 قضايا

ليث الكربلائي: نقد نظرية الحس الصوتي في اللغة

ليث الكربلائيقبل عدّة سنوات كانت فرحتي لا توصف عندما وصلني مع بعض الأصدقاء نسخة من كتاب نظرية الحس الصوتي وعليها إهداء المؤلف الاستاذ الدكتور محمد كاظم البكاء مشكورا وفي اليوم التالي شرعت بمطالعته إذ كنت مهتما بمخرجات هذه النظرية بعد أن سمعتُ غير مرة الاستاذ البكاء يتكلم عنها قبل تدوينها، وما إن فرغت منه حتى وجدتُ نفسي أمام أسئلة كثيرة لن تستقيم النظرية ما لم تتم الإجابة عنها، ولكن شغلتني بعض الالتزامات حينها حتى أعدتُ قراءة الكتاب ثانية وثالثة قبل أيّام لأدوِّن ما يستحق الاهتمام من تلك الأسئلة في هذا المقال الذي لا ينبغي أن يُنظر له غير كونه محاولة باتجاه بلورة النظرية وإلّا فالمؤلف هو أستاذي الذي أعتز به قبل كلّ شيء .

ينطلق الأستاذ البكاء في نظرية الحس الصوتي من قاعدة (طلب الخفة ) جاعلا منها العمود الفقري الذي تبتني عليه جميع مسائل علم النحو إلا ما شذّ .

وقد سمعتُ يوماً من بعض الأساتذة أنّ: " نظرية الحس الصوتي تساوق قاعدة طلب الخفة وبالتالي لا تتضمن أي تجديد في المضمون وإنما اقتصرت على إعادة صياغة المفاهيم فحسب " لكنّي أعدُّ هذا التصريح وأمثاله قراءة سطحية للنظرية وإن كانت بعض عبارات الاستاذ المؤلف تسير في هذا السياق أيضا !! لأنّ المؤلف وإن اعتمد قاعدة الخفة أساسا لكنه ذهب بها بعيدا حيث تمكن من وضع تفسير للسليقة على ضوئها وهنا تكمن أهمية هذه النظرية، إذ يقول: " وقد اختلفوا في معنى السليقة ولم أجد لها تعريفا واضحا، والحقيقة هي الحس الصوتي اللغوي الذي وهبنا إيّاه الله سبحانه وتعالى مبنيّاً على تطلب الخفة في اللسان " وخطورة هذا التصريح تكمن في قدرته على إحداث تغيير جذري في مباحث العلل النحوية إذ على ضوءه يجب إرجاع جميع العلل النحوية الثانية (العلل القياسية) والثالثة (العلل النظرية الجدلية) الى طلب الخفة فتكون هي علة العلل لأنّ السليقة لها الحاكمية في هذا الباب وهو يوجب رفع اليد عن كثير من العلل النحوية المدرسية كما سيتضح عن قريب .

ولمّا كانت هذه الدعوى تُمثّل جوهر نظرية الحسّ الصوتي سأقتصر في هذا المقال على نقد بعض لوازمها و تداعياتها وحيثيّاتها ومديات قدرتها على تفسير الظواهر الصوتية في اللغة العربية  في عدة نقاط:

أوّلاً: وجود الدواعي الموازية لداعي الخفّة

إذ أنّ الظواهر الصوتية في اللغة العربية كما يرجع بعضها الى طلب الخفة يرجع بعضها الآخر الى دواعٍ أخرى لا يجمعها مع قاعدة الخفة جامع ومنها مثلاً: مراعاة المعنى، ويظهر هذا جلياً في قاعدة (زيادة المباني زيادة في المعاني) فما من شكٍ في أنّ زيادة المباني توجب الثقل ولا تساير قاعدة الخفّة لكنّها لَمَّا كانت ضرورية لأجل أداء المعنى رفع العربي يده عن قاعدة الخفّة ومن هنا صار (التوَّاب) مثلاً مع ثقله صوتياً أبلغ في التلبُّس بالفعل من (التائب) مع خفته صوتيا، فلمّا وجد العربي أن الاقتصار على الأخف صوتيا هنا يُخِلّ بالتفهيم والتفاهم  والذي هو المقصد الأساس من وضع اللغة ما كان في وسعه إلّا التخلي عن قاعدة طلب الأخف .

