 قضايا

محمود محمد علي: أخلاقيات الأستاذ الجامعي.. أين ذهبت؟ (1)

محمود محمد عليتقديم: ليس من شك أن الأخلاق ترقى بالعلم والعلم يسمو بها، وأن الخلق والعلم صنوان لا يمكن الفصل بينهما، ويكمل كل منهما الآخر للتعبير عن الشخصية الإنسانية الحقيقية والمثالية في عصرنا الحاضر. وإنهما يشكلان ركيزتان أساسيتان لبناء وتقدم المجتمعات الإنسانية، إذ لا يمكن للمجتمعات المعاصرة من إرساء قواعد نهضتها الاقتصادية والتنموية والحضارية بعيداً عنهما.

ولهذا تعد الأخلاق من أهم المعاني ففي هذه الحياة، فهي تتصل اتصالاً وثيقاً بالعملية التربوية باعتبارها من أهم المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني من بني الإنسان أفراداً كانوا أم جماعات ليحقق الغاية من وجوده في هذا العالم على أكمل وجه ؛ وأن للأخلاق دوراً مهماً في حياة الشعوب على اختلاف أجناسها وأماكن وجودها، وينعكس أثر هذه الأخلاق علي سلوك الأفراد بحيث يصبح سلوكهم متصفاً بالثبات وعندئذ تشكل الأخلاق أهم مصادر الضبط الاجتماعي عند الأفراد.

كما احتلت الأخلاق موقعاً بارزاً في الفكر الفلسفي، وكانت علي الدوام محوراً رئيساً للفكر الاجتماعي نظراً لعلو مكانتها، وأهمية دورها في تنظيم علاقة الإنسان بالمجتمع . ويتفق الأخلاقيون بوجه عام  على ارتباط المسؤولية الأخلاقية للفاعل بالنية، والاعتقاد أن العمال الصالحة لا تتحقق إلا إذا أخضع الفاعل الأخلاقي للقواعد التي تجسد المثل العليا والقيم الرفيعة . فالأخلاق المهنية تستند أساساً من المجتمع وأخلاقياته وقيمه، وتدور أخلاقيات المهنة حول نقطتين رئيستين هما : إتقان العمل وتجنب التقصير، أو الإهمال فيه، وتتمثل أهمية هذه الأخلاقيات في كونها ضوابط لسلوك المهنيين تحافظ على المهنة من أي تصرف مشين يخالف قواعدها العامة . وإن التعليم لم تعد تلقين للمعلومات لكنها عملية تهدف إلي تغيير سلوك الطالب بدنياً، وعقلياً، ووجدانياً، وتتوافر فيها جميع معايير المهنة المتكاملة . فهي تتضمن : تقديم خدمة عامة ذات أهمية حيوية لشرائح المجتمع كافة، وتتطلب ثقافة متخصصة تتيح للمعلم رؤية مستنيرة لجوانب عمله، وتستلزم أخلاقاً مهنية تتضح فيها الحقوق والواجبات، وتحدد للأستاذ الجامعي أنماطا سلوكية معروفة، يلزم بها في المؤسسة الأكاديمية (1).

ولا شك في أن إن الجامعة هي التي تمد المجتمع بقياداتها الثقافية والسياسية وهي صمام الأمان والأمن بمقدار ما تعد أبناء من الدارسين وبمقدار ما تدفع بالحرية العلمية والبحثية نحو حل جل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، فالالتزام بالمبادئ والسلوك الأخلاقي سواء على صعيد الفرد، أو الجماعة، أو المؤسسات والمنظمات يعتبر ذو أهمية بالغة لمختلف الشرائح؛ حيث إن هذا الأمر يقوي الالتزام بمبادئ العمل الصحيح والصادق. لهذا فإن الدور الهام الذي تلعبه القيم الأخلاقية المتعلقة بالممارسة المهنية في تحسين أداء الأستاذ الجامعي، واستثماره لوقته بالشكل الأمثل وسعيه لتحقيق أفضل عائد يؤدي إلى تحقيق الجودة في مجال التعليم العالي وتعزيز الثقة بين الأفراد، كما أنه يعد عنصر أساس في نجاح العلاقة مع المحيط الداخلي والخارجي للتنظيم (2).

وعلي الجامعات أن تقوم بدورها في إيجاد الأخلاقيات المهنية سواء كان بالنسبة للطالب أم كان بالنسبة للأستاذ الجامعي، فالمنهاج الأخلاقي يجب أن يسير على المستوى الأعمق في الحياة الجامعية، ويتبين ذلك من خلال العلاقة الأخلاقية بين المدرس وطلبته، والمدرس والهيئة الأكاديمية، والمدرس، والأقسام العملية، والإدارية الموجودة في الجامعات، لأن ذلك طريق الإصلاح، والعمل الجماعي والتعاوني، ولا يأتي ذلك إلا بتنمية العلاقة الأخلاقية الإيجابية بين أطراف العملية التعليمية داخل الجامعة (3).

