 قضايا

حضارة العراق القديم والنهضة العلمية

محمود محمد عليذكرنا في المقالة السابقة كيف أسهم قدماء المصريين بنصيب وافر في النهضة العلمية، وهنا في هذه المقالة نركز علي حضارة العراق القديم أو حضارة وادى الرافدين؛ وهي تشمل الأراضي الواقعة بين نهري دجلة والفرات، واللذان ينبعان من جبال أرمينيا في تركيا الحديثة وتغذيهما روافد عديدة ؛ حيث يذكر المؤرخون أن أقدم الآثار التاريخية الخاصة بحضارة وادي الرافدين " العراق" جاءت من بلاد سومر، وهى الأرض التي سكنها السومريون فى النصف الجنوبى من وادى الرافدين "، وهى الآن المنطقة الواقعة بين الخليج العربي وشمال بغداد "، وقد دخل السومريون إلى وادى الرافدين فى حوالى 35000 ق . م نازحين من مرتفعات شرق دجلة، وهى المنطقة التي جاء منهم أسلافهم قبل ذلك، وقد حلت حضارة السومريون محل حضارة " تل العبيد " وأصبحت اللغة السومارية هي السائدة فى المنطقة. واختلف السومريون عن الساميين الذين عاشوا في منطقة أكاد فى شمال وادى الرافدين، وقامت بينهم نزعات وحروب طويلة، وفى منتصف القرن الثالث قبل الميلاد أخضع الملك سرجون الأكادى " شروكين " 3637- 2582 ق.م " بلاد السومريين "، وأنشأ المملكة المتحدة بين سومر وآكاد، وطغت على هذه المملكة عناصر الحضارة السومرية.

وقرب نهاية القرن الثالث قبل الميلاد اندحرت " مملكة سومر وآكاد " تحت غزو العموريين، الذين أتوا من شمال بلاد الشام وأسسوا عاصمتهم " بابل ". ويرجع تاريخ الامبراطورية البابلية إلى حوالى 2100 ق. م، وكان سادس ملوك هذه الدولة هو " حامورابى " 1728 – 1686 ق . م، أشهر حكامها، بل قد يكون أعظم شخصيات التاريخ القديم، قد وضع قانون حامورابى الذى كفل بنظامه درجة عالية من الحضارة البابلية.

والجدير بالذكر أن البابليين قد استعملوا اللغة الآكادية أو البابلية، وهى لغة سامية بالإضافة إلى اللغة السومرية، وخلال الألف الأولى قبل الميلاد تغلبت أقوم قوية أتت من الشرق على دولة البابليين، وأسسوا الدولة الآشورية في شمال العراق، وحل اسم آشور محل بابل، فقد أصبحت آشور عاصمة الدولة الجديدة، ثم اتخذوا مدينة " نينوى " عاصمة لهم بعد ذلك . وفى عام 612 ق. م سقطت الدولة الآشورية في يد " العموريين " الذين اتخذوا بابل عاصمة لهم وكونوا " الدولة الكلدانية "، غير أن هذه الدولة لم تعمر طويلاً؛ حيث احتلها الفرس بقيادة " قورش " في عام 539 ق.م ثم تلاها الفتح في عهد " الاسكندر الأكبر " .

ومن أهم مظاهر النهضة العلمية فى حضارة وادى الرافدين، نجد أنهم قد تقدموا هائلاً في علم الفلك؛ حيث برع أهل وادى الرافدين في فن الرصد، رغم بساطة الأدوات التي استخدموها لهذا الغرض مثل المزولة الشمسية والساعات المائية، ويرجع اهتمام أهل وادى الرفدين بالأرصاد الفلكية إلى اعتقادهم في تأثير الكواكب على الإنسان فيما يخص بحظه فى الحياة وقد أمكنهم أن يضعوا تقويماً قمريا ً .

كما برع أهل وادى الرافدين فى مجال الطب، حيث احتوت بعض اللوحات الطينية على وصف وتشخيص بعض أمراض الجمجمة والعين والجهاز التنفسى والكبد والأذن والأعضاء التناسلية والأطراف وغيرها، ثم طريقة العلاج ووصف الدواء وطريقة استعماله وعدد مرات استعماله وأي ساعة في النهار يتعاطى فيها الدواء .

