 قضايا

محمود محمد علي: الحفر الأركيولوجي والإبستمولوجي لسلسلة أفلام "جيمس بوند" الجاسوسية (3)

محمود محمد عليتعد أفلام شون كونري "من روسيا مع حبي" (1963)، "الإصبع الذهبية" (1964)، "أنت تعيش مرّتين فقط" (1967) أفضل أفلامه في دور العميل 007، وقد غطّى حضوره الذكوري الآسر على بطلات أفلامه العديدات من مختلف الأجناس والأعراق، فنسيهم الجمهور وتذكره وحده (17).

ولعل أفضل أفلام بوند هي تلك التي ظهرت إبان الحرب الباردة، لأنها كانت على نحو ما "أفلاما واقعية"، أي تحاول أن تقنعك بأنها تعكس تلك المنافسة الحقيقية التي كانت دائرة في الواقع، بين المخابرات السوفيتية والبريطانية والغربية عموما، وكان سلاح الجنس دون شك، يستخدم في تلك المنافسة، غير أن أفلام بوند لم تنته بنهاية الحرب الباردة، بل استمرت وجدّدت جلدها بممثلين جدد، وبحبكات جديدة، ومخرجين جدد أحدثهم، هو كما أشرت داني بويل، صاحب "مليونير العشوائيات" (19).

ثم أسند دور "جيمس بوند" بعده إلى ممثل يُدعى "جورج ليزنبي"- George Lazenby في فيلم وحيد عنوانه "في الخدمة السريّة لصاحبة الجلالة" (On Her Majesty's Secret Service) (1969)، وهو الفيلم الوحيد له في سلسلة أفلام "جيمس بوند"، وهذا الفيلم حقق الفيلم نجاحا كبيرا في شباك التذاكر وعلقت عليه آمال كبيرة لخلافة شون كونري.

لكن النجاح لم يحالفه وذلك بعد أن انسحب من توقيع عقد لأداء دور جيمس بوند لـ 6 مرات أخرى لأسباب شخصية ولعدم أتباعه لبعض البروتوكولات والشروط الواجب اتباعها خارج الاستديوهات.مما جعله عرضة النسيان والتهميش في هذا الجزء من سيرته؛ ومن ثم أضحي يمثل مرحلة لم تلق النجاح المرجو منها، حيث نظر إليه النقاد والجمهور بأنه كانت مرحلته سلبية جداً وذلك بمقارنة أدائه بـ" شون كونري"، وظل السؤال الذي يراود الجميع: " لماذا تم إسناد " جورج لازينبي" شخصية "جيمس بوند"، وهو عارض أزياء في الأصل وليس ممثلاً (20).

بيد أن شخصية "جيمس" تستعيد ألقها من خلال المثل "روجر مور"، والذي جسد شخصية " جيمس بوند " في 7 أفلام تبدأ من ( 1973-1985) بدمجه بوصفه مستكشف الغابات والسيجار الكوبي، ويصبح أكثر النجوم تجسيداً لشخصية جيمس بوند من ناحية الكم؛ علاوة على أنه أضفي علي شخصية " جيمس بوند" لمسة فريدة من نوعها، وروجرز مور ظل الممثل الوحيد الذي استطاع أن يقترب كثيراً من أداء "شون كونري" بلمسته الكوميدية المميزة، ومتساويا معه في عدد المرات والتي لعب فيها دور" جيمس بوند" .

وروجر مور الذي يعد أحد أهم النجوم الذين لعبوا بطولة سلسلة أفلام جيمس بوند غير كثيراً بوسامته في شكل البطل الذي يلعب أفلام الأكشن بسبب وسامته وصوته المميز الذي دوماً ما تميز به وقامته مما جعله يحظى بقطاع كبير من المعجبات بفترة السبعينات من القرن الماضي تحديداً الذي لعب فيها بطولة جيمس بوند (22).

وقد جسد "روجر مور" شخصية العميل السري "007" لأطول فترة مع أن القيمين على السلسلة اعتبروا في البداية أنه "وسيم جدا" ليؤدي الدور ولم يختاروه للمشاركة في الجزء الأول منها وكان بعنوان "دكتور نو" (1962)؛ واضطر إلى انتظار أن يمل شون كونوري من الدور ليحل مكانه، وحل عليه النجاح فجأة. وقد حمل مور إلى الدور السحر والأناقة فضلا عن الخفة والفكاهة.. إضافة إلى حاجبه المرفوع الذي أصبح علامة فارقة.

ولا شك في أن روجر مور طوَّر سمات بوند باتجاه أكثر مرحاً وخفة من كونري وصل إلى حَدّ الإضحاك، بحيث إن دعاباته طالت مارغريت تاتشر نفسها. لَعلّ أفضل أفلامه هي "عش ودع غيرك يموت" (1973) مع جين سيمور، "الجاسوسة التي أحبتني" (1977) مع باربارا باخ، "من أجل عينيك فقط» (1981) مع الفرنسية كارول بوكيت، و"أكتوبوسي" (1983) مع مود آدمز، التي ضربت رقماً قياسياً بأدائها دورين مختلفين في فيلمين من أفلام بوند. بدت علائم تقدُّم العمر على كل من مور وكونري معا (23).

