 قضايا

غزلان هاشمي: مأزق الأكاديمية.. أو حينما تثقل كاهلك بالأمتعة الفكرية

غزلان هاشميإن الأكاديمية التي نتحجج بها، كثيرا ما تؤكد على أننا نمارس هراء تحت مسمى المعرفة، في الوقت الذي يثبت الواقع أن الكثير من تخميناتنا التي تؤثث الكتب لن تستطيع بأي حال من الأحوال أن تتأكد إلا بجزء ضئيل...، وهذا اللاتماثل هو الذي يخلق الفجوة التي تجعل الواحد منا منتفخا ومزهوا بحقيبته العقلية...وهو ذاته الذي يجعل أبسط إنسان يبدو أكثر معرفة ووثوقية بالواقع من خلال الانخراط فيه وفي تفاصيله اليومية، والانسجام مع متغيراته والتعامل معه بمرونة أكثر، لذلك علينا أن نعترف بأننا فاشلون في التخمين..، إذ نظل في دائرة الاحتمال نخوض المعارك وننتج كثيرا من اللغط المزين، وفي الأخير لن يتحقق إلا الجزء الضئيل من هذه التوقعات..، وسيظل الناس العاديون يغفرون لنا دائما هذا اللغط، ولن يتذكروا فشلنا في احتواء الواقع أو في وضع خطة للمستقبل أو حتى في فهم الكثير من الأحداث الماضية الملغزة..سيذكرون ذلك الجزء الضئيل الذي نجحنا فيه في الوقوف صدفة على تحليل أو تفسير مطابق لحادثة ما...ليغدقوا علينا المزيد من عبارات التبجيل والتقديس...

انظر لنفسك وأنت تقف أمام مكتبك في قاعة الدرس...، وعد بذاكرتك إلى كل ما قدمته وما تفكر كذلك أن تقدمه..، أنت في الحقيقة لا تقدم الواقع وإنما تمثلات وتخييلات وكلام مفخخ بالكثير من المفاهيم المنتفخة التي ستجعل طلبتك ينفضونها من أذهانهم بمجرد خروجهم وبمجرد الوصول إلى أول شارع خارج الجامعة..، وفي أحسن الأحوال سيتركونها كخميرة قابلة للإتلاف حتى ساعة الامتحان، ثم يبصقونها متأففين وغير آسفين..قد ينظر إليك على أنك استثناء..على أنك حالة فريدة..، لكن في الحقيقة الواقع يتآكل داخلك ويتلاشى حتى يصل إلى العدم، إنك حالة ضد الواقع فقط..، بل بضاعة مفاهيمية تباع على طاولة الاحتمال..يسمعك الإنسان العادي فيصفق لك، ثم سرعان ما يميل برأسه عنك ناحية واقعه، لينسى ما قلته بشأن تنظيراتك حوله، ليعيشه كما عقله هو..

حينما يحدث الاستثناء فقط هنا يظهر الخبراء، وتظهر معهم التفسيرات السمجة والساذجة في معظمها والتي بتأمل بسيط منك تعرف أنها لا تعبر عن الواقع..ويبدأ الاستعراض والاختيال..، لكن لا أحد منهم قبل حصوله ـ أي الاستثناء ـ أفلح في التنبؤ بهذا اللامتوقع، ولا أحد أفلحت أدواته الفكرية ومعارفه في تخمين حصوله واستشرافه، هذا الاستثناء امتحان لحصافتنا ولخيلائنا المعرفي ولطاوسيتنا وانتفاخنا..، لكن مع مرور الوقت سينسى ذلك، لأننا نظل متمتعين ـ بحكم الوظيفة المحترمة والشهرة والدرجة العلمية ـ بالنفوذ الكلامي..، ولربما لذلك فرق نسيم طالب في كتابه"البجعة السوداء:تداعيات الأحداث غير المتوقعة" بين حالتين هما ناتج تداعيات هذا النفوذ: "الحالة البسيطة:العجرفة المعرفية في ظل وجود بعض الكفاءة، والقضية الصعبة الغطرسة المعرفية التي تخالطها قلة الكفاءة(الجعبة الفارغة) ".

على الأكاديمي إذن أن يستثمر "ضد الواقع"، ليختبر معارفه أو بالأحرى يقينياته، ويعترف أن هناك إقبار واضح للمعرفة غير المدركة، تلك المعرفة التي يلفها الافتراض، والتي يحس العقل الأكاديمي إزاءها بالإرباك لأنها تذكره بعجزه وهرائه، وبأن مايملكه هو جزء ضئيل فقط من معارف كبيرة لم تكتشف بعد..

