 قضايا

عبد الكريم لمباركي: "الوباء أعدل قسمة بين الناس

ملخص: تكاثرت الأسئلة اليوم عن السبب الذي جعل هذا المرض يتفشى داخل العالم ويهدده، هناك من يقول إنها خُطَّة أمريكية، وهناك من يقول بلى إنها خُطَّة صينية، وهناك من يقول إنها لعنة إلهية، سأقول لكم وبصريح العبارة، أن الأسئلة الثلاث بمجملها أسئلة صحيحة مئة في المئة، لكن تتوالى من حيث أسبقيتها ودرجة تأثيرها في العالم؛ من يقول إنها خُطَّة أمريكية أو صينية أقول له في الغالب إنها كذلك، ومن يقول إنها لعنة إلهية، أقول له فعلا إنها لعنة طبيعة، لأن الله هو الطبيعة، وهو ذلك الروح الذي تحدثت عنها في بداية تقديمي، فكل مطلع على إله اسبينوزا سيعرف المعنى الحقيقي للطبيعة، فحينما نتمثل صفتها في الفكر فإننا نتحدث عن الطبيعة الطابعة أي (الإله)، وحينما نتمثل صفتها كامتداد فإننا نتحدث عن الطبيعة المطبوعة بمعنى (العالم)، ففي الوقت الذي أراد الإنسان أن يسيطر على الطبيعة كمادة، سيطرت عليه الطبيعة كفكر.

تقديم:

عاش الإنسان منذ بداية خلقه صراعا قويا مع الطبيعة، لا لشيء سوى لفهم هذه الأخيرة وسبر أغوارها، فطالما كان منهزما في هذه الحرب وخاضعا لها، فالطبيعة تَمْتَاز بصفة المكر والخداع مما يجعلها تصنع من الإنسان ما تريد وفي أي وقت تريده؛ إنه عقل ما ورائي يحدد الكيفية التي يمكن للوجود أن يسير عليها، وأي فعل يقوم به الإنسان بوعي أو دون وعي بغية ترويض الطبيعة، فما هو إلا وسيلة لتقويتها. لأن الكيفية التي يفكر بها العقل البشري ما هي إلا خُطَّة محبوكة من طرف الروح الطبيعية، والإنسان ذاته مجرد حال وعرض لذلك الجوهر الذي يتجاوزه ويتجاوز منطق تفكيره، أي – الطبيعة- إن اللحظة التي فهم فيها الإنسان فلسفة ديكارت، باعتبارها فلسفة حاولت أن تعطي الإنسان القدرة الكاملة في السيطرة على الطبيعة وتيسرها لخدمته، آنذاك أزيل عنه الخوف والهلع منها؛ ما نتج عنه إزالة الوعي بإكراهها وخطورتها، فلو بقي تعاملنا معها كما كان في أول وهلة، لما شعرنا اليوم بتهديدها وسيطرتها المعلنة وبوضوح.

إن العقل الإنساني كان يريد قبضها بيده من أجل تطوير الإنسانية، والحال أنها أدفعته الثمن لدرجة القضاء على الإنسانية جمعاء، وما وصل إليه العالم من تطور تكنولوجي وثورات كوبرنيكية، فما هي في آخر المطاف إلا شروط وفرتها له الطبيعة لكي تمكره وتوطد حكمها عليه، ذلك لأنه في الوقت الذي سيتبجح هذا العقل بثورته؛ سينسى ويغفل قوتها وجبروتها.

ما يعيشه العالم اليوم من تهديد وخوف من العدم، لدرجة أصبح يعي وبوضوح قلق الموت، أو بالأحرى قلق فقدان الوجود، وجب أن يرجعه إلى رشده، والعودة إلى الرشد تتمثل في التصالح مع الطبيعة قبل القطع معها، إننا نحِن إلى المرحلة الأولى لأننا لم نقطع معها بإرادتنا، بل العنف والذئبوية التي كانت تطغى علينا هي السبب في عزلتنا عن حالة الطبيعة، والمرور لحالة مدنية لا نفهم طبيعتها، وحينما أردنا الانسجام معها قررنا نكران جميل ما وفرته لنا الحالة الأولى من شروط للعيش، بل حاولنا القضاء عنها واستعبدها لكن انقلب السحر على الساحر لأن الحقيقة تفرض ذاتها، وهذه الحقيقة تتمثل في جوهرية الطبيعة وتابعية الإنسان، في هذا الوقت بالذات وجب أن نقف وقفة تأملية تقتضي العودة إلى الطبيعة، ففي العودة إليها نعود إلى ذواتنا وفي التصالح معها نتصالح وذواتنا.