وأما فى مجال علم الرياضيات، فقد عرف سكان وادى الرافدين كثيرا من علوم الحساب والهندسة والجبر، ودونوا الأرقام فى خانات تحفظ ترتيب الأعداد في الآحاد والعشرات والمئات، وأنشأوا جدولاً للضرب من " 1× 1 حتى 60 ×60 " وقد كان للنشاط التجاري الذى اشتهر به سكان وادى الرافدين دور كبير فى تطور العلوم الرياضية لديهم، وعرفوا شيئاً عن المتواليات العددية والهندسة، وعرفوا النسبة والتناسب، وقوانين إيجاد مربعات الأعداد ومكعباتها، وقسموا محيط الدائرة إلى ستة أقسام متساوية، وإلى 360 قسماً متساوية، وعرفوا أن الدائرة يتشكل فيها ستة مثلثات متساوية الأضلاع ومقدار كل زاوية فيها 60 درجة، وكان لديهم  طرق لإيجاد مساحات المثلثات والأشكال الرباعية والمستطيلات والأجسام كثيرة السطوح والاسطوانة والمثلثات القائمة الزاوية وأشباه المنحرف .

وفى مجال الصناعات الفنية عرف أهل وادى الرافدين طريقة الشمع المفقود فى صب المعادن وصناعة التمـاثيل وعـرفوا الأسـقف الضمنية " الجمالونات " واستخدموها فى تشييد المساكن والمقابر الملكية فى مدينة " أور"  . علاوة علي أن خضارة وادي الرافدين تمكنت من اخترع العديد من التقنيات بما في ذلك المعادن والاعمال النحاسيه،الزجاج وصنع المصابيح،والنسيج، والتحكم في الفيضانات، تخزين المياه، والري.

وفي مجال اللغة تم اختراع الكتابة التصويرية في بلاد ما بين النهرين قبل العام 3000 قبل الميلاد. وبحلول عام 2400 قبل الميلاد تم اعتماد الخط المسماري لكتابة اللغة الأكادية، كما استعمل نفس الخط في كتابة اللغة الآشورية واللغة البابلية، وهي كلها لغات سامية مثل اللغتين المعاصرتين العربية والعبرية.  وتواصل استعمال الخط المسماري للكتابة في لغات البلاد المجاورة لبلاد ما بين النهرين مثل لغة الحطيين واللغة الفارسية القديمة، واستعملت إلى نهاية القرن الأول الميلادي.  وتم فك رموز الخط المسماري في العصر الحديث أي القرن التاسع عشر وبذلك تسنى لعلماء العصر قراءة النصوص الإدارية والرياضية والتاريخية والفلكية والمدرسية والطلاسم والملاحم والرسائل والقواميس.  ويوجد حوالي 130000 لوح طيني من بلاد الرافدين في المتحف البريطاني.

وقد تأثرت حضارة وادى الرافدين بعناصر الحضارة المصرية القديمة منذ الألف الثاني قبل الميلاد واشتدت هذا التأثير خلال العهد الذى سيطرت فيه مصر على الشرق الأدنى " منذ القرن السادس عشر حتى القرن الثاني عشر قبل الميلاد "، ومعروف أن كل حضارات الشرق القديمة قد تأثرت ببعضها وتفاعلت ثقافتها وتزاوجت أفكارها بدرجات متفاوتة خلال اتصال هذه الحضارات ببعضها البعض سواء عن طريق التجارة أو الغزوات، ونتج عن ذلك تطور العلوم والفنون ورقى الحضارة بصفة عامة . ورغم هذا التفاعل الثقافي، فإن كل حضـارة ظـلت متحفظـة بطابعها الخاص والمميز لها .

وللحديث بقية

 

بقلم د. محمود محمد علي

كلية الآداب – جامعة أسيوط

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4589 المصادف: 2019-03-30 00:30:15