فجيء بالممثل البريطاني الجاد تيموثي دالتون ليلعب دور بوند في فيلمين لتجسيد شخصية " جيمس بوند وذلك خلال أعوام ( 1987-1989)، أولهما "نجوم النهار" (1987) مع الممثلة ميريام دابو، وأتبعه بفيلم "رخصة للقتل" في 1989، قبل أن يُزاح عن الدور لصالح بيرس بروسنان، الذي رشحه روجر مور نفسه بعد أن وجده الأشبه بمقاربته المرحة لبوند عبر مسلسله "رمنغتون ستيل". مثل الأيرلندي بيرس بروسنان شخصية بوند في أربعة أفلام، أقواها فيلمه الأول "العين الذهبية" (1995) مع إيزابيللا سكوربوكو وشون بين، وإن كانت الثلاثة الباقية ممتعة أيضاً. ثم أعفي فجأة بعد فيلم "مت في يوم آخر"، (24) ؛ وانتهي به المطاف بالنسيان، وذلك راجع إلي كون الطريقة التي قدم بها شخصية العميل السري 007 كانت مبالغا فيها أكثر من اللازم في نظر الجمهور .

وعلي غرار زميله "تيموثي دالتون"  وجدنا الممثل " بيرس بروسنان " والذي انتظر سنوات لتشخيص دور "جيمس بوند"، إلى أن اتسم الحظ له في تسعينات القرن الماضي، ليكمل مشوار زملائه في تسجيد شخصية " جيمس بوند"، ويفتتح مرحلة جديدة لاقي فيها نجاحا كاسحاً آنذاك بإضافته لشخصية " جيمس بوند "، لمسة من شخصيته الحقيقية، بروية " جيمس بوند " لأول مرة لا يدخن، ولمسة من الكوميديا، حتي أذهل الجمهور، مما حفز المنتجون علي إنتاج 4 أفلام من متفاوتة الجودات، كان " بيرس بروسنان " بطلها.

وقد أثار الممثل الأيرلندي بيرس بروسنان جدلاً كبيراً، حول نوعية أبطال سلسلة جيمس بوند في المستقبل، قائلا: "إن الوقت قد حان ليتقمص دور البطولة في هذه الأفلام شخص أسود أو مثلي الجنس".؛ ونقلت وكالة الأنباء الفرنسية رد بروسنان، على أسئلة مجلة "ديتايلز"، حول إمكانية أن يكون البطل مثلياً، فأجاب: "بالطبع لم لا؟"، لكن بروسنان قال إنه يشك فى أن تسمح منتجة السلسلة باربرا بروكولي بأن يكون كذلك. وأضاف: "لنبدأ بممثل أسود يتولى دور جيمس بوندمثل إدريس إلبا، الذي يمتلك كل الصفات الجسدية والكاريزما لأداء الدور"، لكن إدريس إلبا من أب سيراليوني وأم غانية، بينما ترسم روايات جيمس بوند الأصلية ملامح أخرى للعميل السري بوند، إذ تفترض فيه أنه من والد إسكتلندي وأم سويسرية، بالإضافة الى أنه أمضى جزءاً كبيراً من طفولته خارج بريطانيا.

وقبل أن يستلم " دانيال كريغ" الشعلة لمواصلة سلسلة أفلام جيمس بوند، إلا أن المفاجأة كانت خارج التوقعات، حيث ضاق صدر شخصية "جيمس بوند" ذرعا عندما عرف أن " دانيال كريغ" هو "جيمس بوند" الجديد، فملامحه لا تطابق وصف الشخصية بالرواية الأصلية ولا ما اعتاد عليه الجمهور، بيد أن " دانيال كريغ" ورغم الانتقادات أثبت العكس تماماً، وقدم أداءً جديداً، ورائعاً لشخصية " جيمس بوند"، فيلم "كازينو رويال" (2006) من إخراج مارتن كامبل، ويغير جذرياً من معالم الشخصية عن جميع من سبقه، فيجعلها أكثر عنفاً وغير مُنزّهة عن الأخطاء، بحيث صدم الجمهور حين تَمّ خداعه، وحين ألقى بجثة صديق قتيل في حاوية قمامة، وحين لم يأبه لخلطة شراب بوند المفضلة، وحين لم يتردّد لحظة في إطلاق النار على غريمته التي لعبت دورها الحسناء الفرنسية صوفي مارسو (25).

وللأسف يُؤخذ على سلسلة أفلام جيمس بوند بشكلٍ عام أنها – رغم زعم براءتها من الغرض السياسي وتبريرها للإثارة الخالصة – فإنها تضمر نظرة لا تخلو من عنصرية تصوّر أغلب الأشرار والشريرات على أنهم من أغراب من أجناس غير العرق الأنغلوساكسوني النقي، فمنهم الروسي، والألماني، والإسباني، والياباني، والجنوب- أمريكي، والإفريقي، والصيني، والتركي، والمغربي، والمصري، والكوري. بينما بالكاد نجد عبر 42 فيلماً مجرماً أمريكياً أو بريطانياً إلّا في حالات نادرة (26).