إن فلسفة ديكارت لم يبق لها معنى اليوم، لأن ديكارت في اعتقادي أخطأ في الوقت الذي عاد إلى الذات باعتبارها جوهرا وتغافل عن الطبيعة معتبرا أيها موضعا مدركا من طرف الذات. كان عليه أن يضع مكر الطبيعة في الحسبان واعتبار عقله وذاته جزء منها ومن طبيعتها، لأن العقل حينما يريد السيطرة عليها فهو في فهو في حقيقة الأمر مجرد باحث عن سبل العيش داخلها، وبذلك فالوعي بعظمتها خير من توهم السيطرة عليها.

تكاثرت الأسئلة اليوم عن السبب الذي جعل هذا المرض يتفشى داخل العالم ويهدده، هناك من يقول إنها خُطَّة أمريكية، وهناك من يقول بلى إنها خُطَّة صينية، وهناك من يقول إنها لعنة إلهية، سأقول لكم وبصريح العبارة، أن الأسئلة الثلاث بمجملها أسئلة صحيحة مئة في المئة، لكن تتوالى من حيث أسبقيتها ودرجة تأثيرها في العالم؛ من يقول إنها خُطَّة أمريكية أو صينية أقول له في الغالب إنها كذلك، ومن يقول إنها لعنة إلهية، أقول له فعلا إنها لعنة طبيعة، لأن الله هو الطبيعة، وهو ذلك الروح الذي تحدثت عنها في بداية تقديمي، فكل مطلع على إله اسبينوزا سيعرف المعنى الحقيقي للطبعة، فحينما نتمثل صفتها في الفكر فإننا نتحدث عن الطبيعة الطابعة أي (الإله)، وحينما نتمثل صفتها كامتداد فإننا نتحدث عن الطبيعة المطبوعة بمعنى (العالم)، ففي الوقت الذي أراد الإنسان أن يسيطر على الطبيعة كمادة، سيطرت عليه الطبيعة كفكر.

خلقت الطبيعة اليوم إلها جديدا للإنسان لكي تمكر به وتجعله خادما لها، أنه إله مادي صرف، والمتمثل في (الاقتصاد)، لكن هذا الإنسان نسي أنه مجرد جزء من الكل، وحينما يريد تهديد العالم فإنه يهدد هو الآخر وبطريقة لا واعية، الصين أم أمريكا لا يهم، المهم هو أنهم هددوا هم كذلك وتعرضوا لهلع الموت. فما عَلاقة الأخلاقي بالاقتصادي بالثقافي فيما يخص كمجموعة من المستويات التي ترتبط بوباء كورونا؟.