ولما كانت المؤسسة الأكاديمية تعد هي المؤسسة الاجتماعية التي تقوم  بغرس العديد من الخبرات في نفوس الطلبة المنتسبين إليها، وتوجههم إلي الخبرات المناسبة في المجتمع، وعلى أسس من القيم، والفضيلة، والأخلاقيات، وهي تساعد الطلبة علي تحقيق نموهم العقلي وإكسابهم شخصية متميزة تساعدهم على القيام بالأدوار المنوطة بهم في المجتمع، ومن هنا لا بد لقائمين على المؤسسة الأكاديمية من الالتزام بأخلاقيات المهنة، والتي تدور تنعكس علي حياة الطلبة في المؤسسات الأكاديمية، ومنها دور الأستاذ الجامعي الذي بدوره يجب أن يتحلى بأخلاقيات المهنة التي يمارسها أثناء تأديته لوظيفته (4).

وفي خضم ما تشهده جامعاتنا العربية من انتشار واسع عبر أرجاء الوطن وتوسع مهامها وتزايد عدد الطلبة والخريجين، ووجود عالقات إنسانية ومهنية بين الإدارة والطالب والأستاذ فلابد من وجود حلقة ربط مهنة، ألا وهي الأخلاق، فالأخلاق ضرورة من ضروريات الحياة ومطلب أساسي لتنظيم المجتمع واستقراره، وغيابها تعني غلبة شريعة الغاب، وعلى اعتبار الجامعة المجتمع المصغر وهي مؤسسة ذات دور تعليمي وتربوي مسؤولة على نشر الأخلاق وتوعية الطالب داخل الحرم الجامعي، فهي المسؤولة عن الالتزام الأخلاقي في الأداء، سواء بين العمال أو الطلبة أو الأساتذة (5).

وَبِنَاء  على ذلك فإن موضوع الاهتمام بالأستاذ الجامعي في وقتنا الراهن لأداء دوره الطليعي في المجتمع قضية يقينية لا تقبل الشك؛ لأنه يعد عنواناً وأنموذجاً للتصدي ومواجهة التحديات العلمية والتكنولوجية والحضارية وأداة لإحداث التغيير الاقتصادي والاجتماعي والثقافي .... وإنه الأداة المحركة لإحداث التغيير الذي ينشده المجتمع؛ وذلك في ضوء ما يقدمه من أفكار وآراء ونظريات ونماذج من الابتكارات والاكتشافات في شتى ميادين العلم والمعرفة. ويجدر بالجامعة كمؤسسة تعليمية وبحثية أن تهدف إلى إرساء القيم الأخلاقية البناءة والمستمدة من القيم السماويَّة ومساراتها الوضعية لهذه الفئة الاجتماعية، وذلك بتشريع مواثيق أخلاقية وقيمية لضبط السلوكيات المهنية لأعضاء هيئة التدريس في أركانها الثلاثة التدريس والبحث العلمي والخدمة المجتمعية.

لذلك فعننا في هذه الورقة نحاول قدر الاستطاعة أن نكشف الأبعاد الحقيقية التي جعلت أخلاقيات الأستاذ الجامعي من الناحية المهنية تتقلص، وما هي الأسباب الاجتماعية والاقتصادية في هذا الأمر، وكيف نعيد أخلاقيات المهنة التي يجب أن يمارسها الأستاذ الجامعي، ومن ثم تحديد مسؤولية الجامعات عن كيفية تطبيق المعيار الخلقي للكفاية المهنية، وكيف يتم دعوة جامعاتنا العربية إلى تأسيس ميثاق أخلاقي يلتوم به أعضاء إلهية التدريسية، يلزم هذا الميثاق بتوفير الحرية الأكاديمية للأستاذ الجامعي، وقيام الجامعات بوضع قوانين وأنظمة تحد من الممارسات الخاطئة التي يقوم بها أعضاء هيئة التدريس، وعقد الندوات والمؤتمرات التي تنادي وتدعو إلي التمسك بأخلاقيات المهنة لتبادل الخبرات بين أساتذة الجامعات.

ومن هنا تأتي هذه الورقة بغرض تسليط الضوء على عضو فعال في الجامعة ألا وهو الأستاذ الجامعي من حيث ممارسة مهامه وواجباته، وصفاته، وخصائصه، وسلوكه التدريسي وكلها يعبر عنها بأخلاقيات وأدبيات الجامعة... وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

............................

1- حمدة بنت حمد بن هلال السعدية،: الأخلاقيات المهنية للأستاذ الجامعي وانعكاساتها على المؤسسة الأكاديمية : دراسة تحليلية، المؤتمر العربي الثالث - الجامعات العربية: التحديات والآفاق، المنظمة العربية للتنمية الإدارية، 2010، ص445.

2- فاطمة الزهراء بلحسين: إلتزام الأستاذ الجامعي بأخلاقيات المهنة التعليمية: آلية داعمة للرفع من سمعة الجامعة وأدائها، مجلة العلوم الإنسانية، المركز الجامعي علي كافي تندوف، المجلد الرابع، الإصدار الثالث، 2020، ص 252

3- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

4- المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

5- سارة رؤيتي : رؤية نظرية حول أخلاقيات المهنة داخل الحرم الجامعي، مجلة العلوم الإنسانية، المركز الجامعي علي كافي تندوفص، 2017، ص 233.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5438 المصادف: 2021-07-26 02:41:10


Share on Myspace