 قضايا

عزيز أشيبان: في قلب حركية الفكر

غني عن البيان القول أن حركية الفكر تستأثر بـالدور المفصلي في اغناء الدول وتقدم الشعوب من خلال ما تجود به من أفكار وبدائل وحلول ونقد ومساءلة للماضي ورؤى استشرافية نحو المستقبل. يقوم الفكر مقام المشتل الذي يوفر البيئة المناسبة للعمل والمبادرة والإبداع ويحتضن جميع الأفكار ويواكب الأنساق الفكرية القوية نحو التحقق والتأثير. غالبا ما تستقر الثورة الثقافية في قلب منظومة الثورات السياسية والزراعية والتكنولوجية والعلمية معبدة الطريق نحو الإقلاع والتقدم وتستمر في حمل وتوريد محفزات استمرار حزمة الثورات المواكبة نحو الاصلاح والرقي باعتبارها الفتيل الذي لا ينطفئ ولا يخفت، همه الوحيد هو الإمداد والاثراء.

غالبا ما ينظر الى القوة من خلال تجلياتها المادية الملموسة ويتم تجاهل مدخلات إنتاجها وإخراجها للوجود من خلال ابداع الافكار والتصورات الغير مادية من رحم مجهود ذهني صرف لعضو بشري لا ينبض عن العطاء ألا وهو العقل.

محاكمة الفكر

نعي جيدا أن طبيعة الفكر تتجه نحو التمرد والازعاج و المشاكسة باستمرار حركيته وقوة تأثيره، لا يعرف الاستقرار ولا يأمن الركون ولا يطمئن الى المتاح، يتحرك و يغوص ويستفز ويبادر، يجد استقراره في عدم استقرار كينونته. تتحدد ماهيته في استمرار عمليات الهدم والتراكم داخل محتواه، وخلخلة مفاهيمه، تستوطنه قوة ناعمة عنيفة الأثر والوقع حاملة صبغة ثورية ساحقة. يدعو إلى عمليات التدبر والتفكر والارتواء دون انقطاع لا يقبل التفاوض أو المزايدات، لكن يؤمن بالحوار والاختلاف والتفنيد طلبا للحقيقة والمعرفة.

يستهدف الفكر الكشف عن الحقائق وتنوير العقول وإسقاط اليقينيات وسلط الأوهام والغرائز البدائية والتأويلات وتحالف المصالح وسطوة الجهل والتجهيل والتنميط والتيئيس. يدين بالحرية والكرامة وعزة النفس والسمو.

عندما يقبل الفكر المداهنة والمداعبة يغدو ارتزاقا وتحريفا للحقائق وتمويها لها ومتاجرة بطموحات الناس وتطلعاتهم مأجورا لفرض استبداد سلطة معينة وخادما لسطوة الأهواء والنفوس المريضة.

كم من العظماء لقوا نحبهم بسبب أفكارهم الجديدة والثائرة على الموروث الثقافي الموجود لاقدامها على إحداث القطيعة مع المتوارث والمتخيل من الحقائق والمعطيات وزعزعة جمود الوضع الراهن وتهديد مصالح نخب حاكمة وأنماط استدامة سطوتها على الناس والخيرات. من منا لم يقرأ عن معاناة سقراط وهيباتيا و غاليليو و الكندي والجاحظ وابن حنبل، وابن رشد.

كل من تجرأ على خلخلة الوعي الجماعي وزج الشك في العقول وجد في المرصاد عقوبات القتل أو التنكيل أو السجن أو النفي والتهجير أو التكفير أو حرق الكتب في أحسن الأحوال.

وبالرغم من ذلك فضل زمرة من الفاضلات والأفاضل من أهل البرهان والحكمة والمعرفة معاناة الفكر والإسهام في تنوير الناس وتقديم حياتهم قربانا لأهل الضلال والظلم والجبروت طلبا لتلألؤ نجم العلم والمعرفة.

حسنات حركية الفكر

يؤسس الفكر لبنيان الوعي الجماعي ويرقى به نحو آفاق الكرامة والأنفة ومقومات مجتمعات المعرفة، كما ينحو بالناس الى الوعي بحقوقهم وحرياتهم والنهوض بواجباتهم والترفع عن دنايا التفاهة والشعبوية و ضنك العيش. يبدي لهم من الحقائق ما يبطنه الباطل من الضلال والهوان.

عندما يسمو الفكر يصعد الثقافي الى الريادة وتعم الحركية بدلا عن الجمود والتراخي والتواكل، وتغتني السياسة وينشط التداول ويزدهر الاقتصاد وتتراكم الاجتهادات الفقهية والإبداعات الأدبية والفنية وتغتني اللغة المحلية ويرقى الذوق العام والإدراك الجماعي وتنشط قيم العمل والكد والشفافية والمحاسبة و مبدأ الأخذ بالأسباب. بإيجاز يصبح العلم ثقافة ونمط عيش السواد الأعظم من الناس. لكن عندما يتضعضع الفكر يحدث الانكماش ويتوغل الاستلاب ويسود التواكل والانهزامية وتنشط قيم الارتداد والاندحار والاندثار.

كلما التزم الفكر الموضوعية والترفع والتجرد يرقى بصاحبه الى عوالم الاغتناء والارتواء والوقار والعفة ومكارم الأخلاق، لكن

عندما يتزاوج مع المؤثرات النفسية والذهنية و الثقافية والمادية يهوي بصاحبه إلى الدرك الأسفل من السفالة والصفاقة والارتزاق.

يموت المفكر ويكتب له عمر جديد بخلود أعماله وأفكاره على مر السنين وتعاقب الأجيال ويحظى باحترام الانسانية جمعاء، فيما يقضي الطاغية عمره القصير ويلعنه التاريخ ويندثر اسمه قبل أن يوارى جسده التراب.

 

عزيز أشيبان (كاتب مغربي)

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

مقال جميل و شيق عن الفكر يفتح أمامنا عدة تساؤلات عن مجموعة من الاشكاليات تتعلق بالفكر (المحدث) وعلاقته بالموروثات الفكرية والتي كانت هي كذالك بدورها في زمن السابق فكر محدث، وهل هناك دائما صدام أزلي مع كل تحديث للفكر ؟ و هل الفكر مقتصر فقط على فئة معينة من الناس (الاحتكار للفكر ) أم بالعكس هو متاح للعموم؟ و ماهي حدود الفكر ؟ من وجهة نظري المتواضعة و جوابا على التساؤل الأخير و بخلفيتي الدينية أرى أن الله دعا إلى التفكر في آياته عز وجل وليس في أحكامه ولم يخص التفكر سبحانه و تعالى هنا بالمؤمنين فقط ولكن الله دعا الناس جميعا للتدبر والتفكر في آياته وقدرته .

يونس الرمة
This comment was minimized by the moderator on the site

مقال جميل مستفز وهادف. نرجو أن تصبح مثل هده المواضيع في اهتمامات العامة.

كمال
This comment was minimized by the moderator on the site

Hass.chabib
C'est un un très bon article qui essaye de donner la part belle à la pensée libre comme étant un moyen et non une fin pour instruire les peuples et les guider vers des horizons plus épanouis et plus proches des grands idéaux prêchés par les illustres philosophes et penseurs des siècles passés : la pensée libre ,sans aucune contrainte ,au service d'un humanisme universel.....N'est-ce pas un peu utopique ???s

Uni
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5567 المصادف: 2021-12-02 00:51:55


Share on Myspace