل امة او خصائص كل حضارة من هذه الحضارات وان الصدام هو صدام هوياتي او صدام الهوية بشكل أدق .

وربما ترد إشكالية، ان هناك من تفزعهم عملية التجديد المستوحاة من الغرب ، ويعدونها حركة تمرد وشقاق على الأمة وهدفها الإطاحة بتراث الأمة وهويتها، لكنهم برأيهم هذا إنما يصدرون عن فهم يقرن التجديد بالاغتراب الفكري والإيديولوجي وهو فهم ينطلق من تشبع بعض النخب بالقيم والمفاهيم الغربية وانبهارها بكل شيء وافد من أوربا ودعوتها للتخلي عن الموروث وقطيعة الماضي وسلخ القيم والأفكار والتاريخ لاستبدالها بالقيم الوافدة من خارج الوطن .

إلا ان الانغلاق على الذات هي إشكالية تعم كلا الحضارتين فالتعالي والفوقية الذين ابتليت بهما الحضارة الغربية لا تسمح لها بالانفتاح على الحضارات المناوئة، وعلينا نحن أيضا ان لا ننغلق على الذات الى حد رفض كل ما لدى الغرب .

فان من المسلمين من يدعوا الى الالتحاق بالحداثة الغربية وهناك من يدعوا الى حداثة إسلامية ملائمة لخصوصية الإسلام وضرورة الانفتاح على الغرب وبينهم يشجب مفهوم الحداثة بالكامل ويصر على إقامة النظم الإسلامية بمعزل عن كل التجارب، وتميز مفهوم الحداثة للشهيد الصدر بالأصالة والشمول والهيكلية فهو ليس نهجا تحديثيا غربيا بل تضمن نقدا شاملا للحداثة الغربية في أسسها الفكرية والفلسفية وتجليات ذلك في السلوك والعقيدة، فنهجه لم يكن منغلقا بل يساجل وحاور الفكر الغربي وضمن بعض أفكارهم، ولم يكن انتقائيا تجميعيا فمنهجه يختلف لانه يتوافق و الترابط العضوي والبناء الهرمي الذي ميز كيانا حيا ناميا

ومع وجود هذا التخوف فان البعض يحاول ان ياطره بعدد من القواعد أو الأفكار الراهنية التي تفسر النزوع الغربي ومحاولته إثبات هويته بانتزاع أو جذب هويات الحضارات الأخرى .

ولقد عرضت قيادة العالم والمسيرة الحضارية الإنسانية، الاحتمالات الممكنة لنوعية العلاقة بين (الغرب والبقية) في ستة نماذج عقلية، يمكن أن تتلخّص بما يلي :

1- الشمولية الغربية، وهو الرأي الذي يقول بأن الغرب يمثل الحداثة، وأن العالم سيصير غربيًا لا محالة.

2- الاستعمار الإمبراطوري الليبرالي الذي عليه أن يصنع من العالم صورة عن الغرب ولو بالقوة.

3- العالم المبني على الطريقة الأميركية، بسلامه واقتصاده، وبمنطقه المعَوْلم .

4- الغرب (القلعة) الذي عليه أن يحمي نفسه ويتخلى عن رسالته تجاه العالم .

5- العالم الكوزموبوليتاني الذي لا بدّ أن يحلّ في حضارته الواحدة الغالبة.

6- العمل على دفع إستراتيجية التعايش إلى الأمام بتشعّباتها الأربعة: الاحترام المتبادل للحضارة، والقناعة التامة بالعيش المشترك، وتجديد المثل العليا الغربية، وجذب العالم إليها بدون قسر أو شعور بالتبعية.

في هذا النموذج الأخير، يمكن أن ينبني العالم على التفاهم والتعاون وترسيخ الاستقرار، بتبادل المصالح دون استعلاء أو تبعية .

ومن مجالات التغريب المنهج وهو اخطر مجالات التغريب سيما في مناهج الدراسات الإنسانية ومحاولة فرض مناهج العلوم المرتبطة بدراسة الإنسان والعلوم المرتبطة بالطبيعة، والتعليم وهو ما أدركته القوى التغريبية فاستثمرته ونظمت له المناهج والأموال لصياغة عقلية الأمة وروحها صياغة تتخلى فيها عن مقوماتها الشخصية الأساسية في الدين والقومية والعادات واللغة وتتعلق بمقومات حضارية طارئة .

ولابد من القول ان ثنائية التغريب والهوية تبادلا الشد والجذب في اغلب الحضارات والمجتمعات، وربما تداخلا أو دخلا بصورة النسبية لأنهما يعتمدان أحيانا على فهم جغرافي أو اجتماعي أو سياسي فالشرق باتجاهه للغرب ربما مكننا من تحديد التغريب إلا ان القضية ستختلف عند الحديث عن نسبة الجنوب والشمال .

على كل حال فالمعنى يتضح هنا في وجود كيان قوي يحاول السيطرة على آخر فيه نوع من الضعف وإذا فمسالة التغريب هي سياسية كما يلوح لي، وقد صنعتها عوامل شتى منها الاستشراق والعامل السياسي بمحاولة السيطرة على البلدان الإسلامية وغير الإسلامية اما مسالة الهوية والاستماتة بالدفاع عنها فهي إيديولوجية بشكل واضح .

 

د. رحيم الساعدي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5358 المصادف: 2021-05-07 03:31:24


Share on Myspace