 قضايا

سامي عبد العال: التحرُش الجنسي كمظهر تعويضي

سامي عبد العالنتيجة الحُضور الطّاغي للحواس والغرائز في الحياة اليومية، باتت الإجسامُ هي المظهر المتبادل لشد الانتباه والتفتيش عن المُغيّب إنسانياً. والمُغيّب لا يتم دون وجود (قوة أو سلطة أعلى) تضّعه في منطقة المحظور واللامفكر فيه. فلئن كانت الحريات والحقوق الإنسانية غائبةً على سبيل المثال، فسيكون هناك إحتاك وزحام في المجتمعات المكدّسة بشرياً بحثاً عن الإنطلاق والتحرر. وبالتالي تغدو الحواس هي العلامات البارزة التي يترجم خلالها البشر القيم الأخرى التي لا تجد مكانها الفعلي من وجودنا المشترك.

ترتكس المجتمعات بإشعال نيران الحواس والغرائز عوضاً عن أشعال قدرات الروح والقيم في محيطها الفاعل. أو بالأحرى لن تجد الروح الإنساني إقامة مواتيةً لآثارها وحركتها الطليقة بين الناس. ومع وجود القمع بأنواعه السياسية والإجتماعية والفكرية، تمثل الحواس (الوليمة المباشرة) لأناسٍ محرومين من الإمكانيات الحرّة ومن ثراء النفس بملء الفكرةِ. وهذا الجانب يتم التعبير عنه في دلالة (التحرش الجنسي) كقضيةٍ سياسية، باتت هذه المرّة واردة في صخب الأحوال والأفعال العامة. ورغم بُعد الفكرة إلى حدٍ كبيرٍ بين (الجنس والسياسة)، إلاَّ أنها ممكنة الحدوث بهذا الشكل الذي يفسر طبائع المجتمعات من زاوية إدارة (الغرائز والسياسة).

يُلاحَظ أنَّ (التحرش الجنسي) ليس عملاً مكتملاً ولن يكون، وإلاَّ لما سُميّ كذلك. لكن إذا حاولنا توصيفه، فهو يأتي بصيغٍ وأساليب طفيلية parasite، وقد لا يرد على مائدة الكلام المباشر مع الآخرين. وبالتأكيد يخجل منه المتحرِّش واضعاً نفسه في إحراج عند انكشاف أمره. وتلك هي العلة وراء أنَّ الذكر يتجه إلى أقرب موضوع لممارسة التطفل الجنسي، سواء أكان أنثى أم طفلاً أم حتى ذكراً في العمل أو الشارع أو المنزل.

والغالب أنَّه يتم التحرش من قبل أشخاص يحظون بمكانةٍ ما تجاه المتحرَّش بهم، أي هو علامة سلطة تمارس اشباعاً ذاتياً في نطاقها العام. إنَّه عادة اختلاس لإشارات وحركات وأفعال وايحاءات وهمسات تجاه الأنثى أو سواها كحضور جانبيٍّ. لكن ما الذي يجعلها ذات طابع ثانوي؟! في تلك اللحظة يعتبرها الذكر مصدراً لاقتناص مغامراته الخاصة. ويحيلها إلى موضوع متفرّع عن كونه هو ذاته موضوعاً لتحرش السلطة الأعم.

لا يختار المُتحرش ضحاياه مترويّاً بشكل هادئ ومتأنٍ. فالفكرة لها معنى أبعد أنَّ التعدي على خصوصية ضحاياه تبرز استغراقه في نطاق الصور الاجتماعية وعلاقات العنف والقمع المتبادل. المهم أنْ يتخفف أثناء التحرش من أثقال قهره على نحوٍ لا واعٍ، وينهمك ضمن تلك العملية معتبراً نفسه فاعلاً في المشاهد، وأنَّه يظفر بما لا يستطع أنْ يظفر به سواه. ويقبل الدخول عبر اللعبة (الجنسية – السياسية) متجاوزاً حدود حريته بمبررات لا يمتلكها.

أمَّا أهم نتائج تلك العملية على صاحبها، فلربما ينال بعضاً من الثأر الخفي مما لا يستطع عمله والبوح به صراحة وبشكل علني. الثأر هنا جزء رئيس من أوضاع المجتمع والاقتصاص منه إجمالاً. فالمتحرش مثله مثل القاتل الذي يرتكب جريمته ويتشفى في الضحية بمعانٍ يضعها إزاء الآخرين إجمالاً.

ليُقال عنه (أي القاتل) إنَّه لا يترك حقوقه أو إنَّه قد نال من عدوه على الملأ. ثم يردد كونه قد أظهر للجميع مدى الظلم الواقع عليه ... إذن هو لا يقتل فرداً إنما يمارس خطاباً لـ" كلٍّ اجتماعيٍّ" ما. أي يخاطب كائناً معنوياً ذات طابع عام يشعر بعدم القدرة على مواجهته رأساً برأس.

