 قضايا

سامي عبد العال: الإنسان كقِطَع غيارٍ

سامي عبد العالفي آونةٍ سابقةٍ ليست بالبعيدةِ، ظهرت مصطلحات أخذت تُوصِّف حال الإنسان العربي، مثل: "الانسان المقهور" 1981 و"الانسان المهدور" 2006 وفقاً لما طرحه المفكر اللبناني مصطفى حجازي في كتابيه اللذين حملا العنوانين السابقين. وارتبط الرصيدُ الدلالي والمعرفي لمثل هذه المصطلحات بالجوانب النفسية والاجتماعية دون سواها. إذ يقع دائماً بالغُ الأثرِ على الإنسان جراءَ قهر الواقع ودماره البادي للعيان ضمن أغلب مجالات الحياة. وكأنَّه ليس أمامنا سوى الوقوع كمدّاً في خانات الآثار السلبية دون المبادرة بالفعل وإزاحة الأوضاع المُزرية. لأنَّ (القهر والهدر) أمران مركبان يمارسان إذلالاً لهذا الإنسان الهش. وبالفعل هما وجهان لعُملة واحدةٍ، فكلُّ قهرٍ يلاصقه هدرٌ ما.. والهدر يجلب قهراً لا محالة... وهكذا دون توقف.

إنَّ التخلف الذي تعيشه بعض مجتمعاتنا العربية ليس سمةً برانيةً تقف لدى الاعراض فقط، لكنه يعيد إحكام قبضته على مقدرات المجتمع من الداخل أيضاً. وهو تخلف يستعمل الإنسان كخرقّةٍ باليةٍ فقدت جوهرها الوجودي الثري. وتباعاً قد توضع الخرقة تحت التصرف لمسح أي شيء قذرٍ. مما يُغرق (هذا الإنسان) في أساليب دفاعية مثل: الانكفاء على الذات والتماهي بصورة الحاكم المتسلط، ومحاولة السيطرة الخرافية على المصير باللجوء إلى العنف والانخراط في تنظيمات إيديولوجية وارهابية، والركح إلى الأساطير والخرافات، وانتظار الآمال البعيدة التي لن تأتي.

مؤخراً (مع الارهاب ومع توالُّد انظمة الاستبداد) ظهر ما أسميه " الإنسان المُقطَّع " إلى اجزاءٍ وأعضاءٍ. ولئن كان الإنسان (الأول المقهور أو المهدور) ظاهرة جانبية تابعة لظواهر السياسة والعمليات الاجتماعية والاقتصادية الفارزة للبشر، فالثاني المقطَّع (أو الممزّق) يعدُّ وضعاً حديّاً يقتل الكيان الجسدي الفيزيائي نفسه physical body itself. لأنَّه وضع دموي يتلاعب بطاقات الحياة والموت.. وهما أصل غرائز ورغبات الكائن الحي. وعليه تقهقرت فكرة الإنسانية داخل المجتمع العربي إلى حدِ العدم، طالما تتحول أجسام الناس إلى اكسسوارات عضوية organic accessories.

ولقد مارس تُجارُها المتربحون دور سماسرة الأجسام على نطاقٍ واسع. وهؤلاء التجار يظهرون أيضاً من حين لآخر وسط أنظمة الاستبداد والقمع. فعلاً كما تتوقع أنت الآن في هكذا مواقف، قد يصبح تجار البشر هم الطغاة والديكتاتوريين أنفسهم. فسياسات الإفقار والقهر الاقتصادي واستنزاف الثروات وسوء إدارة البلاد وإذلال العباد لهي (خطط وبرامج عملية) في تحويل البشر إلى لحمٍ فارغ من الروح وإلى قطع غيار حيةٍ عندما تحين الفرصة لذلك.

وربما الأبعاد النفسية التي انشغل بها علماء النفس مقارنةً بهذا الوضع الفيزيائي تعتبر ترفاً. لأنَّ الأبعاد النفسية تفترض (كائناً حسّاسّاً) بحسب جهازه النفسي، بينما يعمل الواقع الجديد على استئصال الحياة ذاتها. لقد انتهكت الاحداث الارهابية والسياسية تلك المساحة الوجودية الحرة لدى الفرد. فأنْ يعيش الإنسان، فذلك يمثل حقاً طبيعياً حُراً يجب ألاَّ يُعتدى عليه كما يجب أن نرى.