علاوة علي أنه ربما تكون شخصية "جيمس بوند" عميل الاستخبارات البريطانية، التي اخترعها الكاتب الصحافي إيان فليمنغ، إحدى أساطير النصف الثاني من القرن العشرين. وقوّة هذه الأسطورة حفظت الشخصية المتوالدة، بعد رحيل السياق الذي فرض ولادتها. فقد بدا بوند، ذات مرّة، بطل محاربة الشيوعية، الذي يواجه الشر منتصراً، ويعود إلى منزله مغتبطاً كامل الأناقة. ومع أنّ الحرب الباردة أغلقت دفاترها، وخيّم "الخير" على العالم كلّه، فإنّ روح بوند السعيدة لا تزال تتنقل من مكان إلى آخر، كما لو كانت "نهاية التاريخ" لا تتخلّى عن صنّاعها. تطرح هذه الشخصية، في مآلها الغريب، سؤالاً واسعاً: هل تصدر الأسطورة عن الشخص الذي تنسب إليه، أم عن عناصر خارجية صنعت منه أسطورة؟ (27).

وسلسلة أفلام "جيمس بوند" هي ابتكر الروائي البريطاني ايان فليمنج شخصية "بوند" أوائل خمسينات القرن الماضي. يجسد فيلم "سبيكتر"، وهو آخر أفلام الشخصية دور عميل يطارد الأِشرار في مختلف أنحاء العالم. يلعب هذه الدور الممثل البريطاني "دانيال كريغ"، مثّل دور بوند عدد من الممثلين منهم جورج لازينبي، وروجر مور، وتيموثي دالتون.

ولد ايان فليمنج فى 28 مايو عام 1908، وهو مؤلف وضابطٌ فى المخابرات البحرية، ثم حاول استكمال دراساته العليا في أكثر من جامعة، إلى أن قرّر أن يعمل صحافياً في وكالة رويتر، وأن يكون مراسلها في موسكو. وبعد أن طرد منها متهماً بالجاسوسية في نهاية 1933، عاد إليها بعد ست سنوات مراسلاً لمجلة "التايمز" هذه المرّة. كان الرجل، في الحالين، صحافياً، وكان في الحالين جاسوساً مثابراً أيضاً، الأمر الذي أعطاه وظيفة مرموقة في جهاز استخبارات البحرية البريطانية، التابع للأميرال جون غودفري، الذي استقى منه فليمنج ملامح اختراعه القادم: جيمس بوند. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 انسحب الرجل من عالم الجاسوسية، واستقر في مسكن جميل في جامايكا، حيث عاش حياة مريحة، تزخر بالكحول والنساء وتدخـــين الســكائر وكتــابة الروايــات، إلى أن مات في حادث صيد عام 1971. وواقع الأمر أنّ بوند، الذي صالح بين المغامرة والمتعة، مرآة لحياة مؤلفه الشخصية، ولعمل ذلك الأميرال الحسوب «غودفري»، الذي رأى في محاربة الشيوعية عملاً مقدّساً (28).

كتب فلمنغ العديد من الروايات والقصص القصيرة، من بطولة جيمس بوند خلال حياته حتى مماته عام 1964. ثم تابع التأليف الأدبي لروايات ومغامرات بوند كلا من كينغسلي أميس، جون بيرسون، جون غاردنر، ريموند بينسن، تشارلي هيغسون، كريستوفر وود وغيرهم؛  إلا أن شهرة جيمس بوند الحقيقية تحققت بشكل أساسي عن طريق السينما، من خلال 24 فيلما من إنتاج "EON Productions"، بالإضافة لإنتاجين سينمائيين مستقلين ومسلسل أميركي، مستمد من روايات فلمنغ؛ ويُذكر أن الجزء 25 والأخير من السلسلة، سيعرض في شهر تشرين الثاني/نوفمبر عام 2020، من بطولة دانيال كريغ وزين مالك (29)... وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

(17) د. رياض عصمت: المرجع نفسه.

(18) أمير العمري: المرجع نفسه.

(19) المرجع نفسه.

(20) هوفيك حبشيان: شون كونري الخارق أكبر من جيمس بوند.. الثلاثاء 3 نوفمبر 2020 13:05

(21) المرجع نفسه.

(23) د. رياض عصمت: المرجع نفسه.

(24) المرجع نفسه.

(25) المرجع نفسه.

(26) المرجع نفسه.

(27) فيصل درّاج: المرجع نفسه.

(28) المرجع نفسه.

(29) بالم سبرينغز: رحيل شون كونري العميل الأول بين ممثلي جيمس بوند، ترجمة محمد رُضا.. الأحد - 15 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 01 نوفمبر 2020 مـ رقم العدد [ 15314].

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5462 المصادف: 2021-08-19 03:29:21


Share on Myspace