 قضايا

محمود محمد علي: أسرار دولة الألتراس.. قراءة فلسفية (1)

محمود محمد عليفي هذه الورقة نحاول أن نكشف عن حقيقة فلسفة الألتراس"Ultras Philosophy of، والهوية الحقيقية لتلك الحركات، حيث نجيب هنا عن التساؤلات المطروحة حول نشأة الألتراس، وتطورهم، وانتماءاتهم، ومصادر تمويلهم، وعلاقتهم بالمجتمع المصري، ومستقبلهم؟.. وهل الألتراس تمثل حركات رياضية؟، أم سياسية؟، أم إرهابية؟.

وهنا يمكن القول بأن ظاهرة الألتراس قد شغلت الرأي العام العالمي منذ تبلورها وظهورها كأحد أشكال تطور حركة التشجيع الرياضي داخل ملاعب كرة القدم الأوروبية في النصف الثاني من القرن العشرين, وانتقال عدواها إلى مجتمعاتنا وملاعبنا العربية في مطلع الألفية الثالثة وبروزها في المجتمع المصري في الآونة الأخيرة, حيث أثارت جدلاً كبيرًا جعل من دراستها ضرورة وأهمية قصوى من أجل فهمها والتنبؤ بمستقبلها ومحاولة التحكم في حركتها.

وكلمة ألتراس هي كلمة لاتينية تعني الشيء الفائق أو الزائد، وهي فئة من مشجعي الفرق الرياضية والمعروفة بانتمائها وولائها الشديد لفرقها، وتتواجد بشكل أكبر بين محبي الرياضة في أوروبا وأمريكا الجنوبية، وحديثا في دول شمال إفريقيا. أول فرقة ألتراس تم تكوينها عام ١٩٤٠ بالبرازيل، وعرفت باسم تورسيدا  Torcida ، ثم انتقلت الظاهرة إلى أوروبا،وبالتحديد إلى يوغوسلافيا عام ١٩٥٠، ثم كرواتيا، وبالتحديد جمهورHajdukSplit ،  الذي كان أول من أدخل هذا النوع .

ويعد "الألتراس" تجمعاً لأشد معجبي فريق معين، ويهدف لتنظيم وتأطير تشجيع فريقهم المفضل، وكان أول ظهور لتلك الظاهرة خلال ثلاثينيات القرن الماضي في البرازيل، ثم انتقلت إلى باقي دول أميركا الجنوبية، وانتقلت بعد ذلك إلى أوروبا، وتمكنت التجربة الإيطالية التي انطلقت في بداية الخمسينيات من منح الظاهرة زخماً جديداً، حينما شرعت مجموعات من مساندي بعض فرق كرة القدم العريقة بإنشاد أغان حماسية على أنغام الطبول مع التلويح بأعلام الفرق، ومع مرور الوقت، أصبحت تلك الظاهرة أكثر تنظيماً عبر ظهور قواعد تأطيرية جعلت من "الألتراس" فريقاً موازياً للنادي الذي يشجعه، يضم لجاناً مختلفة في شكل مجموعات وله موازنة خاصة.

وتميل هذه المجموعات إلى استخدام الألعاب النارية، أو الشماريخ، كما يطلق عليها في دول شمال إفريقيا، وأيضا القيام بالغناء، وترديد الهتافات الحماسية؛ لدعم فرقهم، كما يقومون بتوجيه الرسائل إلى اللاعبين. وتقوم هذه المجموعات بعمل دخلات خاصة في المبارياتً الهامة، وكل ذلك يضفي بهجة وحماسا على المباريات الرياضية، وخاصة في كرة القدم.

بدأت ظاهرة الألتراس في الدول العربية من خلال دول المغرب العربي، بداية من نادي الإفريقي التونسي، الذي شهد تأسيس أول ألتراس تحت مسمى ،الأفريكان وينرز، في عام ١٩٩٥ ، ثم انتقل الأمر إلى باقي الأندية التونسية، مثل نادي الترجي التونسي الذي يضم ثلاث مجموعات ألتراس، هي: المكشخين – السوبراس- والبلود آند جولدي، وانتقلت الفكرة بعد ذلك إلى المغرب، حيث يضم أكثر من ٥٠ مجموعة ألتراس تتقدمهم مجموعة ،الوينرز winners ، التي تشجع فريق الوداد، و“الجرين بويز “التي تشجع فريق الرجاء البيضاوي).

وفي مصر تأسس أول ألتراس في ٢٠٠٧ وهو ألتراس وايت نايتس المنتمي لنـادي الزمالك وفي نفس العام تأسس ألتراس أهلاوي المنتمي لنادي الاهلي وتـبعهم بعد ذلك باقي روابط الألتراس للأندية المصرية، وكانت روابط الألتراس في البداية تهتم بالرياضـة فقـط وخصوصا مباريات كـرة القـدم ثم باقي اللعبات الجماعية .

