 قضايا

صادق السامرائي: سلوك الخيانة والأمة الأنّانة!!

صادق السامرائيخان وطنه: تخلى عن واجب المواطنة والإخلاص للوطن.

أنّانة: متوجعة

أمة تتوجع وخونة تتمتع، وشعب مقهور بالخونة معقور، وتدور الدوائر والكراسي تجور، والليل يطول والصبح يغول، وصراخ المطالبين بحقوقهم يتعالى، والظالمون جورهم على شعوبهم يتوالى، وأسّ الوجيع الخيانة.

فأين المسؤولية وصون الأمانة؟!!

أولا: سلوك الإستهانة وتمجيد الخيانة!!

منذ إنبثاق الوعي العربي واليقظة الوهاجة للأمة، والعقل المضاد لحركتها وإنطلاقها يزداد شراسة وقسوة، ويستهدف أنوارها بأنواعهم ويشجع المتفقين مع نهج هضمها وتقعيدها، والنيل منها بأشد أساليب التضليل والدجل والتغرير بالبهتان، وعملت القوى الطامعة بها على تدميرها بما فيها من الطاقات والقدرات، وإكتشفت بعد محاولات متعددة بأنها تكوّنت بدينها، وبدينها يكمن قتلها وتمزيقها.

وفي دينها ما يؤهله لتدميرها وجعلها تتصارع داخليا حتى تفقد قدرات البقاء والتواصل والعلاء، وينشأ فيها جيل يكره دينها وينكر الذات والهوية.

ووفقا لهذا المنهج الإنقراضي يتم التصدي لمصابيحها المنيرة وعقولها الوهاجة، التي  تعمل على شحذ الهمم وإيقاظ العزائم ومعالجة وجيعها، وإعلامها بأنها قادرة على إستعادة دورها.

ومنذ عهد الإصلاح النهضوي الذي قاده نخبة من طلائعها الأفذاذ في القرن التاسع عشر وحتى اليوم، ما أن يبرز مشعل منير فيها حتى يجندون له  مَن يقذفونه بالتهم الجائرة والتخوين والتكفير والإدانة، والقول بأنه ينتسب لهذه الجماعة أو تلك، ويحصل تفاعل سلبي بين أبنائها وأنوارها، فتخسر الأمة وتتيه الأجيال، لأنها لا تستعين بقدوة أو دليل يأخذها إلى مرافئ الرجاء والأمل.

ويسود تشجيع الخائبين الفئويين الطائفيين الحاقدين، وتُفرش لهم الطرقات بالورود  لينفثوا سمومهم  لتحقيق غايات الطامعين بالبلاد والعباد.

فالأمة فيها من أبنائها المؤهلين للعدوان عليها أكثر من أية أمة أخرى، حتى صارت الخيانة فيها فخرا وعزةً!!

وما عادت القيم الوطنية والدينية الأصيلة ذات معنى، فالطائفية تعلو ولا يعلو عليها، والأحرار يداسون بالأقدام، ومَن يطالب بحقه عدو للكرسي والطائفية، فالوطن مجهول، والعروبة مذمومة، والحياة في الطائفة والجماعة، والدين مطية الرغبات المسعورة!!

ثانيا: سلوك الخيانة وبهتان الأمانة!!

الخيانة سلوك ممقوت مرفوض ممجوج لا تقره القيم والأعراف البشرية والحيوانية بأنواعها، وهو عاهة سلوكية أشارت إليها التعاليم والإرشادات منذ الأزل، وهناك نصوص تتصدى للخيانة في شرائع الأولين من الذين وضعوا السنن والقوانين والضوابط، للحد من الخيانة كما جاء في شريعة حمورابي وما قبلها وبعدها.

والكتب والتعاليم الدينية قاطبة تعتبر الخيانة عملا مرفوضا وتفرض على الخائن شد العقاب، وفي القرآن

"إن الله لا يحب كل خوانٍ كفور"، و"إن الله لا يحب الخائنين"

ومن الواضح أن طاعون الخيانة يستشري في بعض المجتمعات، مما تسبب بتداعيات فجائعية على كافة المستويات، ودفع بالواقع الإجتماعي إلى قيعان الفساد والخراب والدمار، لأن الخونة ينفذون أجندات أسيادهم ويعادون أوطانهم ومواطنيهم، ويساهمون في تدمير وجودهم.

ولا يمكن لقوة أن تقضي على شعب وأمة إلا بتوفر الخونة، والمجتمعات التي لا يوجد فيها خونة هي المجتمعات الأقوى والأقدر، وكلما تزايد عدد الخونة في أي مجتمع فأنه يتهاوى إلى الحضيض، لأن الخونة كدودة الأرضة تنخر المجتمع وتحيله إلى أجداث.

ثالثا: الخيانة والديانة!!

تربينا على أن الديانة ورع وزهد وتقى وخوف من عمل المعاصي وتجنب المحرمات، ويكون المتدين قدوة حسنة للنزاهة والطيبة والمحبة والأخوة الإنسانية، وتعلمنا بأن المتدينين يجتهدون بالتعبير العملي عمّا في القرآن ويتمثلون بسيرة الأنبياء والأولياء والصالحين، وكان لهم مقاما مرموقا في النفوس والقلوب ولهم مكانتهم الإجتماعية المتميزة.