تماماً مثلما يُعدُّ التحرش لذةً تطرق أبواب هذا " الكل " قائلاً: إنني اُشعر صاحبي بما تشعر به سلطتك من تلصص وتلذذ وتحكم. وما يقوم به المتحرش يشبه أساليب الحيوانات في الغابة عندما يسعى ذكرها المسيطر لفرض وجوده على القطيع عن طريق امتلاك الإناث. بينما في الحقيقة هو يسعى لامتلاك رغباتهم بواسطة السيطرة على موضوعاتها ووجودها الغرائزي أمام أفراد القطيع.

كأنَّ القضية اجتماعياً بالطريقة نفسها هكذا: موضوع أول (الذكر) يسعى إلى تأكيد السيطرة على الأنثى (موضوع ثانٍ). ولكن حين يمارس الذكر تحرشاً، فإنه لا يثبت ما قام به وما ينتويه قصداً، إنما يثبت هذا الذكر العكس (أي يثبت كونه مفعولاً به). بعبارة أوضح إنَّه يعيد افراز ما امتصه عبر كيانه المتحرِّش به (ابتداء) قبل أنْ يسقطه على الأخريات والآخرين. وطبعاً تزيد تلك الحركة طردياً بقدر زيادة حالات التحرش وضغوطها سياسياً وبالتالي جنسياً.

والمتحرش لا يدرك بذلك أنَّه يهمل وجوده في فخ التكرار مع أول حركة تدخل هذا النطاق. إذ يطلق العنان لرغبات لم يستطع اشباعها في معناها الأصلي، سواء أكان المعنى مرتبطاً بمحبوبةٍ أم زوجة أم شريك أم معشوق. كما يشعر بالقمع المتواصل من قوة أعلى لا يستطيع مجاراتها. وحتى يصح ذلك الأمر بالنسبة لدرجات هذا الاشباع الذي قد لا يكون حسياً فقط بمدلوله الأخير. وعليه فقد يُظهر ما سبقَ أن الجنس ممارسة سياسية بالمقام الأول. أنه نوع من تسيس الجسد للتعبير عن مكبوتات قارة خلف المضامين الفورية.

ومن ثم يُعاود الذكر - على هذا المستوى - اثبات ما فشل فيه، أي هو يمارس التحرش باعتباره يؤكد (ذكورة مهدرة)، أريقت وتركتها السلطة القامعة فارغةً من أي محتوى. وتمثل محاولات الذكر درجة أعم من الكف عن العمل الجزئي (التحرش العابر) إلى اعتباره آلية دفاعية من جانب تالٍ. كما أن الذكر لن يفلت من هيمنة اجتماعية وثقافية في أشكال شهوية تضعه كأولوية على مائدة الافتراس اليومي.

يبدو الوضع نوعاً من الصراع الغرائزي بين ذكور المجتمع على اخضاع موضوعاتهم الجنسية، لكنه في الحقيقة هو صراع على الغلبة لأجل الاحساس بالمكانة والسطوة والقرب من السلطة. (ولذلك في المشاكل اليومية بين الناس قد يردد أحد المتعاركين: أين الدكر منكم كي أهزمه واهدر كرامته، أو فليتقدم الدكر حتى أفعل به ما أشاء). وإذ يتناوب الأشخاص على الظهور تحت النداء، فإنهم يفصحون عن غرائز الجموع في الاستعراض والاندماج ضمن إغواء الصورة.

على هذا المنوال، يستعرض الفائزون في الانتخابات السياسية قدراتهم السلطوية. فهم فائزون، غالبون، أقوياء، أصحاب الخيلاء، ذكور بملء الكلمة، ليس فقط لتحصيل أكبر قدر من الأصوات، لكن لأنَّ ذكورية السياسة أنجحت تحرشهم بالجماهير ودفعتهم في مقدمة الصفوف. وقد تعبر كلمات الاحتفاء بالجوانب التعويضية مثل: أن الانتخابات عملية ممتعة، وأن الاحساس بالنجاح نشوة خاصة أمام الجميع، أن رؤية اخضاع المهزومين ترُوق لهم، والتلذذ بمشاهد السعادة والمرح.

هكذا يخضع الذكر(رغم فوزه) لمرتبة المفعول به في دورة تعويضية لابد من حدوثها، طالما وجدت ممارسات سلطوية فوقية (من الأعلى إلى الأدنى). إنَّ التحرش الجنسي في المجتمعات العربية بارز التعويض (وافر التعويض) نظراً لضخامة العنف والاستبداد والتراتب الأبوي في تفاصيل الحياة. لعله تفريغ لشحنات التحمل في أفعال قهر الآخر الأضعف. حيث يعطيه التاريخ تكويناً غريباً ينطبع على الوجوه والأجساد مثل الكي والوشم والنقش على الجلود.