ثانياً: عجز نظرية الحس الصوتي عن تفسير كثير من الظواهر اللغوية

في مواطن كثيرة نجد العربي لجأ إلى استعمال الثقيل وهجر الأخف لا لسبب واضح سوى بضعة تحليلات عقلية جاءت كنتيجة لمحاولات عقلنة البلاغة على يد السكاكي ومن تابعه من البلاغيين ومن هذه الظواهر مثلاً:

1- الإشمام والإمالة: فالإمالة بمعنى تقريب الفتحة نحو الكسرة وكذلك الإشمام بأنواعه المختلفة من ظواهر الثقل في العربية حتى أنّ العربيّ المعاصر ما عاد قادرا على تطبيقهما صوتيا إلا بعد جهدٍ وتدريب وليس بمقدور نظرية الحس الصوتي وضع تفسير لهذا النزوع نحو الأثقل .

2- إعراب الفعل المضارع: إذ أنّه ثقيل في نفسه ثقيل نسبياً من جهة زيادة حرف المضارعة ومع ذلك زادوا في ثقله بإعرابه ولم يقف العربي عند هذا المقدار حتّى جعل الأصل فيه أن يُرفع بالضمّة التي هي أثقل الحركات، مع أنّه لم يكن في البين أي داعٍ لإعرابه وفق نظرية الحس الصوتي لأنّ الإعراب في الأسماء إنّما احتجناه لتوارد المعاني المتكثرة على الاسم فمثلا قولك (ضرب زيد) إن رفعته صار ضاربا وإن نصبته صار مضروبا ولكنّ الفعل المضارع ليس كذلك إذ أنه يتمحض في معنى واحد ولا تتوارد عليه المعاني، وإذا أخذنا بالتعليل المدرسي فإنّ العربي هنا قد تخلى عن قاعدة الخفة لسبب بسيط جدا هو مضارعة هذا الصنف من الأفعال للأسماء المعربة فكيف تكون الخفّة بعد ذلك تساوق السليقة ؟

3- ظاهرة الإعراب المحلّي: إذ يستشهد الاستاذ البكاء في كتابه على اطراد نظرية الحس الصوتي بمماثلة التابع للمتبوع في الإعراب في باب التوابع إذ مقتضى طلب الخفة هو المماثلة ولكن فاته حفظه الله أنّ يعالج النقض عليه بالإعراب المحلي في باب التوابع نفسه والذي يقتضي مغايرة التابع للمتبوع ومتابعته لمحله ولا أظنني بحاجة الى التنبيه على أنّ المحلّ ليس ظاهرة صوتية فمن الناحية الصوتية كان ينبغي إلغاء الإعراب المحلي والحفاظ على التماثل بين لفظي التابع والمتبوع وفق قاعدة طلب الخفّة .

4- ظاهرة زيادة المباني دون المعاني: وهي ما يُعرف بالزيادة الإلحاقية والتي الغرض منها لفظي لا علاقة له بالمعنى إذ العرب كما تزيد من أجل المعنى تزيد من أجل اللفظ فهي تختلف عمّا سبق ذكره في الفقرة الأولى، وأمثلتها كثيرة جدا منها: نحو (أشكَلَ) و(استشكلَ) فالمعنى واحد مع ذلك أجازت العرب الزيادة ولم تقف عند الأوّل مع أنّ الزيادة توجب الثقل ولا داعي لها في المقام فكيف يمكن تفسير ذلك على ضوء قاعدة طلب الخفة ؟.

ومن هذا الباب (سقاه) و (أسقاه) بمعنى واحد، وكذلك (استبان الأمر بمعنى بان) وهما من قسم المزيد غير الملحَق، بل أكثر من ذلك إذ أنّ العرب أحيانا تهجر اللفظ الخفيف وتستعمل المزيد الثقيل فقط ! كما في مفردة (كوكب) الملحقة بالرباعي إذ استعملها العرب و أهملوا أصلها الثلاثي (ككب) ومن هذا الباب (جلبب) الملحق بالرباعي أيضا استعملوه وأهملوا أصله الثلاثي (جلب) ويُلحَق بذلك ما قد يُغني مزيده عن مجرّده مثل (أقسم) و (أفلحَ) فنظرية الحس الصوتي عاجزة عن وضع تفسير مقبول لهذا النزوع نحو الثقل من دون اي ضرورة تقتضي ذلك .

