 قضايا

محمود محمد علي: أخلاقيات الأستاذ الجامعي.. أين ذهبت؟ (3)

محمود محمد عليإن للأخلاق أهمية بالغة باعتبارها من أفضل العلوم وأشرفها وأعلاها قدراً لذلك نجد بعض العلماء عندما يتحدث عن بيان قيمة علم الأخلاق بالنسبة إلى العلوم الأخرى؛ يقول بعضهم بأنه إكليل العلوم جميعاً ومنهم من يقول بأنه تاج العلوم، ومنهم من ينعته بأنه زبدة العلوم. ذلك أن العلوم الأخرى تساعد أساساً على الأخلاق في الكشف عن النافع والضار، والخير والشر وهما موضوع الأخلاق (26).

فالتزام الأستاذ بأخلاقيات مهنة التعليم يسهم في جعله أكثر حباً وإقبالاً على مهنته وأكثر انتماء لمجتمعه وأكثر قدرة على التكيف معه، كما أنها تساهم أيضا في تكوين شخصيته والارتقاء بمستواه وجعله أكثر قدرة على القيام بمسؤولياته وواجباته المنوطة به على أكمل وجه، كما أنها تجعله نموذجا وقدوة لطلبته في سلوكه وتصرفاته. ومنه نستطيع ذكر جوانب أخلاقيات مهنة الأستاذ فيما يلي:

1- الأستاذ صاحب مهنة ذات قداسة خاصة، عليه أن يستشعر عظمتها ويقدرها حق قدرها، وينتمي إليها إخلاصا في العمل، وصدقا مع النفس والناس، ويذود من أجل نشر مستمر للعلم والخير والقضاء على الجهل والشر، مستصغرا في ذلك بل العوائق والعقبات لبلوغ غايته، متجنبا بل الشبهات، حريصا على نقاء السيرة، وطهارة السريرة، معتزا بمهنته بل الاعتزاز، محتفظا على شرف مهنة التعليم. فلقد رفع الإسلام من شأن المعلم أو الأستاذ، وجعل له منزلة كبيرة تقترب من منزلة الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامة، ورفع درجة العلماء إلى أعلى َ الدرجات، قال تعالى: " يَرْفَعِ  اَللَّه اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ  وَاَلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ" (المجادلة 11) (27).

2- يكون الأستاذ قدوة في المجتمع، ويحرص على إعطاء المثل العليا في الأخلاق والسلوك، يثبتها بين جميع المتعلمين والمجتمع كافة ويجد على شيوع أثره حميدا باقيا (28).

3-الأستاذ أحرص الناس على نفع المجتمع، ببذل الجهد في التعليم والتوجيه والتربية، وتبيان السبل الصحيحة والحث على إتباعها والعمل على تجنب الرذيلة (28).

4-يشجع في المتعلمين روح المبادرة، والعمل على تذليل الصعوبات، ويساوي بينهم في العطاء والرقابة وتقويم الأداء، ويرسخ مبدأ التعاون والتكامل بين المتعلمين، حتى يغرس فيهم روح الاتفاق والعمل الجماعي والتنسيق في الجهد، ويبين سلبيات الغش التي لا تليق بطالب علم ولا مواطن صالح (29).

5- للأستاذ مكانة خاصة في المجتمع، فهو موضع ثقة وتقدير واحترام، عليه أن يكون في مستوى هذه المكانة، ويعمل على ترسيخها والبقاء فيها، ويمتنع عن كل ما قد يؤخذ عليه من فعل أو قول أو تصرف، يحرص على تأكيد هذه الثقة والاحترام في المجتمع كله. كما أنه لا بد على المجتمع أن يتعامل معه بروح من المودة والتقدير، بما يعلي من شأنه، أو الإساءة إلى المهنة أو إيذاء سمعته، وذلك بتعزيز مكانته الاجتماعية والاقتصادية، ومكافأته ماديا ومعنويا. مما يوطد ولاءه لمهنته والاعتزاز بها، وتوفر له الحياة الكريمة، وتكفه للسعي والاندفاع لوسائل أخرى للكسب، قد تسيء لمكانته، وبالتالي لمكانة المهنة المرموقة في المجتمع  (30).

6- مكانة الأستاذ تجعل منه صاحب رأي وموقف من مشكلات وقضايا المجتمع، ومتغيراته سواء الاجتماعية أو الثقافية أو الاقتصادية، عليه أن يتابعها ويكون على دراية بها، موسعا نطاق معرفته وثقافته وخبرته، حتى يساير كل هذه التغيرات معززا دوره وفعاليته ومكانته الرائدة في المجتمع (31).

وحول التزام الأستاذ الجامعي بسلوكيات أخلاقيات المهنة التعليمية فعليه أن يلتزم بتطبيق مجموعة من المعايير وهي كالتالي:

المعيار الأول: تعامل الأستاذ مع طلبته: على الأستاذ الجامعي أن يبذل كل جهوده لبناء علاقات طيبة مع طلبته، علاقات ينبغي أن تستند إلى ركيزتين أساسيتين هما: احترام الطلبة ومحبتهم له في آن واحد. فالاحترام يحافظ على هيبة الأستاذ الجامعي داخل الدرس وخارجه والمحبة تجعله قريبا من طلبته مع الحذر من الابتذال في العلاقة مع الطلبة لأن الابتذال من شأنه تقويض احترامهم له (32).

