 قضايا

إعمال العقل مواجهة لطغيان الأنظمة الحاكمة

احمد عزت سليمإن سيرورة العقل تتحرك ليس فقط بالدوافع السؤالية وانما تتحرك ايضا بالدوافع الإستفهامية التى تحاول الفهم لما يقابل العقل من كل الأمور ووصولا إلى إختراق أسوار المعطيات من أجل الوصول إلى نور المعرفة وإدراك الأشياء بحقائقها وليصبح العقل هو "الأنا المفكرة" وكما عرفه ابن سينا، والعقل أداة للتنوير ولا محدودية لسلطة العقل وإلا توقف الإنسان فى الكهوف منذ سيدنا آدم عليه السلام، وهذا ما قرره الفيلسوف العالم جابر بن حيان مقررا لا محدودية العقل بمقولته:ــ " العلم نور وكل علم عقل، إذن كل عقل نور وكل واحدة منها تصلح لأن تكون مقدمة ووسطا ونتيجة "، وقال التفتازاني من علم الكلام: ــ العقل: ـــ ما يُعقل به حقائق الأشياء، قيل: محله الرأس، وقيل: محله القلب، وقال ابن تيمية فى الفتاوى:ــ العقل مصدر عقل يعقل عقلاً، ويسمى به العلم الذي يعمل به، والعمل بالعلم . وقد يراد بالعقل نفس الغريزة التي في الإنسان التي بها يعلم ويميز ويقصد المنافع دون المضار، وقد رود العقل بصيغة الفعل في القرآن:ــ يعقلون، تعقلون، عقلوه، نعقل، يعقلها.، وبما يدل على أن القرآن يحث الناس على استخدام عقولهم، بشكل متواصل و يعتبر القرآن العقل نشاطاً ينقل الإنسان بطريقة إبداعية إلى الطريق الصحيح .

وفى هذا الإطار يمكن تناول المجادلة المثارة بقوة بين فضيلة شيخ الأزهر الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب والأستاذ الدكتور محمد عثمان الخشت رئيس جامعة القاهرة، فى إطار ضرورة منهجية موضوعية بإعمال العقل فى كل حياتنا وما أحوج أوطاننا العربية إلى إعمال العقل والتوقف عن فرضية السمع والطاعة والتى أدت إلى طغيان الأنظمة السياسية وتحكمها فى أوطاننا فلا سمع وطاعة إلا للقرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم، وما دونهما فهو قابل لإعمال العقل .

فالعقل أساس الدين ومنبع العلم ومطلعه ولم يتقدم علم وازدهر فن إلا على أساس العقل وهل يعرف إنسان ما أمر الله به وما نهى عنه إلا بالعقل ؟ قال الله عز وجل:ــ " ولا تقف ما ليس لك من علم أو إن السمع والبصر والفؤاد، كل أولئك كان عنه مسؤولا "وفي هذه الآية القرآنية الجامعة أصول رئيسية في النظر العلمي، فلقد أمر الله عز وجل بالمشاهدة الصحيحة والبصيرة والتفكير الصحيح، وأن على الإنسان أن يتمسك بما يصل إليه من حق أو حقيقة عن هذين الطريقين، المشاهدة والتفكير وكأساليب عقلية للوصول للحقيقة .

وروى لقمان بن أبي عامر عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ــ " يا عويمر ازدد عقلاً تزدد من ربك قرباً، قلت: بأبي أنت وأمي ومن لي بالعقل؟ قال اجتنب محارم الله وأد فرائض الله تكن عاقلاً، ثم تنفل بصالحات الأعمال تزدد بالدنيا عقلا وتزدد مع من ربك قرباً وبه عزاً. . " ونظر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى العقل نظرة كلها تعظيم وإجلال، فقد رأى فيه أصل الدين وأساسه، وأن لا دين لمن لا عقل له قال عليه الصلاة والسلام حين سأله على عن سنته، وأمر بالتواصي بالعقل والرجوع إليه ففيه النجاة وفيه الآمان، قال عليه الصلاة والسلام:ــ "اعقلوا عن ربكم وتواصوا بالعقل تعرفوا ما أمرتم به وما نهيتم عنه، واعلموا أنه ينجدكم عنده ربكم " وبين أن الله يأخذ بالعقل ويعطي بالعقل ويثيب به ويعاقب على أساسه، وما تم دين أحد بالا بالعقل، وما عبد الله بشيء أحب إليه من العقل وبمثل العقل.