لطالما سعت الاشتراكية الماركسية إلى تحقيق نوع من التوازن الطبقي داخل المجتمعات، عن طريق الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، مما يؤدي إلى تحقيق التوزيع العادل للثروة، بيد أنها لم تفلح في تحقيق هذه الغاية، وذلك راجع لأسباب عدة، أهمها التبعية الفكرية التي وطدت ركائزها الطبقة البرجوازية، غير أن هذه الأخيرة لم تضع في حسبانها التوارث الطبيعية التي يمكنها أن تقضي على مجمل أهدافها، لأنها خارجة عن إرادتها ولا يمكن أن تخدم ميولاتها، لأن الطبيعة لا تعرف لغة الطبقات والتفاوتات، وإنما تسعى إلى خلق التوازن في أي لحظة أحست باختلاله، ولعل التفاوت الطبقي الحاصل في المجتمعات أهم اختلال أحست به الطبيعة كفكر وكروح؛ وحاولت في مقابل ذلك القضاء عنه؛ وذا ما عدنا إلى تاريخ البشرية سنجده تاريخا مملوءا بالأمراض والأوبئة الطبيعية التي قهرت الإنسان وحاولت إرجاعه إلى إنسانيته، إن الديمقراطية الحقة؛ هي نضال من أجل منع مالكي الاقتصاد من احتكار الحياة المشتركة بين بشر جعلتهم الطبيعة متساويين منذ البداية؛ لهذا فالمساواة الاجتماعية والاقتصادية هما مبدأ ومنطق كل ديمقراطية حقة؛ وعليه فالديمقراطية ليست مجموع الأصوات المودعة في الصناديق؛ لأن هذه العملية تأسس للا ديمقراطية واللامساواة، حينما يشارك فيها عامة الناس الفاقدين للوعي الطبقي والمجتمعي؛ بل هي نوع جديد من توزيع المحسوس على نحو عادل؛ لهذا فالديمقراطية الحقيقة؛ هي ديمقراطية الوباء؛ التي جعلت اليوم جميع الطبقات تتسوى إذ أصبحت الطبقات المالكة لروس الأموال والحكام محايثة للشعب ومحاولة نوعا ما إرضاءه ولو قليلا، ليس حبا فيه أو عطفا عنه، وإنما لشعوره بالخطر الذي أصبح يواجهه، وهذا الخطر يتمثل في شيئين: لما كان مجمل الطبقات الكادحة أشخاص لا يتمتعون بالوعي الكافي لدرجة مواجهتهم الخطر وبكل غباء، فإن الطبقة البورجوازية تخاف على استمرارها في الحياة بسبب غباء الكادحين، إضافةً إلى كون البلورتاري هو الذي يخلق تلك القيمة المضافة التي تطور من الاقتصاد؛ فالبرجوازي إذن أحس بأهمية الكادح في تحقيق أهدافه، ولعل ديمقراطية الأوبئة هي التي تجعله مكتسبا لهذا الوعي، لأنها تهدده وتهدد مصالحه، أما الكادح فليس له من شيء يخسره غير فِرَاقَ الأحبة، لهذا فإنه غير مبالي للأمر ويعتبره شيئا عاديا؛ كيف سيبالي؛ وهو يعيش يوميا وباء الفقر والإقصاء الاجتماعي بكل أنماطه؛ لدرجة أصبحت الأوبئة الطبيعة أقل ضرر من الأوبئة الاجتماعية بالنسبة إليه. لذا يَجِبُ ألاّ نستغرب ونقدس برجوازي أوروبا وإقطاعي العالم العربي حينما يساهمون بقسط من مالهم لمحاربة الجائحة، فهو يضحي بالجزء لكي يحافظ على الكل، لهذا يمكن أن نعتبر ديمقراطية كورونا ديمقراطية نسبية تحاول القضاء على الطبقات كتجسيد وتقلل نوعا ما من جبروتها، لكن هذا لن يقضي على الفوارق الاجتماعية كليًّا، بل يمكن أن توطيدها أكثر فأكثر في المستقبل وتصبح الطبيعة ظالمة أكثر فأكثر للكادحين، فالكادح إذن هو الورقة الخاسرة في هذه اللعبة الاقتصادية الماكرة في آخر المطاف.

لو تأملنا قليلا في هذه الجائحة الطبيعية، أو بالأحرى الوباء العادل من حيت عدم تمييزه بين بني البشر؛ فإننا سنلاحظ بأنه أعاد الإنسان إلى الاهتمام بوحدته وأزال عنه التعددية، لم نعد نعطي أي أهمية للإنسان السياسي عند أرسطو، وصاحب العقد الاجتماعي عند روسو، والإنسان الاقتصادي حسب أصحاب مانشستر، والإنسان العاقل حسب لينيو، ليس هذا الإنسان أو ذاك؛ بل الإنسان الذي أصبح البشر يفكر فيه اليوم؛ هو الإنسان كلحم وكعظم، وبذلك فإننا الآن نحاول أن نحافظ على استمرارنا كأجساد داخل الطبيعة لا غير، وهذا النوع من الإنسان هو الذات والموضوع الأسمى في آن واحد لكل فلسفة، حتى وإن كنت قاصيا في قولي هذا مع الفكر الفلسفي؛ الذي يناقش الإنسان في بعده الأنطولوجي والأخلاقي والسياسي بيد أنها حقيقة تفرض ذاتها مادامت الفلسفة تعتمد على الشعر أكثر من اعتمادها على العلم. لهذا فجميع الفلسفات التي سايرت العلم وتطوراته وحاولت التحرر نوعا من ذاتية المؤلف، لم تنل أهمية كبيرة في تاريخ الفلسفة والمعرفة كليًّا، ونحن اليوم أمام هذه الجائحة الطبيعية نحتاج فلسفة علمية عملية ملازمة لتطورات حياتنا وتفكيرنا؛ لماذا قلت فلسفة العلوم ولم أقل العلم وحده؟ جواب كالآتي: أمر يتعلق بأهمية العقل البشري على الآلة التي ستساعد على فك الأزمة الصحية هاته، وعلى هذا فالآلات لن تنفع دون تفعيلها من طرف عقل إنساني ممنهجا أخلاقيا، إذ في غياب أخلاقيات العلم، تستعمل تلك الآلات في غير مصلحة البشر، لأن الطبيب أو العالم يكون خاضعا لإديولوجيات سياسية تحركه لمصلحة الاقتصاد وضد الإنسانية، فالإنسان في اعتقادي لا يتميز عن الحيوان بالعقل، بقدر ما يتميز عنه  بالمسؤولية واعتبارهذه الأخيرة واجبا أخلاقيا يمنهج أي فعل يقوم به امتثالا للواجب العقلي الكوني.

