 قضايا

صالح الفهدي: ليتَ هؤلاءِ الملحدون

صالح الفهديتابعتُ لقاءً تلفزيونياً عنوانه (حكاية بريطاني في السعودية) في برنامج الليوان، وقد التقى فيه المُحاوِر مع شخصٍ بريطاني مسلم ينتمي في الأصلِ إلى أُسرةٍ بريطانية معروفةٍ في لندن، ويبدو أنها أُسرة تنتمي إلى الطبقة الارستقراطية، وخلال اللقاء تتكشَّفُ لنا رحلةُ الرَّجلِ المضنيةِ نفسياً من الإلحادِ إلى الإيمانِ بالله وانتهاءً باعتناقهِ الإسلام، وذلك بعد أن فجَّر أحد أصدقائه سؤالاً ثقيلاً وعميقاً حينما كانَا في الحانة وهما في أنصاف العقدِ الثاني من أعمارهما؛ كان السؤال: لماذا نحنُ موجودون في الحياة؟! وكان سؤالاً صادماً لصاحبنا إلى درجةِ أنَّه استثقلهُ آنذاك، ونَفَرَ منه لأنه كان يُدركُ أن مجرَّدَ التفكير في سؤالٍ كهذا سينغِّص عليه متعته الراهنة في لحظةِ النشوةِ تلك!.

لكنَّ السؤال ظلَّ يُلازمُ الفتى وهو في ربيعه السادس عشر، وبدأ في رحلةٍ تقصٍّ للبحثِ عن إجابةٍ مقنعةٍ، حتى انتهى به إلى الإسلام الذي وجدَ فيه إجابة السؤال، وكانت الإجابة هي عبادةُ الله، هُنا حضرت في نفسي الآية الكريمة من سورة البقرة:" اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ۗ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)".

شابٌ يولدُ في أُسرةٍ مُلحدةٍ، وفي مجتمعٍ لا ينتمي إلى المسيحية إلَّا في ظاهرها، يثابرُ جادَّاً من أجلِ البحثِ عن اللهِ، ثم عن دينهِ الحق الذي يُطمئِنُ فؤاده، ويُقرُّ جنانه بما جاءَ به من وحي التنزيل الحق، وفي المقابل هناكَ من وُلدوا في أُسرٍ مسلمةٍ، ومجتمعٍ مسلمٍ يتمرَّدون على الحقِّ البيِّن، ويتعالون على حكمةِ الخلق، ويسفِّهون ما نشأت عليه مجتمعاتهم من دينِ الإسلام، ويحشون أدمغتهم بغثاثات من الأوهام، بعد أن حشروا أنفسهم في بعض الفلسفات المنحرفة، فكانوا على عكسِ أُولئكَ الذين يبحثون عن الله، فأخرجهم الله من الظلمات إلى النور، وهداهم إلى طريق الحق المستقيم، كانوا على عكسهم يبحثون في طرائق الإلحاد عن قناعاتٍ مغلوطةٍ يتبنونها عن ملحدين ضلُّوا فأضلوا، هؤلاءِ هم الذين يتكفَّلُ بهم الشيطان فيأخذ بأياديهم إلى الظلمات بعد أن كانوا يرتعون في النور، وهؤلاءِ هم الذين قال الله تعالى فيهم في سورة البقرة:" وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا ۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ ۖ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)".

ولا أعلمُ لِمَ لا يعتبرُ هؤلاءِ الذين ينحرفون إلى طريق إلإلحاد المظلم كيف لهم أن لا يتعلَّموا من كِبار الملحدين الذين عاشوا على هذا الوهم طوال أعمارهم فتبعهم من تبعهم من الضالين، حتى وصلوا إلى لحظات ما قبل مماتهم فقالوا كما قال فرعون مدَّعي الألوهية، وناكرُ الله قُبيل غرقه:" حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (يونس/90)، ولم ينفعه ذلك في شيء!.

مثلَ فرعون فجَّر أحد رموز الإلحاد وهو الفليسوف البريطاني أنطوني جيرارد نيوتن فلو   Antony Flew ‏ الذي اشتهر طوال حياته بكتاباته في فلسفة الأديان، وجميعها تدورُ حول دحض فكرة وجود خالقٍ لهذا الكون العظيم، بيدَ أنه أصدر كتاباً في آخر حياته قبل أن يموت عام 2010، بعنوان "هناك إلهThere is a God " وبعد أن كان رمزاً للإلحاد في تأليفه لثلاثين كتاباً حوله، ولأنه كان يعتبر من أهم منظري الإلحاد في العالم لخمسين عامًا، أصبحَ فلو هدفاً لحملات تشهير ضخمة من المواقع الإلحادية في العالم، وقد تخلَّى عن الإلحاد بعد تفحص عميق للأدلة ثم أعلن ما اعتبر صدمة قوية في وسط الفكر الإلحادي في العالم تحوله إلى الفكر الربوبي وهو مذهب فكري لا ديني وفلسفي يؤمنُ بوجود خالق عظيم خلق الكون.

ولدينا في عالمنا العربي الفيلسوف الدكتور مصطفى محمود الذي ألحد في مرحلةٍ من مراحل حياته، ثم خلع ثوب الإلحاد، وألَّف كتاباً أسماه "حوار مع صديقي الملحد" يُحاور فيه شخصهُ المُلحد، وليكون دليلاً لغيره في الإجابة عن الأسئلة ذاتها التي حشر بها المُلحدون عقولهم، وأوهموا أنفسهم بعبقريةِ تفجيرها، وكأنَّما حسبوا أنفسهم أنهم ينقذون البشرية من قيودٍ وأغلال، وما ظنوا أنهم أوقعوا أنفسهم في مهاوٍ لا قيعانَ لها.