 إذن الوجه الراهن لقضايا الإنسان: أنْه غدا قِطعاً بشرياً من اللحم الحي. تُبتاع وتُشترى فوراً عبر مناطق الصراع والتخلف والعشوائيات الفقيرة ومع أنظمة القمع والاستبداد بالخريطة العربية وتصدر إلى انحاء العالم. وإذا احطنا بالمسألة، فالإنسان (بهذا الشكل) ليس إلاّ يدين، ساقين، كبداً، عنين، قرّنيّتين، قلباً. أما باقي الجسم، فيعتبر زيادةً عن المطلوب ويمكن الإفادة منه في أغراض تجميلية أخرى. فالجسم يُفصّص ويُجزّأ ويشفَّى ويُركّب في هيكل بشرى آخر لمن يريد الشراء. إنَّ الجسم مجرد كيس جلدي عام يفرَّغ من محتوياته بعوامل الصراع الدموي إذن.

ورغم كون المسألة تائهة في دهاليز مافيا تجارة الاعضاء البشرية، غير أنها تمتدُ إلى ما أوصل إنسان العرب والمسلمين إلى تلك الحالة. وكان التجار يستهدفون الأطفال والشباب الصغار ومن يريد التبرع أو التنازل عن بعض أعضائه للأغنياء أو للتصدير خارجياً. والحاصل بشكل واضح أن كل تقطيع للأعضاء البشرية يتم في ضوء خريطة تاريخية حياتية ما تستهدف العناصر الفقيرة وتزيدهم عوزاً ولو كان الثمن أجسامهم. خريطة ترسم بحدودها: كيف تدهورت مكانة الإنسان؟! ولماذا انحطَّ إلى مجرد بدائل بشرية مفككة يبتاعها للآخرين بنفسه؟ وبإمكان هذه البدائل (وهنا المفارقة) كشف المِشْرط الديني (الارهاب) أو السياسي (الديكتاتورية) الذي يجزُ أجزاء الأجسام. بحيث يمكن القول مبدئياً إنَّ تصفيته واتخاذه قطَعاً هما الأسلوب الأخير لقمعه وانتهاك حياته. وأنّه لم يُعبّأ في حاويات كبدائل قابلة للتسويق إلاَّ بعدما كان دميةً في واقع سياسي وإنساني بائس.

فمع المعارك الجهادية بعدما رأينا لدى تنظيم الدواعش وغيرها كان الضحايا يُفرَّغون من أعضائهم تحت التنكيل والتعذيب. والأمر ذاته حدث ضمن الصراعات المسلحة الأخرى أثناء الربيع العربي وبعد استقرار أمواجه العاتية. ومنذ اليوم الأول اصطاد تُجار البشر اطفالاً وشباباً سوريين ومصريين وليبيين. وازدهرت تلك التجارة لا لشيء إلاَّ لأن إنساناً كامل الوجود والحرية (أو هكذا يجب أن يكون) لم يكن مهماً أصلاً في حياة العرب.

ولم يأت الأمر مصادفة، ففي دول كمصر شاع بين الفقراء والمحتاجين بيع الاعضاء لتغطية نفقات الحياة ومحاولة العيش شبه الكريم. وغدا الجسم هو الرصيد الحي لإنسان مطحون ليلاً ونهاراً دون الكفاف ساعياً لتلبية احتياجاته الأولية من مأكل وملبس ومشرب. وكأنه يندفع إلى التفريط في جزء من كيانه الحي على أنْ يفرط في كرامته بالتسول وإراقة ماء وجهه!!