عودا على بدء؛ يمكننا القول بأن التهديد والخطر الذي مارسه فيروس كورورنا على الوجود جعل منا نتغاضى تلك النظرة التشييئية التي كانت تطغى علينا، فلقد كنا ننفي بعضنا ونتعامل مع بعضنا البعض كموضوع مثل باقي المواضيع، ما جعل إنسانيتنا غائبة بشكل تام، لكن بعد هذا التهديد أحسسنا ببعضنا بعض وبدأنا نقصي تلك النظرة الأنانية وبدأت الذات تنفد إلى أعماق الأخر، لأن الأخر يتقاسم معها مجموعة من الصفات والمشاعر الوجدانية التي لا يمكن أن تنفلت منها الأنا، وإذا ما حاولت ذلك فإنها ستقصي جزءا كبيرا من إنيتها، وتضحى شيئا مثل باقي الأشياء. المرض هو تجرِبة أنطولوجية تجعل منا ذوات مسائلة لأسئلة كبرى، من قبيل ما الغاية من هذه الحياة؟. وفي حضور هذا السؤال يصبح الشخص متعلقا أكثر وأكثر بالحياة وبالآخرين القادرين على الاعتراف به وبوجوده كذات.

المرض إذن؛ هو تجربة ذاتية تتأسس انطلاقا من تفاعلات علائقية واجتماعية مع الآخرعن طريق  التوحد به حدسيا؛ لأنه شئنا أم أبينا فالغير هوالأنا الآخر كما أكد ذلك الفيلسوف الفرنسي، (جون بول سارتر). إن الخلاص النهائي من سطوة وآلام المرض يكتمل في مجال الأخلاق، فالفعل الإنساني كفعل أخلاقي، يتمثل في البينذاتية التي لا تموضع الآخر وتنظر إليه كذات مستقلة عن الأنا، وإنما التوحد به حدسيا حتى يصبح هو أنا وأنا هو، ثم الغيرية باعتبارها نكرانا للذات وتضحية من أجل الغير، هي الكفيلة بتثبيت مشاعر التعاطف والمحبة بين الناس، فتجد الإنسانية غايتها الكبرى في نشر قيم التضامن في العالم. ذلك لأن شعور كل فرد بفرديته هو مبعث الأنانية، ومصدر الشرور جمعاء، إذ يتصادم الأفراد بعضهم مع البعض، فتنجم عن ذلك الرذائل الأخلاقية كلها، من قبيل الكراهية والحسد والرغبة في القضاء على الخصم.

لكن سرعان ما يصل الإنسان إلى حقيقة مفادها أن الأخلاق المتمثلة في حب الآخر ما هي إلا خداع من طرف الغير، وحينها يرفع عن عينه هذا الوهم ليكتشف الأنانية السائدة، مما ينتج عنه انتشار العطف والشفقة، وهذا الشعور هو الذي يطغى على الأفراد بعدما كانت الأنانية تفرق بينهم، لأن الحب في البقاء هو الذي يدفعنا إلى ادعاء هذه الأخلاق، حيث إن الأصل هو الأنانية والصراع من أجل العيش، وذلك التضامن الذي نخلقه، فما هو إلا وسيلة نتفادى من انطلاقا منها شرور بعضنا البعض، فالغاية من هذا الترابط الاجتماعي بين الدولة والفرد وبين الأفراد مع بعضهم البعض هو محاولة للقضاء على مرض فتاك أصبح يهدد الوجود كليًّا، وما تضامننا إلا لحماية بعضنا من بعض، لقد صارت الأنانية وانغلاق الذات مندمجان مع التضامن والتكافل والغيرية، إننا فعلا أمام فيروس يخلق الانسجام بجمعه للمتناقضات. كيف إذا واجه المجتمعين العربي والغربي هذه الجائحة؟.