ودارت السنون وتدحرجت العقود، وإذا بنا أمام أحزاب وحركات وأدعياء دين، وما أن آلت إليهم الأمور حتى إتضحت الخيانة وعم الفساد والظلم والإمتهان والإذلال، والتعبير الفاضح عن التبعية والهوان، مما دفع لإثارة سؤال عن العلاقة ما بين الديانة والخيانة.

ويبدو أن في الديانة آليات ومؤهلات لتبرير الخيانة، فيمكن للمتدين أن يستحضر ما يشاء من الأمثلة والأقوال والأحاديث والآيات لتبرير أي سلوك يقوم به أو إثم يقترفه.

سمعت خبرا وقائله يؤكده بأنه حصل فعلا، أن أحد السياسيين المتدينين في وقت الإنتخابات ذهب إلى قرية يدعوها لإنتخابه، وكانت تعاني من عدم توفر ماء صالح للشرب، فوعدهم بأنه سيوفر ذلك لهم، وبعد أن إنتخبوه لم يعد إليهم ولم ينجز وعده، لكنه عاد إليهم بعد أربعة سنوات يدعوهم لإنتخابه، فقام أحد أبناء القرية وأحضر له ماءً من الذي يشربونه وهو أخضر اللون ولا يمكن شربه، لكي يذكّر السياسي بوعده قبل أربعة سنوات، لكن السياسي بقي ينظر إلى الماء وعندما ألحوا عليه بشرب الماء أخذ بالبكاء، فسألوه لماذا تبكي فقال لهم " تذكرت الحسين الذي مات عطشانا"، فنهضوا يكبرون ويباركون له، وانتخبوه ثانية وثالثة وربما رابعة، وفي هذه الواقعة سلوك مشين يدلل على كيف يتم إمتهان الناس بألاعيب الدين وما يتصل به من حوادث.

ففي أية ديانة فيها ما يساهم بصناعة الحالة المطلوبة!!

رابعا: الخيانة طاعون العرب!!

"عرب خيانات" واجهني بها رجل تركي طاعن بالسن قبل أكثر من عقدين من الزمان، وأنا في محله أتبضع، فحالما عرف بأني عربي نطقها بوجهي، فاستغربت وألقيت البضاعة وغادرت محله، رغم محاولته شرح لماذا قال ذلك، وكان في شرحه منطق وسبب!!

وخلاصة قوله أن العرب قد خانوا الدولة العثمانية وتبعوا الإنكليز وهذا ما حصدوه.

لكني كأي العرب أمتلك طاقة إنفعالية ولا أصغي لصوت العقل ولا أتبصر ولا أتفهم الآخر، لأني مصاب بداء المعرفة وأحسب أني أدري وغيري لا يدري، وأي رأي أو وجهة نظر لا تتطابق معي أعتبره عدوانا وإعتداءَ، وتلك مصيبة عربية فادحة .

وبعد أن دارت الأيام واقتربت من التأريخ بعلمية وموضوعية، وعاينت تقلب الأحوال وما حصل في العقود  الماضية، تبين أن العرب فيهم مرض خطير وطاعون مروع هو الخيانة، وما أدراك ماهي!!

فالعرب من أكثر مجتمعات الدنيا تأهلا للخيانة، فالعربي من جميع الدول العربية يميل لخيانة دولته ووطنه وأبناء شعبه، ويتفاخر في خدمة الآخر أيا كان، وبسبب هذا السلوك أصيبت الدول العربية بمقتل، فلا يوجد عمل او صراع أو حالة،  وحتى في زمن الحروب المصيرية هناك خونة من العرب وفي رأس السلطة ونظام الحكم.

وفي الزمن المعاصر تكاثر الخونة، وإنتشروا في جميع المجتمعات والدول، وصارت الخيانة فخر وعمل ووسيلة لكسب الرزق والحياة السعيدة، على حساب الأبرياء والمساكين والمقهورين من العرب في ديارهم ومهاجرهم.

وما يتحقق اليوم في الديار العربية بأجمعها يساهم فيه خونة عرب، يمارسون أعمالهم وينفذون الأجندات المطلوبة، ويصلون للأهداف المرسومة والمشاريع الموضوعة، فلولا الخونة العرب لما تدهورت أحوال العرب.

فالعرب ما أن يتعرضوا لمواجهة أو تحدٍ أو صراع مع الآخر، حتى ينهض الخونة ويتآزرون مع العدو لتدمير العرب، ويحلمون بمكاسب ثمنا لخيانتهم، وهذا السلوك يتكرر في أحداث التأريخ على مر العصور، وقد تأكذ بوقاحة وشراسة في هذا العصر، الذي يُستخدم فيه الخونة العرب لتدمير العرب.

وهؤلاء الخونة يتكاثرون ويتسلطون ويؤدون مراسيم الطاعة والإخلاص لسادتهم، وما أكثرهم وأشرسهم وأقساهم على العرب.

