 قضايا

في حضرة المصطلح..

محمود عبدالمجيد عسافالتعليم عن بعد بين الإمكانيات وأنسنة التربية

في واحدة من محاولاتي للتنقل بين المقالات على الموقع الالكترونية المختلفة، والتي عادة ما تنجح في قطف ما أشتهي من المعرفة والمعلومات التي أريد، قرأت بعض التقارير الدولية التي أجمعت على أن المعرفة اليوم قوة، وأن الحياة في الوقت الراهن لا تعتمد إلا على أربعة أركان مهمة، هي: تعلم لتكون، تعلم لتعرف، تعلم لتعيش، تعلم لتعمل.

وبمقاربة عقلية صامتة، سألت نفسي: هل هذا ما يتم اليوم؟ هل استثمرنا الفرصة التي أصبحت متاحة لنا بعد أن كان ينظر للتعليم من منظور نخبوي ثم أصبح ينظر له من منظور جماهيري كحق؟ هل التعلم أصبح مرهوناً بالشهادة واجتياز الامتحانات؟ هل التعليم ممتع أم أننا مرغمون على الخوض به؟

كلها، وأكثر أسئلة بدأت تقدح الظن في رأسي، خاصة بعد انعكاسات جائحة كورونا وبعد إجراءات الحجر المنزلي، فبعد أن استولى القلق على أعصاب العالم جراء الحتميات التكنولوجية، وسرعة توالي التغيرات الاجتماعية المترتبة عليها، والتي لم تدع للبشرية وقتاً للاستقرار، أو للنفس فرصة للتكيف والتذوق قبل الجائحة، كيف سنراهن على مستقبل التعليم بعدها؟.

لقد تلبستنا العنتريات، وجرفنا تيار التباهي بما لدينا من مؤسسات تعليمية ومعلمين أكفاء، وطلبة مبدعين، وبما لدينا من مقدرة على تسخير البيئة لخدمة الإنسان، وتطويع الطبيعة لصالحنا، وتحقيق مستوى رفيع من الرفاهية والرخاء لدرجة غير مسبوقة أصلها الثورة التكنولوجية، وتطبيقات المعرفة الصناعية، لكن وبعد تجربتي مع التعليم عن بعد ( كمعلم ومتعلم) حيث إني مارست التعليم مع طلابي في المرحلة الثانوية والجامعية كمعلم خلال فترة الحجر المنزلي، وكطالب في كلية القانون اكتشفت أن جائحة كورونا قد شكلت باعثاً كبيراً لتطبيق النداءات الكثيرة التي سبقتها لتطبيق التعليم الالكتروني (عن بعد)، والخروج من بوتقة التعليم الوجاهي إلى التعليم الافتراضي فكان التحول الكبير على مختلف الأصعدة رقمياً، كنتيجة اضطرارية (قهرية) أكثر من كونها قناعات تكنولوجية، تواكب تطورات العصر، وأنه مهما كانت الخطوات والجهود التي اعتمدتها المؤسسات التعليمية لاعتماد الوسيط التكنولوجي بكامل منصاته مناصاً، إلا أنه كان لعنصر (المفاجأة) في التطبيق مجموعة من الانعكاسات السلبية والايجابية، سيبقى أثرها دامغاً على حياة الناس مستقبلاً ما لم تؤخذ على محمل الجد.

وقبل الحديث عن هذه الانعكاسات، يجب ألا ننسى أن هناك أطفالاً كانوا يرتادون المدارس يتفاعلون مع زملاء لهم ويكوّنون صداقات، يتعلمون بالقدوة، يقلدون ويحاكون ويبدعون، ويخفقون في سياق اجتماعي كامل بتعليماته وأنظمته، فما مصيرهم اليوم؟ هل ما يحدث لهم اليوم يؤكد فكرة مفادها: أن المدرسة لم تكن قائمة بدورها، وأن غياب بعدها المكاني والاعتباري لم يؤثر في حياتنا؟ خاصة وأن سر انجذابهم للانترنت كان ولا زال يعود إلى انتشاره الآني، وبساطة استخدامه، وسرعة الوصول للمعلومات من خلاله، بغض النظر عن الكفايات الذاتية حول طرق وأساليب البحث فيه.

لقد فرضت الظروف الحالية تربية من نوع آخر، هي التربية التكنولوجية، والتي لم تكن في سياقها الطبيعي في مجتمعنا، مما جعلها تعاني حتى اللحظة من مشكلة صلاحية المصطلح وتشعبه (التعليم عن بعد، التعليم الالكتروني، التعليم الافتراضي، التعليم أون لاين، التعليم الرقمي،.. وغيرها)، الأمر الذي جعل الاندماج والانخراط الرسمي أو غير الرسمي معها مشوهاً، حيث جاءت الاستجابة لإظهار القدرة على استخدام أنظمة إدارة التعلم  Learning Management systems  في إطار تنافسي ليس له علاقة بالذكاء الصناعي  Artificial Intelligence أو انترنت الأشياء Internet of things ، أو حتى المردود الحقيقي لها، وهنا يبرز السؤال: أي المبررات كانت لهذا الاندماج؟ وما السبب الحقيقي وراء هذه الاستجابة السريعة (غير المحسوبة)؟

وللإجابة عن هذه الأسئلة، نرى أنه من المؤكد أن الأزمة التي واجهت قطاع التعليم بسبب تفشي فيروس كورونا دفعت التعليم الالكتروني (عن بعد) نحو المواجهة، فغدا خياراً لا بديل عنه سواء توفرت البنى التحتية أم لم تتوفر، لتبرز ما لا يحمد عقباه مستقبلاً، إذا ما تعاملنا معها على محمل الجد. فعلى سبيل المثال، لا الحصر:

- أغلب المحتوى التعليمي الذي يقدم إلكترونيا، هو محتوى أصم لا يسمح بمشاركة المتعلمين، يندرج تحت مسمى (رقمنة المحتوى)، لا يغطي أنماط التعليم المختلفة: (السمعي- البصري- الحركي-الوجداني- التعلم بالكتابة...)، ولا يظهر طبيعة العلاقة الإنسانية والاجتماعية بين المعلم والمتعلم، الأمر الذي سيؤثر على إنسانية التربية من خلال الالتزام بحرفية التعليمات والتنفيذ دون نقاش.

