 قضايا

صالح الفهدي: متى تنتهي الحياة..؟!

صالح الفهدييُبادرُ البعضُ فوراً إلى الإِجابةِ عن السؤال: متى تنتهي الحياة؟ بأنَّها تنتهي بانقضاءِ الأجلِ المحتوم، لكنَّ الجوابَ الأعمق لهذا السؤال ليس كذلك!، فالحياةُ تتنهي فورَ أن يُقرِّر الإِنسانُ أنَّه لا جدوى منه، وأنَّه كالبرغي الذي لا مكانَ لهُ في حركةِ الدُّولاب..!

الحياةُ تنتهي حينَ يزعم المُتقاعد أنَّه "قدَّم ما عنده" فيكتبُ بذلك شهادة "عدم صلاحيةٍ"، وكأنَّما أفرغَ كلَّ ما في جعبته، ولم يعد يملكُ شيئاً ليقدِّمه، بينما هو في الحقيقة يملكُ ما هو أهم؛ إنَّه يملكُ الخبرات المتراكمة، والتجارب المثرية، والقدرات الثمينة.

الحياةُ لا تنتهي بالموت، وإن كان الموتُ يغيِّبُ الأجساد، ولكنَّهُ لا يغيِّبُ المآثر، يقولُ الشافعي:

قد عاش قومٌ وما ماتت مآثرهم ..

ومات قومٌ وهم في الناس أحياءُ

فها نحنُ لا نفتأُ نتحدَّث حتى اليوم عن أُناسٍ عاشوا منذُ آلاف السنين، وكأنَّهم أحياءَ بيننا؛ تقتبسُ عباراتهم، ونستشهد بقصصهم، ونردِّد أشعارهم، ونسردُ سيرهم، فلم تحجبهم عنَّا طول الآماد، ولم تطوِ الدهور أخبارهم لأنهم قدَّموا مآثر للناس، وأعمالاً عظيمة لا تُنسى، فهم أحياءٌ وإن رمَّت عظامهم، لأن الحياةَ الحقيقية هي ما المنجزاتُ المجيدة، لا الأعمار المديدة.

الحياةُ تنتهي حينَ يقرِّر الإِنسانُ أنَّه قد تعلَّمَ ما يكفيهِ وهو جاهل، فهذا يتراجعُ معرفياً، ويضمرُ فكرياً، ولا يعرفُ في حياتهِ معنى النموِّ، ولا أثرِ الفكر،  يقول ثورو "Thoreau" كيف لنا أن نتذكر جهلنا الذي يحتاج إليه نمونا إذا كنا نستخدم معرفتنا طوال الوقت؟

الحياةُ تنتهي حين لا يملكُ الإنسانُ هدفاً يسعى إليه، فالهدفُ هو الذي يحدِّدُ الغايةَ، ويحفِّزُ الهمَّةَ، ويصنعُ الطريق، أمَّا الحياةُ دون هدف فهي ضياعٌ تام، وشتاتٌ مستمر، وتخبُّطٌ دائم، وكلَّما صُنعت الأهدافُ الأساسية في عمرٍ مبكِّر كان نتاجها أفضل، وحصادها أجود.

ولقد شهدنا كيف أن البعضَ قد وضعَ أهدافاً للتقاعدِ في عُمُرٍ معيَّن، وعَمَلَ على تطوير قدراته، والتَّرقي في وظيفته، والاستثمار في أمواله حتى إذا وصل السن التي جعلها هدفاً لتقاعده كان قد ضمنَ تحقُّق الأهداف التي رسمها، فخرجَ من عمله بكلِّ رضاً وسعادةً ليفتحَ صفحةً من العمل الحرِّ الذي كان قد خطَّ طريقه، وترسَّم أهدافه وهو على رأسِ عمله.

وفي المقابل شهدنا على أُناسٍ أُحيلوا إلى التقاعدِ بعد ثلاثين عاماً وهم في غاية الصدمة لأنهم غرقوا في وظائفهم، ونسوا أمرَ التقاعد، ولم يستثمروا في شيءٍ يحقق لهم عائداً مالياً إضافياً، ولهذا كانت صدمتهم كبيرة، وشعورهم بالإِكتئابِ والإحباط مؤذي..!