وبالتالي ففي المجتمعات التي تحرم الاختلاط وتقمع الاختلاف والحرية وتنتشر فيها الديكتاتورية، يكون التحرش شائعاً على نحو حسي فج ولا يفرق بين صوره القريبة أو البعيدة. وهذا لا يمنع بالطبع من وجود التحرش في مجتمعات أخرى أكثر تقدماً بحسب تكوين السلطة وطاقات الأفراد على التعامل معها. ويغدو التحرش هنا جزءاً من عمل الجسد في إطار امتاع شهوي له علاقة بالحقيقة والقوة والفاعلية على كافة المستويات السياسية والاقتصادية. فما بالنا إذا كان المتحرش يعيش حياة عامة قائمة على تبعات القهر والتسلط والاستغلال والاستعمال الوقح لأغراض برجماتية؟!

إنَّ المتحرِّش – أي الفاعل دون مبرر- هو الوسيط الدائم للتحرش السلطوي ضمن كافة المجالات المذكورة. والوضع فيها ليس جنسياً خالصاً بمعناه المعروف، لكنه يأخذ السمات المبدئية للفعل الجنسي. فالمجمع ينبني على صعيد حركة قوى الغرائز والعواطف والأحاسيس والأهواء تحكماً في الآخرين. ويبدو الأفراد منخرطين في جوانب الغلبة والردع والتلذذ بالهيمنة على سواهم واستعذاب آلامهم ومعاناتهم مع انتشار الجهل والفقر والمرض.

وتباعاً نتيجة العنف الحاصل على الأفراد، يزحزحه (أي يعيد انتاجه) بعضهم في أنماط من البدائل الماكرة. وسرعان ما يجد المجتمع ضماناً لوجود هذا المعنى مع انتشار السلطة. ومن جهتها لا توجد السلطة في فراغ إنما ضمن امتلاء عام هو لها تحديداً، وهذا ينتج رغبات متناسلة من ذلكم الوضع طالما يوجد أشياء مرغوبة لا ينالها الإنسان بسهولة. فالأسواق والسلع والبضائع تجسد هذا الفعل الشهوي وراء سيولة البيع والشراء في مقابل المكانة الاجتماعية التي يحظى بها (أو يفتقدها) المستهلكون. السلطة تبدو استهلاكاً شهوياً يبحث عن احتراق دائم لا حدود له. سيكون على الناس الخضوع لها واعتبار أنفسهم مادتها الفحمية.

تلك الفكرة تثير لدينا قضية أبعد: هل التعويض الذي ينطوي عليه التحرش يعنى أن المجتمع جسد؟ فإذا كان الجنس معروفاً كممارسة خاصة، فكيف يكون رغبة خارجية بأسماء أخرى؟

يبدو المجتمع كياناً انسانياً يغطي مساحة الرغبة في الآخر بأشكالها المختلفة. ففي العلاقات الإنسانية تكون الأهواء والمطالب هي الحركة الضمنية لإيقاع أي عمل. والاقتصاد قبل أن يكون انتاجاً وأدوات للإنتاج وعلاقاته، فإنه يتتبع مسارات الرغبة في المجتمع. حتى أن هناك جزءاً كبيرا من الشهوات هو التشكيل العيني ضمن اقتصاديات المجتمع في حقبة من الحقب.

إن التحرش الجنسي يثير كافة القضايا المتعلقة ببنية المجتمع من تلك الزاوية. ويسائل عملية المقايضة التي مازالت سارية في أي نظام اجتماعي، مقايضة سلطة بسلطة، وحركة بحركة، علامة بعلامة، ورغبة برغبة، وجسد بجسد. وهنا فإن التحرش ليس مجرد عمل طفيلي وحسب بين كائنين على ما أسلفت بل هو طغيان لواقع التحكم في الآخر.

وليست الاعلانات الجنسية والعبارات والألفاظ والصور والأيقونات والمواقع الإباحية واسعة الانتشار في العالم الافتراضي والحياة إلا انكشافاً لأبعاد أخرى متعلقة بالسياسة واللغة والمعرفة والمجتمع.

وكل تعويض لن يكون إلاَّ على حساب الأصل الساري والقامع لغيرة، أي على حساب السلطة السائدة التي تريد أن ترسخ ذاتها كأنها المطلق. ومن هامشيته لا يسائل التحرش الجنسي هؤلاء الأفراد القائمين عليه، بل يساءل البنية الاجتماعية ونمط الحياة الجاري. كيف يُمتهن خلاله الإنسان في شخص الأنثى أو الطفل (الموضوع)؟ ولماذا في مجتمعات القهر يجد الإنسان نفسه عرضاً لمرض القمع؟ وكيف يُلقى بالأنثى في حلبات المطاردة اليومية (بين جسدين) عوضاً عن الحرية والانفتاح والشعور بالاستقلال ؟! وهل يعبر التحرش عن حالة من الفقر النفسي واللهاث وراء الرغبة الأكبر في حياة كريمةٍ؟! وهل بتنا لا نُطلق الآخر إلاَّ كشيء (أو كحيوان) نصطاده لمتعتنا الشخصية بعدما أذلته السياسة وعرضه الاقتصاد للبيع والشراء؟!

 

د. سامي عبد العال

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5545 المصادف: 2021-11-10 01:01:01


Share on Myspace