5- جاء الباب الثالث من أبواب الفعل الثلاثي المجرد على وزن (فعَلَ – يْفْعَلُ) وهو خلاف الأصل في ميزان المضارع إذ يجب مخالفة عينه عين ماضيه بينما جاء كلاهما في هذا الباب مفتوحا طلبا للخفة لأنّ عين الفعل أو لامه في هذا الباب لا تكون إلا أحد حروف الحلق الستة وهي ثقيلة لذا اختاروا لها أخف الحركات وهي الفتحة وهذا كله جاء وفق القاعدة ولكن بعض أفعال هذا الباب – وكلّ أفعاله سماعيّة – جاءت عين المضارع فيها مضمومة كما في (دخَل – يدخُلُ) ولا يمكن تفسير ذلك على ضوء قاعدة الخفة لأنّ الخاء أحد حروف الحلق الستة الثقيلة فكان يجب فتحها وفق القاعدة .

وثمة ظواهر لغوية أخرى كثيرة تعجز نظرية الحس الصوتي عن تقديم تفسير لها ولكن أكتفي بما ذكرته اختصاراً .

ثالثاً: المساحات الرمادية ي ميزان الخفة والثقل

إذ على الرغم من أنّ قاعدة طلب الخفة قد أولاها الباحثون أهميّة قصوى وصنفوا فيها بحوثا مستقلة ورسائل وأطاريح أكاديمية لا تزال المساحات الرمادية تكتنفها من جهة أنّ التمييز بين الثقل والخفة يخضعان لعوامل داخلية (من نفس بنية المفردة) وخارجية (من خارج بنية المفردة) متحركة لا تسمح بوضع ناظم ثابت ورسم حدود دقيقة لما هو خفيف وما هو ثقيل فمثلا أحد العوامل الخارجية التي لها من الأثر في ذلك الشيء الكثير عامل الاعتياد والأنس بالمفردة إذ يخال المتكلم سهولة نطقٍ في المفردة وخفة بسبب اعتياده عليها وأنسُه بها بينما يستوحش من الألفاظ الغريبة ويستثقلها وإن كانت أخفّ من سابقتها، فكيف يمكن ضمان دقة البُعد الإجرائي في هذه القاعدة حتى يتسنى لنا بناء النحو على ضوئها كما يريد الأستاذ البكاء ؟

وفي هذه النقطة تفاصيل كثيرة تتطلب مقالاً مستقلاً ربما أعاود الكتابة عنها وتتميم البحث بأسئلة أخرى لاحقا .

وخلاصة ما سبق أنّ قاعدة التماس الخفة وإن كنّا نسلّم بفاعليتها في كثير من مفاصل اللغة وظواهرها لكنها لا تمثّل بأي شكل من الأشكال البنية التحتية لعلم النحو وسائر علوم اللغة وإنّما تتشارك في ذلك مع قواعد كثيرة يشكّل مجموعها لغة معيّنة بما في ذلك الظروف والمتغيرات الزمكانية وطبيعة خلقة الإنسان وغيرها، وعلى ضوء ذلك لا يمكن تفسير السليقة بقاعدة الخفة بل السليقة أعمّ منها بكثير .

ثمّ إنه ليس بالضرورة أن يكون هناك ناظماً يشكّل الأساس الذي تُبنى عليه جميع الظواهر اللغوية بقضها وقضيضها بل للاعتباط أثر مهم في تشكّل كثير من تلك الظواهر والتي منها وضع الألفاظ للمعاني وكذلك كيفية صف الحروف في المفردة وغيرها، فليس في الوسع إهمال ما للاعتباط من أثر في تكوين اللغات وقد قرر ذلك قدماء علماء الأصول من المسلمين ثمّ قرره علماء فقه اللغة الحديث من أمثال دي سوسير وغيره .

 

ليث الكربلائي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5438 المصادف: 2021-07-26 02:33:20


Share on Myspace