إن لكل مجتمع دعامتين أساسيتين أولهما الممارسات التي يقوم بها اتجاه بيئته، أي، كلّ ما يتعلق بثرواته الطبيعية والبشرية؛ وهو الاقتصاد نفسه، ثانيهما الثقافة باعتبارها مجموع التأويلات التي يضفيها الشخص على هذه الممارسات لكي تكتسي معنى، لهذا فإن كل مجتمع مختلف عن الآخر تباعا لاختلاف هاتين الدعامتين؛ فبالعودة إلى المجتمعات التي ترتبط ارتباطا وثيقا بدينها، فإننا سنجد ممارساتها وتفكيرها يسير وفقا لمقولات دينية، بيد أنه هناك انسجام بين الممارسات والتأويلات بنسبة لكل مجتمع.

إن فعل التدين في المجتمع العربي يعاني هشاشة وافتقار للتدين الواعي، لأنه يمارس شعائره وفقا للعقليات الماضوية، التي تجعل من الدين الترياق الوحيد الذي ليس له مثيل، ومنه فأي مشكل اجتماعي واقتصادي وجب حله انطلاقا من الرجوع إلى الذين كمجموع العقائد والممارسات التي ابتعدنا عنها بفعل العولمة والتكنولوجيا، لذا فإنّ جائحة كورونا بالنسبة للعقل العربي هي نتيجة للابتعاد عن الله، وعليه وجب أن نتضرع له لعله رافعا عن هذا البلاء. العقل العربي ذن عقل ثيولوجي يحاول أن يفسر الأشياء الطبيعة والمجتمعية بعلل  خارج الطبيعة والمجتمع، أي بالتكبير لإله خارج عن المنظومة الاقتصادية التي كانت السبب في تفشي المرض، لهذا فإن الواقع أصبح يفرض علينا الارتباط بالعلم أكثر فأكثر وإلا سنعاني في المستقبل؛ لأن ما عاشته أوروبا في القرون الوسطى من اكتساح للعقول وتجمدها ومحاولة ربطها بعالم الغيبيات، نعيشه نحن اليوم، لكن للأسف العقل العربي عقل منغلق لا يحب الانفتاح على المجتمعات الأخرى بذريعة أنها مجتمعات غير إسلامية، والحل لهم يتمثل في العودة إلى الدين بذهنية تقليدية سلفية لا تجعل منه منفتحا على متطلبات العصر، السلفي إذن يرى بأن التخلف والأمراض والابتلاء الإلهي واقع بالابتعاد عن أقوال السلف الصالح، فهو يتحدث عن التأويل السني باعتباره تأويلا صحيحا، بيد أن هذا التأويل يضرب عرْضَ الحائط كل مبادئ العقل والعلم والحداثة؛ لأنه يتنكر للفرد ويقدس الماضي ويحتقر المستقبل، لقد ابتلانا الله وللأسف الشديد بعقول تظن أن رحمة الله لهم وحدهم، والواقع أنها مجتمعات تخلق فكرة الله في الوقت الذي تشعر فيه بتهديد الطبيعة.

إن العقل الغربي هو عقل يتميز بالخصوصية حتى على مستوى فعل تدينه، لهذا فالتدين الغربي يبقى في حدود عَلاقة الفرد بخالقه ويفصل تمام الفصل المجال الديني عن المجال الطبيعي والبيويوجي، لهذا فإنه يفسر الوجود انطلاقا من علل الوجود ذاته لا خارجه مثلما يفعل العقل العربي، كيف لا والعقل الغربي فهم معنى وضرورة الارتباط بالعقل التجريبي العلمي والعملي، لأنه الوحيد الكفيل بتطوير ثقافته وعلمه. لذا يَجِبُ ألاّ نستغرب من الثقافة الغربية التي تواجه اليوم هذا الوباء بالمختبرات والتجارب العلمية، ولا تربطه بالسخط الإلهي أو ما شابه، إنه عقل واقعي وسلوكي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وذلك بفعل الصدمة التي كان يعيش في ظلها إبان القرون الوسطى.

