 قضايا

حمزة بلحاج صالح: في تخبط النخب

حمزة بلحاج صالحفي وحل الحاجات الأساسية، ومعنى الحاجة والجوع والظمأ عندهم

لا ثقافة ولا معرفة ولا بحث جاد ولا تشييد مؤسسات علمية وبحثية متميزة ولا بناء مشاريع اقلاع نهضوية شاملة وجادة وعميقة بدون مال وليست هذه انتهازية ولا وصولية فالمال مال الله يا من تضجرون من هذا الخطاب وتبعثرون الأموال في الولاءات والطائفية والمذهبية ...

إن الجوع والظمأ عند المثقف المبدع والباحث صاحب ملامح المشروع وورقة طريقه ليس بالضرورة فقرا مدقعا أو الحاجة الى لقمة عيش يومية في حدها الزهيد مع ان الوضع هذا يتكرر عند نخب هي ضحية تنبيهات وتحذيرات من يخشون من ظل النخب القديرة للأسف وهم عادة نخب واشباه نخب...

فقد باتت لقمة العيش في حدها البسيط لسد الرمق عموما ميسورة للكثير لكن العيش الكريم ليس ميسورا للجميع نخبا وعامة الناس...

إن المثقف العضوي والرسالي يحتاج إلى إستقلالية في العيش والرزق تؤمن له مستقبله ومستقبل نسله وتحميهم وتمنحه هو وأهله الطمأنينة...

يكتب ويبحث ويتنقل ويؤسس مراكز البحث ويكتب للتأليف ويشرف على فرق البحث ومشاريع النهضة ويؤسس صهاريج الأفكار (ثينك تانك) ويشتغل على الجيوسياسة والاستراتيجيا والاستشراف بتحصيل المعلومة من مصدرها وفي زمنها بكلفتها الباهظة واليات تحصيلها المعقدة...

يكون الأجيال أي ذات الإستعدادات للتشكل كنخب قرير العين هادىء النفس مطمئنا متفرغا كليا لصناعة العقول لا يشعر بنقص يتهدد راحته وتفرغه وعيشه الكريم...

إنني اتحدث هنا عن نخب قديرة ومثقفين سامقين ومفكرين كبار وقامات سامقة علميا ونادرة ( النخبة- الأمة) "إن إبراهيم كان أمة" - قران كريم - لم تساعد المناخات السائدة إسلاميا وعربيا سنيا وشيعيا في ظهورهم بوفرة وانتاجهم وتشكلهم وتكاثرهم...

كلما ارتبطت علاقة المثقف والنخب بالسلط الحاكمة وذوي النفوذ رزقا ووجودا ماديا ومعنويا إلا وعكر ذلك صفو عقولهم ونفوسهم وحالتهم الإبداعية ونالت من إستقلاليتهم واستحضار كامل قدراتهم الإبداعية ...

إن اقتراب المثقف المبدع من السلطة يبتلع ويلتهم نصف عمره وإمكاناته وأسثني حالات تقتضيها الضرورات كممارسة الحوكمة الراشدة لما يتوفر عليها هذا الأخير كما أنني أتحدث عن النخبة والمثقف القدير من جهة وجوده على رأس فرق بحث في مؤسسات يشرف عليها اشرافا علميا لا بمفرده لكن مع فرق بحث منسجمة ليس بالضرورة داخل محاريب الجامعات ومخابرها وبيروقراطيتها في البلاد الإسلامية والعربية خاصة بل بصفة حرة مستقلة...

لا بد من إيجاد اليات لتأمين حال النخب المتميزة والقديرة على ندرتها وقلتها والمنفلتة من هيمنة الأنساق السائدة والفهوم الفاسدة ومن السلط والانظمة والمجتمعات أيضا هذا على ندرتها...

حتى يتفرغوا فقط للإبداع والتفكير في مخارج وخلاصات ومشاريع جادة من حالة التخلف لامتنا واوطاننا وحالة التخبط للإنسانية وللتحرر من هذا التخلف الذي يستحوذ على أمتنا بعيدا عن التهويمات واليوطوبيات وترديد لشعارات جوفاء وكتابات سطحية وكلام فارغ من قبيل الثرثرة أو مكرور اجوف...

هذا العمل لا يقدمه الفرد المتميز الذي نقبل بدوره التنسيقي والتفعيلي بل فريق بحث يقوده الفرد المتميز علميا من النخبة المتميزة مرفوقا بالوسائل والأدوات المادية والإمكانات البشرية يحقق بها أهدافه ومرفوقا بتأمين وأمان للنفس والمال والعرض والقوت والمحيط وهامش حرية معتبر ولو خارج بلاد المسلمين...

