 قضايا

حاتم حميد محسن: مزايا وعيوب نظام التمثيل الانتخابي النسبي

حاتم حميد محسنيُستخدم تعبير التمثيل النسبي لوصف نطاق من الأنظمة الانتخابية التي يتم فيها توزيع المقاعد الانتخابية للأحزاب او المرشحين بشكل يتطابق مع نسبة الأصوات الكلية التي أدلي بها الناخبون لكل حزب او مرشح. هذا النظام من التمثيل النسبي يسعى الى إعطاء تمثيل أفضل للاحزاب او الجماعات الصغيرة. يضم هذا النظام اشكالا مختلفة بعضها يركز على تحقيق تمثيل نسبي لمختلف الاحزاب السياسية (list PR) بينما انواع اخرى (STV-PR) تسمح للناخب للاختيار بين المرشحين الافراد. درجة الكفاءة في النظام تختلف ايضا، فهي تتقرر بعدة عوامل مثل الصيغة الرياضية المُستخدمة في تخصيص المقاعد، وعدد المقاعد في كل دائرة انتخابية او في الهيئة المنتخبة ككل، ومقدار الحد الأدنى من الأصوات اللازمة للوصول لعتبة الانتخابات. أنصار هذا النظام الانتخابي يؤكدون انه  يعالج مشكلة نظام الأغلبية المطلقة باعتباره  يسمح بتعامل منصف مع الأحزاب الصغيرة والمرشحين المستقلين، كما تقل فيه الاصوات الضائعة حيث يحصل الناخب على خيارات كثيرة للتصويت ويشجع المشاركة وتقل اللامبالاة.

غير ان المعارضين لهذا النظام يؤكدون على العيوب التالية:

1- انه في أي انتخابات لابد للبلد ان  يتخذ قرارا، وان وظيفة النظام الانتخابي هي تحقيق إجماع في الآراء وليس تعدادا لها، كذلك يؤكدون ان السماح بتمثيل الأحزاب الصغيرة يشجع على تكوين أحزاب منشقّة وهو ما يؤدي الى حكومة ضعيفة وغير مستقرة.

2- التمثيل النسبي يشجع على ايجاد تحالفات غير مستقرة وجمود تشريعي. أي زيادة في درجة تمثيل الحكومة يرافقها ايضا زيادة في عدم الاستقرار.هذا ناتج عن ان نظام التمثيل النسبي ينتج برلمان متعدد الاحزاب. كلما زاد عدد الاحزاب المنتخبة، كلما اصبح من الصعب لحزب واحد الفوز بغالبية المقاعد ولهذا لابد للمشرعين من ان يُحكموا بواسطة تحالف من الاحزاب الكبيرة والصغيرة. هذه التحالفات المتعددة الاحزاب عادة ما تكون هشة وتتشظى نتيجة المشاجرات بين الأحزاب على قضايا السياسة. ايطاليا تقدم مثالا جيدا عن هذا حين عانت لعقود من التحالفات التي كانت باستمرار تنهار لتعود بشكل جديد. ان تعدد الاحزاب وحالة اللااستقرار في التحالفات يجعل من الصعب تمرير القوانين في البرلمان فتحصل حالة من الجمود التشريعي Gridlock.

3- ان نظام التمثيل النسبي يوفر فرصة للمتطرفين ليشقوا طريقهم نحو العملية السياسية السائدة في البلاد. المتطرفون من اليسار واليمين يمكنهم ان يجدوا بيئة ملائمة في نظام التمثيل النسبي، وبما ان هذا النظام يجعل من السهل للاحزاب الصغيرة ان تفوز بالانتخابات، فهو ايضا يجعل من السهل للاحزاب المتشددة ادارة المرشحين وانتخاب قسم منهم في الحكومة. هنا يتذكر المنتقدون كيف برز الحزب النازي في آلمانيا عندما استُخدم التمثيل النسبي و سُمح لحزب نازي صغير في التوغل الى النظام السياسي وهو ما قاد بالنهاية الى توظيف ذلك لزيادة شعبيته والاستحواذ على السلطة في ألمانيا. 

4- الأحزاب الصغيرة لديها سلطة كبيرة في الحكومة الائتلافية. في نظام متعدد الاحزاب، يمكن للحزب الصغير ان يكون في موقع يقرر فيه تشكيلة الائتلاف الحاكم. فمثلا، اذا كان احد الاحزاب الكبيرة ربح 42% من المقاعد وحزب اخر ربح 38%، وحزب صغير ربح 20%، ذلك يعطي الحزب الصغير ميزان القوى وتصبح له القدرة كـ "صانع الملوك". يمكنه ان يختار الحزب الكبير الذي يرتبط به ليشكل اكثرية برلمانية. وهكذا فان الحزب الصغير وليس الناخبين هو منْ يقرر الرابح في الانتخابات.

5- الأحزاب الصغيرة تحصل على الكثير من الامتيازات في الحكومة الائتلافية. هذه الاحزاب قد تمارس سلطة كبيرة في الائتلاف الحاكم، يمكنها ان تستخدم نفوذها لإنتزاع امتيازات من شركائها الكبار في التحالف، هذا ربما يؤدي الى تبنّي سياسات راديكالية لا يدعمها معظم الناخبين. في اسرائيل مثلا، نجد الأحزاب الدينية الصغيرة احيانا تربح الدعم لبعض طروحاتها السياسية عبر التهديد بالانسحاب من الائتلاف الحاكم.