المعيار الثاني: الاهتمام بمشكلاتهم الدراسية والعلمية: إن شعور الطلبة باهتمام أستاذهم بمشكلاتهم يزيد من محبتهم واقترابهم منه وذلك من شأنه أن يخلق أجواء مريحة أثناء الدرس وخارجه. وتجد الطلبة حينما يقبل ذلك الأستاذ على درسه وهم سعداء بدرسه ويشعرون بأن من واجبهم الإصغاء لأستاذهم هذا والاهتمام بما يقوله لهم ولاسيما توجيهاته المفيدة وينزع كل ذلك حالة الرهبة أو الخوف التي قد توجد لدى بعض الطلبة من أساتذتهم (33).

المعيار الثالث: العدالة في التعامل مع الطلبة: ولكي يكسب الأستاذ الجامعي احترام ومحبة طلبته عليه أن يعاملهم جميعا بالعدالة والإنصاف وأن لا يميز بينهم إلا على أساس علمي. إذ أن أسوأ ما يشعر به الطلبة تجاه أستاذهم هو شعورهم بأنه يميز بينهم على أسس غير موضوعية. فهذا التمييز إذا ما حدث لا سمح الله سوف يكون من شأنه تشويه صورة الأستاذ الجامعي بوصفه قدوة وراع لطلبته وهذا بدوره يفقد الطلبة الشعور بالأمان وبالاطمئنان لديهم. فحينما يميز الأستاذ بين طلبته على أساس مستواهم الاجتماعي أو انتمائهم الديني أو القومي أو المذهبي فإن ذلك يمثل أسوأ الصفات التي ينبغي أن لا يحملها أي أستاذ، فعلي الأستاذ الجامعي إن يتعامل مع طلبته كما يتعامل الأب مع أبنائه داخل أسرته، وعليه أن يدرك أن الإخلال بذلك يرتب عليه مسؤوليات أخلاقية وعلمية خطير (34).

المعيار الرابع: تنظيم مشاركة الطلبة في النقاش أثناء المحاضرة: إن على الأستاذ الجامعي أن يعلم بأن طلبته هم رصيده في الحياة ، وفي المستقبل وهو رصيد كبير وعظيم، لا يقاس بثمن أو قيمة مادية. ويقدر ما يترك الأستاذ الجامعي في نفوس طلبته من أثر طيب في ما زودهم به من العلم والمعرفة وفي تعامله الطيب معهم، فإن ذلك سيبقى مطبوعا بشكل عميق في نفوسهم وثقافتهم وذاكرتهم وشخصهم ولسنوات طويلة، بل طوال مدة حياتهم. لذا سيجدهم يذكرون له ذلك بالخير ويهرعون له مرحبين بعد تخرجهم حينما يصادفونه في مكان ما تعبيرا عن امتنانهم ووفائهم له (35).

المعيار الخامس: أداء واجباته والتزاماته العلمية اتجاه زملائه المدرسين: أما علاقة الأستاذ الجامعي ببقية  زملائه من المدرسين فإنها يجب أن تبنى على الاحترام والمودة والتعاون. فالاحترام واجب بين المدرسين سواء أثناء أداء واجباتهم التدريسية والعلمية أو على صعيد علاقاتهم الشخصية لأن أساتذة الجامعات هم جزء أساسي من نخبة المجتمع وصفوته العلمية والاجتماعية. لذلك ينبغي أن تتميز علاقاتهم ببعضهم بمستوى راق من السلوك والمحبة والاحترام. والتعامل على هذا الأساس يجب أن يشعر به جميع المدرسين وإدارة الكلية والقسم العلمي والطلبة كافة (36).

المعيار السادس: سلوكه المهني اتجاه الموظفين في كليته: إن علاقات الاحترام المتبادل والمودة والتعاون  يجب ألا تقتصر على علاقة الأستاذ الجامعي برئيس قسمه العلمي أو عميد كليته أو بزملائه المدرسين بل يجب أن تسود مثل هذه العلاقات بينه وبين كل العاملين داخل مؤسسته الجامعية؛ التواضع سمة أساسية من سمات العالم (36).

المعيار السابع: واجبات الأساتذة: يتعين على الأستاذ أن يقدم تعليما ناجعا حسب الإمكانيات الموضوعة تحت تصرفه من قبل الجامعة، وهذا في إطار قيم العدل والإنصاف تجاه كافة الطلبة والطالبات بدون أي تمييز بتشجيع تبادل الأفكار معهم والبقاء في خدمتهم وإرشادهم. وكما يتعين عليه بناء أعماله البحثية على التحري المخلص في البحث عن المعرفة، مع التقيد باحترام مبدأ الحجة والحياد في التفكير والإخلاص في التبليغ. ويجب أن يحترم أيضا نبوغ وعبقرية زملاءه الجامعيين ويجب عليه كذلك، أن يدير بإخلاص وقدرات الطلبة والاعتراف بها أن ينسبها إلى مؤلفيها (37).... وللحديث بقية.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

................

26- فاطمة الزهراء بلحسين: المرجع نفسه ، ص 263.

27- المرجع نفسه ، ص 270.

28- المرجع نفسه ، والصفحة نفسها.

29- المرجع نفسه ، والصفحة نفسها.

30- المرجع نفسه ، ص 271.

31- المرجع نفسه ، والصفحة نفسها.

32- المرجع نفسه ، ص 272.

33- المرجع نفسه ، والصفحة نفسها.

34- المرجع نفسه ، ص 273.

35- المرجع نفسه ، ص 275.

36- المرجع نفسه ، والصفحة نفسها.

37- المرجع نفسه ، ص 276.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5440 المصادف: 2021-07-28 03:32:48


Share on Myspace