وللأسف استغل بعض أثرياء البيئات الخليجية والعربية الفقراء المصريين والسوريين لتجديد اعضائهم وزوجاتهم أيضاً. فقدت بلاد الفراعنة مكانة انسانها في مخازن الخليج وثلاجات الأعضاء البشرية. وبات خطف الأطفال والصبية أمراً مُكرراً ليكتشف الناس بقاياهم في إحدى الشقق أو الخرابات المهجورة. وكذلك انتشرت تجارة الزواج من السوريات وبدلاً معاملتهن إنسانياً اعتبرهن الأثراء مرتعاً للغرائز والرغبات. والمفارقة الساخرة أنَّ أوروباً استقبلت السوريين والعرب تحت مظلة الإنسان وقوانين الهجرة والضيافة والاغاثة بينما تعامل العرب (أصحاب الفروسية والشهامة) معهم كسلّع ليس أكثر. هل اصبح الواقع العربي مأزوماً ولا يجد حلاً إلاَّ بطحن الاجسام؟!

 هذا برغم أننا نمتلك ترسانة من النصوص والآيات والأحاديث والقصص المقدسة للتدليل على أن الله قد جعل الإنسان خليفة في الأرض ووضعه سيداً للكون وأنَّ الله سخّر له كافة الكائنات والأشياء والإمكانيات. وأباح له لحم البر والبحر وكرمه تكريماً، وعظَّم قدره ككائن فوق مرتبة الملائكة والجن والشياطين. ثم إنّ قتل نفس واحدة كمن قتل الناس جميعاً. وأنه لزوال الدنيا ومن عليها أهون عند الله من قتل نفس مؤمنة دون ذنب. وأنَّ حُرمة دمائه تساوي حُرمة البيت الحرام كما قال نبي الاسلام في خطبة حجة الوداع!! وأننا بالنسبة لبعضنا البعض كالبنيان المرصوص وأنَّ من فرَّج عن مسلمٍ كُربةً من كُرب الدنيا فرَّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة.

جميع ذلك وأكثر يتردد طوال الوقت إلاَّ أن الحياة العربية والاسلامية سارت عكسه تماماً. دمرت الاحداث معاني تلك النصوص وأشارت دوماً إلى كونها ملقاة شفاهة بين الناس بلا أهمية. لا قيمة للإنسان، لا مكانة للإنسان، لا حياة للإنسان، لا مستقبل للإنسان كأن حيوان يجب اصطياده ومطاردته واللهاث وراء كيفية تدميره طوال الوقت. بل ربما وجه الغرابة أن يأتي هذا التشريح والتمزيق لأجسام البشر (كقطع الغيار) متأخراً إلى حد ما. بينما كان هذا الوضع متوقعاً تماماً ليس أثناء الاحداث الربيعية وبعدها هذه المرة، لكن كان نتيجة جوانب تاريخية طويلة في المجتمعات العربية. حيث ظهر مع (قمْع) عقل الانسان حين أراد العيش حراً بما يرغب في مجتمعاته الحرة. ثم كان أنْ طُمس خيالة بتكميم الأفواه والافكار وقتل الابداع من خلال ملاحقة الكتاب والمفكرين واحراق مؤلفاتهم. وكان أيضاً بواسطة (حيونة animalization) الإنسان في زرائب قميئة الروائح أسمها الأنظمة السياسية. فتمَّ معاملته على أنه مجرد عنقود من الشهوات الحيوانية التي تُعاقّب بالحرمان المقصود ويتم ترويضها في المجال العام بإمكانية الاشباع والتجويع كلما كان عبداً خانعاً مطيعاً. وفوق هذا وذاك يجرى التلاعب بالشهوات لفقدانه القدرة على الفعل السياسي.

 ومن ثمَّ، إذا كان الإنسان العربي قد غادر حريته، فهل كان منتظراً للأوضاع الحياتية أن تقهره لترك جسمه أيضاً؟! تبدو الاجابة بنعم المؤكدة والمغلَّظة يومياً في كافة التفاصيل. بالأدق غدا الإنسان مادةً تمضغه وتتفلّه الاحداث السياسية الحالية. لم يعد التمزق جارياً على صعيد الفكر، بل زحف إلى كيانه الحسي كما أشرنا. وليس أقرب إلى ذلك من اختيار (الارهاب الديني) لتلك العملية تحديداً. أقول اختيار لأن عملية صناعة الإرهاب معقدة ومركبة، ليسلخ وينزع لحمه عن عظامه وتتلاعب الأقدام بجمجمته وتطهى أضلاعه وتُعلق أشلاؤه كالذبائح. كل ذلك تمارسه الجماعات المتشددة والحكومات والأنظمة الحاكمة على السواء بدرجات متفاوتة وبأساليب مختلفة.