إن المثقف العملي صاحب القضية والباحث المستقل الذي يتخبط في وحل نفسه ومع ذاته ويجد صعوبات في لقمة عيشه وأساسيات العيش الكريم وتأمين مستقبل أولاده كيف به ترى يبدع...

بل لن يبدع إلا كلاما فارغا أو مكرورا وثرثرة مستنسخة وولاءات بائسة ومحنطة وتحصيل ريوع ومنافع مادية يلهث من وراءها على قاعدة " جوع كلبك يتبعك"...

لا يمنح المثقف الصدقات من يد عليا إلى يد سفلى ويطلبها ويلح على طلبها أو يطرق صباح مساء الأبواب لتمنح له من يد عليا في حالة من الذل والهوان بدل أن يتحسس حاله وتمنح له عن جدارة واستحقاق فينالها بعزة وكرامة وانتظام ويؤتاها ويقبض عليها كحق معلوم ومقنن يؤمن بصفة دائمة عيشه الكريم الشريف...

إن المثقف الذي يتخبط في وحل مصاريف بسيطة كاقتناء الكتب من معارض الكتاب ومن مختلف البلدان وكذلك الدوريات العلمية الجادة التي يقتنيها أو يشترك فيها فلا يستطيع...

أو المثقف الذي لا يتمكن من توظيف ودفع مستحقات مترجمين قديرين الى جواره وكتاب لنسخ اعماله وحجزها ونسخها بواسطة الاعلام الالي او مساعدين في انجاز وانتاج اعماله بل اعمال فريق بحث يشرف عليه إذ لم تعد الأعمال الفردية بقيمة اعمال البحث المعمقة لفرق البحث ..

أو المثقف الذي يجد من الصعوبات في طبع واستنساخ كتب يحتاج إليها فلا يستطيع وغيرها من الحاجات البسيطة ترى كيف ينتج جيدا وجديدا ومفيدا وعميقا بل سينتج مكرورا وسطحيا وهشا...

و كذلك المثقف الذي يجد صعوبة في تغطية مصاريف المشاركة في الورشات البحثية الجادة العلمية للملتقيات الدولية وورشات العمل والتربصات التي لا تتم المشاركة فيها الا بمساهمة مادية حتى في العالم عموما والعربي والاسلامي على ندرة جودتها...

و كذلك تفعل الجامعات ومراكز البحث في عالمنا العربي الاسلامي فما بالك عند الغرب رغم هشاشة ما يطرح عربيا وإسلاميا فتراه لا يستطيع الاستجابة لتلك الشروط والمال ينفق على غير هدى ...

إن المثقف الذي يجد صعوبة في تغطية مصاريف هاتفه واتصالاته وتكاليف النت وشبكة علاقاته المعرفية والعلمية والثقافية والسياسية ومصاريف تنقله إلى العالم لاكتشاف الإضافات العالمية المعرفية الحديثة واقتناء وسائل للاعلام الالي والنسخ و" الملتي ميديا " أي التصوير والتسجيل وغيرها...

وأكرر وهذا مهم وهولا يملك مترجما في مؤسسة لو قدر له أن يديرها ليواكب بعض ما تنتجه وتقذفه مطابع الغرب ومؤسساته البحثية...

كيف تطلب من هذا المثقف والمفكر والباحث الذي يعاني من هذه المشكلات البسيطة أن يفكر بعمق في إشكاليات الراهن ويكون مانحا لأمته ولمؤسسات الأمة التي يلهيها الضجيج والتهريج عن مثل هذا المفكر الجيد على قلته وندرة أمثاله...

و العبرة بل التحدي هو كيف نستنسخه ونستنسخ بمعنى ننتج مثله ومن هو أفضل منه وتوليده كما تولد النخب في المجتمعات الحديثة لا يضرها أن تتأثر جماهيرها بالسياق العام...

إن المثقف والمفكر الرسالي الذي يعجز عن اقتناء الة طابعة وجهاز إعلام الي أو "لاب توب" بسعة تخزين محترمة و"طابليت" فائقة النوعية والة تصوير وجهاز سكانير لاستنساخ البحوث والكتب واقتناء الورق ووسائل التخزين والاقراص وغيرها...

بل الكارثة ومن اجل تصوير دقيق لهزالة المشهد أنه لو كسر زجاج نظاراته لاحتار كيف يقتني غيرها وهو من يقتني إطار نظاراته الهشة من السوق الشعبية بجودة معدومة لبؤس حاله وغيرها من الجزئيات البسيطة للأسف والتي ترتهنه وتستلبه وتحنطه وتقتله قتلا بطيئا وغيرها من المشاهد المحزنة والمخزية...