الثقافة العربية إذن هي ثقافة منغلقة ولا تحب الاستفادة من الأخر لأنها تعد ذلك نقص وتنقيص من عقلها وكفاءتها ودورها داخل التاريخ؛ لهذا ففي اللحظة التي أصبحنا نعيش فيها تأخرا تاريخيا رفضنا الانفتاح عن الثقافة الغربية، باعتبارها ثقافة فهمت ووطدت العقل والعقلانية في جل مجالاتها، على الرغْم من معارضتهم التفكير العقلاني في لحظات سطو الكنيسة إلا أنهم تجاوزوا ذلك التفكير وطوروا من حضارتهم، ومن باب المعقول أن يحدث ذلك لأن الثقافة الغربية ثقافة منفتحة وغير منغلقة، في اللحظة التي كان العرب يتمتعون بتفكير عقلي مع إبن رشد وإبن سينا والفارابي وغيرهم؛ كانت أوروبا تتصارع مع كهنوت الكنيسة؛ مما جعل الغرب ينفتحون على التفكير العربي الإسلامي كليًّا ويطوروا منه من أجل تداركهم التأخر الفكري والتاريخي؛ واليوم فنحن نعيش عصورا وسطى جديدة؛ أي تلك التي عاشتها أوروبا إبان قرون مضت؛ لكن لا نزال نتبجح بأصالتنا المنغلقة ولا نريد الانفتاح عن الأخر ونعتبره عدوا وكافرا؛ وأن الحل موجود في الرسالة الإسلامية وكلما عدنا لها كلما تقدمنا؛ بيد الواقع أثبت أن هذا القول مجرد وهم، لأنه كلما تشبثنا بالماضي كلما فكرنا تفكيرا ماضويا لا يمت للعقل و للحداثة والتقدم بصلة؛ ومنه فالثقافة العربية قتلت العقل حينما اتهمت الفلاسفة والمفكرين العرب بالزندقة والتفاهة والسفاهة.

زبدة القول - وبصريح العبارة- إنه ليس هناك صراع حضارات، بل هناك صراع الحضارة الأوروبية مع ذاتها، لأن الحضارة العربية هي حضارة ولأسف الشديد خارج التاريخ، لكونها لا تزل متشبثة بالماضي وتحاول تفسير الحاضر والعلم والأوبئة البيولوجية انطلاقا من الفكر السلفي، بيد أن منطق العلم الحديث أسس في نطاق الفيزياء والعلم التجريبي وهو سبب تطور كل المعارف الأخرى، هو مجال علمي إستراتيجي تتقاطع وتجتمع فيه فعاليات متنوعة، الاستهلاك، الإنتاج، الثقافة، الاقتصاد، الذهنيات، الخيال التدريجي والعمل التجريبي.

لهذا فإن النموذج فيزيائيي ضروري بالنسبة للعرب بوصفه جسرا يربط بين العلم النظري والنشاط المهني في أفق اللحاق بالركب العلمي في أسسه العلمية المعاصرة، وليس فقط مجرد معارف علمية سرعان ما تغدو معرفة تاريخية. فالعلم منطق اكتشاف للمجهول في المستقبل وليس تأويلا لمعارف الأولين، ومنه فنحن في حاجة إلى ثورة ثقافية وعلمية، تؤمن بقدرة الإنسان على الفعل والإنجاز بما يقود إلى إغناء وتطوير مكاسب الحداثة والعلم كما بلورها الغرب الحديث والمعاصر، ذلك أن تجربة التحديث الذي يتعين على المجتمعات العربية أن تخوضها ينبغي أن تقطع مع منطق التقليد الذي يتشكل باعتباره لحظة تكرارية تتوخى استعادة أمجاد الماضي، لذا نتمنى ألا نصل إلى مستوى شديد الْخَطَر من المرض، لأننا أمة لا تؤمن بالعلم والعقل وإنما تؤمن بالتقليد والخرافة، لهذا يصعب علينا الرجوع لهذا المستوى المتوسطي لا على المستوى الاقتصادي ولا على المستوى الاجتماعي، أما أوروبا فإنها ستتجاوز محنتها بعد زوال المرض ويمكن أن تعود إلى نفس المستوى الذي كانت عليه لأنها تحترم العقل العلمي بكل تجلياته.

في رأيي أن هذه الجائحة الطبيعة نتيجة لصراع الدول الاقتصادية العظمى على من سيحكم العالم، لهذا فمن المحتمل أن تتحول هذه الحرب الطبيعية، إلى حرب عسكرية بين الدول التي تتصارع على سيادة العالم.

 

عبد الكريم لمباركي باحث في الفلسفة.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5460 المصادف: 2021-08-17 03:19:59


Share on Myspace