6- تعميق الانقسام المجتمعي. العديد من النقاد يخشون من ان هذا النظام قد يؤدي الى البلقنة و زيادة الصراع السياسي وهو ما يقود الى تقسيم المجتمع فيضيف الى المشاكل الموجودة سلفا من انقسمات دينية وطائفية وعرقية.

7- ان التمثيل النسبي ينتج حكومة ائتلافية "ضعيفة" بدلا من  حكومة أغلبية قوية وهو من شأنه ان يخلق حالة من اللاّقرار والى التسويات السياسية والشلل التشريعي.

8- المستوى العالي من التعقيد وطبيعة الاختيارات التي يسمح بها نظام التمثيل النسبي يمكنها ان تعطّل او تمنع الناخبين من التصويت لأنه يتطلب منهم معرفة أكبر عن المرشح وعن مواقف الأحزاب.

9- نظام التمثيل النسبي يُضعف الارتباط بين الدائرة الانتخابية والممثل المنتخب.

10- التمثيل النسبي يزيد من كلفة وتعقيدية الانتخابات. بعض النقاد يخشون من ان تبنّي التمثيل النسبي في الولايات المتحدة مثلا سيجعل ادارة الانتخابات اكثر صعوبة واكثر كلفة. مسؤولو الانتخابات عليهم ان يتعلموا طرقا جديدة لإحتساب الأصوات وصيغ رياضية  لتوزيع المقاعد، كذلك لابد من شراء مكائن تصويت جديدة  تتلائم مع تقنيات التصويت الجديدة.

 

حاتم حميد محسن

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الكاتب القدير
اتابع مقالاتك الرصينة والهادفة . ولكن هذه المقالة دخلت في سوء فهم بالنسبة الى النظام الانتخابي النسبي المطبق في البلدان الاوربية والبلدان الديموقراطية , لان نهج هذا النظام او القانون الانتخابي يعطي لكل حزب او كتلة سياسية حقها العادل من المنافسة الانتخابية النزيهة . ولكن هذا القانون الانتخابي وضع سقف للدخول الحزب الى قبة البرلمان إلا اذا حصل على نسبة 3% من القوة المشاركة الانتخابية , واي حزب لايتجاوز هذه العقبة تهمل اصواته الانتخابية . مثلا كل البلدان الاوربية وضعت نسبة 3% لدخول الى قبة البرلمان ماعدا المانيا وضعت نسبة لدخول الى قبة البرلمان بالحصول على نسبة 5% واي حزب لم يحصل على هذه النسبة تهمل اصواته . . ومثلاً تركيا ( بعيدة جداً عن الديموقراطية بالمقاييس الاوربية ) وضعت شرطاً لدخول قبة البرلمان للحصول على نسبة 10% ( والهدف منع الاكراد من الدخول الى قبة البرلمان , ولكن الانتخابات الاخيرة حصلوا على نسبة تقريباً 12% من القوة الانتخابية وحصلوا على 58 مقعداً برلمانياً ) .
هذا القانون الانتخابي يحاول الابتعاد عن هيمنة الحزب الواحد الحاكم وتجد كل الحكومات الاوربية اغلبيتها الساحقة من تحالفات الاحزاب في تشكيل الطاقم الحكومي ( المانيا . ايطاليا . اسبانيا . السويد . الدنمارك . فرنسا وغيرها من البلدان ) ولكن المسألة الاساسية ان عقليات هذه الاحزاب تختلف كلياً عن عقليات الاحزاب العراقية , التي كل انشغالها الحصول عن المنصب والحقائب الوزارية والنفوذ والمال والامتيازات الخيالية .
تحياتي

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي للاستاذ والكاتب جمعة المحترم، اشكرك جدا على التعليق لأنك ربما أضفت شيئا جديدا للموضوع. كما ذكرنا ان هذا النظام الانتخابي فيه الكثير من التفاصيل، ويُترك لكل دولة تحديد المعايير الملائمة لها، لكن ما اردنا الاشارة اليه هو فلسفة النظام وغاياته النهائية في ايجاد تمثيل عادل يحقق مصالح البلد العليا. هو من حيث المبدأ يعالج مشكلة الاغلبية المطلقة ولكن التطبيقات العملية لهذا النظام وما يفرز من مشاكل قد يثير الشكوك حول جدواه . اظن حتى لو وضعت بعض الدول نسبة 3% او 5% كشرط للدخول في اللعبة، تبقى تلك الاحزاب صغيرة ولا بد من التحالف مع احزاب اخرى لكي يمكن تحقيق الاغلبية في تمرير القوانين وبهذ تصبح التحالفات بين الاحزاب هي المقرر الرئيسي للمحصلة وليس صوت الناخب. مرة اخرى تحياتي لك اخي جمعة مع كل التقدير.

حاتم حميد محسن
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5390 المصادف: 2021-06-08 04:04:34


Share on Myspace