في برامج رائعةٍ كمثل برنامج "بالقرآن اهتديت" وغيره تابعنا قصصاً لغير مسلمين من فتيات وفتيان انغمسوا في ملذات الحياة الغربية حتى النخاع لكنهم بحثوا عن الله فكان الله مُعيناً لهم، وهادياً إلى صراطه المستقيم. "وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ"(التغابن/11)، ضاعت الكثير من أعمار هؤلاء الذين لم يولدوا مسلمين فهم وحظوظهم في الحياة إن كانوا سيموتون وهو يبحثون عن إجاباتٍ لأسئلتهم الوجودية فيسلمون أم ينقطعُ بهم الأجل، يخبرني أحد الكنديين الذين اعتنقوا الإسلام ويُدعى بيتر عبدالله –رحمه الله-: أنه كان يحاول إقناع أمِّه بالإسلام لسنين طويلة، وحين زارته في عُمان اعتنقت الإسلام ثم توفِّيت بعد ستةِ أشهر، فما أعظم تلك الهدية الربانية عليها وقد ماتت على الإسلام.

ليتَ هؤلاءِ الذين وُلدوا على الإسلام ثم انسلخوا منه ليرتدوا ثوب الإلحاد أن يُدركوا بأنهم ضحايا التغرير بهلوساتٍ أُناسٍ مرغوا أنفسهم في وحل الضلالات الفلسفية التي شطحت بعقولهم.

ليت هؤلاءِ الذين ألحدوا أن يُدركوا أنهم لن يحرزوا فتحاً للإنسانية، ولن ينقذونها من أوحالٍ علقت بها بإلحادهم، بل إنهم يقودون أنفسهم إلى متاهةٍ لا خروج منها، ويلقون بأنفسهم في مهاوٍ لا نجاةَ منها..!

ليت هؤلاءِ الذي انحرفوا إلى الإلحاد أن يُدركوا أنهم لن ينقصوا من مُلكِ الله وعظمته في شيءٍ إن أنكروا وجوده " مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا"(الإسراء/15) بل أنهم سيحيون حياةً لا أمانَ فيها ولا سلامَ ولا اطمئنان، وواهمٌ من اقتنع بغير ذلك! "وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (طه/124).

ليت هؤلاءِ الذين حسبوا أنَّ الإلحادَ هو تشيطنٌ على اللهِ والمجتمع أن يُدركوا أنما هم يخادعون أنفسهم "يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (البقرة/9)"، ولقد قرأنا مقولات كبار الملحدين وهم على وشكِ الموتِ يتصاحون بالنَّدم، فليقرأها هؤلاء الذين غرَّروا بأنفسهم، ليعودوا إلى رشدهم.

ليت هؤلاء الملحدون أن ينظروا كيفَ كسَّر كثيرون من عبدة الأوثانِ أوثانهم وردَّد قومٌ منهم شهادتي الإسلام كي يقيهم الله شرور الوباء حين أدركوا أنها لا تشفيهم من الوباء الذي أباد قومهم.

ليت هؤلاءِ الملحدون أن يتفكروا في مرحلةٍ قادمةٍ قد ينظروا إلى الوراءِ فيها فيندمون على جهلهم وغرورهم الذي أضاع عُمراً ثميناً من حياتهم.

ليتَ هؤلاءِ الذين يزحزحون أنفسهم من ظلِّ الإسلام الوارف إلى هجير الإلحاد الحارق أن يُدركوا أن مقابل انسلاخ أحدهم من هذا الدين العظيم مئات ممن يلجونه ويشهدُ على ذلك الغرب.

ليت هؤلاءِ الذين ألحدوا أن يُدركوا أن العقل الذي جعلوهُ بوصلتهم إنما هو مخلوق محدود، يقول الفيلسوف الألماني عمانويل كانت في كتابه "نقد العقل الخالص":"أُدرك أن العقل لا يستطيع أن يحيط بالحقائق اللامحدودة، وأنه مهيأٌ بطبيعته لإدراك الجزئيات فقط بينما هو قاصر عن إدراك الوجود الكليِّ مثل الوجود الإلهي".

تمعنوا في مصيركم فما المصيرُ في أصلهِ سوى فكرةٍ، وما الفكرةُ سوى بذرة فإن فسدت فسد المصيرُ وإن صلحت صلح المصير .. تمعنوا.

 

د. صالح الفهدي

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

الدكتور صالح الفهدي المحترم،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أخي صالح ، اود في هذا التعليق الأقرار بإيماني بالله بشكل مطلق، اليس الإيمان به سبحانه وتعالى امرا فطريا، تؤمن به الأديان الإبراهيمية الثلاثة، ويؤمن به اتباع زرادشت ، وماني، والصابئة المندائيين، ومعها اديان اخرى كالمجوسية وأتباع ماني، ولا يوجد مخلوق (سليم الفطرة ) على وجه الأرض لا يعتقد بوحوده على اختلاف ادراكه العقلي وعقيدته الدينية،
لنركز على على مسألة الإلحاد التي اثرتها في مقالك، فقلت ليت هؤلاء... طبعا قصدت المسلمين، ولكن ليتك بحثت ايضا عن السبب. اليس ما في تاريخنا وموروثنا الديني، ما دفع هؤلاء الى الإلحاد، بسبب ما وجدوا في هذا التراث الملغوم بالمتناقضات، فهؤلاء الذين الحدوا كانوا ضحية لهذا التراث ، لعدم رسوخ الدين في إيمانهم، اتمنى بسماحة اخلاقك ان تفيدني من غزارة علمك ، وما توفيقنا آلا بالله ، وهو سبحانه وتعالى يهدينا الى الصراط المستقيم.

صالح البياتي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5369 المصادف: 2021-05-18 10:07:52


Share on Myspace