وهذه المصيبة العربية التي يتم تجاهلها أو إغفالها لسيادة الخونة وتمكنهم وتنفذهم في الواقع العربي، هي السبب الجوهري لويلات العرب، ولا يوجد مثلها في مجتمعات الدنيا الأخرى، كالصين واليابان وكوريا وفيتنام والهند وتركيا وإيران، فالخيانة صفة مرفوضة وسلوك آثم وإجرامي بحق الوطن والشعب، لكنها صارت سلوكا إيجابيا وقيمة أخلاقية تمنح الجاه والقوة والسلطان في بلاد العرب أوطاني.

ومَن يَعترض فعليه أن يأتي بدليل يفند به إنعدام دور الخيانة في صناعة مصير العرب البائس المهين!!

فالخيانة تؤمّن من خوف وتطعم من جوع، والوطنية مطاردة وتجلب الخوف والجوع والحرمان والقهر والنكران، فالوطني العربي بطران إبن ألف بطران، والخائن يفوز بالغنائم والجنان، فالخائن سلطان!!

خامسا: الشعب خائن!!

الشعب الذي يطالب بحقوقه الطبيعية يجب أن يكون خائنا، لتمرده على الكراسي القابضة على مصيره.

الشعب خائن.. لأنه يريد الكهرباء والماء الصالح للشرب والتعليم المعاصر والرعاية الصحية،  وهو في ذروة الخيانة لأنه يتطلع لأكل لقمة عيش كريمة  ويجد عملا يليق به كإنسان.

الشعب خائن.. لأنه ثار على مناهج القطيع التي تستثمر فيها العمائم المتاجرة بالدين، والتي تستبيح قيم وروح الدين بإدّعاء الدين.

الشعب خائن.. لأن الكراسي ديمقراطية وجاءت وفقا لفتاوى عمائم القطيع، ولأن البرلمان يمثل الشعب ويحرص على مصالحه وتحقيق مطالبه.

الشعب خائن... وينفذ مؤامرة عدوانية تديرها أيادٍ خفية مارقة، تسعى لتدمير البلاد وإنهاك العباد، ولأنه إستيقظ وإستوعب اللعبة وقال كلمته وعبّر عن رأيه.

الشعب خائن.. لأنه أسقط الأقنعة، وعرى الالأدعياء، وأزال أوراق التوت عن عورات المبويقين المرائين الدجالين، والتابعين لكل محتال أثيم يقتل الأبرياء ويوجه الرصاص الغاشم إلى صدور الشباب المتطلعين إلى حياة حرة كريمة.

الشعب خائن.. لأنه قال أريد وطني، وأريد حياة مثل باقي الناس في الدنيا.

فمن هو الخائن؟

الفاسدون أم الذين ثاروا عليهم؟

الناكرون للوطن أم الذين يريدون وطنهم؟

التابعون للطامعين أم الذين يريدون حرية وعزة الوطن والمواطنين؟

فهل أن الخيانة مذهب ودين؟!!

سادسا: مَنْ يُبرر يَخون!!

القادرون على التبرير خونة، وأقدرُ المبررين المثقفون والمفكرون والذين يسمّون أنفسهم نخبا.

مما يعني أن الخيانة ربما مذهبهم وديدن سلوكهم، وبهذا أطاحوا بوجود أمتهم رغم كثرتهم، ولعلعات ألسنتهم وأقلامهم.

وبرغم تنوع كتبهم وطروحاتهم وتحليلاتهم وتخريجاتهم وتسويغاتهم، لكن الأمة تزحف على بطنها وأنينها شديد.

فهل أن الأقلام خائنة؟

وهل أن نخب الأمة خائنة؟

أو أنها تمارس الخيانة الحضارية والإنسانية والفكرية والمعرفية، وتتمرع بغفلة العارفين، وغباء الأذكياء المارقين.

الأمة في مأزق مصيري، ومَن يمثلها يتراقص على هامش الوعيد، ولا يستطيع أن يقدم ما يساهم في رأب صدع وجودها، ومنحها طاقة كينونة ذات أمل، وقدرة على صناعة الحياة اللازمة لوجودها الأصيل.

فمعضلة الأمة في إمعان أبنائها بالخيانة بأنواعها!!

وهذه الخيانة هي التي تصيبها بمقتل أليم.

فهلاّ وعينا الخيانة!!

وتعلمنا أن لا نخون علّنا نكون!!

فهل أنّ الخيانة مذهب ودين؟

وهل أن الخيانة من الإيمان؟

تساؤلات لابد من الوقوف أمامها بشحاعة وجرأة وإقدام وإصرار مكين.

فالأمة التي تخونها نخبها لن ولن تكون!!

وفي الختام الخيانة عاهة سلوكية مرعبة فاعلة في تقرير مصير الأجيال، وهي مزمنة متكررة، وما عادت مستترة بل تدعو للتفاخر والسيادة والتمكن من الحكم!!

 

د. صادق السامرائي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5460 المصادف: 2021-08-17 03:16:26


Share on Myspace