- صعوبة تحويل المناهج محدودة التداول في الزمان والمكان من صيغتها الحالية analogue إلى الالكترونية الرقمية digital، في ظل المستوى الحالي من كفاية المهارات للمعلمين والمتعلمين.

- ضعف مستوى الوعي بحقوق الملكية الفكرية، واستسهال انتحال المعلومات على مستوى الطلبة والمعلمين نتيجة للأمية الرقمية.

إن الانطلاق الوحشي نحو الاستجابة للتعليم الالكتروني، والتي تجاهلت كل مستويات الثقافة والقناعة والإمكانيات للفئات المستهدفة من حيث توفر التكنولوجيا وتطبيقاتها ومستويات التعامل معها لن يزيد إلا من تكريس فكرة (التعلم القهري – الاستعراض الفارغ)، حتى وإن تلاشت الأمية الرقمية والتكنولوجية تدريجيا

كنت ولا زلت من المشجعين على أن يكون رديفاً للتعليم الوجاهي ولكن ليس بديلاً عنه، وحيث إن المرحلة تطلبت أن يكون بديلاً، فالتخطيط المناسب يجب أن يخرج من دائرة (الإنجاز المؤسسي) إلى إنسانية التعليم، والموازنة من حيث الكم والنوع لمحتوى التعليم بما يناسب الإمكانات المادية والثقافية والتكنولوجية لأطراف العملية التعليمية، خاصة بعد أن كشفت التجربة عمق أزمة التعليم الالكتروني وضعف جاهزيته على مستوى الموارد المادية والبشرية، فمن حيث تكامل الأدوار، كشفت الأزمة عمق المشكلة لدى العائلات وأولياء الأمور، في الوقت الذي أشارت فيه الدراسات والإحصائيات أن ما نسبته 33% على الأقل من الطلبة لا يملكون مكونات التعليم الافتراضي المادية.

إن الصعوبات التي قد يواجهها الطلبة في التعامل مع التعليم عن بعد، ستفرز تشوهاً في مستوى المواطنة الرقمية، وهو ما لاحظته في التعامل مع طلابي، فالأمر ليس مرتبطاً بمستوى التربية بقدر ما هو مرتبط بالضغط النفسي الناجم عن قلة الإمكانات المادية، وتدني مستوى البنية التحتية للاتصالات والانترنت، ناهيك عن ارتفاع مستوى الأمية الالكترونية في مجال استخدام التطبيقات الالكترونية البسيطة.

ولما كانت المواطنة الرقمية في الظروف العادية تعبر عن معايير السلوك الملتزم باستخدام التكنولوجيا، وتتحدد بمعايير وقائية ضد أخطارها، وسياسات الاستخدام المقبول الذي يحقق الأمان، فإنها تتعاظم في الظروف الاستثنائية التي ترغم الأجيال على استخدام التكنولوجيا والرقمنة لأغراض التعليم والتجارة والعمل وغيرها...، ولا أعتقد أن هناك ظرفاً استثنائياً أكثر من جائحة كورونا دافعاً للتعامل مع التطبيقات التكنولوجية بعد الإجراءات الاحترازية والتباعد الاجتماعي التي اعتمدها العالم لمحاصرة فيروس كورونا.

وفي خضم تضاعف حاجة المتعلمين إلى استخدام التكنولوجيا وتطبيقاتها والأنظمة الالكترونية، يجب ألا نهمل حقيقة مفادها أنهم قد يكونوا معرضين للعديد من المواقف التي تتطلب حسن اتخاذ القرار، والاستخدام القانوني الذي لا يطال حقوق الملكية الفكرية، والحذر من تبني أو اعتماد الأفكار والمعلومات المضللة التي قد تسهم في هدم وتقويض ما تسعى إله الأنظمة التعليمية.

لذا، فقد أكدت نظريات التربية جميعاً على أن التعلم مسألة فردية، لا بد أن يستخدم فيها المتعلم طريقته في التفكير الذاتي وبذلك سيكون التعليم الالكتروني أكثر حاجة من التعليم التقليدي إلى متعلم قادر على توجيه تعلمه ذاتياً، وإدارة مصادر المعرفة والتنظيم والضبط والتحكم والتقويم الذاتي، بحيث يكون مدركاً لدوره من حيث اختيار لإستراتيجيات التي تمكنه من تجاوز التحديات.

وعليه، أصبح التعلم المنظم ذاتياً أمراً حاسماً لتحقيق النجاح الأكاديمي، لأن الطالب أصبح يتحمل مسؤولية تعلمه وإدارة مصادره، وتحديد أهدافه وإنجازها، ففيما سبق كان تحصيل الطلبة يدرس في علاقته بقياسات قدراته أو نوعية التدريس أو البيئة التعليمية والمنزلية، أما في ظل انعكاسات جائحة كورونا، أصبح الأمر مرتبط بكيف ينشط ويعدل ويعزز الطلاب بأنفسهم ممارسات تعلمهم في سياقات تعليمية خاصة، وأطر زمنية مرنة، ومعرفة شخصية واسعة، وهو ما يتطلبه التعليم الالكتروني.

 

بقلم: د. محمود عبد المجيد عساف

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5161 المصادف: 2020-10-22 03:09:30