 اختصاراً: أليس هذا هو (مبحث الانسان) الذي اختفى من التراث العربي كما يتصور محمد أركون؟ ألم تكن النهاية الدرامية حول جسمه نتيجة طبيعية لانعدام عقله ابتداء؟ كيف حدث هذا التحول واصبح عنواناً للمأساة التي يعيشها العرب من وقت لآخر وبالأساليب نفسها. وهل هناك شكل مستقبلي لهذا التلاشي والسلخ البشري؟

في الثقافة العربية تطورت مشكلة الإنسان باختلاف الظروف سياسياً واجتماعياً بالمقام الأول. لقد كانت مشكلته تتعلق بالوجود البشري ... وما إذا كان الإنسان كائناً مخلوقاً كرَّمه الله أم لا؟ ثم تساءل هذا الكائن حول نفسه في آفاق الدين وكيف سيعيش وما علاقته بالأديان الأخرى. ذلك مع الفرق الإسلامية كالمعتزلة، الاشاعرة، الجهمية، الجبرية والماتريدية. فظهرت قضايا حرية الارادة، العدل والإمامة، الثواب والعقاب، الإيمان والكفر، الحسن والقبح. ولكن مَنْ يقرأ (كواليس المقولات الكلامية) في تاريخ الفكر الإسلامي سيعرف أنها لم تكن لتهدف استقلالاً نحو حياة إنسانية حُرّة، إنما جاءت على هامش السلطة والقهر باسم الدين والسلطان.

بدليل أنَّ الإنسان العربي لم يستقل بحياته البته بعيداً عن قبضة كهان الدين ودجالي السياسة حتى اللحظة. ولقد انشغل علماء الكلام بمشاكل الذات الإلهية والصفات والأفعال ومباحث السمعيات والنبوات .... ولم يلتفتوا مجرد التفاته بسيطة إلى مبحث تجويد الحياة البشرية، إلى مبحث القهر السياسي، إلى مبحث قطع الرؤوس وجز الرقاب وتمزيق الأجساد وإلى مبحث حرق الكتب والمكتبات وإهدار العقول. هذا على الرغم من أنَّ علماء الكلام والأدباء والمفكرين العرب أنفسهم قد تمَّ التضحية بهم نحراً وتقطيعاً وحرقاً، كما حدث مع شخصيات كلامية وصوفية شهيرة: معبد الجهني (حيث قتله الحجاج بن يوسف الثقفي مصلوباً في زمن عبد الملك بن مروان) والجعد بن درهم (الذي قتله ذبحاً الأمير خالد القسري في جامع واسط بالعراق يوم عيد الأضحى) وغيلان الدمشقي (الذي قتله هشام بن عبد الملك في مجلس الخلافة بعد جدال عنيف حول القضاء والقدر وحرية الإرادة) والسهروردي المقتول (الذي قُتل حبساً في قلعة بحلب بأمر صلاح الدين الأيوبي لأبنه الملك الظاهر الذي خيره بطريقة موته فاختار الانعزال دون ماء ولا طعام حتى مات) وابن المقفع (الذي قتله سفيان بن معاوية وتم تقطيعه حياً وتحريق أجزاء من جسمه في التنور أمام ناظريه) والحلاج الذي قتل مصلُّوباً وهو يئن ناظراً إلى السماء معتبراً عذاباته ودماءه قرباناً إلى الله.

كان ومازال " الإنسان المُقطَّع " معبراً عن هذا المصير المبكر أبلغ تعبير. وكم أرسل رسالة إلى سواه المتأخر بأنه سيلقى النهاية نفسها. وأنَّه كان يجب الدفاع عنه بكل ما أوتينا من سبل لإعادته إلى المكانة اللائقة في ابداع وجوده وانشاء مجتمع مفتوح ومتعدد التوجهات بلا وصاية. وتبدو الصورة السابقة الممزقة نافذة على أكثر من مستوى.