الحياةُ تنتهي حين يقرِّر البعض أنهم سيكونون فارغين لا همَّ لهم إلاَّ متابعة التفاهين، الذين يشغلونهم بفضائحهم، وسلوكياتهم الشاذة، ومحتوياتهم الفارغة، وتعليقات الناس عليهم، وهكذا لا يكون للحياةِ من محتوى نافع، ولا من مضمونٍ هادف!

الحياةُ تنتهي حين يقرِّر البعض أنهم يقضون سحابةَ يومهم في فراغٍ تام، ويقضون ليلهم في سهرٍ بليد، لا أعمالَ يقضونها، ولا واجباتٍ يقومون بها، وإننا لنرى حياةَ الذي لا يعمل ولا يُجهدُ عقله ولا يشغل تفكيره أقصرُ من الذي يقومُ بعكسِ ذلك لا تهدأُ له وتيرة، ولا تفتر له همَّة، ولا يقعدهُ عزم، فالأمراضُ والوهنُ وضعف الذاكرةِ تغزو الأوَّل أكثرَ من الثاني.

الحياةُ تنتهي عندَ شبابٍ في ريعانٍ أعمارهم لأنهم سلكوا مسلكَ الراحةِ، والفراغ، فتوقفوا عن ما يطوِّر من عقلياتهم، ويحسِّنُ من تفكيرهم، ويجوِّدُ من مهاراتهم، ويشغلُ من أوقاتهم، فهم يمضونُ أوقاتهم في الألعاب الإلكترونية إلى درجةِ الإدمان، ويجلسون مع أصحابهم جلوساً لا حدَّ له، فتمضي حياتهم دون هدف، وتسيرُ خبطَ عشواء أينما تتجاذبهم ظروفهم أو ظروف الآخرين، إن قال لهم هذا: هيَّا، لم يسألوا أين، بل اتجهوا وكأنَّما هم قطيعٌ يساقُ إلى حيث لا يدري..! حياةٌ فارغةٌ من كلِّ شيء!.

الذين قرروا أن يكون الجلوس الطويل الفارغ مصيرهم هم الذين حكموا على حياتهم بالإنتهاء، لأن الخمود ضمورٌ للجسدِ، ومهلكةٌ للنفس، فالعملُ هو الذي يُذكي النفس بالثقة، ويزوِّدها بالإِعتداد، ويملؤها بحبِّ الحياةِ، أما العطالةِ والبطالة فإنها مجلبةٌ للإكتئاب والقلق والجهالة!

يتقدَّمُ عمرُ الإنسان لكن "الجسد هو الذي يشيخ بينما لا تشيخ الرُّوح" كما يقول الأديب الروسي أنطوان شيخوف، وعلى ذلك يقرر الإنسانُ إن كان يريدُ أن يشيخ أم يظلُّ شاباً، فقد سمعتُ شباباً قرَّروا أن يشيخوا، فيقولون: لقد شُخْنَا، فأقول لهم: هذا قراركم، فكم من كبيرَ سنٍّ هو شَابٌّ مقدام، وكم من صغيرَ سنٍّ هو شيخ خائر! والعلَّةُ ليست في الجسدِ، ولا العمر وإنَّما في الأفكار التي يغذِّيها الفردُ عقله.

إن الحياة لا تنتهي إن رُسمت الأهداف، وحُدِّدت الإِتجاهات، وشُغِلَ العقلُ بما ينفعه، ومُلِئت النفسُ بما يفيدها، وتحرَّك الجسدُ في ما يجلبُ له الصحَّة والنشاط والحيوية، وحققت التوازنات في الحياة، وارتبطَ الإنسان بالعلاقات الوطيدة النافعة بالآخرين، وظهرت الإنجازات، وحُصدت الإِستثمارات، وجُنيتَ البركات..

لن تنتهي الحياةُ حينها بانقضاء الأجل لأن ظلالها ممتدة، ومآثرها بارزة، ومنجزاتها خالدة، وسيرتها حيَّة، وهذه هي الحياة الحقيقة؛ فالحياةُ هي أثارٌ لا أعمار، وهي إنجازاتٌ لا سنوات.

 

د. صالح الفهدي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5486 المصادف: 2021-09-12 01:19:12


Share on Myspace