ولم يظهـر لهم اي انتماء سياسي أو تدخل في الشأن العام ، وفي البداية رحب الجميع بهذه الظاهرة لما ادخلوه من طرق جديدة في التشجيع وخصوصا ما يطلق عليه الدخلات وهي رسالة تظهر كل بداية مباراة تغطي مدرجات كاملة .

وبرغم أن الألتراس من مشجعي الفرق الرياضية تعتبر ظاهرة حديثة على حياتنا ومنذ نحو 12 عاما فقط، على سبيل التقليد الرياضي القديم عالميا ، إلا أن هذا التقليد دخل إلى بلادنا منتقصا من الروح الرياضية التي نحتاج تدعيمها بإيجابية، فجعل بعض المستغلين لهذه الطاقة الشبابية، لتوظيفها في الأعمال السياسية والتدميرية في داخل الوطن ، والتي ظهرت جيدا في أحداث العنف التي ساقت إليها الجماعة الإرهابية ورجال أعمال، عندما اعتمدوا في حملاتهم الانتخابية على تلك التجمعات من الالتراس، ثم شكلت رياح "الربيع العربي" نقطة فارقة في واقع "الألتراس" التي أصبحت منذ العام 2011 تعتمد خطاباً سياسياً، وباتت تحوي في معظمها منذ ذلك الحين رسائل سياسية تضم مطالب معينة، وتنتقد الأوضاع الاجتماعية.

وقد بدا هذا واضحا من خلال مظاهر التعصب الشديد فـي إحدى مباريات كرة السلة بين فريقي الاهلي والزمالك، حيث قام أفراد مـن ألتراس الأهلي بحرق مشجع من مشجعي الزمالك، وهو ما مثل صدمة قوية للجميع، خصوصا أنه تصرف غير مسبوق ويعبر عن تعصب مبالغ فيه إذا استمر سيؤدي إلى نتائج لا يمكن توقعها .

واستمرت حالة الشد والجذب بين المجتمع والرياضيين والاعلاميين والشرطة من جهة وبين روابط الألتراس من جهة اخرى فالبعض يحاول استمالتهم وكسبهم والاخر يهاجهم هجوم عنيف، إلى أن قامت ثورة ٢٥ يناير (المنكوبة) فكانت روابط الألتراس جزء من الميدان وعنصر رئيسي في تأمينه ، حيث كان لهم دور فعال في يوم موقعة الجمل .

إلى أن كانت الحادثة المفجعة في بورسعيد بعد انتهاء مباراة المصري البورسعيدي والاهلي والتي راح ضحيتها حوالي ٧٢ شاب من مشجعي الأهلي والمنتمين لألتراس أهلاوي، وما تبعها من القبض على بعض جماهير المصري وصدور حكم بإعدام ١١ شخص وكان وقت صدور الحكم هناك اعتصاما لرابطة أولتراس جرين ايجلز المنتمية للنادي المصري البورسعيدي أمام سـجن بورسعيد وهو ما أدى لحدوث اشتباكات أدت الى مقتل ٥٣ شخصا من بورسعيد .

وعلي إثر ذلك توقف النشاط الرياضي في مصر بعد حادثـة بورسـعيد ثم عاد مرة أخـرى بدون جمهور عدا بعض المباريات وعندما قررت الدولة السماح للجماهير كانت أول مباراة بين الزمالك وانبي في استاد الدفاع الجوي وقبل المباراة حدثت اشتباكات أدت إلى مقتل عشرون من جماهير الزمالك وتوقف النشاط الرياضي مرة اخرى ثم عاد بدون جمهور، واستمر بدون مع دخول جائحة كورونا التي أدت إلى التباعد والعزل ، ثم رجعت في بداية افتتاح الدوري المصري في أواخر أكتوبر 2021.

ومن الملاحظ أن حركة الألتراس المصرية قد بدأت بوجه رياضي مبهر, لكنها بمرور الوقت تحولت إلى وجه عنيف قبيح, ولم تتوقف عن تبديل وجهها باستمرار فنجدها تنخرط في حركة اجتماعية احتجاجية أثناء الثورة مطالبة بالعيش والعدالة الاجتماعية, ثم مبرزة لوجه سياسي بمشاركتها في التظاهرات المطالبة بالحرية وإسقاط النظام, هذا بخلاف الوجه العنيف الذي برزت فيه كميليشيا مسلحة تتبادل العنف مع الأجهزة الأمنية، وهذه الوجوه والأدوار التي أبرزتها حركة الألتراس كانت تتبدل وتتغير باستمرار فالحركة التي بدت ذات شكل رياضي خالص في البداية بدأت تتنقل إلى أشكال أخرى اجتماعية وسياسية حيث تتمدد أحيانًا وتتبدل وجوهها وتتقمص أدوارًا جديدة بفعل الحراك الشعبي والجماهيري والمجتمعي بشكل عام, وفي أحيان أخرى تنكمش وتتراجع عن هذه الأدوار وتكتفي فقط بالوجه الرياضي في حالة استقرار المجتمع والشعور بالخطر الداهم الذي يمكن أن يهدد وجودها.