أولاً: هذا (التحلُّل الكامل) لجميع المعايير الإنسانية إزاء الآخرين. فالموت كجزء من أسلحة المعارك السياسية والمذهبية يتحدث بالمقام الأول منذ الدولة الإسلامية الأولى. ولذلك حرص الدواعش ومن سبقهم ومن سيأتي لاحقاً على تعميد أفكارهم بالدماء. ولا يتم التفرقة بين دين أو عقيدة أو ايديولوجيا. وكأنه لا يوجد بديل سوى القتل، لا الحوار يجدي ولا التعايش ولا التسامح ولا حتى الاختلاف الديني. كل ذلك سيساق إنسانه إلى المذابح كما تساق الإبل إلى حتفها.

 والموت هنا ليس فقط بمعناه الفيزيائي، لكنه قد يكون ضياع المعايير الإلهية المنصوص عليها في الكتب والنصوص والمرجعات المقدسة. فلم تعبأ لا الجماعات الاسلامية ولا الأنظمة السياسية بأية معايير للحياة المشتركة. فكأنها تطبق مقولة الفناء للبشر وجودياً، وتسير الحياة الاجتماعية لدينا نحو تبديد المعايير. وحتى إن وضعت هذه المعايير في أسس وقواعد للعيش فسرعان ما تصبح بلا قيمة في الواقع العملي. لأنَّ الصولجان واحد سواء أكان باسم الدين أم باسم السياسة أم باسم العشيرة والقبيلة.

ثانياً: التنكيل بالجسم هو الإحساس الأقوى في ايقاع الرعب والتعذيب أمام الإنظار. ومع أنه كان آلية الأنظمة الاستبدادية، لكنه أصبح مشهداً مشتركاً في جميع الأحداث الربيعية وغير الربيعية. فالمفترض بعد التغيرات الحاصلة ومواكبة التطورات في الحياة والمعارف والتقنيات أنْ يصبح الإنسان أكثر تحرراً وأكثر قرباً من حياته التي اختارها. لكن للأسف مازال الجسم هو الآلة التي يتعذب بها كأنها ثقل أنطولوجي تتقاذفه الأنظمة والسياسات من مرحلة إلى أخرى. كان ذلك بالتعذيب والسجون والاعتقالات والتعسف والتهجير في فترات الدولة العربية الحديثة ثم أصبح الآن سلعة طبية وبيولوحية لخدمة الطبقات الثرية وترميم حياتهم.

ثالثاً: الانسان المُقطَّع نمط من العيش المحقّر، ولاسيما إذا كان اختياراً لا مناص منه للتغلب على ظروف الحياة وشظف العيش. وهذا أسوأ صور تدمير الإنسان وشعوره بالمهانة والذُل. فالطبقات الفقيرة في أكثر من حالة عربيةٍ لا تملك غير كرامة الاجساد العفيفة وصيانتها من الرذائل، لكن تصر الأنظمة الحاكمة على استباحتها واعتبارها أداة إذلال وسط واقع الفقر والعشوائيات والبيئات غير المتطورة.

رابعاً: يتطابق الوضع السابق مع "الإنسان المغدُور"، هذا الذي غُدر به وجودياً وحياتياً. وتوقف به الحال كأجزاء آدمية متفرقة. أجزاء تركب بالبيع والشراء في أجسام الأغنياء وتجديد أعمارهم، وكأن هناك قرار مسبق للغدر بالإنسان ليكون جزءاً عضوياً من إنسان آخر أكثر سطوة. فلم يكفِ الاغنياء أن يلتهموا اقتصاديات الفقراء وجعلهم زبائن دائمين على موائد أرباحهم، إنما ركضوا وراء المتاجرة في أجسامهم كذلك. وهذا اغتيال صريح بملء الكلمة وسط انظمة سياسية داعمة للمسألة، حين تعد الحياة العامة كحلبة صراع دموي في الخفاء لاقتناص الأموال والأجسام معاً.

 خامساً: إذا كان " الإنسان الغربي " قد وصلَّ إلى كونه إنساناً افتراضياً من خلال التقنيات المتطورة والمعارف والعلوم الأكثر تقدماً، فنظيره العربي غرق ويغرق باستمرار في دمائه الساخنة. وهذا أمر شديد الغرابة والأسف، لأنَّ الإنسانية في كل مكانٍ تزحف حثيثاً نحو اكتساب الحقوق والعيش الحر والاعتراف بالوجود الكامل لتنوعها، بينما إنسانيتنا العربية ظل يترصدها التمزق في كل منعطفٍ من منعطفات التاريخ.