اللاأكاديمية استغراق في المغيب وتحرر من استبدادية الاستغلاق، لأنها نزوع نحو الشك في المكانة والمفاهيم والخطاب والأدلوجة الجامعية...، وهذا معناه أن نتحرر من الوهم المسمى بديمقراطية الوصول إلى المعرفة، والتي تؤكدها الطرق الملتوية التي تفرضها علينا الفضاءات العلمية الرسمية من خلال الانتقاء الإيديولوجي والاختيار المتحيز للبرامج التعليمية المعتمدة قد تصل إلى التعويل على المشتبه والسري وغير القانوني،

نلعب لعبة البوليس النقدي أو الشرطة الأكاديمية من أجل حفظ النظام المعرفي العام، لكننا نتجاهل في الحقيقة الكثير من العشوائيات أو هكذا نطلق عليها لنحرر ضمائرنا من الشعور بالذنب حيال تجاهلها والتي قد تشكل أرضية كبيرة للتعلم أو المعرفة الحقيقية بالواقع...

كتب الفيلسوف اليوناني سكستوس إمبيريكوس مجموعة من المؤلفات تحت مسمى "ضد المتخصصين" أو"ضد الأساتذة"، إذ يحاول ضرب اليقينية ووهم المعرفة أو ادعاء الخبرة في حقول معرفية معينة، وهي:البلاغة والقواعد النحوية والهندسة والرياضيات وعلم التنجيم والموسيقى، هذا وكتب مجموعة مكونة من خمسة كتب:كتابان ضد المنطقيين، كتابان ضد الفيزيائيين، كتاب ضد الأخلاقيين..وهي في الأساس كتب ضد الدوغمائية، وقد نقد العقل الفلسفي الأكاديمي أو الذي يسمي أصحابه بالعقائديين السلبيين، فالافتراض الانكفائي أو المغيب هو ماتحاول المؤسسة الأكاديمية أو الرجل الأكاديمي المدجج بالنموذجية أن يقوم بتلافيه، فليس من صالحه أن يعلن عن خيبته، لذلك يحاول دائما أن يلبس قبعة الأستاذية ليوهم الناس بفخامته وتأنقه المعرفي وبوصوله إلى ذروة اليقينية..، في الوقت الذي يختبره الاستشكال ويضعه على محك التجربة حينما تقاس مدى حجية أدواته المعرفية أمام حاصل التغيرات وفائض المعنى أو فائض الواقع..، إذ سيظهر التهافت بشكل كبير، وستتأكد الاحتمالية وسيتلاشى مفهوم الأكاديمي المتعالي المستأسد بأطروحاته الدنكيشوتية.

 

د.غزلان هاشمي ـ الجزائر

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

سيدتي الكريمة دكتورة غزلان تحية الاكبار والاحترام
اوجز جدا واقول انك رغم مقالتك الفريدة في تشخيص حالة مرضية ثقافية متجذرة منتشرة في الواقع العربي حول فساد المشهد الثقافي الاكاديمي العربي وهي جزء من مشكلة اكبر من التردي على مستويات غير الجامعية وهو موضوع يحتاج الشرح والتفصيل لا مجال له.
بالنسبة لمقالتك دكتورة كنت محللة دقيقة تحملين رسالة ضمير ثقافي, ذكرت الحقيقة رغم مرارة من يريد تجرعها ليداوي نفسيته ويراجع اخطاءه.
الاوساط الثقافية العربية مملوءة بفايروسات ابشع من فايروسات متحولات كورونا والطامة الكبرى تصدر من اناس يعتبرون انفسهم نخبة اصلاح المجتمعات العربية وهو نكرات مزايدة يروج لها بلا حياء من هم على شاكلتهم وادنى ولا تقوى هذه النكرات المفلسفة ثقافيا تحقيق الوجود المرذول حتى وسط سوق الكساد الثقافي العربي الواصل الجذور في تربة شجرة الثقافة العربية . تحياتي لك سيدتي الكريمة.

علي محمد اليوسف
This comment was minimized by the moderator on the site

سيدي الكريم المحترم
أسعدني مرورك ،وأوافقك الرأي فيما ذكرته من كون الفساد الجامعي جزءا من الفساد العام وعبر مستويات مختلفة ،وإنما التأله الذي صنعه البعض لأنفسهم بمجرد حيازتهم مسمى الأستاذ الجامعي أو حصوله على درجة علمية عليا هي في معظمها ترتكز على معايير غير علمية وغير موضوعية هي التي جعلتني أمر سريعا على هذه الجزئية دون غيرها ،ولربما القراءة في راهن الجامعة يحتاج إلى دراسات أكبر وأعمق وإلى مزيد تشريح ومساءلة وهو مايجعل الباب مفتوحا للجميع ...تحياتي الخالصة وتقديري الكبير

غزلان هاشمي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5481 المصادف: 2021-09-07 03:03:53


Share on Myspace