وتستخدم مجموعات الألتراس، مصطلحات خاصة بها لا يفهمها إلا أعضاء الألتراس، من بينها مصطلحي الباتش  Batch ،  أي "اللوجو" الخاص بالألتراس، وهو ً عبارة عن لافتة كبيرة يصل طولها إلى ١٠ أمتار أحيانا، تحمل شعار المجموعة وألوان الفريق. ويتم اختيار الشعار بعناية من قبل الأعضاء، ويعلق بالمدرجات للتعريف بهم. وهناك مصطلح التيفو  Tifo ،  وهي كلمة إيطالية تعني " المشجع"، وهي عبارة عن دخلة ًتقوم بها مجموعة الألتراس لتعبر عن رأي أو فكر، وغالبا تكون في بداية المباراة .

وللألتراس أربعة مبادئ:

المبدأ الأول : عدم التوقف عن التشجيع والغناء طوال التسعين دقيقة من عمر المباراة أيا كانت النتيجة. ويقود التشجيع عادة قائد تشجيع «كابو - Capo » والذي يكون مسئولا عن اختيار الأغاني والهتافات وتوقيتها وحركات الأيدي والتشكيلات وعادة ما يخصص بالاستادات مكان مرتفع للكابو ليتمكن المشجعون من متابعته والالتزام بتعليماته أثناء سير المباراة، ولا تتوقف مجموعات الألتراس عن الغناء أثناء خسارة فريقها حتي بنتيجة ثقيلة فتشجيع الفريق واجبة للحفاظ علي هيبة اسم النادي ومكانة وقوة مدرجاته، ولإبراز الوفاء المنقطع النظير.

المبدأ الثاني : لا يجلسون طوال المباراة عدم الجلوس نهائيا أثناء المباريات: مجموعات الألتراس تحضر مباريات فريقها لهدف واحد فقط التشجيع والمؤازرة المتواصلة حتى صافرة نهاية المباراة، لا يذهبون من أجل متعة الفرجة والمتابعة اللذين يعدونهما من أفعال المشجعين العاديين غير المنتمين للألتراس، وفي الغالب يقضي أفراد المجموعة أغلب أوقات المباراة ظهورهم للملعب منهمكين في التشجيع والغناء فالاستاد بالنسبة لهم مكان للتشجيع فقط لا غير!

المبدأ الثالث : الترحال لحضور جميع المباريات الداخلية والخارجية أيا كانت التكلفة والمسافة: يعتبر الترحال «أو التنقل كما يطلق عليه في دول الشمال الأفريقي» خلف الفريق إحدى الواجبات الأساسية لمجموعات الألتراس والتي تقوم بتنظيم وحشد الجماهير لحضور المباريات خارج مدينة الفريق مستخدمة أرخص وسائل النقل، وتقوم مجموعات الألتراس بعمل cortege موكب أو مسيرة تضم أفراد المجموعة خلف الباشbatch أو اللافتة التي تحمل اسم وشعار المجموعة لإعلام أهل المدينة الأخرى أن لفريقهم مشجعين أقوياء يسافرون خلف فريقهم في أي مكان وأيا كانت التكلفة كما تساعد أيضا على زيادة شعبية الأندية وانتشار ثقافة الألتراس وحب كرة القدم بوجه عام.

المبدأ الرابع : الكورفا سود الولاء والانتماء لمكان الجلوس في الاستاد: لما كانت مهمة مجموعات الألتراس التشجيع وليس متابعة سير المباريات فكان لزاما عليهم اختيار منطقة مميزة داخل المدرجات يبتعد عنها المشجعون الكلاسيكيون وتنخفض فيها أسعار التذاكر، المنطقة العمياء أو الكورفاCurva بالإيطالية والفيراجVirage بالفرنسية هي ذلك المنحني خلف المرمي الذي اختارته مجموعات الألتراس ليكون مكانا خاصًا للتشجيع والمؤازرة وتعليق الباش Batch أولافتة المجموعة التي عادة ما تحمل اسم وشعار المجموعة وتحمل أكبر من ذلك «شرف المجموعة نفسها»، وتنقسم الكورفا إلي كورفا نورد Curva Nord أو الكورفا الشمالية والكورفا سود Curva Sud أو الكورفا الجنوبية... وللحديث بقية ..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل

.........................

الهوامش

1- د. إيمان نصرى داود شنودة: الألتراس بين الحركة الاجتماعية والتنظيم الإرهابي دراسة استطلاعية على عينة من الألتراس والأمن والجماهير بمحافظة القاهرة الكبرى، مجلة بحوث الشرق الأوسط، العدد التاسع والثلاثون (الجزء الثاني).

2-عبد الله محمد محمود خليفة (كوماندوز)، الاسم ألتراس حين يصبح التشجيع فكرا واسلوب حياة، دار المصري للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ٢٠١٣.

3- وجيه الصقار: لعنة ..الألتراس، جريدة الأهرام المصرية، الأحد 28 من ربيع الآخر 1437 هــ 7 فبراير 2016 السنة 140 العدد 47179.

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5559 المصادف: 2021-11-24 01:05:03


Share on Myspace