 سادساً: تجارة الاعضاء البشرية أصبحت " مؤسسات" لأسواق تضرب بمخالبها الوقحة داخل السياسة والدين والطب والاقتصاد. وهذا بات واضحاً عندما يتم القبض على عصابات الاتجار بالبشر إذ تجد الشرطة بين أفرادها أناساً متخصصين في الدين والطب والاقتصاد. إن هذه المضبوطات تثبت أن الدائرة التي تتواطأ فيها هذه العناصر هي دائرة السياسة، لأنك ستلاحظ أن الدين والطب والاقتصاد ثلاث فروع توظفها السياسة لخدمة أغراضها. فشأن الدين معروف لتبرير الممارسات السياسية والطب من جهة استعمال الطاقات البيولوجية لخدمة الأغراض والمآرب وسياسات الإفقار والاقتصاد هو القوة الناعمة التي تنفذ السياسات وتعطيها قوة على أرض الواقع. إذن لن يتم أي اتجار بالبشر إلاَّ بمشاركة سياسية ظاهرة أم خفية.

سابعاً: لاهوت تقطيع الجسد كان له الأثر الأكبر في ممارسته بلا حدود. لأنَّ القائم بتلك العملية يعتبرها جزءاً من ترسانة الدين. وأنه لا تصح معتقداته دونما اهراق دماء الكفار وإبادة أجسامهم. كما أنَّه قد يستحل لأي جسم أن يتحرك بحرية طالما استطاع المؤدلجون دينياً اصطياده في ميادين الجهاد. وليس أوضح في هذا الجانب من أن العنف الدموي كان هو العلامة البارزة التي أدخلت بها التنظيمات الإرهابية الرعب على المجتمعات العربية.

ثامناً: ماذا ستكون " ماهية الإنسان" مستقبلاً وسط بيعه كقطع غيار على قارعة الحياة. هل ينتقل من مجرد عبد إلى "مدخرات عضوية" لإصلاح أجساد مترفة ومترهلة من الثراء الفاحش. وبذلك تصبح فكرة الطبقات عضوية هي الأخرى تتأسس على اللحم الحي. ربما يكون الفقراء هم الرصيد البيولوجي للأغنياء ومجتمعات الترف والرفاهية مستقبلاً.

 إنَّ الفلسفة تحذر دوماً من أية ماهية مزيفة للإنسان فما بالنا إذا تمَّ إهدار وجوده من الأساس، طالما لم يستطع التحرر بكيانه الكامل روحاً وجسداً. ولذلك فإنَّ النظر إلى الإنسان كقطع غيار هو تفريغ انطولوجي من كل ما له علاقة بكيانه الحر. وهذا أسوأ فعل وقح قد تصل إليه أيةُ إنسانيةٍ من حيونة وجوده وإرادته المستقلة. صحيح كان الإنسان تاريخياً مسطّحَ الوعي ثم مؤسطِراً للسلطة وقوى الشر وصحيح كان عشباً مخدِراً لعمليات إدمان العنف والقتل، ولكنه بالتقطيع والتمزيق الجسدي غداً مجرد كائن بلا أدنى إنسانيةٍ، وأنَّ الأنظمة السياسية والاجتماعية التي تحتضن هكذا كائنات مفرَّغة إنما هي تمثل اقتصاد الشرور في العالم.

 

سامي عبد العال

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

ما أروعك يا صديقي، فكرة واضحة في لغة سلسلة مع شواهد تاريخية تشدّد على ظلم الإنسان للإنسان، وعلى تمزق الإنسان في إطار أوضاعه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وحتى الطبية مع مايضاف من سحق كرامته، إن وجدت، وإن بقيت.