في وقت تستنبت وتشيد في دول الغرب التي تحترم عباقرتها ونوابغها قرى ومدن للمعرفة تتوفر على كل شروط وظروف الراحة والإبداع لأنهم فهموا مكانة المثقف والباحث والنخبة ولو كان لا يحمل شهادة الدكتوراه والبروفيسوراه ..الخ و هو ما يحقق معنى وأهمية قول أحد أئمة المذاهب او قريبا منه " لو كلفت بصلة ما تعلمت مسألة"...

فشيدوا أي دول الغرب في كل بلدانهم وأوطانهم ما يشبه " سيليكون فالاي " فمنها ما نراها ومنها ما لا نراها ولا نسمع عنها...

كيف نطالب مثل هذا المثقف عندا المقصب الأجنح أن يكون معطاء ووضعه الصحي والنفسي يتاكل يوما بعد يوم ومشكلاته الإجتماعية والمادية تتفاقم وتغزوه وتكبله وتلهيه وتشوش على تفكيره وعقله ونفسه...

عندما نتكلم عن نوع من المثقفين نعني" نفر/ قدوة " ونعني خبراء مقتدرين ونعني باحثين متميزين ونعني فلتات يكتشفون بالمجهر لا من تعودوا التطفل على المال العام ولعق

الأصابع وقضاء حوائجهم الدنيوية ولو حملوا الشهادات العليا...

و لا نعني أن يتم التكفل تكفلا رفيع الكلفة بكل جامعي فليس كل إمعة وحامل شهادة عليا إستثمار مفيد للمستقبل او في كل باحث بالاسم والعنوان والشهادة والرتبة خير ينتظر ...

و من الذين يسمون جامعيين من يسترزق وينتهز الفرص وتنفق عليه الدولة أو يدعمه اهل الخير في عالمنا الاسلامي بل السلط الحاكمة وتنفق عليه في تربصات في الخارج يعود منها فارغ اليدين بعد سياحة ممتعة...

إنما نعني مساحات وحصون الإبداع متمثلة في عناصر قليلة العدد ومتميزة المنح والعطاء مغيبة ومهملة نقتلها وهي حية كان يمكن أن تؤسس لميلاد النخب الكبيرة والقامات السامقة والفرادات حتى تحيا المجتمعات والشعوب والمؤسسات في بلاد المسلمين وأمة الاسلام في أمان وتنبعث من سباتها وتؤسس لمشروع نهضتها...

كفاكم بعثرة المال وإنفاقه في المكرور والمهترىء والسطحي والهش والثانوي أو في مجالات لم تعد هي الثغور الاساسية ولا هي في أعلى هرم الأولويات...

و كفى النخب ذبح بعضها البعض وتخوين بعضها البعض واحتقار منجز المقتدرين منها بعضهم البعض خوفا من ظل بعضهم بعضا واحتباسا داخل منظومة من العلل النفسية والاخلاقية للأسف...

و كفى الأنظمة الحاكمة في البلاد الإسلامية والعربية ظلما وتهميشا وخوفا من النخب القديرة وإدارة لظهرها واستبعادا لها...

حتى بات الفضاء العام والفضاء العربي الإسلامي حكرا بين أيدي البعض واعني بعض النخب لا فرق بين المعارض منها والموالي كأنهم مراكز الكون يحجبون الكفاءات القديرة بسبب غيرتهم وحسدهم وعللهم وخوفا من ظلهم وهم يتواجدون في كل الفضاء العام العربي والاسلامي وحتى الغربي أحيانا...

يعترضون سبيل كل جيد حفاظا على سمعتهم ومكانتهم الهشة واعمالهم التي تبدو مبهرة عند كل ذي فقر وضحالة معرفية وعلمية...

حرروا واعتقوا الفضاء الرسمي في المجال الإسلامي والعربي خاصة من جامعات ومؤسسات بحثية من بعض الجماعاتيين والايديولوجيين والأصنام او الفضاء الحر من قيل وقالهم وحملاتهم وهجماتهم المرضية الهادرة للامكانات والمشوهة لذوي القدرة لا لشيء فقط خوفا من ظلهم وصراحتهم ونقدهم العميق وكفاءتهم النوعية...

إن أصلحتم حالكم هذا شققتم طريق النهضة وتحررتم من حالة التخلف...

و الله ولي التوفيق.

 

حمزة بلحاج صالح

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5391 المصادف: 2021-06-09 05:28:10


Share on Myspace