وفى خلال سنوات العمر الطويلة لم أسمع فى "خطب يوم الجمعة" من يتحدث عن البصيرة والتفكر والعقل ولدرجة أننى كنت اقول ذلك لبعض الأئمة لماذا لا تعلمون الناس البصيرة والعقل فى القرآن الكريم فلا يردون والبعض يقول إن موضوع الخطبة من الأوقاف ونحن نلتزم به، حتى جاء يوم ذات مرة واحدة منذ عدة سنوات وقف الخطيب على المنبر ليقول فى بداية خطبته الحمد لله إن الأوقاف فكرتنا نتكلم عن العقل فى القرآن الكريم .. ومن منطلق أن العقل ينتج المعرفة والمعرفة تعيد إنتاج العقل، فقد نتفق مع بعض ما أعلنه رئيس جامعة القاهرة ومن هذا:ــ بأنّه لا يمكن تكوين عقل ديني جديد دون تغيير طرق التفكير وتجديد علم أصول الدين، موضحا أن من أهم الشروط لتكوين عقل ديني جديد، إصلاح طريقة التفكير، وفتح العقول المغلقة وتغيير طريقة المتعصبين في التفكير، والعمل على تغيير رؤية العالم وتجديد فهم العقائد في الأديان .

وقد أفاض القرآن الكريم فى ضرورة إعمال العقل والذى شكل نعمة هبة ربانية منحها الله عز وجل للإنسان عن باقى المخلوقات ورأى الأستاذ عباس العقاد أن هذه الهبة التى أشاد بها الله عز وجل فى القرآن الكريم هى إشادة متميزة تحث النسان على التفكير ووجوب العمل به وأن الإشارة إليه ليست عارضه ولا مقتضبة ولكنها تأتى فى كل مواضعها فى مقام التعظيم ومؤكدة جازمة باللفظ والدلالة للعمل به وتحكيم المؤمن لعقله .

ويؤسس القرآن الكريم الدعوة الأساسية لإعمال العقل والتفكير العقلانى فى كل حياتنا فقد ورد فعل العقل في القرآن الكريم في تسعة وأربعين موضعا، ولم يرد بشكلِ مصدر مطلقا، وكل أفعال العقل تدل على عملية الإدراك والتفكير والفهم لدى الإنسان، ومن هذه الأفعال على سبيل المثال ما يلي: ـــ ورد فعل العقل بصيغة "تعقلون" في أربعٍ وعشرين موضعًا في القرآن؛ منها قوله - تعالى -:﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ البقرة: 242، وقوله - تعالى -: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يوسف: 2، وقد وردت أيضًا كلمة "النهى" في القرآن لتدل على أصحاب العقول أيضًا فى الحياة والعمل، مرتين في القرآن ؛ وهما: ﴿وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ طه: 54، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ طه: 128، وكما ورد بالدعوة للتفكر وبصيغة " تتفكَّرون" 3 مرات منها قوله ــ تعالى -: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ البقرة: 219، وورد بصيغة "يتفكَّروا" مرتين منها قوله - تعالى -: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الروم: 8، -وورد بصيغة "يتفكَّرون" إحدى عشرة مرة، منها قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الرعد: 3.

 

أحمد عزت سليم  عضو إتحاد كتاب مصر

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا جزيلا أستاذ أحمد عزت سليم على هذا المقال الرائع وإنه لشرف لنا أن يكتب بهكذا طريقة من أحد النخب الكبار فشكرا لك، لكن عندي تنبيه مهم وهو أن العقل مناط التكليف في ديننا بل تبنى عليه جزاءات بشقيها، مع ضابط العقل الصحيح إذا ليس كل عقل ممدوح بل العقل المضبوط بالفطرة والصحة وفق ضابط الشرع الصريح الصحيح وشكرا.

Lakhdar boufnik
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4904 المصادف: 2020-02-08 15:30:23