لم يعد إنساننا المعاصر بالإنسان، هذه حقيقة.
ثقافة التنكيل في مجتمعاتنا العربية عريقة، ولعلها الثقافة الوحيدة التي تخضع للتطبيق الفوري، وما دونها من ثقافات فسراب وخداع !
- أوافقك تماماً على أن كواليس المقولات الكلامية لم تخرج عن توظيفها السياسي، ولم تنشأ الجبرية ولم تدعم إلا بأوامر سياسية، والمعتزلة أصحاب العقل تحروا أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو ينقض العقل نفسه، ونشأ فيهم من يفرض الرأي بسند من الحكام إذ ذاك لخنق أنفاس الأئمة وتعذيبهم والتنكيل بهم لما ظهرت مسألة خلق القرآن.

- السياسة جرثومة الفساد والقهر والتسلط لا يبقى معها إنسان سواء اقترب منها هذا الإنسان أو أبتعد؛ ففي اقترابه تحرقه مع ظن الاقتراب منها بريق. وفي ابتعاده تمسخه مع القهر والتسلط والاقصاء.
معلونة هي في القديم والحديث.
لكنني أظن مع ذلك أن تقطيع الإنسان ناتج عنه لا عن غيره، طمعه أعماه واستعبده، والطمع رقُ مؤبّد، ومن يطع مطامعه لا يصير حراً بإطلاق .. هذا الإنسان المسخ هو الذي أرتضى المذلة والحقارة في إطار ما هو مفروض عليه من نفسه فضلاً عما هو مفروض عليه من خارج.
وما بين لوثة النفس وطغيان الواقع واستبداد الأنظمة السياسية وغير السياسية من خارج لم يعد للإنسان قيمة لا جسداً ولا روحاً .. وكيف للمسخ أن يكون؟
مات الإنسان فينا وقُبر وهو حي موجود !

خالص محبتي ومودتي وتقديري لكم صديقي الدكتور سامي المفكر الأصيل والمبدع الجليل.

مجدي ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي الحبيب المبدع والكاتب القدير د. مجدي إبراهيم
لقد أصبت كل الحقيقة
فالإنسان فرَّط في نفسه حقاً ولم يعتن بوجوده حق الاعتناء ولا بذاته وتركها نهباً لكل مستبد عتيد. لأن كل تغيير هو ضرب من التحرر الذاتي ومن إرادة الرفض للتخلف والقهر.
واللافت أن هناك اتجاهين يسيران عكس بعضهنا البعض وليتهما يلقيان يوماً في مجتمعاتنا العربية على أسس مختلفة:
1- الإنسان الحر الذي يحيط نفسه بالسمو والعلو وهذا مسار طويل وخاص جداً، ويحتاج إلى عمل روحي وثقافي أصيل. ويرفض كل وصاية من الآخرين معتبراً أن بناء قدراته هي سفينة النجاة في الحياة.
2- الإنسان المستعْبَد الذي يدمن عبودية التسلط والقهر ولا يعيش دونهما، ويذهب ( كما يقول اتين دي لابواسيه) مختاراً إلى العبودية. وهو يعرف تمام المعرفة حياة الإنسان الأول ويظل يحاربه حتى النفس الأخير آملاً أن يجره إلى العبودية.
في هذه الأثناء لا تترك السياسية الإثنين لحالهما، إنما تغرقهما تماماً وتمتص وجودهما دون رحمة ولا شفقة، لأن السياسة تعمل فوقهما على تحديد أنماط الأفعال والمواقف. ولذلك إذا كان ثمة أمل لالتقاء المسارين فلا تقبل السياسة بذلك إطلاقاً..
ويبدو أن هذين المسارين يحتاجان مسار ثالث وهو تطهير هذا التاريخ الطويل من الإستعباد وأنت أعلم مني بكوننا مازلنا نكرر كل المآسي التاريخية في مجال السياسة كأننا لا نعرف شيئاً وكأننا أوناس لا نشبع تخلفاً.... شيئ غريب حقاً( أليس التكرار يعلم الشطار!! ولكن اتضح أنه يعلمهم بشكل آخر لأن معنى الشطار هم السراق في المعجم العربي).
لقد أيقتن تمام التيقن ... لماذا نزلت كل رسالات السماء في هذه البقعة الجغرافية التاريخية من العالم، بقعتنا وتاريخنا نحن أهل الشرق والعرب!!
أجمل وأطيب تحياتي لقلمكم الرائع

سامي عبد العال
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5391 المصادف: 2021-06-09 05:35:51


Share on Myspace